فيروز

شعر: أديب كمال الدين

 

 

كنتُ أسمعُها منذ الطفولة،

منذ الدشداشة اليتيمة

والسرير الوحيد،

منذ السماء البعيدة التي كانتْ

تتساءل

كلّ يومٍ عن سرِّ دموعي،

ومنذ الأرض القريبة التي أتعبتْني

خياناتُها

ونزواتُها

وشياطينها،

كنتُ أسمع:

"زوروني كلّ سنة مرّة"،

وأنتظرُ في لهفةٍ

وأنا أرتدي قميصاً من لوعةٍ وشموع.

لكنَّ السنوات كانتْ

سنوات الأيتامِ على مائدةِ اللئام،

لذا لم يصلْ

إلى بابِ روحي أحد

ولم يزرني أحد.

وكنتُ أسمع:

"شايف البحر شو كبير"،

لأرى البحرَ، بعد حين،

أقسى من خناجر النساء

وسيوفِ البرابرة.

وكنتُ أسمعُ، أسمعُ حتّى سمعتُ:

"ضاق خِلْقي يا صَبَي"،

فقلتُ بلسانٍ فصيح:

الصبيُّ صارَ قابَ قوسين

من الأربعين

أو الخمسين

أو الستين،

ولم يزلْ كلّ يوم

يسمعُ فيروز

ليتلفّتَ مثل طير تائه

ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال

تحت شمس صوتِها الوارفة،

وليبادلَ أحلامَه المتشظّية

بأمطارِ صوتِها التي لا تكفّ

عن الهطول،

وليكتبَ فصول عذاباتِه

وسط شتاءاتها التي لا تتوقّف

عن ممارسةِ الحنين،

وليحدّقَ في النقطة

ساعة تشييعِ الأمل

إلى مثواه الأخير،

وليرقصَ مع الحرف

وسط الطريق الفسيحِ إلى المقصلة.

 

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home