سمير عبد الرحيم أغا

 

جماليات التشكيل اللوني في شعر أديب كمال الدين

 


منشورات جامعة ديالى العراق 2017

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ن والقَلَمِ وَمَا يَسْطرُون.

سورة القلم. الآية 1

 

 

 

 

 

المحتويات

 

المقدمة

تمهيد : معنى الجمالية

الفصل الأول : التشكيل السردي في شعر أديب كمال الدين

الفصل الثاني : جمالية  التشكيل اللوني في شعر أديب كمال الدين

الفصل الثالث: تشكيل الحرف: تشكيل اللون في مجموعة: (أربعون قصيدة عن الحرف)

الفصل الرابع: جمالية التكرار في مجموعة: (أقول الحرف وأعني أصابعي )

الفصل الخامس: جمالية  الصور القرآنية في مجموعة (مواقف الألف)

الفصل السادس: جمالية الرمز في  مجموعة (الحرف والغراب)

الفصل السابع: التضاد اللوني في قصيدة) الغراب والحمامة)

الفصل الثامن: السينما والتشكيل الشعري

الفصل التاسع: جمالية  الحوار في شعر أديب كمال الدين

المصادر والمراجع

المؤلف في سطور

 

 

 

 

المقدمة

 

 

     طرق الوصول إلى النص متعددة ومن أهم تلك الطرق اللغة ، لأنها هي البناء أو اللبنة التي يتشكّل منها النص الشعري والوصول إلى جمالياته، فلكل شاعر لغته الخاصة التي تشكل معجمه الشعري ، وقد مثل الشعر  النتاج الأساسي لأدبية الخطاب العربي على مدى خمسة عشر قرنا ، لعب خلالها دورا رئيسا في تشكيل الثقافة العربية وإثرائها .

   لا تزال قضية الشعر أو جمالية الشعر من القضايا الساخنة التي تثير  جدالا في الساحة النقدية المعاصرة ومن خلال هذا البحث نحاول البحث عن خصائص الإبداع الجمالي وشروط جماليته في الشعر العربي المعاصر، وإن ما يميز الشعراء عن بعضهم البعض هو الجانب الفني أو الجمالي صورة ولغة وأسلوبا وفكرة وخيالا ، وحتى يكون للنص الأدبي صدى وقبولا لدى المتلقي لا بد أن يتوفر على القيم الجمالية والشعرية ، وغايتنا الكشف عن هذه الجماليات التي يتضمنها النص والتي تخلّده. 

كما أن المزج بين الأجناس الأدبية أو ما يسمى بتداخل الفنون الأدبية أو حوار الأجناس أصبح هو الموضة التي نراها اليوم حيث أصبح النص الشعري قصة شعرية يتداخل فيها الإيقاع مع السرد والقصة القصيرة - وأن الفنون من أهم العناصر التي تشكل جمال النص .

 وقد اخترنا الشاعر أديب كمال الدين  إذ يعتبر ظاهرة في حركة الشعر الحديث وحرفا منفردا في مسيرة شعراء الحداثة يعتمد التوسط في حداثته ولديه القدرة على التعدد، وهو موضع اهتمام الكثير من الباحثين والنقاد، حيث تناوله الدارسون من زوايا عديدة ومختلفة وخاصة من زاوية الأسلوب الجمالي . إن  الحرف واللون أهم ما يميز تجربة أديب كمال الدين فنيا وجماليا ،  ومع ذلك فإن شعره لم ينل حقه من الدراسة ولا يزال  نصه الشعري بابا مفتوحا أمام  كل باحث في الإبداع الشعري من خلال ) الجماليات  في شعره ( فهو لا يزال مجالا خصبا وفي حاجة إلى دراسة عميقة ومستفيضة، وللإلمام بهذه المادة كان اختيارنا لدواوينه:) ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة)، (شجرة الحروف)، ( أربعون قصيدة عن الحرف ) أقول الحرف وأعني أصابعي ) مواقف الألف)، (الحرف والغراب) ) إشارات الألف ( ، ) رقصة الحرف الاخيرة) التي رسمت بنية جملته الشعرية والصورية  وكانت فيها مظاهر تشكيلية متميزة ، ومرآة عاكسة لذاته من الوطن إلى المنفى، وهي مصدر ثراء كتابة نصّ مفعم بالمشاعر والأحاسيس  وما يحمله من قيم دلالية.

