آليات التعبير في شعر أديب کمال الدين

 

 

د. رسول بلاوي

 

 منشورات ضفاف، بيروت، لبنان  2015

 

 

 

  

 

 

المحتويات

                                           

العنوان                                                         الصفحة

المقدمة

أسئلة البحث

خلفية البحث

الفصل الأول: اللغة الشعريّة

المعجم الشعريّ

الموت

المرآة

السفر

الغربة

النهر

الفرات

الفصل الثاني: ظاهرة التکرار

التکرار

تکرار الحرف

تکرار الکلمة

تکرار العبارة

الفصل الثالث: التواصل بالرموز (الحروف) ودلالاتها

الرموز

رمزية الحروف

الحاء

الباء

النون

النقطة ودلالاتها

الفصل الرابع: التناص القرآني

مفهوم التناص

التناص القرآني

الفصل الخامس: استدعاء الشخصيات الدينية

استدعاء الشخصيات

استدعاء قصة نوح (ع)

استدعاء قصة يوسف (ع)

استدعاء شخصية الإمام الحسين (ع)

الفصل السادس: الألوان ودلالاتها

الألوان

اللون الأسود

اللون الأبيض

اللون الأحمر

اللون الأخضر

اللون الأزرق

اللون الأصفر

المصادر والمراجع

سيرة ذاتيّة  للشاعر أديب كمال الدين

 

 

المقدمة

 

 

 

للشاعر أديب کمال الدين نصيب من اسمه فهو أديب مبدع متألق. يتفرّد بتجربته الشعريّة الثرّة، إذ اعتمد ثنائية الحرف والنقطة في جميع دواوينه، فهما مشروعه الحياتي والشعريّ، ولا شك أنّ وجوده الإبداعي يتوقّف على هذه الثنائية. لم يزل عطاؤه الأدبي مستمراً ولم يکتمل بعد. ففي کلّ فترة يطلّ علی الساحة الأدبية بمجموعة جديدة؛ ومع أيّ مجموعة من هذا الفيض الإبداعي نجد الشاعر متجدّداً فيها مع المحافظة علی سماته الأسلوبية المرکزية، مبدعاً في اكتشاف وخلق المجازات والتقنيات والصور الجديدة. إنه يتناولُ الكثيرَ من الموضوعات والأغراض الشعريّة بجمالية ورقّة عاليتي التأثير، ومن خلال خيال واسع خصب مبني على اطلاع واسع في الشعر والأدب ونظر ثاقب وبصيرة نافذة، ومن خلال لغة غزيرة القاموس جليلة الاستخدام ثاقبة التعبير جميلة جزلة فخمة الإيقاع رقيقة الإيحاء واللفظ.

اتخذ أديب کمال الدين التجربة الحروفيّة هوية فنية وأسلوبية له، على مدى إصداراته الشعريّة التي تبدأ بديوانه تفاصيل (1976) ولتترسخ في إصداراته اللاحقة مثل: "ديوان عربي" ثم "جيم" و"أخبار المعنى" و"نون" و"حاء" و"النقطة" و"ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة"، "شجرة الحروف"، و"أربعون قصيدة عن الحرف"، و"أقول الحرف وأعني أصابعي"، و"مواقف الألف"، و"الحرف والغراب"، و"إشارات الألف"، و"رقصة الحرف الأخيرة". والمتأمّل في عناوين هذه الدواوين يدرك مدی اهتمام وعناية الشاعر بهذا المشروع الحروفيّ الذي اتّخذ من الحرف والنقطة وسيلة للتعبير عن رؤاه و أفکاره.

استطاع الشاعر من خلال تجربته الحروفيّة أن يستكمل تخليق الشعريّة الحداثية وشحنها بطاقات وآليات وتقنيات تشكيليّة وخطيّة اشتغل عليها بمهارة وحذق، وحدّد منظوراته الشعريّة من خلالها لتسهم في تخليق الكتابة الشعريّة الجديدة وتنويعاتها الدلالية وشفراتها المستقرة في البنية السطحية والعميقة. توغل قصيدة الشاعر أديب كمال الدين، ونصوصه المختلفة، في عالمها التشكيلي والخطّي عندما تقارب الحروف وتشكيلاتها حرفاً حرفاً ممّا يتيح له استجماع العناصر المشتتة واستحضارها ونسجها في اتساق وتماسك، وتنظيمها في وحدة تعبيرية وأسلوبية شاملة كمظهر بنائي وجمالي مهيمن علي وحدات النصوص وتركيباتها. (عباس، 2007م، 157 155).

