بسم الله الرحمن الرحيم
حاء
شعر: أديب كمال الدين
المؤسسة العربية للدراسات والنشر – عمّان- بيروت 2002
180 صفحة من القطع المتوسط
القصائد رقم الصفحة
خسارات 5
زمن أرعن 8
وحشة الرأس 12
ملك الحروف 16
ملل 28
صورة الولد في ورق اللعب 32
دمعة مضيئة 38
كلمات 40
جيم شين 44
كيس الحروف 47
حاء 50
سرقة 58
تباً لك! 64
مائدة الغرباء 69
مشهد 70
غزل حروفي 73
برقيات سعيدة جداً 76
العازف 80
جيم سين دال 82
حوار مع طاغور 86
زلزال 91
النار والسندباد 95
غزل على طريقة فان كوخ 98
بانتظار أن تهبط حبيبتي 100
نونيات جديدة 104
أخطاء 109
ثنائية 112
الغراب 121
شكراً أيتها الموسيقى 126
أمجاد النقطة 127
"اركع" فركعت 129
دجلة 133
الزمن يركض.. الزمن يغرق 136
خرافات 140
حوريات الفردوس 143
ارتباك الزاي 147
ضحك 152
رسالة الحروف 155
الحفلة 161
آراء 166
خسارات
(1)
خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل
فأنا أخرجُ من خسارةٍ لأقع في أخرى
فأنا – على سبيلِ المثال – متّ
متّ منذ زمن طويل
وشبعتُ موتاً
وحين قررتُ أن أقوم من موتي
لابساً الأخضرَ بدل الأسود
وراكباً الغيمة بدل الدراجة الهوائية
صدمتُ بفسادِ الغيمة
وتمزّقِ ثيابها الداخلية.
(2)
خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل
دخلتُ في النارِ واحترقتُ كما ينبغي
وحين قمتُ من رمادي
وجمعتُ رمادي
وذرّيته في دمي كي لا أموت من جديد
صدمتُ حين عرفت
انّ مَنْ ألقاني في النار:
أصدقائي الذين أعطيتهم نورَ الأخضر
وأحبّتي الذين منحتهم شمسَ الغيمة.
فارتبكتُ لأنني لم أهيىء نفسي لدور الفادي
ولم أكن أتصوّر أن دور يهوذا
سَيُعاد عرضه في كلِّ مكانٍ بنجاحٍ ساحق.
(3)
خساراتي لم تعد تُحْتَمل
صرتُ أقلّبُ أسماءَ المدن
فأجدها متشابهةً كالموت
وأقلّبُ أسماءَ الأزمنة والأمطار
والجروح والصواعق والنساء
فأرتبك
لأنّ جسدي الذي قامَ من موته عشرات المرات
وقلبي الذي قاومَ العاصفةَ والدمَ والذهب
بكيا أمامي كطفلين يتيمين
واشتكيا لي من ضياعِ الحلم
بل صرخا من ضياعِ الحلم
وخرجا كمجنونين في الشوارع
فما الذي سأفعله سوى أن أعلن:
خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل
لم تعدْ .. لم تعدْ تُحْتَمل
ولذا سأعلنُ عن ترتيب الأنهار
لأجعلها تذهب من الجنوبِ إلى الشمال
لأخفف من آلامي،
سأعيدُ ترتيبَ الغيوم
لأجعلها تسافر بالرسائل البريدية
لأخفف من عري طفولتي،
سأعيد ترتيبَ الدموع لتكون أكثرغموضاً
حتّى أعالج حنين منائري الذهبية
فلا يلحظ بكائي أحد
ولا يشمت فيَّ أحد.
زمن أرعن
(1)
حبّكِ خطأ يتكرّر في الدقيقة ستين مرّة.
(2)
حبّكِ ساعة لا تقف لتنظر إلى الوراء
إلاّ لتدفن رأسها في الرمال.
(3)
حبّكِ ساعةُ صراخ طفل
وشاعر صعلوك
ومدينة تغرقُ في بحرِ الجوعِ والعنف.
(4)
حبّكِ عقاربُ زمنٍ أرعن.
(5)
حبّكِ ساعة تكذبُ لتصدق
وتصدق لتمارس أكاذيبها وترّهاتها.
(6)
حبّكِ أكذوبة وساعتكِ طفل لا أب له.
(7)
دمي ساعة لا بدء لها إلاّ مع عريك...
وهكذا فقد حُكِمَ على ساعتي بالتوقف الأبدي.
(8)
أيتها الفارغة...
كيف امتلأتِ بحركةِ اليد؟
أنت الساعة التي أردتُ لها
أن تسير بحلمِ الجواهر
وزقزقةِ الحروف
وبهجةِ الشعر.
(9)
أنتِ ساعة تدقّ، تدقّ، تدقّ
تك.. تك.. تك..
وتنادي راعي جسدها المتوحّش
لتسلّم له – كلّ ليلة – دقات قلبي
في فرحٍ غبي
وحيوانية كاملة.
(10)
أنتِ ساعة تتوسّل وتتسوّل.
(11)
أنتِ ساعة لا تكفّ عن الدوران
في صحراء العبث الكبرى.
(12)
حبّكِ مذبحةُ الساعاتِ الميِّتة
التي حطّمها هجومُ الزمن المفاجىء.
(13)
حبّكِ ساعةُ البرابرة
ساعة روحها الأنياب والعصي
والسكاكين البرّاقة وسط الشمس.
وحشة الرأس
(1)
في عليائي
سمعتُ صوتَ الأيام: أرامل من سواد
في شحوبي
سمعتُ صوتَ الحرسِ وهم يتناهبون
صباي وشبابي وبياض لحيتي
فارتبكتُ: أإلى هذا الحد كان النحاس
رخيصاً أمام الذهب؟
(2)
في عليائي وشحوبي
عيناي ثقيلتان فلا تبصران
فصرتُ أرى بأذني
وأبصرُ بقلبي
كانت الوحدة مطلقةً
كانت الوحدة تشبهني تماماً
أنا الأعزل الذي طُعِنَ حتّى أربكه
منظرُ الدم غزيراً كشلال
منظرُ الدم جامداً هادئاً كترنيمةِ طفل.
(3)
في عليائي وشحوبي
أنْقَلُ من حربٍ إلى حرب
ومن صحراء إلى صحراء
ومن سفينةٍ إلى سفينة
ومن ارتباكٍ إلى ارتباك
ومن نحاسٍ إلى نحاس
لكنّ الذهب يترصّدني
أصدقائي – قبل أعدائي – ينحنون أمام بريق الذهب
فيسلمونني خلسةً إلى يهوذا
ويهوذا قبل أن يفيق الجميع
من نومهم القلق
من جشعهم المرّ
يقودني إلى منفاي وَسَقَري
يقودني إلى رمحي الطويل.