  وقد قسمنا بحثنا هذا إلى تسعة فصول :

      الفصل الأول خُصّص لدراسة التشكيل السردي في شعر شاعرنا  من خلال التنوع في السرد  في ديوانه (شجرة الحروف)  حيث ناقشت كيف وظف السرد في الشعر وتداخل معه مضيفا  دلالات تشكيلية لشعره.

      وخُصص الفصل الثاني لمسألة جمالية  تشكيل اللون في شعره من خلال ديوانه : (ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة) ووصفه المحسوسات والمعاني لونيا.

      أما الفصل الثالث فقد تناول  تشكيل اللون  في الشعر ، من خلال رصد تشكيل الرسم  في مجموعة : (أربعون قصيدة عن الحرف ) وما تجسّده  اللوحة  في القصيدة  .

أما الفصل الرابع  فقد خُصص لمسألة جمالية التكرار في ديوانه : (أقول الحرف وأعني أصابعي) .

     وتناول الفصل الخامس جمالية توظيف الصور القرآنية في مجموعة: (مواقف الألف) وقد وظف الشاعر الصور القرآنية عبر انفتاح النص الأدبي على النص القرآني

   أما الفصل السادس  فقد خُصّص لمسألة جمالية الرمز و الرمزية في ديوانه : (الحرف والغراب).  والرمز هو طريقة في الأداء الادبي تعتمد على الايحاء بالأفكار والمشاعر ، وقد استمد الشاعر العديد من الشخصيات ووظفها توظيفا رمزيا خدمة للمنحى الدرامي .

    أما الفصل السابع  فقد خُصّص لموضوعة  التضاد اللوني في شعره، من خلال  قصيدة من قصائد ديوانه :الحرف والغراب.  وفيه يتداخل اللونان المهيمنان على الفضاء: الأبيض والأسود ، حيث يعدان من أكثر الألوان المعروفة في ترتيب السلم اللوني وفي التداول والاستخدام  .

أما الفصل الثامن  فقد خُصّص لجماليات السينما في شعره، وتناول قصيدة من ديوانه : رقصة الحرف الأخيرة ، مع قصيدة من مجموعته: شجرة الحروف، عبر توظيف الشاعر الأساليب السينمائية داخل النص المعاصر  كالمونتاج وغيره ، لأن اللغة الشعرية المشتركة مع الفنون تقرأها فتشعر أنك تشاهد فلما .

في حين  تناول الفصل الأخير جمالية  الحوار عند الشاعر.

أخيرا أقول: إن هذا البحث هو بحث في الإضافات التي حاول الشاعر أديب كمال الدين  أن يقدمها للشعر العراقي المعاصر عن طريق توظيفه للفنون شعريا  وهو محاولة لإبراز العناصر الجمالية على المستوى المكاني - التشكيلي - السردي في البناء الشعري وفق المنهج الجمالي.

أرجو أن يكون هذا البحث قد ألمّ ولو بقدر بسيط ببعض الجوانب لجماليات الفنون  في شعر أديب كمال الدين.  حسبنا أننا اجتهدنا وحاولنا ومن الله التوفيق.

.....................................................

ملاحظة : فصول الكتاب التي هي في أصلها قراءات تناولت مجموعات الشاعر أديب كمال الدين  كانت قد نُشرت في الصحافة ومواقع النشر الالكتروني بدءا من عام 2010 .

 

 

 

 

سيرة موجزة للشاعر

 

 

 أديب كمال الدين شاعر ومترجم وصحفي من العراق مقيم حالياً في أستراليا. ولد عام 1953 في محافظة بابل. تخرّج من كلية الإدارة والاقتصاد- جامعة بغداد 1976. كما حصل على بكالوريوس أدب انكليزي من كلية اللغات- جامعة بغداد 1999، وعلى دبلوم الترجمة الفوريّة من المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا 2005. أصدر 18 مجموعة شعريّة بالعربيّة والإنكليزيّة كما تُرجِمتْ أعماله إلى العديد من اللغات. نال جائزة الشعر الكبرى عام 1999 في العراق. واخْتِيرَتْ قصائده ضمن أفضل القصائد الأستراليّة المكتوبة بالإنكليزيّة عاميّ 2007 و 2012 على التوالي.

صدرت عشرة كتب نقديّة عن تجربته الشعريّة، مع عدد كبير من الدراسات النقدية والمقالات، كما نُوقشت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت أعماله الشعريّة وأسلوبيته الحروفيّة الصوفيّة في العراق والجزائر وإيران وتونس.