اهتمّ أديب کمال الدين بألفاظه اهتماماً كبيراً وانتقى ألفاظه الشاعرة المشحونة بأنواع من الرموز لتعبر عن طريقته الخاصة في النظر إلى العالم، والتعبير عن الإحساس به وتخيّله. يتفرّد أديب بتجربته الشعريّة الثرّة. هو واحد من الشعراء المبدعين الذين تفرّدوا في نهجهم الشعريّ بأسلوبية جمالية خاصة؛ وهو شاعر امتثل أمام نفسه طويلاً كي يستخلص عصارة فكره وأدبه ويترجمها إلى حروفٍ غزلَ من خلالها أجمل القصائد. وقد تفنّن في تقنية الحرف وجعله مرآة عاكسة لتوهجه الروحيّ ومكابداته المعرفية في عالم مليء بالنزاعات والآلام وأحلام المستحيل.

أديب کمال الدين خاض معرکة شاملة في تجربته الشعريّة وأصبح شعره متمیزاً في الشکل والمضمون؛ فلهذا السبب أخذت خریطة هذا الشعر تجمع في ثنایاها الإیقاع والإیحاء والرمز ومعطیات فنیة أخری لخصوبة النص وثرائه، لیسایر تطورات الأحداث الراهنة علی أرض الواقع والحداثة الشعريّة کی تصبح مفرداته من عیار إبداعي نادر.

 وقد وظّف أديب کمال الدين الکثير من الآليات الشعريّة الفنية الحداثية للتعبیر عن  تميّزه الإبداعي روحياً وأسلوبياً بحيث تتماشی مع روح العصر وتطلّعات الشاعر وطموحاته. والمقصود من آليات التعبير في هذه الدراسة هي الوسائل التي يعتمدها الشاعر في تجربته للإيحاء والتأثیر بدلاً من المباشرة والتصريح، فتنقل المتلقّي من المستوى المباشر للقصيدة إلى المعاني والدلالات الکامنة وراء النص.

 

أسئلة البحث:

 في هذه الدراسة نطرح سؤالين ونحاول مناقشتهما أثناء البحث:

- أولاً: ما هي أبرز آليات التعبير التي عمد لها الشاعر لإثراء الدلالة في نصوصه الشعريّة؟

- ثانياً: ما هي أسباب ومبررات لجوء الشاعر في توظیف تلك التقنیات وما مدی فاعليتها في النص؟

 

خلفية البحث:

هناك عدد من الكتب التي صدرت عن تجربة أديب کمال الدين والتي صبّت اهتمامها في البحث والتقصي في جمالیات شعره منها: كتاب الحروفيّ وقد اشترك في تأليفه 33 ناقداً حيث كتبوا عن تجربته الشعريّة؛ أعدّ هذا الكتاب وقدّم له د. مقداد رحيم. والکتاب الثاني الحرف والطيف: عالم أديب كمال الدّين الشعريّ للناقد د. مصطفي الكيلاني. والكتاب الآخر الاجتماعي والمعرفي في شعر أديب كمال الدين للباحث د. صالح الرزوق؛ وكتاب أضفْ نوناً: قراءة في "نون" أديب كمال الدين للباحثة د. حياة الخياري، وكتاب تجلّيات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين للناقدة د. أسماء غريب، وأخيراً كتاب الناقد صباح الأنباري إشكاليّة الغياب في حروفيّة أديب كمال الدين.

كما كُتِبتْ عنه مقالات كثيرة في شبكة المعلومات العالمية جمعها الشاعر في موقعه الرسمي. ونذکر منها: الأسطورة والرمز الديني في شعر أديب كمال الدين لـ "صالح الرزوق"؛ ووجوه وشخصيات في قصائد أديب كمال الدين للکاتب نفسه؛ وسلطة التناص الديني في شعر أديب کمال الدين لـ "وديع العبيدي"؛ و الرمز الصوفي في شعر أديب کمال الدين لـ "هادي علي الزيادي"؛ وتوظيف الصور القرآنية في الشعر أديب كمال الدين لـ"سمير عبد الرحيم اغا"؛ والحضور القرآنيّ والصوفيّ في (مواقف الألف) للشاعر أديب كمال الدين لـلدكتور "فاضل عبود التميمي"؛ وحقيقة النقطة والحرف في تجربة أديب کمال الدين الشعريّة لـ "صالح محمود"؛ والنقطة في الشعر لأديب کمال الدين/ النص حين يحتمل التأويل لـ"هشام العيسی"؛ وإشارات الألوان: قراءة في ديوان "الحرف والغراب" لأديب كمال الدين للناقدة د. "أسماء غريب". وإنّنا لا نجحد أهميّة هذه الدراسات النقدية التي سبقت بحثنا والتي استفدنا منها کثيراً في إعداد هذا البحث، وقد رکّز فيها الباحثون علی تأويل وتفسير بعض الظواهر والتقنيات التي جاءت في تجربة الشاعر.

