مجموعة (شجرة الحروف) للشاعر أديب كمال الدين:

 

إنتاج الحروفية: إنتاج المعنى

 

 

 

   زهير الجبوري

 

 

تكمن عملية إنتاج الحروف في شعر أديب كمال الدين في آليات منهجية، تضعنا في خانة الكشف عن دلالات مفتوحة ومتنوعة، وعلى الرغم من وضوح تجربة هذا الشاعر في أشتغالاته السابقة إلاّ أن المفارقة الجديدة التي حققها في مجموعته الشعرية (شجرة الحروف) هي استناده على ثوابت متداخلة في عملية صياغة الجملة الشعرية، وفي كوامن ذات خيوط رمزية تمتعت باشتغالات عديدة كالتناص، وانزياح المعنى، واللغة المجازية المكثفة، وغيرها من التوصيلات الأخرى.

        ولعل اللعب في منطقة الحروف هو اللعب في الطاقة اللغوية التي يمكن أن تتشكّل تحت ثوابت فنية معينة لتنتج لنا معنى، وكذلك لتنتج لنا خطاباً معرفياً وجمالياً. إذ "ان طاقة الحروف هائلة، واستيلاد هذه الطاقة وتشكيلها بحاجة إلى احتراف حروفي يفقه أسرار هذه المهنة، ويولد منها إشعاعات تنبثق من النصوص لتصبّ في الواقع، وهذا محكمها النهائي، وغايتها الفضلى". (كما يقول د. حسن ناظم).

        ولكن ثمّة تحوّلات شعرية في نصوص أديب كمال الدين، أعني في اشتغاله الحروفي، كما بدا واضحاً في تجربته الأخيرة، إذ أنه أعطى للحروف سمات وظيفية، سمات حرّكت المضمون من قولبته النظرية والفلسفية إلى مضمون تنقيبي – إن صحّ التعبير-  بالاعتماد على اللعب باللغة وتشكلاتها الحروفية، وكذلك بالاعتماد على رسم الصور الشعرية المكثّفة والأخذ ب (تأطيريتها) وفق مزايا أسلوبية حديثة. وهذا دليل قدرة الشاعر على خلق أساليب أخرى وطرحها تحت المهيمن الشعري، مما تشبّعت به نصوص المجموعة الشعرية (شجرة الحروف). مثال على ذلك في النص الشعري: (وصف)، حيث تنهض الحروفية الشعرية بآلية تناصية للمقاطع الثلاثة المكتوبة:

 

-   1-

سقطتْ دمعةُ الشاعر على الورقة

فرأى فيها أخوةَ يوسف.

 

(شجرة الحروف ص7 )

 

-   2-

هكذا في دمعةٍ واحدة

رأى الجبلَ ينهدّ هّداً.

 

(شجرة الحروف ص8 )

 

- 3-

هكذا في دمعةٍ واحدة

أضاءتْ له الدنيا جميعاً

فأحتار الشاعرُ كيف يبدأ، كيف يقول

ثم رأى أن يصفَ المشهدَ ليس إلاّ!

 

(شجرة الحروف ص9)

 

        إنّ الانفتاح على رؤية الحرف في إنتاج معنى شعري بهذه التناصيّة الواضحة، هو في حقيقة الأمر إحالة المهيمن الحروفي في رسم مشاهد بصرية مقصودة. ف (سقوط دمعة الشاعر) "تدفع هذه اللعبة البصرية إلى واجهة المعنى وتوهّماته"، (كما يقول الناقد علي الفوّاز).  بمعنى حضور المقاطع الشعرية هذه بتوصلاتها الرؤيوية، انطوى على أرضيّة النص المقدّس بأسلوبية تناصيّة طبقت على ذات الشاعر.

        من جانب آخر لا ننسى، بأنّ الوظائف الأخرى التي اشتغلها الشاعر أديب كمال الدين للحروف، كانت لوناً معتماً لجوانب فكرية وفنية معاً، لكن الوظائف هذه كانت ولم تزل تقف بشكل متناظر مع – النقطة- ليتشكّل المعنى المقصود وفق مقصدية مكتملة الجوانب. فالحفر باللغة، وتوليده عن طريق ثنائية الحرف والنقطة، انطوى على أبعاد مجازية مكثّفة بالدرجة الأساس، ركّز عليها الشاعر في مناطق عديدة في اشتغاله الشعري:

 

ليس هناك من شجرةٍ بهذا الاسم

أو بهذا المعنى

ولذا أنبتُّ هيكلي العظمي في الصحراء

وألبسته قبّعةَ الحلم

وحذاءَ طفولتي الأحمر

وعلّقتُ عليه

طيوراً ملونةً اتخذتْ شكلَ النون

ثم وضعتُ عليه

بيضةً صفراء كبيرة

اسمها النقطة!