* صدرت له المجاميع الشعرية الآتية:

- تفاصيل ، مطبعة الغري الحديثة ، النجف، العراق 1976 .

- ديوان عربيّ ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1981 .

- جيم ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، العراق 1989.

- نون ، دار الجاحظ ، بغداد ، العراق 1993.

- أخبار المعنى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد، العراق 1996.

- النقطة (الطبعة الأولى) ، مكتب د. أحمد الشيخ ، باب المعظّم، بغداد، العراق 1999.

- النقطة (الطبعة الثانية) ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان 2001.

- حاء ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،  بيروت، لبنان 2002.

- ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة ، دار أزمنة للنشر والتوزيع ، عمّان ، الأردن 2006.

- شجرة الحروف ، دار أزمنة للنشر والتوزيع ، عمّان ،الأردن 2007.

- أبوّة Fatherhood ، (بالإنكليزية) دار سيفيو، أديلايد، أستراليا 2009.

- أربعون قصيدة عن الحرف ، دار أزمنة للنشر والتوزيع ، عمّان، الأردن 2009

- أربعون قصيدة عن الحرف، Quaranta poesie sulla lettera  (بالإيطالية: ترجمة: د. أسماء غريب)، منشورات نووفا إيبسا إيديتوره ، إيطاليا 2011.

- أقول الحرف وأعني أصابعي ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، لبنان 2011.

- مواقف الألف ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، لبنان 2012.

- ثمّة خطأ Something Wrong ، (بالإنكليزية) دار ومطبعة Salmat ، أديلايد ،أستراليا 2012.

- الحرف والغراب ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، لبنان 2013.

- تناص مع الموت: متن در متن موت (بالأورديّة: ترجمة: اقتدار جاويد) ، دار كلاسيك ، لاهور، باكستان 2013.

- إشارات الألف ، منشورات ضفاف ، بيروت ، لبنان 2014

- الأعمال الشعرية الكاملة: المجلّد الأوّل، منشورات ضفاف ، بيروت ، لبنان 2015

- رقصة الحرف الأخيرة ، منشورات ضفاف ، بيروت ، لبنان 2015

- في مرآة الحرف ، منشورات ضفاف ، بيروت ، لبنان 2016.

- الأعمال الشعرية الكاملة: المجلّد الثاني، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2016

موقعه الشخصي:      www.adeebk.com

 

 

 

 

تمهيد

 

معنى الجمالية

 

 

 

 

الجمال :

       محاولات تعريف الجمال كثيرة ، فالفيلسوف  توماس اكوانيس  عرّف الجمال بإسلوب مقبول (على أنه ذلك الذي لدى الرؤية له  يسر لمحض كونه موضوعا للتأمل  (1) كما أن الجمال شأن جميع الخصال الأخرى التي تمثل أمام الخبرة البشرية مسألة نسبية ويصبح تعريفها دون معنى أو فائدة بالقياس إلى صفتها التجريدية .وقد سخّر الله تعإلى بإذنه بعض الناس أن يكونوا صناعا للجمال كالمعماري والخطاط والقاص ... الخ. أما مفهوم الجمال عند اليونانيين ، فإنه كان نقطة انطلاق لفلسفة معينة من الحياة .ويرى سقراط في حديثه مع أحد تلامذته أن كل شي ذا فائدة هو رائع جميل (2 ) ويرى أفلاطون أن الخير من أعلى مراتب الجمال ، وأن الجمال الحق هو ما يصور الواقع من خلال مثل الجمال  .

  الجمال في المصطلح :