)4)
ياه..
يا لرمحي الطويل
كلهم يحملون رماح النحاس
ورمحي أطولهم!
ياه..
يا لبرودة جبيني
وطمأنينة حلمي
يا لجمال طيوري
تلاحقني من عينٍ إلى عين
ومن حاءٍ إلى حاء
ياه..
كلهم يرون فلا يفقهون
كلهم يتعذّبون برماح النحاس
وهي تدخل في عيونهم التي أعماها البريق
يا لصيحاتهم..
يا لآهاتهم..
يا لخيباتهم!
(5)
في عليائي
في وحشتي وشحوبي
ورحيلي العظيم
سمعتُ صوتَ كلّ شيء
وأبصرتُ بالعينِ والأذنِ والقلبِ كلّ شيء
فسخرتُ من بريق ِالذهبِ والنحاس
من بريقِ الحرس
من بريقِ الأيام
من بريقِ الكلام.
ملك الحروف
(1)
النقطةُ فضّة
والحرفُ ليرةُ ذهب
فماأسعدني أنا ملك الحروف.
(2)
النقطة ُبسمة
والحرفُ ضحكة
فما أسعدني أنا ملك القهقهة.
(3)
النقطةُ بخور
والحرفُ رقصةُ السَّحَرة
فما أسعدني أنا ملك الجنّ
صاحب الجناح الأخضر الكبير.
(4)
النقطةُ موت
والحرفُ جريمةُ قتل
فما أسعدني أنا طاغية العصر.
(5)
النقطة ُندى
والحرفُ دمعة
فما أسعدني أنا العاشق الاعظم.
(6)
النقطةُ شعر
والحرفُ أغنية
فما أسعدني أنا صاحب الأنامل الذهبية.
(7)
النقطةُ هرطقة
والحرفُ تجديف
فما أسعدني أنا الكبريت الأحمر.
(8)
النقطةُ بلاء
والحرفُ طوفان
فما أسعدني أنا الذي رأى كلّ شيء.
(9)
النقطةُ دفّ
والحرفُ طبل
فما أسعدني أنا الغجريّ الذي يضع
الأقراط في أذنيه
والأساور في معصميه
ويرقصُ وسط النساء.
(10)
النقطةُ خمرة
والحرفُ كأس
فما أسعدني أنا أبو نؤاس الذي لا يتوب.
(11)
النقطةُ سخرية
والحرفُ هجاء
فما أسعدني أنا الحطيئة وابن الروميّ
والأحوص وابن هرمة وأنا..........
(12)
النقطةُ طفولة
والحرفُ عيد
فما أسعدني أنا الطفل الذي لم ينم
ليلة العيد بانتظار شمسه الملوّنة.
(13)
النقطةُ عري
والحرفُ جسد
فما أسعدني أنا كزنوفا القارّات.
(14)
النقطةُ عروس
والحرفُ عرس
فما أسعدني أنا لابس البدلة البيضاء
وواضع الزهرة البيضاء في أعلى البدلة.
(15)
النقطةُ حرمان
والحرفُ وحشة
فما أسعدني أنا المحكوم عليه بالسجن المؤبّد.
(16)
النقطةُ خرافة
والحرفُ أسطورة
فما أسعدني أنا سيّد العصور.
(17)
النقطةُ باء أو نون
والحرفُ ألف
فما أسعدني أنا صاحب الخورنق والسدير
والشويهة والبعير.
(18)
النقطةُ دم
والحرفُ قلب
فما أسعدني أنا المُعَذّب دوماً
والمصلوب حتّى الموت.
(19)
النقطةُ فراغ
والحرفُ فراغ
فما أسعدني أنا الغريق
بلا اسم ولا معنى ولا مكان.
(20)
النقطةُ دمعة
والحرفُ عين
فما أسعدني أنا النائحة في كلّ بيت.
(21)
النقطةُ حرف
والحرفُ أبجدية
فما أسعدني أنا بهلوان الكلمات.
(22)
النقطةُ وداع
والحرفُ اشارة الكفّ الأخيرة
فما أسعدني أنا مفرّق الجماعات
وهادم اللذات.
(23)
النقطةُ نزيف
والحرفُ نهر
فما أسعدني أنا المقتول على نهر الفرات.
(24)
النقطةُ لقاء
والحرفُ قُبَل
فما أسعدني أنا المراهق الخطير.
(25)
النقطةُ سكين
والحرفُ رصاصة
فما أسعدني أنا المُهَلْوِس الأكبر.
(26)
النقطة ُنقطة
والحرفُ حرف
فما أسعدني أنا ابن الشارع الذي لا يفقهُ شيئاً.
(27)
النقطةُ نور
والحرفُ شمس
فما أسعدني أنا الموحّد المذهول بنورِ بصري.
(28)
النقطة ُتظاهرة
والحرفُ حشود
فما أسعدني أنا الهاتف بحاءِ الحبِّ والحرية
حتّى الرمق الأخير.
(29)
النقطةُ نظارة
والحرفُ ناقد
فما أسعدني أنا الذي أقيس
كلّ شيء بالمسطرة.
(30)
النقطةُ حشيشة
والحرفُ سيكارة
فما أسعدني أنا الحشّاش الأصفر.
(31)
النقطةُ جمرة
والحرفُ جمرة
فما أسعدني أنا سيّد إعلانات هذا العصر.
(32)
النقطةُ لعبة
والحرفُ سيرك
فما أسعدني أنا المهرّج الكبير.
(33)
النقطةُ قُبْلة
والحرفُ امرأة
فما أسعدني أنا سيّد الواهمين.
(34)
النقطةُ فلوت
والحرفُ أوركسترا
فما أسعدني أنا جايكوفسكي
المليء بعواصف الربيع.
(35)
النقطةُ سعال
والحرفُ شيخ
فما أسعدني أنا الذي سيموت بالسلّ
عمّا قريبٍ في غرفته المظلمة.
(36)
النقطةُ عقل
والحرفُ مستشفى مجانين
فما أسعدني أنا المجنون الذي يشكّ
في عقولكم جميعاً!
(37)
النقطة ُرصاصة
والحرفُ موت مجاني
فما أسعدني أنا الذي سيموت قريباً
على يد جلاّدٍ محترفٍ أو سيارة تاجر حرب.
(38)
النقطةُ ماء
والحرفُ بحر
فما أسعدني أنا الذي حمل البحر
إلى المرأة العارية.
(39)
النقطةُ وحي
والحرفُ تنزيل
فما أسعدني أنا مَن يحملُ إشارة العارف
بين عينيه
ويلبسُ عمامةَ الشهيد.