أمّا دراستنا هذه هي الدراسة الأولی والرائدة في إيران عن تجربة الشاعر؛ فقد قمنا بدراسة التقنیات التي اعتمدها الشاعر في منجزه الشعريّ، ومدی فاعليتها في النص، وتأثیر هذه التقنيات علی المتلقّي، في ظل المنهج الوصفي التحليلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول:

 

اللغة الشعريّة

 

 

 

 

المعجم الشعريّ:

تزخر تجربة کلّ شاعر بألفاظ کثیرة تعکس جانباً أساسيّاً من شخصیته ونمط حیاته، فلغة النصّ تؤدّي وظیفة نقل المعنی، والتأثیر فی المتلقّي، وهذا یؤکّد أهمیة اللفظة وتأثیرها فی نقل التفاعل النفسي والشخصي؛ إذ انّ اللفظ هو وسیلتنا الوحیدة إلی إدراك القیم الشعوریة في العمل الأدبي، وهو الأداة الوحیدة المهیأة للأدیب لینقل إلینا من خلالها تجاربه الشعريّة، وهو لا یؤدي هاتین المهمتین إلّا حین یقع التطابق بینه وبین الحالة الشعوریة التی یصورها.

إنّ الكلمة تشكل اللبنة الأولى في التشكيل النصي الأدبي؛ وكلما كانت الكلمة منسجمة متآلفة متضافرة في سياقها استطاعت أن تحقق الجملة الشعريّة وظيفتها الأدبية؛ وإيحاءاتها الفنية الكاشفة. تقول الناقدة خلود ترمانيني في هذا السياق: تعدّ الكلمة أساس الشعر؛ ولكنها ليست كلّ شيء فيه؛ فهي تتفاعل مع المعنى والموسيقى لتنتج في النهاية عملاً شعريّاً متكاملاً. والشاعر حين يجلس في ظلال الكلمات يستمدّ من فيء قوتها ما يغني تجربته ويعطيها تدفقاً وثراءً. فهو يريد أن يعكس ما يدور في خلده من أفكار، وفي داخله من عواطف وانفعالات؛ لذلك فهو ينتقي من الكلمات ما يناسب حاله ويؤثر في غيره مراعياً في ذلك حسن إيراد الكلمات وفق ترتيب منسّق يقوم على الاستفادة من خصائص أصوات الكلمات، وتنوّع حروفها، وتباين دلالتها؛ فالكلمات ليست رموزاً كتابية أو أحرفاً متلاصقة صمّاء بل هي شحنات عاطفية فاعلة؛ تنتقل من الشاعر إلى المتلقّي لا لتصف حاله فحسب بل لتعتصر من روحه ما تصبّه في أرواح المستمعين؛ وعلى هذا الأساس يمتاح الشاعر من طاقات الكلمة الصوتية والدلالية ليبدع من خلالها أجمل الألحان ويصوّر أروع الصور فينتج أعظم القصائد؛ وهذا يعني أن في الكلمة عنصرين هما: الصوت والمعنى؛ والربط بينهما يبدو صعباً للغاية؛ لأن وضع الكلمة نفسها في سياق جديد يعني اكتشاف معنى جديد يتجاوز الصورة المعجمية إلى الصورة السياقية بكل ما تحمله من إيحاءات جديدة وإيقاعات صوتية يشي بها السياق الجديد (2004م: 69).

تتنوع مفردات الأديب، حسب عمق رؤيته واتساع معجمه، فالثروة اللفظية للأديب تکشف عن حجم ما يعرفه الأديب من ألفاظ، وتکشف في الوقت ذاته عن حجم ما يستخدمه من هذه الألفاظ في صياغة نصوصه. وعند الکشف عن المستخدم من هذه الألفاظ، فإننا نستطيع معرفة کيفية تصرّف هذا الأديب في ثروته اللفظية، وبالتالي نستطيع التمييز، والمقارنة بين نصّ ونصّ آخر علی أساس السمات الأسلوبية للنص المراد عن الآخر (حبيب، 1999م: 90).