      كثرت اشتقاقات لفظ الجمال فقد تجد بينها اشتراكا في المعنى ، وقد ورد لفظ الجمال في الحديث النبوي الشريف في قوله عليه الصلاة والسلام (إن الله جميل يحب الجمال .( وقد أورد الالباني نص الحديث الصحيح برواياته المختلفة ،قالوا عن الجمل : إنه الذكر من الابل ، وقالوا : الجمل والناقة بمنزلة الرجل والمرأة .و    الجمال مصدر الجميل والفعل جمل وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( ، سورة النحل آية  6 أي بهاء وحسن ، وعن ابن سيدة : الجمال الحسن يكون في الفعل والخلق ، وقد جمل الرجل بالضم جمالا ، فهو جميل وجمال والجمال أجمل من الجميل ، ووُصِفت المرأة إذا حسنت بالجمال ، فقيل جميلة وجملاء، ومن المجاز فلان يعامل الناس بالجميل وجامل صاحبه مجاملة ومنه قيل أيضا أصبت بمصيبة فتجمّل : أي تصبّر ، ومن الجمال اشتقت دلالات أخرى لها علاقة بالحسن فيقال جامل الرجل مجاملة إذ بادله الجميل ووصف الاخاء فكان المجامل هو الذي يظهر الحسن والجميل من خلق في تعامله مع الآخرين . وكثرت تعريفات الجمال من خلال النظريات المتعددة التي نظرت إلى مهمة الجمال ومعاييره ، ولهذا وجدنا جان برتملي)  لا يذكر تعريفا محددا للجمال وإنما يكتفي بالقول بأنه فكرة مختلطة غامضة ، وان( فكرة الجمال هي من أكثر أفكار علم الجمال غموضا والجميل شأن الحق والخير يعيش فوق العقل والمنطق والعمل ، تتحول فكرته مع تحول فكر كائن  (3) والجميل شيء لا يمكن أن  يُعرّف..

إن الجمال يتوقف على النسب التي تتوافر في الأشياء  بينما التذوق الجمالي يتوقف على الفرد ، فالتكوين اللوني يحقق توافقا في شيء ما فيؤثر في النفس والعين تأثيرا حسنا وقد حدد بيرك  شروط الجمال في الفن والرسم خاصة والشيء الجميل ورأى أنها تتمثل في النظام والضآلة والرقة والتنوع المفرح والتدرج ين الأجزاء (4) ،  وقد تكون كثرة الألوان وجمال تدرجها وتداخلها سببا في الجمال والحسن وهذا ما نراه في الطاووس إذ يظهر جماله للعيان في تعاريج ريشه وتهاويل ألوانه ..فالجمال مرتبط بالبصيرة وبتقدير مَن يحسّ بجمال الانسجام وتكافؤ خصال الحسن .(5)

الجماليات :

     تعرضت الجماليات لأبحاث عديدة في كل زمان ومكان عبر تأريخها الطويل حتى استطاعت أن تحتل مكانها بين  الآداب والفنون والفلسفة وعلم الاجتماع . إن الجماليات عامة قد تواجدت عبر طريق تأريخي طويل يمثل آلاف السنين في تاريخ تطور الثقافات المختلفة  (5) تفيد الجمالية بمعناها الواسع محبة الجمال كما يوجد في الفنون بالدرجة الأولى (وقد ظهرت الجمالية أول مرة في القرن التاسع عشر مشيرة إلى شيء جديد ليس محض محبة الجمال بل قناعة جديدة بأهمية الجمال  (6) وعندما تشير الكلمة إلى الجمالية  فهي لا تشير إلى الجميل حسب ولا إلى محض الذات الفلسفية لما هو جميل ، لكن إلى مجوعة معينة من المعتقدات حول الفن الجمال ( ولم تكن (الجمالية ظاهرة واحدة بسيطة ، بل مجموعة ظواهر مترابطة تعكس جميعها قناعة بأن التمتع بالجمال يقدر وحده أن يعطي الحياة قيمة ومعنى (7) وأن أرسطو من أكثر المهتمين بمشكلة الجمال سواء كان في ما قدمه أو فيما راجعه من نظريات وأقوال من سبقوه في هذا المجال ، و ظل الحال هكذا حتى جاءت جمالية المذهب الحسي في عصر النهضة على يد (لوك ( وهي جمالية تبحث في اللجوء إلى الموضوعات المثيرة في الأدب والفن وأثر ذلك في النفس .

يقول ( هربر ريد ( الإحساس بالجمال الذي يبدأ أول ما يبدأ بتصور المميزات المادية : الألوان والأصوات والحركات ثم تنتهي بتنظيم هذه التصورات في أشكال وصور متنوعة ممتعة وهي بتعبير آخر تمثل بدايات شعور الإنسان بالجمال والاستمتاع به(8) 

    وهناك من رأى في  الفن والجمال أكثر من مهمة ، فهو ليس وسيلة إثارة انفعال وتعاطف ، وإنما يسهم في تقرير حقيقة.  يؤكد (هربرت ريد) الصيغة المعرفية للفن ويرى أن الهدف الأساسي للفنان مثله مثل رجل العلم الذي هدفه تقرير الحقيقة .كما أن إدخال العنصر الجمالي كعامل تربوي مهم  في منهج تربية النشء .