مَلل
(1)
مللتُ من النظر إلى الدببة
وهي تأكل بشراهة
من عطايا دبّها الكبير
ومن القردة
وهي تتسلّق، كلّ يوم، الأشجار
لترمي الثمار
وتملأ الهواء صراخاً وزعيقاً
مللتُ من الكلاب
وهي تتشمّم الجثث،
ومن الببغاوات
وهي تدهس الكلمات،
ومن الحمامة
وهي تتركنا، كلّ يوم، لنموت
وسط سفينة الحروف
بحثا ًعن نوح وطوفانه العظيم.
(2)
مللتُ من الانتظار واللاّانتظار
من الجدوى واللاّجدوى
من الصدقاتِ والخبزِ المغموس بالدم
من رائحةِ المعنى ورائحة اللاّمعنى
من الجنةِ التي لا تجيء
ومن جهنم التي تتعرّى كلّ يوم
لتكشف عن ساقيها ونهديها
لتكشف عن مفاتنها العارمة
وسط سيرك العذاب العظيم.
(3)
مللتُ من البكاءِ والصمت
من الدمعِ والدمع الذي تحجّر
من الذين عبروا البرزخ
وباعوا ثيابنا
ومن الذين أحاطوا بنا
وسرقوا حروفنا
في ابتهاجٍ عظيم.
(4)
مللتُ من البريد وصندوق البريد،
من الأصدقاء الخونة
والأصدقاء الأجلاف
والأصدقاء اللصوص
من الحرفِ وهو يتألق
فلا يجد مَن يرى نوره،
ومن الحرفِ وهو يموت
فلا يجد مَن يقرأ عليه سورة الفاتحة،
مَن يقرأ عليه سبعاً من المثاني
والقرآن العظيم.
(5)
مللتُ من الحربِ والسلام
من المطاردةِ والاختباء
من الفقرِ وشبحِ الفقر
من الجوعِ ودبِّ الجوع
من الجمرِ يوضَعُ على اللسان
والملح يوضَعُ في أساس الجدار،
من سيقان الجواري والمخنّثين
من شفاه المومسات،
وأثداء العوانس،
وأكفّ المتسوّلين
من زمنٍ يتفتتُ رملاً وقشّاً ورماداً
مللتُ منكَ أيّاً تكون
وأينما تكون
ومللتُ منّي: أنا الملولُ العظيم!
صورة الولد في ورق اللعب
إلى: د. حسن ناظم
(1)
في طفولته
جلسَ في الشارع يستجدي أمّاً.
في صباه
جلسَ في المقهى المقابل للمقبرة
يستجدي أباً
في شبابه
جلس في التاريخ يقلّب السنين
يستجدي جدّاً
وحين شاخ
تذكّر انه لم يلعب القمار أبداً
فقامر ليخسر كلّ شيء:
الشارع والمقهى والتاريخ
الطفولة والصبا والشباب.
(2)
بعد خسارته المرعبة
فتّش جيوبه تحت شمس الغروب الكبيرة
فوجدها فارغة ًمن كلّ شيء
إلاّ من صورة الولد في ورق اللعب
صورة الولد التي، ربّما، دسّها الدهر
في جيبه المتشظّي
ليعمّق خرابه وزلزاله.
(3)
كان الولدُ جميلاً
فقطع من أجله الصحراء الكبرى
ليراه.
نعم، كان أجمل من دمعة ملاك.
وحين كبر الولد
تغّير كلّ شيء.
قيل له إنّ الولد هو الشيطان
إنّ الولد هو الشين
هو النون
هو النقطة.
(4)
الولد قال
قال الولد:
إنّ مَن تجلس بجانب الملك
لا تستحق ذلك
لانها تلعب لعبة الآه
وقال: إن مَن تجلس تحت قدم الملك
لا تستحق ذلك
لأنها تلعب لعبة التعرّي
وإنّ مَن يحمل مروحةَ الملك
ويسوق عربته
لا يستحق ذلك
لأنه يعرف انّ الهواء فاسد ولا يتكلم
ويعرف انّ العربة ترجع إلى الوراء فقط
ولا يرفع الشارع من الخلف
وقال الولد
وقال.
(5)
قيل انّ الولد بدعة
والولد ضلالة
والولد هلاك مبين
مادمنا نركب السفينة الخطأ
في البحر الخطأ
في الاتجاه الخطأ
ذاهبين إلى شمسِ الخيانةِ والنحاس
لا شمس الطمأنينة والذهب.
(6)
ما الذي جعلني أصدّق بما قال الولد؟
كان الولد جميلاً
يضع على رأسه تاجَ الشباب
ولؤلؤةَ المعنى
وساعة بلا عقارب.
كان الولد صادقاً كالسيف
كالسيفِ الذي قطع رأس أجدادي
ورأس حلمي
ورأس حرفي ونقطتي.
(7)
إلى أين المسير الآن؟
هل كان الولد يكذب أم يبالغ؟
هل كان الولد يحلم ويهذي؟
أم كنت أنا مَن يحلم ويهذي؟
هل إنّ الولد في ورق اللعب حقاً؟
أم إنّ اللعب في صورة الولد؟
من منّا الولد، ومن منّا الأب؟
هل إنّ الولد هو الأمير؟
هذا ما أقوله بالتأكيد
وأقول كلمة ًواحدة:
الولدُ هو ما تبقّى لي
بعد أنْ خسرتُ كلّ شيء
الولد هو المنفى
المنفى الذي أراه الآن
من شرفتي الملكية
المحاطة بالنار والشتائم والحشود العارية
المنفى الذي أراه
دون عينين
دون شفتين
المنفى الذي تتدحرج أحجاره
ببطء وألمٍ عظيمين.
دمعة مضيئة
(1)
رأى دمعتي
مَن يسوس الناسَ كما يسوس البغال
فأرادها نجمةً تزّين كتفيه العريضتين
وسنواته العجاف.
ورآها الطفلُ فأرادها لعبةً
تسلّيه وقت المساء
ووقت الصباح.
وأرادتها المرأة
لتزّين بها
عقدها المتدلّي بين النهدين.
(2)
غير أنّ الله
رأى دمعتي في جوف الليل:
ليل أرض السواد
فقال خذْها نقطةً تسمّي الشيء واللاشيء
تسمّي الوطنَ واللاوطن
تسمّي الرعبَ والطمأنينة
قال خذْها
ونمْ
فدمعتكَ صارتْ نقطةً
تضيء بزهدِ الأصلعِ البطين
وتتألق بنجوم المعذبين
وتعيد – يا أسفي على يوسف – ليعقوب الأعمى
مَن ضاع في البئر صبياً
وتعيد الحمامة َإلى نوح الذي بكى
على كلّ شيء ولّى: الولد والغراب
وتعيد يدَ موسى بيضاء
من غير سوء آيةً للناظرين
وتربط على قلبك
فلا يبدي من السرّ شيئاً
سوى السين والراء
سوى الماء.