فالمعجم الشعريّ هو القاموس اللغوي للشاعر والذي يتکوّن من خلال ثقافته وبيئته ومناخه الذي عايشه، وعليه فليس المعجم الشعريّ متکرّراً عند الشعراء بالصيغة نفسها، ولکنه أداة الشاعر الخاصة، والتي تُعدّ معياراً لتمييز شاعر عن شاعر ما ويُعدّ المعجم الشعريّ من أهم الخواص الأسلوبية التي علی أساسها يمکن الحکم علی الشاعر، وتبيان ملامحه الخاصة (السابق: 52).

يتصل المعجم الشعريّ علی وجه عام بلغة العصور جميعاً، غير أنّ الشاعر ينمّي  أسلوبه الخاص لذوقه ومزاجه (درو، 1964م: 339)، فضلاً عن تأثره بالتطورات الحضارية، وتحصيله المکتسب. فحين تختطف التجربة الذاتية رؤية الشاعر، وتتجه به لتصوير الإحساسات والانفعالات والمشاعر المضطربة، تنبثق طائفة لفظية ذات دوال شعورية، مرددة أصداء النفس من خلال البنية اللغوية التصويرية الإيقاعية مجتمعة، لتمتد علی جسد القصيدة حيناً، وتمتزج بشبکة ألفاظ تقليدية/ موروثة، وألفاظ سهلة متداولة في حياتنا في أحايين أخری. والنصوص الأدبية تعتمد علی قواعد لغوية، وهذه القواعد هي التي تحدّد المواضيع في الأعمال الأدبية فالموضوع هو مجموعة للمفردات التي تنتمي إلی عائلة لغوية واحدة (حسن، 1983م: 32-33).

والمقصود بالعائلة اللغوية هو الحقل الدلالي وهو بالطبع يختلف عن المعجم، فالمعجم بمفهومه اللغوي يعني ترديداً لغوياً لمفردة بعينها (موت موت) مثلاً. أما الحقل الدلالي: ورود کلّ الکلمات التي تدلّ علی معنی محدد لمفردة الموت مثلا کـالقبر، الکفن، التابوت، النعش، الوحشة، القفر، الصمت، النهاية...

تتجلّی لغة أديب کمال الدين بالکثافة والاقتصاد ومجانبة الترهل اللغوي في بناء الجملة الشعريّة حيث جاءت هذه اللغة مختزلة عميقة متعددة الدلالات. فمفرداته مستمدّة من مفردات الحياة اليومية، وليس غريباً أن يمتلك الشاعر معجمه اللغوي علی هذه الشاکلة، فهو شاعر يکشف عن ثقافة ووعي واطلاع علی الأدب العربي قديمه وحديثه؛ على نحو مكّنه من أن يحرّر الكلمات من شحناتها القديمة ويبثّ فيها إيحاءات جديدة؛ وعلى هذا فإن المرجعية النصيّة للكلمات عنده ليست معجمية وإنما إيحائية مستولدة من سياقها الشعريّ. إنه مبدع يملك قدرة هائلة على تشعير الكلمة، وبثّ إيقاعها من جهة، وتشعير الجملة وخلق ائتلافها النسقي التشكيلي من جهة ثانية.

وفي ما يلي نرکّز علی أهمّ المفردات التي تکرّرت في شعر هذا الشاعر المبدع والتي شکّلت معجمه الشعريّ:

 

الموت:

في شعر أديب کمال الدين ثمة توغّل في ملكوت الموت، وهذا يعني اشتغال الشاعر بكثافة على آليات هذه المفردة إذ كرّرها کثيراً ناهيك عن المفردات والعبارات التي تتصل بها من حيث المعنى وتختلف معها من حيث الشكل. إنَّ هاجس الموت يلازمه كظلّه لدرجة يحسب القارئ أنه يسكنه في كلّ لحظاته، وهذا الشعور مردّه الخشية من الموت، وهو في بلاد الغربة دون أن يرى الأحبة، والأصدقاء، والأهل، ويكحل عينيه بثرى الوطن.

فضلاً عن مفردة الموت هناك ألفاظ تبرز قضیة الموت، وقد تکرّرت فی المعجم الشعريّ للشاعر کالقبر والکفن والنعش والتابوت. وهی ألفاظ تحمل الموت فی تفاصیله الواقعیة، من غیر أن تفلسفه أو تأخذ منه موقفا فکریاً أو عقائدیاً. كما أن الدم والدموع والمطر والبحر هی الکلمات التی یلتقي فی مضمونها الموت والحیاة، عالم الولادة الجدیدة. ویتراءی من خلالها البعث، وتتراءی القیامة والانتصار علی الموت.