   وهكذا يكون مفهوم الجمال مختلفا من عصر إلى آخر، من مفكر إلى آخر ، ومن فنان إلى غيره وفق توجهه الفكري والنفسي حتى صار علم الجمال فصلا من فصول الفلسفة والفن في الفكر الحديث .

وقد وجد المضمون الأدبي للجمالية أوضح تعبير لها في علاقتها بالشعر وكان أول عمل مهم للآراء الجمالية في الشعر والأكثر إحالة : الشاعر الانكليزي أدغار ألن بو (1809- 1948) وهكذا أصبحت الجمالية منهجا نقديا له أسسه وقواعده التي يُبنى عليها ومقوماته وتطبيقاته   .

جماليات الفنون :

     لكل الفنون جماليات ومن هذه الفنون ، فنون التصوير الفوتوغرافي ، الرقص ، الرسم ، المسرح ، السينما ، الراديو ، الأدب ، ولكل هذه الفنون مقاييس ومقادير تثبت العلاقة الجمالية الموجودة في هذه الفنون وهناك فنون أخرى .. النحت .. السيرك .. الإعلان . الشعر.. الكتاب ..الخ، رغم أنه ليست هناك تحديدات قاطعة بالنسبة للفنون الجميلة لكن هناك اتفاقا أو عرفا على الفنون التي يشملها هذا التعبير.  فمثلا يرى بعض الجماليين أن باستطاعة فن التصوير الفوتوغرافي أن يشمل العنصر الجمالي على حد تعبير  (يوجاف سيجاتي)  فما يقدمه من صور تحمل وجهة نظر المصور وخاصة في تصوير لوحات الفن التشكيلي بما يمكن من العثور على كثير من الإحساس وعناصر الجمال .

  الجمالية تهتم بجميع الفنون (الأدب ، الموسيقى ، الرسم ، العمارة ، النحت ).  في فن الفيلم نرى أن الصور المتتابعة والمتلاحقة الواحدة تلو الأخرى تختلف وضعيتها هي الأخرى بأمكنة زوايا متعددة ، أضف إلى ذلك فعل التوليف أو المونتاج وهي عملية تلصيق الصورة الواحدة بعد الأخرى ثم إعادة الصورة المنفردة الصغيرة جدا إلى صورة جديدة أخرى هي صورة المشـــهد السينمائي، أما في العمل المسرحي فإن العناصر الجمالية تقع بين العمل المكتوب ونقصد به النص المسرحي وبين العرض الفني الذي يحتوي الأدب المسرحي وفنون أخرى مشاركة تكثر وتقل بحسب الحاجة ووفق متطلبات كل مسرحية.

    أما في الموسيقى فتحتل مكانا كبيرا ومساحة عريضة بين الجماليين بإعتبار مادته من بقية الفنون الأخرى التي لا تزال محط أنظار علماء الجمال  (9) 

ولعل آراء أفلاطون في الموسيقى هي الآراء التي تتسم بالتفصيل والتحديد، إذ كان يرى استخدامها في تحقيق الأخلاق الصالحة. ويرى أفلاطون أن الموسيقى هي أرفع الفنون عامة مستندا في نظرته هذه إلى التاثيرات الناتجة  عن الألحان التي تسير مباشرة إلى داخل الإنسان.

الفن في العصر الحديث يجب أن يلعب دورا في تنمية المجتمع ورقي الإنسان  كما أن تعامل الفنون مع عناصر كثيرة تمثل وسائل تعبير في فروعها المختلفة مثل : الخط ، اللون : الظل ، النور ، المساحة ، العمق ، السطح ، الزوايا المختلفة ، النتوءات البارزة وعدد لا يُعدّ ولا يُحصى ، من عناصر أخرى  كما أن الفن هو التعبير الجمالي عن فكرة أو ذوق معين وهو ميدان جدّ واسع وثري مثل الرسم ، الطبخ ، السينما ، الموسيقى ، فن العمارة ، فنون التلوين ، التصميم ، الخ. والفن الصحيح هو الذي يهيّئ الطلاء الكامل بين الجمال والحق وقد تعددت تصانيف الفنون تعدد  رؤى المفكرين  : الفنون السمعية،  وتضم  فن الترتيل ، الموسيقى ، الغناء ، الإنشاد ، أما الفنون البصرية فتضم فن العمارة ، النحت ،النقش ، الخزف ، الخط ، الزخرفة ، الرسم ، الكاريكاتير ، الرسوم المتحركة ، المسرح ، السينما ، أما الفنون القولية فتضم : فن الشعر ، فن القصة ، الرواية ، الخطابة .