كلمات
(كلمات هي ابنة الشاعر لم تصل بعد إلى العاشرة من العمر)

(1)
كلما أريدُ أن أشرب الكأس:
كأس السمّ
كما فعل سقراط
أتذكّرك
فأرمي بالكأس بعيداً.
(2)
كلما أريد أن أسافر خارج الملكوت
كما فعل دانتي
أو أضيّع أخي ونفسي
كما فعل أخوةُ يوسف
أو أدخل النار
كما فعل ابراهيم
أتذكّرك
فأكفّ عن السفر،
والضياع،
والنار.
(3)
لابأس إذن
أن تأخذي بيدي ثانيةً إلى الحياة
لابأس..
ولكن ما العمل
وصديقي المخلص: صديقي الموت
لا يكفّ عن طرقِ الباب؟
أخبريه
ببراءة قلبكِ المعجونِ بألوان الفراشات
ألاّ يرجع
إلاّ بعد أن نلتقي
على قمّةِ جبلِ الحرف،
أو المنفى
أو الخرافة.
(4)
لابأس إذن
أن أرجع لأمارس دوري
في مسرحية البشرية الضائعة
مسرحية تمتد فصولها من بابل إلى بغداد
إلى بيروت إلى برلين إلى لندن
ثم إلى جهنم بالتأكيد.
لابأس إذن
أن أرجع لأمارس دوري
كأبّ لك
ولكنّي لا أحسن الكلام معك
لأنّ أبجديتكِ عمرها ستة آلاف سنة
ولا أحسن الرقص معك
فكريّات دمي البيض والحمر
دمّرها القهر والسبي
ولا أحسن إسداء النصائح لك
لأنّكِ أكثر نضجاً
من ملكةِ النحل.
(5)
هكذا إذن
أنحني أمامك
كأسدٍ أعجف
حطّمته السنين والوحشة والزلازل
أنحني أمامك
وأطلب منكِ ثانية،
بل أتوسّل كشحّاذٍ هندي،
أن تسمحي لي بشرب كأس السمّ
وأعدكِ بأنني لن أشربها ثانية
يا ابنتي!
عمّان - 2001
جيم شين
(1)
هل للوحشةِ ذوائب أم أنياب؟
هل للوحشةِ تأريخ أم جغرافيا؟
هل للوحشةِ غناء أم زعيق أم أنين؟
هل للوحشةِ معنى؟
(2)
هل جاءت الوحشةُ من التراجيديا أم من الكوميديا؟
هل جاءت الوحشةُ من الكواليس أم من الكوابيس؟
هل كان الماءُ موحشاً
فانتحرت أوفيليا فيه،
أم كانت أوفيليا موحشةً
فأصيب هاملت بسهمِ الجنون؟
(3)
الوحشة حبيبتي
هي التي اختارتني
كنتُ فرحا ًلأنَّ الزلزال لم يخترني
ولا الجنون.
كنتُ ساذجاً
لأنني منذ أن تعرّفتُ إلى الوحشة
نبتتْ لي ذوائب وأنياب
ونبتَ لي تاريخ دمويّ وجغرافيا زرقاء
ونبتَ لي غناء سرّيّ عميق كالفرات
وزعيقُ رغبات وحشية
تحاصرني كما تحاصر الدبابة أعمى في البرّية
ونبتَ لي أنين طوله مليون سنة
منذ أن بكى نوح ابنه
وهو يغرق أمامه
منذ أن صرخت أم موسى
وهي ترى ابنها يتموّج وسط البحر
ونبت لي معنى
معنى وحشي أسود
كرمح (وحشي) الذي اغتال به سيدّ الشهداء.
(4)
آه مَن يستبدل الوحشة َبالزلزال؟
فالزلزال موته كلمح البصر
والوحشة موتها بطيء كسلحفاة هرمة.
آه مَن يستبدل الوحشة بالجنون؟
فالجنون موته أحمر
كحرفِ الجيم
كحرفِ الجثـّةِ والجلجلةِ والجمجمة
والوحشة موتها عديم اللون
كحرف الشين
حيث الشهوات
والشيطان
والشقاء.
كيس الحروف
(1)
حين أفاق الطفلُ من نومه
وجد اللقلق
قد ألقى إليه بكيس ٍمن الحروف
رقص الطفلُ فرحاً،
قال: أريدُ الحاء:
حاء الحنين والحبّ والحلم
مدّ يده
فأخرج أو فخرجت له
- واأسفاه –
حاء الحرمان والحقد والحرب
ارتبك الطفل،
قال أريد الباء:
باء الكون والبسملة
مدّ يده
فأخرج أو فخرجت له
باء البرابرة.
(2)
دمعت عينا الطفل
وعاد إلى النوم
فحلم أنّ اللقلق
جاء وحمله إلى الغيوم
هناك رأى غيومَ الحاء
ورديةً مليئةً بالحبّ
ورأى غيومَ الباء
بيضاً كثياب العيد.
بكى الطفلُ ثانيةً في الحلم
ثم أفاق
فوجد كفّه مليئةً بالدم.
(3)
منذ ذلك اليوم
قرر الطفلُ ألاّ ينام
لكنّ اللقلق لم يأت
و قرر الطفلُ ألاّ يمدّ يده
في كيس الحروف
فمرّ زمن قصير
ثم اختفى كيسُ الحروفِ إلى الأبد.
حاء
(1)
حاءُ الحياةِ حلم ورماد
وتاؤها ألم ونوم ونسيان.
(2)
هي ذي مدن لا معنى فيها
وأخرى لا شمس فيها
وأخرى لا ماء فيها
وحين نصلُ إلى الشيخوخة
نصل إلى مدنٍ لا هواء فيها.
(3)
من المحزن
أن أكتب قصيدتي
قرب شبّاك مقفل
خلفه شجرة تين جرداء.
(4)
وصلتْ حياتي إلى الشاطئ الخمسين
دون أن تجد خرافتها المقدّسة.
(5)
يبدو أن هناك خطأ ما في الرحلة
ربّما كان العنوان مكتوباً بلغة منقرضة
أو كان العنوان بدون نقاط أو حروف
أو كان العنوان تنقصه الفكاهة.
(6)
عجيب هذا الذي يحصل
لقد وعِدنا بالكثير:
الشمس،
والحبّ،
والنساء،
والأنهار،
والنار.
لكن حدث أن أُستبدلت الشمسُ بالضباب
والحبُّ بممارسةِ الجنس
والنساءُ بالثرثرة
والأنهارُ بالرمال
والنارُ بالرعب.