 يری الناقد عدنان حسين أحمد: إنّ الموت هاجسٌ كبير يُقلق "أديب" إلى حدّ اللعنة. ولا يجد هذا الشاعر المُطارَد من قبل أشباح الموت حلاً سوى الكتابة عن الموت. وفعل الكتابة هو آخر وسيلة دفاعية لدى الشاعر الذي يُدرِك في النهاية أنه راحل إلی عالم مجهول. ربما يكون الشاعر في اللحظات الإبداعية على الأقل هو الأكثر استغراقاً في المُخيلة. فحينما يكتب شعراً عن الحياة والحب والموسيقى والأنهار والأشجار والطيور وما إلی ذلك يجد نفسه وبطريقة غامضة يكتب عن الموت، لأنّ الموت قد بات شغله الشاغل، وربما أصبح هاجسه الأول والأخير (أحمد، تقنية الاحالة لاستدعاء الأساطير في تجربة أديب كمال الدين الشعريّة، دراسة منشورة في موقع الشاعر). فتارةً يسمّيه موتاً قديماً، وتارةً أخرى يسمّيه موتاً جديداً، وحيناً ينعته بالموت المقدّس، وحيناً آخر يصفه بالموت اللذيذ الذي له "طعم السمّ!":

في الطريقِ إلی الموت:

الموت القديم المقدّس،

فاجأني موتٌ جديد،

موتٌ لذيذٌ بطعمِ السمّ،

موتٌ لم أحجزْ له موعداً أو مقعداً. (أربعون قصيدة عن الحرف: 22 )

ربّ سائل يسأل عن السبب الذي يدفع الشاعر للانغماس في سؤال الموت الذي ينطوي على أبعاد تشاؤمية مفجعة فيأتي الجواب نابعاً من أعماق الشاعر على شكل احتمالين وهما:

 ربّما لأنّ الموت هو نديمي الوحيد

 أو صاحبي الذي يُحسنُ الرقصَ قربي

 حينَ أنهارُ وسط الطريق. (السابق: 23)

 حسب رؤية الناقد أحمد عدنان حسين: حينما تتعثر قدرات الشاعر في فكّ "شيفرات" الموت السرّية يلتجئ، مثل عامة الناس، إلى التأويل البدهي المحسوم سلفاً حيث يقول:

لكَ المجد يا إلهي

خلقتَ الموتَ ليكنسنا في هدوء مُريب

 مثلما تكنسُ الريح

 أوراقَ الشجرِ المتناثرة على الأرض. (السابق: 24 )

 كما نجد مفردة "البحر" تلتقي بمفهوم الموت ودلالاته، کالمثال التالي من قصيدة " زوربا":

فکيف السبيل إلی ترويضه؟

هل يمکن لرقصةٍ ساحرة

أنْ تروّضَ البحر؟

أو أنْ تروّضَ الموت؟  (أقول الحرف وأعني أصابعي: 21)

وفي المقطع التالي من قصيدة "إنّي أنا الحلّاج"، يقول الشاعر:

ثمَّ يمضي من النهرِ إلى الصحراء

ومن الصحراء إلى البحر

ومن البحرِ إلى الموت،

أعني إلى النار . (السابق:  19)

فالموت يُعتبر من أبرز الموتيفات في شعر أديب کمال الدين، فقد فاجأه حين رآه صبيّاً:

فاجأني موتي قبلَ أربعين عاماً،

فاجأني حين رآني صبيّاً

أحاول أنْ ألقي جسدي في النهر

من فوق الجسر.  (السابق:  98)

الموت بالنسبة للشاعر الرومانطيقي نهاية يتوق إليها لأنها تفتح له أبواب المغلق وتکشف له أسرار الحبّ الصحيح الذي يفتقده في هذا العالم. حيث لا يدوم حبّ ولا صداقة، حيث لا رفيق سوی الوحدة والاغتراب. فکأنّ الشاعر الذي يجسّد أحلام البشرية وآلامها يجسّد أيضاً غربة الإنسان وشعوره العميق بالوحدة في عالم يعجّ بالسکّان (حمود، 1996م: 294).

 

المرآة:

 تکرّرت هذه المفردة في نتاجه الشعريّ بکثرة فعلی سبيل المثال في صفحة 69 من ديوان (أقول الحرف وأعني أصابعي) تکرّرت أربع مرّات؛ وفي أکثر من مرّة نجدها مقرونة بمفردة المرأة:

الباذخ بمرآتك الکبيرة

أيّتها المرأة المرآة. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 69)

ولو أن "المرآة" تشبه "المرأة" بل کأنّها المرأة نفسها إلّا أنّ الشاعر يری بينهما فرقاً واحداً:

ومع أنّكِ، أيّتها المرآة،

تشبيهن المرأةَ إلى حدٍّ كبير،

بل كأنّكِ المرأة نفْسها،

لكنّكِ

(وهذا هو الفرق الوحيد)

صادقة حدّ اللعنة

وهي (كما أظنّ) كاذبة حدّ اللعنة. (السابق: 57)

وفي المقبوس التالي يقول:

أخرجُ من شيخوخةِ رأسي 

في المرآة،

ألقي القبض على الشاعرِ فيَّ وأجلسه قربي

منتصف الليل، وأدفئه من بردِ شتاءٍ مقرور. (الأعمال الشعريّة الکاملة، ديوان أخبار المعنی: 148).

