شجرة حروف القصائد ثمارها الغربة والجراح


مدينة عطشى تطلبُ جرعةً فتُلقَمُ قنبلة



حسب الله يحيى

 

 على مدى سنوات.. ظل أديب كمال الدين يشتغل على انتباهة عميقة تتعلق بالنقطة بوصفها أنثى والحرف بوصفه ذكراً.. وما تحمله النقطة والحرف من دلالات وأبعاد . إلا إن الثغرة التي بقيت تحول دون تجذير هذه الانتباهة، تتعلق بتجرد كل من النقطة والحرف اذا ما انفصلا عن بعضهما.. ذلك أنهما لاشيء، وانما تمكن قيمتهما بمدى اتحادهما مع بعضهما ومع بقية النقاط والحروف الاخرى لتشكيل ثراء لغوي هادف ودال. لكن دأب أديب.. يكمن في اصراره على جعل النقطة عالماً فعالاً ومؤثراً يمكن له أن يقيم سلسلة علاقات وامتدادات وصولاً الى معان عدة، حتّى اذا اختلط بالحرف، شكل حضوراً بارزاً ولغة حية.

وفي عمله الشعري الجديد: " شجرة الحروف " الصادر حديثاً يعبر عن فضاء رحب في استخدام النقطة والحرف، وهو الأمر الذي يسوغ له الاستمرار في التلوين على هاتين الثيمتين أو الرمزين أو البعدين.. ضمن حالات وصور شعرية جديدة:

 

حينَ قبـّلَ الحرفُ النقطة

اكتشفَ الوردة

وحينَ احتضنها بقوّة

اكتشفَ الحبّ

وحينَ أطلقها لتطيرَ فوق قلبه

اكتشفَ الهذيان

وحينَ صهرها ما بين ذراعيه

اكتشفَ اللّذة.

 

وفي استخدام آخر ومعطى مضاف يقول:

 

أنا النقطة

أنا الشمسُ المكتملة

وأنتَ البحر اللانهائي،

أيّها الحرف،

أهبطُ فيكَ شيئاً فشيئاً

حتى أختفي تماماً

لتصبح أحمرَ بدمي

بمحبّتي

بطيورِ طفولتي.

 

وأديب.. في هذا المنجز الشعري، يعيش الحدث العراقي بعمق ولهفة ومؤثرات شديدة الوطأة عليه وهو في غربته (أستراليا) دون أن نجد تاثير المكان الأخر فيه.. وهو الأمر الذي يجعلنا ندرك مديات الجذر الوطني الموغل في أعماقه يقول:

 

تعبتْ بغداد من ثيابِ الدم

تعبتْ وبكتْ

وحين طلبتْ جرعةَ ماء

أعطوها قنبلةً للموتِ وسيفاً للذبح

وحين طلبتْ رغيفَ خبز

أعطوها رمحاً من نار

وحين طلبتْ شمساً

صادوا شمسَ الله

حتى لا تحضر يوماً ما

لشوارع بغداد.

 

وبغداد البعيدة.. اقتربت من الشاعر،وخاطبت هواجسه، وتعانقت مع أدق تفاصيل وجوده، في وقت غاب فيه المكان الذي استقبله واحتضن غربته، دون أن يجد صداه في أعماقه.ومع أن بغداد: الشمس والوجع/الجرح والدواء/القاتل لهفة، والقتيل براءة، الا أنها تظل القيمة العظمى والأزلية لدى شاعر ينتمي اليها بوصفها: المكان الأثير والناس الذين يعرف ويعشق ويتألم ويعاني ويفرح.. ضمن محيط يبتهج به، ويحتفي بوجوده..بينما تشكل الغربة ثقلها عليه، ولهفتها على حضوره:

 

ثم صمتَ الغريبُ طويلاً وقال:

أيّها النبع،

هل عندكَ دواء للسأم؟

* قالَ النبع: لا.

وهل عندكَ دواء للغربة؟

* قالَ النبع: لا.

وهل عندكَ دواء للموت؟

* قالَ النبع: لا.

فضحكَ الغريبُ ثانيةً

حتى اغرورقتْ عيناه بالدموع.

 

على أن أديب كمال الدين وتجربته الشعرية الطويلة، لم تجعله يتخلص من مؤثرات شعرية عالمية شكلت ثقلها على شعره، وتركت بصمته في عالمه وصوره ورؤاه.

لنقرأ قصيدته ( فؤوس ) كاملة:

  

أنا والشجرة ُسنهرم

هي ستفقد شيئاً فشيئاً

ثمارَها وأغصانها

وأنا سأفقد شيئاً فشيئاً

شعري وأسناني.

هي ستسقط ُعلى الأرض

ليأتي الحطّابون فيقطّعوها بالفؤوس

إرباً إرباً

وأنا سأسقط ُعلى الأرض

ليأتي الحطّابون فيدفنوني في الأرض.

لن أحتاج إلى مَن يقطّعني

لأنّ عظامي ستنهارُ شيئاً فشيئاً

ثم تتحوّلُ إلى تراب

في هدوءٍ

ودون فؤوس!

 

والآن.. الا تذكرنا هذه الصور والمعاني معا بقصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير التي يقول فيها:

 
 كلنا سنوت غداً

الملك من الضجر

الحمار من التعب

وأنا من الحب .

 
نعم إن التفاعل والتجاذب والتأثير... كلها قائمة وفاعلة في حياتنا وكتاباتنا، لكن شرط الإبداع أن لا نقلد، وانما ينفلت ببراعة من هذا التقليد، حتّى يكون صدى صوته، وانفعال ذاته وصورة بهائه.

كذلك نجد أديب يحمل معاناته في سائر نقاطه وحروفه.. حتّى تستوي عند الغربة لتكون معادلاً للوجع العراقي في الداخل. يقول:

  

قالت النقطة:

أيّها الحرف

إنّك بحر عجيب

وملك مُطَارَد

وساحر يأكلُ قلبه كلَّ شيء

وطفل أضاعَ أمّه في الوديان السحيقة

وإله رحيم لكنّ أتباعه القساة والقَتَلة

وشاعر أعمى

مهووس بالجنسِ والنارِ والموت.

سكتت النقطة

فنزلتْ دمعتان من عيني الحرف.


هذا التوظيف قائم في كل ألوان التعبير.. ومنذ الأزل، لكن الشاعر يعده من اكتشافه، من بصمة صنعها بنفسه وراح يعمل فيها وينحت من خلالها كل ما يريده من إرث إبداعي ينطق ويعبر عن خلجات روحه..وقد تمكن فعلاً من تسويغ ما يريد عبر النقطة والحرف، عبر تداعيات مختلفة، وصولاً الى ما يحمله من دفق شعري، ومعانقة تمثل للوجود، واكتشافاً للزمان والمكان ومن زوايا مختلفة.. تمكن منها الشاعر لما يملكه من تطلعات إنسانية سامية، وأبعاد فكرية يقظة.

 

***************************

نُشرت في صحيفة الزمان  بتاريخ 1 تشرين أول - أكتوبر 2007

 

 


الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home