(7)
بعد أن عبرتُ الفراتَ ودجلة
والحدودَ والأسلاك
واللامَ والشين
والخوفَ والطمأنينة
والأفلاس والخيانة
والرضا والاحتجاج
أما آن لي أن أستريح قليلاً؟
(8)
أفهم أن تتوقف عيناي عن الرؤية
ولساني عن الكلام
وأذني عن السمع
ولكن كيف يتوقفُ قلبي عن الحلم؟
كيف يتوقفُ قلبي عن خلق الحروف؟
إذن، يا إلهي، كيف يسيرُ الدمُ في جسدي
يا إلهي
يا إله القلب والحلم والحروف؟
(9)
الحياة ُمدّونة من حروف متناثرة
يكرهُ بعضُها بعضاً
ويحسدُ بعضُها بعضاً
ويتآمرُ، في حقد أسود،
بعضُها على بعض.
يا لتعاستي
كيف أحكم مملكة الحروف هذه؟
أنا رجلُ المعنى والسلام
رجلُ الطفولة والطير
رجلُ الفرات ودجلة
رجلُ النقطة.
(10)
هل ينبغي كتابة القصيدة
من الأمام إلى الخلف
أم من الخلف إلى الأمام؟
من اليمين إلى اليسار
أم من اليسار إلى اليمين؟
أم من اليسار إلى اليسار؟
من الثلج إلى النار
أم من النار إلى الماء؟
من الماء إلى الأُم
أم من الأُم إلى الأرض؟
من نيويورك إلى بغداد
أم من بغداد إلى الجحيم؟
من الخرافة إلى النقطة
أم من النقطة إلى الجنون؟
(11)
ينبغي على الشاعر أن يتعرّى
يتعرّى تماماً
ليظهر جمال طفولته المعذّب
وطير أبجديته القريب جداً
كغيمةِ تائهةٍ تجلس على سطح الدار.
(12)
باءُ أبي
وميمُ أمي
وياءُ أخي
وواو ولدي
اجتمعوا فكانت قصيدتي
رجلاً يطرقُ بابَ الجحيم
وهو يطيرُ من السعادةِ والحبور.
(13)
رغم أنّ الموت الأسود
أكل نقطةَ الحياةِ بوحشيةٍ لا تُوصف
فإنّ حاء الحياة بقيتْ حبيبتي.
(14)
نعم
حاءُ الحياة حبّ
رغم الزلازل والفواجع والحروب
هكذا قال الله.
(15)
عجب الحروفيّ من هذه الحاء
فلقد رآها مرّة راقصةً أسطورية
ومرّة رآها توابيت عارية
ومرّة رآها ذهباً، وجمراً، ودموعاً، وسكاكين.
فاحتار.
قيل له: اخترْ لهذه الحاء كلمةً واحدة
ولا تزدْ.
فقال: حاء الحياة......
ومات.
(16)
أظنّ الحروفيّ قال:
حاءُ الحياة حريّة.
أو أنّه قال:
حاءُ الحياة حريق أو حطام.
(17)
حاءُ الحياة حاء
حملها الحسينُ رأساً كرأسه
فوق رأس الرماح
وحاءُ الحياة حاء
حملها الحلاّج
مقصلةً من ذهب
ومسامير نار.
سـرقة
إلى: علي جبار عطية
(1)
تركني الحرف
انزوى بعيداً
لم يعدْ يحتمل
جبالَ الأحزان التي يحملها عقربا ساعتي
لم يعدْ يحتمل
وحشتي الجنونية
ولا طفولتي التي اتسعتْ
فصارت بحراً لا نهاية له
ولا سنواتي التي شارفت على الخمسين كارثة.
فانزوى بعيداً
وضع رأسه بين يديه
وبكى
فبكيتُ حتّى سالت روحي
فرددتها إلى حرفي
وبكى حرفي حتّى سالت نقطته
فرددتها إليه... إلى الله.
(2)
هكذا كُتِبَ عليّ
أن أرى رأسي يُحْمَلُ فوق الرماح
مثل رأس الحسين
وأن أرى جسدي يتقرّح ويموت
مثل جسد أيوب
وأن أحمل على ظهري
صخرة بروميثوس
لأبادل جنون الوطن بجنون المجهول
ورماد الفرات برماد الأنهار الكسيحة
وبهجة دجلة ببهجة الغيمة
ذات الملابس الداخلية المتهرّئة.
(3)
كان يوماً سعيداً
ذلك الذي جلبتُ فيه رغيفَ خبز
لأطفالي المنفيين في أقاصي الحلم
دون أن أحرق بغداد في حروب هولاكو
ولا أقتل البسطاء العزّل في حروب تيمورلنك
ولا أسلب الجواري في حروب جنكيزخان،
دون أن أركع إلى فرعون العصر
دون أن أرفع علم البرابرة
دون أن أحشر أنفي
في حروب المدن الكسيحة
كان رغيفاً حارّاً
خبزته بحلم الحرف الطيّب
والنقطة السماوية التي فرعها ثابت
وقلبها في السماء
لكنّ اللصوص كانوا بانتظاري:
لصوص الفراعنة
ولصوص هولاكو
ولصوص تيمورلنك
ولصوص جنكيزخان
ولصوص البرابرة
ولصوص المدن الكسيحة
فسرقوني في وضح النهار
قطعوا يدي وأطفأوا عيني
وسرقوا رغيفي الحار
فما الذي سأقوله الليلة لأطفالي؟
فما الذي سأقوله الليلة لقلبي؟
فما الذي سأقوله الليلة لحرفي ونقطتي؟
ثلاث صور للموت
(1)
حين جاء الشرطي
وطرقَ البابَ بعنف
قلتُ له: ما تريد؟
قال: روحك.
ضحكتُ وقلتُ: إنني أبحثُ عنها
منذ نصف قرن دون جدوى!
وأغلقتُ البابَ بهدوء.
(2)
حين جاء الشرطيّ في المرّة الثانية
وطرقَ البابَ بهدوء
قلتُ له: ما تريد؟
قال: روحك.
قلتُ: حسناً.
وخرجتُ إلى الشارع
أقفزُ من الفرح
أخيراً
سأقابلُ الموتَ الذي سيضع حدّاً
لهذه المهزلة التي اسمها: الحياة
التي اسمها، بالضبط، (حياتي)!
(3(
في المرّة الثالثة
حين جاء الشرطيّ
وطرق الباب
خرجتُ مذهولاً
كانت الغيمةُ تهبطُ في الحديقة
فرفعتُها قليلاً كي أمرّ.
قال: ما هذه الغيمة؟
قلتُ: حياتي
قال: أريدها
قلتُ: خذْها.
فأمسك الشرطيّ بيد الغيمة
وهي تصرخُ وتبكي وتزرقّ وتزرقّ.
تبّاً لكِ!
(1)
أيتها النون
عذّبني جسدك
قادتني عيناكِ من صحراء إلى صحراء
ومن غيمة خضراء إلى غيمة حروف
وقادني نهداكِ إلى آسيا الطغاة
وهلاكِ الروح في كأس الخمرة
قطعةً قطعة.