 

وفي ديوان "رقصة الحرف الأخيرة" وظّف الشاعر هذه المفردة بکثافة فعلی سبيل المثال في قصيدة "البحر والمرآة" کرّر الشاعر لفظة المرآة 9 مرّات:

سبحت المرأةُ في البحر

فسبحَ البحرُ في المرآة.

انكسرت المرآةُ لسببٍ مجهول

فضاعت المرأة

وضاعَ البحرُ بالطبع. (رقصة الحرف الأخيرة: 53)

وكذلك يقول:

ما دمتَ قد أنفقتَ عمرَك

تتأمّل في ميمِ المرآة،

فكيفَ سترى

ميمَ الذي كانَ من العرش

قابَ قوسين أو أدنى؟ (السابق: 13)

وفي القصيدة نفْسها يتابع الشاعر قوله:

ما دمتَ لا تعرف

ما تفعله هذي اللحظة،

فلماذا لا تجرّب إطلاقَ النار

على المرأةِ العارية

في المرآةِ العارية؟ (السابق: 18)

ومع إلحاح الشاعر علی هذه المفردة في نتاجه الشعريّ إلّا أنّه يخبرنا في النص التالي بأنّه لا يحبّ مرايا النساء. فعندما أورثته الشاعرة سيلفيا بلاث مرآتها الصغيرة الحمراء بعد انتحارها رماها الشاعر في أقرب نهر منه:

حينَ انتحرتْ سيلفيا بلاث

أورثتني مرآتَها الصغيرةَ الحمراء.

ولأنّي لا أحبّ مرايا النساء

فقد رميتها في النهر المجاور.

لكنَّ المرآة لم تغرقْ سريعاً

كما توقّعت

بل صارتْ تنتقلُ من نهرٍ إلى نهر

حتّى وصلتْ إلى البحر

فتحوّلتْ إلى مركبٍ عظيمٍ من المرايا. (السابق: 21 و22)

 

السفر:

طوی الشاعر خيمته في بلده العراق مرغماً وراح يبحث عن ملجأ آمن يحقّق فيه أمنياته الضائعة منذ الطفولة فتوجّه إلی أقصی المعمورة/ أستراليا بلاد الکنغر:

يکتبُ لي شاعرٌ من بغداد ويضيف:

"ألم تجد فی الکنغر تسليةً ما؟"

قلتُ له:

لم أجد الکنغرَ في بلاد الکنغر. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 73 و74)

فالشاعر لا يجد ما کان يطمح له في هذه البلاد التي يعتبرها جحيماً له:

وقرب محطة القطار النازل إلی الجحيم (السابق:  65)

في مجموعة (أقول الحرف وأعني أصابعي) كتب الشاعر ثلاث قصائد  عن السفر يشتکي فيها من معاناة السفر وما تعرّض له في رحلته الشاقّة: قصيدة "في المطار الأخير"، وقصيدة "حوار"، وقصيدة "لِمَ أنت؟".

نعم أضناه السفر ومتاعبه، فقد جرّب أديب جميع أنواع السفر، في الأرض والبحر والجو:

تعبتُ من المحطّاتِ والمحيطاتِ والطائرات. (السابق: 73)

تارةً يسافر في الأرض بالقطار (المحطّات) وتارةً يسافر عبر البحر والمحيط (المحيطات) وتارةً يکون سفره عبر الجو في الطائرة (الطائرات). وکان الوقت وقت شتاء:

حسناً نحن الآن في المطار

(أهو المطار الأخير؟)

السماءُ ملبّدةٌ بالغيوم

والشتاء هو الوقت. (السابق: 77)

عبارة "السماء ملبّدة بالغيوم" تدلّ علی أهوال السفر کما أنّ الشتاء يرمز إلی الجدب والمحن والصعوبة، فرحلته رحلة صعبة ومليئة بالمحاذير:

هذه رحلة مليئة بالمحاذير

وستستمر دونما توقّف. (السابق: 81)