................................................

هوامش التمهيد 

                موسوعة المصلح النقدي / الجمالية ، ت:  د عبد الواحد لؤلؤة ، المؤسسة  العربية للدراسات والنشر 1983

                 فصول  في علم الجمال / عبد الرؤوف البرجاوي بيروت، الآفاق الجديدة 1981

                بحث في علم الجمال، جان برتليمي ، دار النهضة القاهرة ،  1970 ص 10

                الحيوان ، الجاحظ ، ت عبد السلام هارون ، مطبعة الحلبي،  القاهرة 1945  ص 243

                جماليات الفنون ، د. كمال عيد / الموسوعة الصغيرة، بغداد 1980

                 موسوعة المصطلح النقدي ، الجمالية ، ت :د. عبد الواحد لؤلؤة،  المؤسسة العربية لدراسات والنشر ، بيروت ص 20

                جماليات الفنون ، د كمال عيد،  الموسوعة الصغيرة، بغداد  1980

                 فصول في علم الجمال ، المصدر نفسه ص 105

                جماليات الفنون ، د كمال عيد ، الموسوعة الصغيرة ،  بغداد  1980

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصـل الأول

 

التشكيل السردي في شعر أديب كمال الدين

 

 

      حفل الشعر الحديث بالعديد من الظواهر الفنية وقد كان البناء السردي أشد ظهورا . و(تجلى ذلك من خلال دخول عناصر البناء القصصي في بنية القصيدة . على الرغم من وجود عنصر واحد أو أكثر من عناصر القص في النص الشعري) ( 1)

     إن السرد  كظاهرة طغت على الكثير من الشعر الحديث وبرزت في القصائد بأشكال هي أقرب للقصة منها للشعر ، فكل قصيدة تمثل سردا لإحداث سابقة أو حالية وهذا يمثل تداخل أو تمازج بين جنسين أدبين، هما الشعر والقصة ، فيمتلك المبدع فيها  شخصيتين: الشاعر والقاص  في آن واحد، كما أن السرد يقوم  بدور مهم في إثراء تجربة الشاعر الفنية وتماسكها وإن إدراج آلياته في ثنايا النص الشعري يعمل على تقوية بناء القصيدة ويعزز مستوياتها المتعددة تركيبا وإيقاعا ودلالة .كما يُعدّ السرد  مظهرا من مظاهر الهروب من الغنائية الذاتية المنعزلة عن الآخر إلى الدرامية الموضعية وهو ليس من منجزات شعراء الحداثة وإنما هو أسلوب مألوف في التراث الشعري، وهناك نماذج عديدة من الشعر العربي االقديم والمعاصر استخدمت فيه عشرات القصائد الأسلوب القصصي .

       في قصائد أديب كمال الدين الكثير من السرد القصصي فهو شاعر يكتب حرفا وشاعر يكتب معنى  .كما أنه سعى إلى تضمين قصائده  حدثا واحدا أو أكثر. والواقع أن اسلوب السرد القصصي لم يكن غائبا عن نصوص أديب كمال الدين الشعرية فهو يشكل نمطا من أنماط شعريته وآلية من آليات إنتاج إبداعاته وقد تجلّى العنصر السردي في مجموعة غير قليلة من قصائده استندت في بنيتها إلى تقانات السرد المتنوعة من عرض ونمو وحوار ووصف سردي.

  يعرف السرد في الفن الدرامي بأنها الطريقة التي يختارها الراوي ليقدم بها الحدث إلى المتلقي أو هو نقل الحادثة في صورتها الواقعة إلى صورة  لغوية (2)

يقول الشاعر في قصيدة: الزائر الأخير  / ديوان شجرة الحروف:

 

كانَ يجلسُ في الغرفةِ المجاورة

شابٌّ أنيقٌ بثيابٍ سود،

ينظرُ إلى السقف

بعينين فارغتين من أيّ شيء،

ويضع على ركبتيه

كتاباً على هيئةِ حقيبة

أو حقيبة على هيئةِ كتاب.

حينَ ناداني

دخلتُ مرتبكاً

كجثّةٍ تسقطُ في البحر.

قالَ بلغةٍ مُبهمةٍ كلاماً عجيباً