أما بطنك
فكان تعويذة ضد المعنى
وضد الخرافة
وضد النعومة.
أيتها النون
عذّبني جسدك
لأنّ أدغالكِ هي أدغال الأفعى التي أبكت كلكامش
إذ سرقت منه سرَّ الخلود.
(2)
أيتها النون
اعذريني
فعذابكِ خلاصة لعذاب الطغاة
ولهوس الغجر والمخنثين
ولرعب سيوف الغدر
وللرؤوس المرفوعة فوق الرماح،
خلاصة لمطر الأطفال الرعاة
ولتغريدة العندليب الوحيد
عذابكِ خلاصة للسذاجةِ والسخف
ولصيحاتِ الجسد
ورغباته التي قادتني كأعمى
من منفى إلى منفى
ومن جحيم إلى جحيم.
(3)
أيتها النون
اعذريني لأنّكِ حرف كامل
الداخل فيه هالك
والخارج منه هالك
والمتبرئ منه هالك.
إذن، أجيبي على سؤالي الطفل:
كيف الخلاص منكِ
وأنتِ الحلم والسرير
وأنتِ التاج والذهب
وأنتِ اللؤلؤ والمرجان
وأنتِ العري: عري النقطة
وأنتِ العري: عري اللذة حتّى الموت؟
(4)
أيتها النون: اللعنة عليك!
كيف لي أن أدخل معبدك
وأخرج منه برأس ٍ لم يُقْطع
وأطرافٍ كاملةٍ وعقلٍ غير ذاهل؟
بل كيف احتفظتُ
وأنا خادمُ معبدكِ الذليل
وكاهنكِ المجنون
وساحركِ الهرطيق
برأسي فوق كتفي لأربعين عاماً،
وأنا أنتقّل فيكِ وبكِ ومنك
من قوسكِ حتّى نقطتك
من عريكِ اليومي الفادح
إلى حبيائيل وغدرائيل
إلى رعدائيل وأدبيائيل
إلى قمعائيل وغربائيل
إلى خسرائيل وموتائيل؟
(5)
أيتها النون
ياصاحبة الجسد الفادح
والقهر التتري،
الفرعوني،
الجنكيزي،
الآشوري،
الأسطوري
يا صاحبة القهر الأبدي
سحقاً لكِ سحقاً!
تبّاً لكِ تبّاً!
مائدة الغرباء
التقى الغرباءُ على المائدة: مائدة قلبي
كان كبيرهم معمّماً
والآخر زاهداً
والثالث شهوانياً
والرابع سكّيراً،
الخامس عارفاً بكلّ شيء،
السادس هازئاً
والسابع ساحراً.
وبدلاً من الحديث الممتع
في شؤون الطيرِ والنساء والموت
تبادل الجميعُ الشتائم والسباب
ثم اقترح أحدهم اطلاق النار
حتّى كدتُ أموت
أنا الثامن الأخرس!
مشهد
جلس الشحّاذون على باب الجسر
وافترشوا الأرض بأسمال وأنين
وافترشوا المشهدَ بلحى بيض.
قال الأول: أنا جائع منذ قرون يا ناس.
قال الثاني: مزّقني الفقرُ بسيف عذاب.
صرخ الثالث: سحقا ًيا دنيا تبّاً.
بصق الرابعُ فوق الأرض
وتطلّع نحو الماء
ومدّ يديه إلى كفّ الشحّاذ الخامس.
فقال الخامسُ: مَن أنت؟
يا هذا لا تسخرْ من أعمى!
قال السادس: ارزقني يا رزاق
ارزقني يا من لا ينسى عبده
ارزقني في فجرِ الجوعِ رغيفاً.
كان الشحّاذ السابع طفلاً
مدّ يديه ببراءة
قال: انظروا.
فتوهّج دينار ذهبي في كفّه
هجم الشحّاذون على الدينار _
حتّى الشحّاذ الأعمى معهم –
وانتزعوه كما البرق
واشتبكوا، اقتتلوا بمرارة.
صرخ الطفلُ بهم: انظروا.
أخرج كفّيه لهم كفّين من الذهب الخالص.
فبهت الشحّاذون وصاحوا:
ما نفعل؟ هل نقطع كفّيك؟
ضحك الشحّاذُ الطفل
نزل من فوق الجسر إلى الجرف
ألقى أسماله
قال: وداعاً يا إخواني
فبكى الشحّاذون وأنّوا.
كان أنينهم يملأ كلّ الدنيا وجعاً ودموعاً.
قال الطفل:
وداعاً يا إخوان الفقر
يا أهل الدنيا
وألقى بجسده فرحاً وسط الماء.
غزل حروفي
(1)
هذي المرّة
لن تكوني مثل كلّ مرّة
امرأة من لحم ودم
فلقد تعبتُ من دمكِ العاري وجحودكِ الأسطوري
من خيانتكِ التي تشبه مشنقةً دون حبل
وتعبتُ أكثر
من انتقالاتكِ المرّة الحامضة بين البراءة والذنب
ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكين
ولذا
هذي المرّة
ستكونين امرأةً من حرف
أخرجكِ متى أشاء
أمام جمع الوحوش
بيضاء من غير سوء
بيضاء لذة للناظرين.
(2)
عسى _
حين تكونين حرفاً –
أن أمسك طير الفرح بقلبي
بعد أربعين قرناً من الطيران الأعمى
عسى
أن ألتقي نقطتي فألتقط منها
طلسماً للحبّ والطمأنينة
وألتقي هلالي فأراهُ يركض نحو العيد
بدشداشة العيد
وعسى
أن ألتقي دمي
فلا أجده أسود
ككفّ قُطِعَ منها الابهام.
(3)
هذه آخر محاولات جغرافيتي الممزّقة
وتاريخي الذي يشبه معناي الذي لا معنى له
هذه آخر محاولات الطفل فيّ
وآخر محاولات الساحر فيّ
والمجنون والشاعر
والوليّ
والزاهد والراكض من بحرٍ لبحر
هذه آخر محاولات دمي:
أنتِ الآن امرأة من حرف
لا دم عندك ولا لحم
لا مؤامرات، لا مكائد، لا دسائس
لا هرطقات،
لا نزوات
لا ولا.
(4)
أنتِ الآن امرأتي
وشمعة داري!
برقيات سعيدة جداً
إلى صاحب الشاهر
أيها الشاعر
بعد عشرين عاماً من الموت
كيف أصبح لون ابتسامتك الربيعية؟
كيف أصبح شكلُ الطفلِ في روحك الطفولية؟
إلى أصدقائي المنافقين
أيها الأعزاء
شكراً لأنكم قدتموني بكراهيتكم المرّة
إلى نهر الحبّ العذب
حتّى وصلتُ إلى عمقه الخطير
وأخرجتُ جواهر كلامه جوهرة فأخرى.