فالشاعر يتشاءم بهذه الرحلة من اللحظة الأولی فتراه يصف حقيبة السفر بالسواد وهذا اللون کما هو معروف يدلّ علی القلق والاضطراب والتشاؤم:

يا شاعرَ الحروفِ المريرة

رأيتُكَ البارحة

تحملُ حقيبتكَ السوداءَ من جديد

حزيناً کقاربٍ مُحطّمٍ علی ساحلٍ مهجور. (السابق: 91)

يفاجئنا الشاعر من الشطر الأول بنعته الحروف بالمريرة ثمّ السفر في الليل (البارحة)، والحقيبة السوداء، ثمّ حالته الحزينة والقارب المحطّم والساحل المهجور. فلا شك أنّها رحلة مضنية ومتعبة للشاعر.

أما الحقل الدلالي للسفر عنده: الفندق، القطار، المطار، البحر، جواز السفر، الطائرة، الرحلة، الحقيبة ... وهذه مفردات تدلّ علی السفر وتتردّد بکثرة في شعر أديب کما شاهدنا بعضها في الأمثلة السابقة. 

 

الغربة:

الاغترابُ في اللغة افتِعَالٌ من الغُربَة، والغربةُ والغُربُ: النزوح عن الوطن... والاغتراب والتغرّب کذلك (ابن منظور: مادة غرب).

يقول أحمد جواد مغنية في تعريف الغربة: الغربة عن الأرض هي ابتعاد الإنسان قسراً عن وطنه الأم، فيضطره القهر أن يعيش بعيداً عنه، ويشعر بمرارة الغربة عن الأرض لأنّ طموحه يتعارض مع ما هو حاصل فوقها من قمع للحرية، واغترابه عن الأرض يستمر طويلاً، ويعتبر عودته إليها للموت فقط. ( 2004م: 19).

شعور الشاعر بالغربة يختلف عن أيّ شخص آخر، فهو صاحب عالم آخر مليء بالتأملات والأخيلة التي تغتني من الحياة ومن التعمّق في تجربة الصراع سواءً السياسي منه أو الاجتماعي أو الحياتي بشکلٍ عام. فعالم التأمل والخيال في النهاية ليس هو العالم الواقعي المعاش (السيد جاسم، 1987م: 10)؛ وأيّاً کانت أسباب الاغتراب: سياسية، اجتماعية، اقتصادية، أو نفسية، فإنّه شعورٌ متعبٌ يصل في أحيان کثيرة لأن يکون هاجساً للإنسان.

إذا جئنا للشعر العراقي، نجده حافلاً بمضمون الاغتراب، وذلك لعدة أسباب أبرزها في الفترة الأخيرة قمع النظام البعثي للمثقفين والأدباء وعلی رأسهم الشعراء. فمنذ ستينيات القرن العشرين والعراق يشهد حالات متتالية، فردية وجماعية، من هجرات مبدعيه في مختلف الميادين، والشعراء منهم علی وجه الخصوص، وتباينت مبررات تلك الحالات في نزوحها عن الوطن مُهجَّرة کانت أو مهاجِرة، سياسياً وأيديولوجياً، وبرز من کل جيل من أجيال الإبداع الشعريّ الحديث في العراق أسماء کثيرة، کانت المنافي أمداء سعيها وأفضية انطلاقها، الجواهري والسيّاب، ثمّ بلند الحيدري وسعدي يوسف، ثمّ آخرون وآخرون وآخرون.

إنّ شريحة غير قليلة من ابناء الشعب العراقي آثرت سبيل الهجرة لتجد متنفّساً في بلاد الغربة. وبطبيعة الحال فإنّ عدداً لا بأس به من هؤلاء، ومعظمهم من الطبقة المثقّفة هم من الشعراء والأدباء الذين جعلوا يبثّون شکاواهم، وما تعتلج به صدورهم في أبيات من الشعر ودواوين صدرت لهم، تتفق جميعها في قضايا کثيرة من حيث المفهوم والمحتوی، أهمّها الاغتراب والشعور بالحنين إلی الوطن، والتغنّي بأمجاده، ورثاء جروحه العميقة. (دلشاد، 2008م: 69).

 والشاعر أديب کمال الدين واحد من شعراء العراق الذين عانوا من الاغتراب خارج البلاد، وواحد من الشعراء الذين نجد مضمونه موجوداً بقوّة في نصوصهم. وتتنوع الدوال التي ترمز إلى تصوير مأساة الاغتراب في المَـهجر في شعر أديب کمال الدين، وأولى هذه الدوال هي تكرار مفردات کـ الموت، السفر، الحزن، الحنين، البحر، الصحراء، الدموع، النار... واشتقاقاتها وما يتصل بها من حقل دلالي.