 

 (شجرة الحروف- ص42)

 

وفي مقطع آخر:

  

فمددتُ يدي في قلبي مرتبكاً

وأخرجتُ شجرةً صغيرةً جداً

مليئةً بالشمس

سمّيتُها شجرةَ الحروف!

 

 (شجرة الحروف- ص 43 )

   

  نلاحظ عملية استعادة الصورة المجازية الشعرية في تجربة أديب كمال الدين التي اشتغل عليها في تجاربه السابقة، كيف تعيد تشكّلاتها تحت هيمنة المشهد الحروفي ليقوم بفتح شفرات فنية تنهض من خلال الصور هذه مع صياغات استعارية جديدة كما في الجمل: (ولذا أنبتُّ هيكلي العظمي في الصحراء) و( بيضة صفراء كبيرة اسمها النقطة) و( وأخرجتُ شجرةً صغيرةً جداً مليئةً بالشمس/ سمّيتها شجرة الحروف)، إذ  "لا تقيم الاستعارة علاقة مشابهة بين مراجع الدلالة، لكن تقيم علاقة تطابق دلالي بين محتويات التعابير". (تأويل الاستعارة: أمبرتو إيكو).

 

 

( استقراء الواقع حروفياً )

 

  والشيء الملفت للنظر أيضاً، أن هناك تراكمات متوالية قد أقحمها الشاعر داخل نصوصه الشعرية فاستثار من خلالها واقعية الحروف والوظيفية التي يقوم بها من خلال الانفتاح على الواقعية المباشرة بصياغات مختلفة، لكنها تعطي الدلالة ذاتها في إنتاج المعنى. إذ قام الحرف بأدوار تربّصتْ بالفعل اليوميّ وفق صياغات مدروسة، هذا يعني أنّ الحرف محكوم عليه بالانطلاق نحو استقراء الواقع، فمهما أسس الاستقراء هذا فعلاً جمالياً/ شعرياً، في تجربة أديب كمال الدين في مجموعته (شجرة الحروف)، إلا أن كينونة الجملة الشعرية قد تشظّتْ إلى اشتغالات موضوعية عديدة لأفعال حسيّة وهاجسيّة، إذ نقرأ في النص الشعري: (هبوط):     

 

قالت النقطة:

أيّها الحرف

إنكَ بحر عجيب

وملك مُطارَد

وساحر يأكلُ قلبه كلَّ شيء

وطفل أضاعَ أمه في الوديان السحيقة

وإله رحيم لكن أتباعه القساة والقتَلَة

 وشاعر أعمى

مهووس بالجنسِ والنارِ والموت.

سكتت النقطة

فنزلت دمعتان من عيني الحرف.

 

(شجرة الحروف ص 95)

 

  وهكذا ركّزتْ نصوص هذه المجموعة على تأصيل الحرف من خلال وقوفه كمهيمن مؤثر داخل مركزية الجمل الشعرية، الأمر الذي انعكس على ذات الشاعر لتكون العملية متداخلة كمضمون واحد لإنتاج الصور الشعرية التي ظهرت في أهم نصوص هذه المجموعة، بل شكّلت تميزاً واضحاً عن باقي اشتغالاته الشعرية السابقة.

 وحين ندرك ان الشعر (الناضج) هو التكامل اللغوي ذاته، فإنّ العلاقة الأصيلة التي تجمعه مع (الواقع)، إنما تقوم على حركة متناهية: حركة تخضع لمهيمنات (ذاتوية) ـ أي من ذات الشاعرـ ليحقق فعله الإنتاجي/ الشعري. وهذا يعني، كذلك، وفي سياق العلاقات التشكّلية، أن السياق الشعري يركّز على أدوات الشاعر مع كلّ ما يعتمده على أرضية واقعية تحقق له إنتاجه الشعري.

        هنا وفي تجربة الشاعر الحروفي أديب كمال الدين تتداخل اللغة المتكاملة لتعطي حركةًً أيقونيةً تقوم على استقراء المعنى الشعري استقراءاً فعلياً وحركياً من خلال توظيف الحروف، لتصبح الحروف في هذه المنطقة- تحديداً- أداةً لكشف ما تخفيه اللغة ذاتها. وهذا ما أحال الوظيفة الواقعية المنتجة للحروف إلى اللعب بقصيدة حساسة ودقيقة، فالمقطع الذي أمامنا ( قالت النقطة:/ أيها الحرف/ إنك بحر عجيب)، إنما يظهر في فعالية اللغة التي تتجلّى في الأداء ( الموندرامي). وهو استقراء مقصود من قبل الشاعر وفقاً لقدرته على امتلاك أداته الشعرية التي تحقق له اشتغالاته الموضوعية، وأيضاً تكرّس له عمقه الشعري للحرف والتنقيب في حروفية الشعر.

 

******************

* شجرة الحروف- شعر: أديب كمال الدين- أزمنة للنشر والتوزيع – عمّان- الأردن 2007

* زهير الجبوري- العراق - بابل

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home