إلى أحزاني
شكرا ًلأنكِ لم تطلقي عليّ حتّى الآن
رصاصة الرحمة.
إلى المطر
شكراً لأنكَ تهبط في حضن دجلة
كما تهبط صيحاتُ الشحّاذين على الجسر العتيق
وكما تهبط الرحمة على الأرض
فتفتش عن قلبٍ يحتضنها فلا تجد
حينها تعود من حيث جاءت.
إلى الشتاء
شكراً أيها النبي الصغير
شكراً لغيومكَ التي وصلت أخيرا بالبريد المسجل
شكراً لغيومكَ التي جاءتْ وعليها طوابع الطفولة،
الطوابع التي ما أن رفعتُها حتّى بدأت أغرق
وحتّى أخذ قلبي يحترقُ بأنين الحروف،
وصيحات الكلمات،
وطوفان النقاط.
إلى طوابع العالم
شكراً..
لو اجتمعتم جميعاً
بكل طيوركم وتيجانكم وشموسكم،
فلن تعيدوا إليّ
حلماً من أحلام طفولتي
التي سرقها ساعي البريد.
إلى الزمن
شكراً يا أخي الكبير
شكراً أيها الجلاّد الجميل
شكراً لأنكَ لم تلقِ القبض عليّ
بتهمة تسوّل المعنى
من دول المنافقين
وحشود الخوارج.
إلى الجمال
شكرا ًلأنكَ اكتشفتَ الزرقةَ في روحي
فاكتشفتُ الخطوط َ في يديك
واكتشفتَ الربيعَ في كلماتي
فاكتشفتُ المعنى في شفتيك
واكتشفتَ الموسيقى في حروفي
فاكتشفتُ انزلاقَ روحي في روحكَ حد الهذيان.
إلى النقطة
شكراً لصبركِ العظيم معي
حتّى ضياع آخر حروفي في حانةٍ مزيفة
أو شارع يبيع ما لا يُباع
أو مدينة عفا عليها الزمن
أو تاريخ بالتْ عليه جموعُ الكلاب
وأكلتْ سمكَه الطيّبَ حرابُ البرابرة.
العازف
(1)
وسط غيمةٍ صفراء وزرقاء وبرتقالية
أجلسُ وأنظرُ من زمنٍ إلى زمن
ومن عمرٍ إلى آخر.
توقفت الغيمة
كان هناك صوت ناي جميل
صوت ناي عذب
كنافورةِ ماءٍ وسط الصيف
توقفت الغيمة
فنظرتُ من علٍ كي أرى العازف
كنتُ أتصوّره أبي
(لم يكن)
كنتُ أتصوّره ابني
(لم يكن)
ربّما أكون أنا
(لم أكن)
لم يكن أحدا أبداً
كان صوتاً جميلاً مذهلاً
يملأ كلّ شيء بهجةً وذهباً.
(2)
تعبت الغيمة
فنظرتُ وجدتُ أبي
يستلقي وسط غيمة أمامي
وابني يمتطي غيمةً تسير في أثري.
تعبت الغيمةُ من الوقوف
فتحركتْ بهدوءٍ إلى النهاية
لكنّ غيومنا ـ واأسفاه ـ
أخذتْ تفقد ألوانها البهيجة
وتسودّ شيئاً فشيئاً.
جيم سين دال
(1)
جسدكِ مغلق
مثل دائرة من السحر
رسمتها بدمي
فسرق الجنّ حرفها الطلسمي.
جسدكِ مغلق
مثل خرافة تسير على قدمين
مثل ظهر سلحفاة عظيمة.
(2)
لم أحاول أن أفتتح جسدك
كانت تعوزني السكاكين والرقصات الوحشية
كانت تعوزني المعاول والحراب
كانت تعوزني المفاجأة والمعنى.
(3)
معنى مَن؟
معنى الأكاذيب المعاصرة
(كنتُ صادقاً كنبيّ)
معنى مَن؟
معنى المطر الاصطناعي.
(كنتُ مليئاً بالماءِ كفراتٍ عظيم)
معنى مَن؟
معنى البيع والشراء
(نعم، كنتُ الخاسر الأعظم).
(4)
جسدكِ مغلق
قلتُ للزمن: أعطني رمحاً لأكسر ظهر السلحفاة.
فأعطاني حرفاً.
والحرف – أيتها المرأة اللغز – لا يكسر ظهر السلحفاة
بل يكتب عليها التمائم والألغاز.
(5)
جسدكِ مغلق
كنتُ محتاجا أن أدخله
لأرى الشمس
أنا الأعمى الذي فقد بصره
قبل ميلاد المسيح بألف عام.
كنتُ محتاجاً أن أدخله
لألمس العيد
أنا اليتيم الذي ضيّع أباه
في زحمة السوق.
ولأجلس على العرش
أنا الأمير الذي ضيّع الملْك
في زحمةِ الدسائس والمؤمرات.
ولأكتب القصيدة
أنا الحرفُ الذي ضيّع شاعره النابغة
في زحمة الصور والمعاني.
ولأمسك طائر النبّوة
أنا الدم الذي ضيّع قلبه
في زحمة العبث العظيم.
جسدكِ مغلق
كنتُ محتاجاً أن أدخله
لأفتح أبواب الجنة
أنا الوليّ الذي صلبه أنصاره
في زحمةِ الواقعة
في زحمةِ الزلزلة
ثم بكوه حتّى الموت.
حوار مع طاغور
(1)
حين ذابت الشمسُ في النهر المقدس
التفتَ إليّ وقال:
حين تذوي الحروفُ القديمةُ على لساني
فإنّ حروفاً جديدةً منعشة
تنبثقُ في القلب
لتتكلم عن العسل
والحبِّ المليء بالجمر
وحين تضيع آثارُ المسافرين المنهكين
فإنّ أرضاً جديدة تبزغ للتوّ
لتملأ العين التي اغرورقت بالدموع
لتملأها بنور الفجر.
(2)
كان يوماً غامضاً
ذلك الذي زرتني فيه
ووسمتَ بعض لحظاتي بميسم الذهب
وهأنذا حين أفلس من المعنى
أجلس لأذرّ رماد حياتي
فتبزغ بعضُ اللحظات الذهبية
تلك التي وسمتها بميسمك
وأنتَ مسرع
كملاكٍ يقفزُ من نجمةٍ إلى نجمة.
(3)
حين رحل الجميع
صوب الجسد
ورنين الجسد
بقينا، أنا وأنتَ، جالسين
قرب ضفاف الغانج والفرات
نلعبُ بالمعنى وقصائد الألوان والفراشات
نلعبُ بحبّات الدموع
نلعبُ برموز الوهم حتّى دهمنا المساء
وألقى القبض علينا
بتهمة تسوّل المعجزات
عند ضفاف الأنهار المقدسة
بتهمة انتظار من لا يجيء أبداً.
(4)
ربّما وشيتْ بنا لحيتكَ البيضاء
أيها المعلم
فأصحاب البنادق السريعة
والكروش المندلقة
يكرهون اللحى.
ربّما وشيتْ بنا قصائدكَ الكبرى
لأنهم لا يحبوّن الشعر
ربّما وشيتْ بنا طفولتي الممزّقة
وفراتي الأبكم العظيم
وحروفي: حروف النقطة والهلال
ربّما لأنهم يكرهون الهلال.
(5)
وهناك في الظلمة كتبتَ:
اللذة أكذوبة واللذة خلاص،
الليل شموع والليل عبث،
المعنى لا معنى له
واللامعنى مليء بالمعاني العظام.
فارتبكتُ وقلت:
أيها المعلم
يا صاحبَ الربيع والطفولة
يا صاحبَ العصفور والغراب
يا صاحبَ الديك والأفعى
يا صاحبَ الفجر والموت والرماد
يا صاحبَ اللصوص والمجانين والأنبياء
لنرجع إلى ضفاف الأنهار المقدسة
دعنا نرجع إلى الماضي.
قلتَ: هيهات
فالتاء ممتدة كقبر
والهاء أسطورة من لحمٍ ودم.
(6)
ثم قال المعلمُ بعد صمتٍ عظيم:
ارجعْ إلى الحروف
والعبْ معها كطفل
انتظرها كما ينتظر المتسوّلُ قطعةَ الذهب
وامشِ في أرضها كالحمامة
وراقصها كما يفعل العندليب.
ارجعْ إلى الحروف
واجعل الشينَ شمساً وشوقاً
والباءَ باباً،
اجعل الدالَ درباً
والجيمَ جوعاً
والحاءَ حاء الحقيقة
واجعل النقطة َسرّي وسرّك.
زلزال
(1)
لستِ نوني
أنتِ ألفي ونوني
صادي وصيرورتي
رائي وطفولتي
موتي وبعثي من الموت.
(2)
جمالكِ حيرة وارتباك
وطولكِ جبل حلمٍ وإيقاع ماء.
(3)
آ..... كأيّ قصيدةِ حبّ أنت
تبدأ بالرقص والتعرّي
وتنتهي بالدفوف والخناجر.
(4)
هذا الذي بداخلي مهووس فيك
وأنا محتار فيه:
أأقتله فأموت
أم يقتلني فتموتين؟!
(5)
هذا الذي بداخلي مجنون
يتوسّل بالكلماتِ ليسحرك
وبالنقاط ليفتنك
وبالحروف،
فأخبريه أن زمننا أميّ
لا يحسن القراءة والتهجيّ
لا يحسن شيئاً سوى التعرّي.
(6)
لا أعرف عنكِ شيئاً
سوى أن طولكِ يحيط بي
وجسدكِ يعلّمني الأزرقَ والأخضر.
(7)
جسدُكِ موسيقى
الكلُّ فيها ضائع
جسدكِ زلزال
الكلُّ فيه ممسك ببوابةِ الموت.
(8)
جسدكِ عدوان
جسدكِ اختطاف وقتل في وضح النهار.
(9)
أعينيني على بلواي فيك
بكلمة
أو قُبلة
أو موعد
أو طعنة خنجر.
(10)
لستِ نوني
فنوني سُرِقتْ وضاعتْ
لستِ ألفي
فألفي محطّم مثل فجر محطّم
لستِ سيني
فسيني سمّ وسرّ وسكّين
فمَن أنتِ
يا موتي وبعثي من الموت؟!
مَن أنت ِ
يا موتي وبعثي من الزلزال؟!
النار والسندباد
* النار
نارُ مَن تلك التي أحاطت بنا
كما تحيطُ المشاعلُ بساحرةٍ عارية:
نارُ جهنم أم نارُ المجوس؟
نارُ الشوق أم نارُ البسوس؟
* الحبّ
في أسفارِ وهمي العظيم
مزّقتُ نقطةَ الحبّ
فوجدتُ فيها الفراغ أبيضَ كالموت
أو أسودَ كشمسِ عيدٍ قتيل.
* الحرف
الحرفُ بستانُ قلبي وتفّاحة دمي
الحرفُ سيدي وشيخي الأعمى الذي يدحرجني
من جبلٍ إلى جبل
ومن صحراء إلى صحراء
ومن مركبٍ غريقٍ إلى آخر يحترقُ بجمالٍ أخّاذ.
* العائلة
الطبلُ دمي
والبحرُ أخي
والأسفارُ أختي
والنارُ أمي
والحرفُ حبيبي
فمَن أنت
أيها الصارخ الدهر كلّه: (النجاة، النجاة)؟
أأنتَ ابني أم أبي؟
تعليق
السندبادُ مسكين
لأنه يحاربُ المللَ والموت
أما أنا فعليّ أن أحارب المللَ والموتَ والنار.
نعم، عليّ أن آكل النار
كلّ صباح
وأن أتعلّق بحرفٍ غريق
لأصل إلى أرضٍ تغرقُ كلّ ليلة
وتطفو كلّ صباح
مثل سندباد ملّ من نفسه
وعنوان بيته.
غزل على طريقة فان كوخ
(1)
لأجلِ أن أشمّ عطرَ حرفكِ المطلسم
الذي يشبه عطر عشتار وبلقيس
فإنني مستعد أن أنبش بقلبي
مكتبةَ آشور بانيبال
وأرتدي درعَ نبوخذنصر ومعاركه الغامضة
وأصف للفقراء والمساكين
مزايا قوانيني: أنا حمورابي العظيم.
(2)
لأجلِ أن أشمّ خفايا حرفكِ اللاذعة
فإنني مستعد أن أضيع
كقبيلةٍ يقتلها العطشُ في الصحراء
كمدينةٍ يمزّقها زلزال مفاجىء
كسحرةٍ يأكلُ بعضهم بعضاً.
(3)
لأجلِ أن أشم ّخفايا حرفكِ البضّة
فإنني مستعد أن أهديك أذني
كما فعل فان كوخ
وأن أبكيكِ العمر كلّه
محاطا ًبالنسور والصقور والثعالب
كما فعل غويا
وأن أترك الحوت يبتلعني
كما فعل ذو النون
وأن أضيّع قائدَ جندي إلى الأبد
كما فعل داود.
(4)
لأجل أن أمسك جمرةَ حرفك
التي تملأ الكفّ
فإنني مستعد أن ألقي بنفسي
في النهر
كأيّ مراهق يحبّ لأول مرّة
ويجنّ لآخر مرّة!
( انتهى القسم الأول )
الصفحة الرئيسية اتصل سجل الزوار