أحياناً الغربة في شعر أديب تقابل الموت وتقابل النار، فنراه يقول في المقطع التالي من قصيدة "إنّي أنا الحلّاج":

ثمّ يمضي من النهرِ إلی الصحراء

ومن الصحراء إلی البحر

ومن البحرِ إلی الموت،

أعني إلی النار

وهو يحملُ جثّته فوقَ ظهره. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 19)

في هذا المقطع يرمز البحر إلی السفر والاغتراب، فالشاعر ينتقل منه إلی الموت، ويعني بهذا الموت المحن/ النار التي يواجهها الشاعر في غربته. وهكذا تتجدّد غربة الشاعر في کلّ حين:

أيّهذا الغريب الذي يجدّدُ غربته

بدمعتين اثنتين

في کلّ فجرِ

وفي کلّ ليلة. (السابق: 17)

وفي قصيدة "لم يعدْ مطلعُ الأغنيةِ مُبهِجاً" يصف لنا الشاعر هذه الغربة التي يعاني منها:

غربتي هي غربةُ العارفين

إذ كُذِّبوا أو عُذِّبوا.

غربتي هي غربةُ الرأس

يُحْملُ فوق الرماح

من كربلاء إلى كربلاء.

غربتي هي غربةُ الجسرِ الخشبي

إذ يجرفه النهرُ بعيداً بعيداً.

غربتي هي غربةُ اليد

وهي ترتجفُ من الجوعِ أو الارتباك،

وغربةُ السمكِ إذ تصطاده

سنّارةُ الباحثين عن التسلية،

وغربةُ النقطة

وهي تبحثُ عن حرفها الضائع،

وغربةُ الحرف

وهو يسقطُ من فمِ السكّير

أو فمِ الطاغية. (السابق: 75)

يحاول الشاعر اختراع الکلمات ليصف غربته، فهي لا تنحصر في إقامته في الديار النائية، فهذه الديار بالرغم من قسوتها وشدّتها، ففيها شيء من الرفاهية والطيبة، لکن غربته بدأت تتسع في الفرات/ العراق.

لم يطق الشاعر غربته بين ذويه. لقد شدّ الرحال إلى بلادٍ غربتها أهون عليه من غربة الوطن وهو العارف بالغربة القصوى:

أوقَفَني في موقفِ الغُربة

وقال: الغُربةُ تبدأُ من الروح

فحذارِ من غُربةِ الروحِ يا عبدي. (مواقف الألف: 34)

تلك الغربة صبّتْ في نفسه بحاراً من الصخب القاتل، وجبالاً من الهموم، والشجن، والشعور بنهاية آتية لا ريب فيها، وبسببها لاذ، وهو الغريب، بأبسط الأشياء سعياً وراء عشبة الحياة. هكذا فهو يسأل- في قصيدة (الغريب)- النبع:

هل عندكَ دواء للموت؟

* قالَ النبع: لا.

فضحكَ الغريبُ ثانيةً

حتّى اغرورقتْ عيناه بالدموع. (شجرة الحروف: 27)

في هذه الغربة القاتلة، استأثرت صور الموت بمساحات كبيرة من اشتغالاته الحروفيّة حتّى تحوّلت إلى موضوعة مركزية في أغلب تلك الاشتغالات. (الأنباري، 2014م: إشكالية الغياب في حروفيّة أديب كمال الدين).

 

النهر:

النهر هو (الإله المُلقى على الأرض) الذي يديم الحياة بمائه. إنّ اللجوء إلى النهر يمثّل وسيطاً مقبولاً بين الشعر والإنسان لإعادة الأمل بعقد علاقة تنسيق الأحزان:

ثمّ أعطيتُ القصيدةَ للنهر،

قلتُ له: خذْها

إنها ابنتكَ أيضاً،

أيّها الإله المُلقى على الأرض،

باركْ سرّها

وتعرّفْ إلى معناها الأزليّ

أيّها الأزليّ. (شجرة الحروف: 14)

إذن، فالشاعر يرى أن النهر هو أكثر قدرة من غيره على إدراك معنى قصيدته من دون البوح بسرّها، لأنّ النهر (الماء) له صفة الأزل التي تجمع بين الاثنين الشعر/ النهر، ولكن ستأتي التوقعات والنتائج مخيبة أيضاً، فالنهر (إله قائم بذاته) حالم محاصر بالقوة والديمومة والغرور ولذلك سيفشل كوسيط أفضل. (عبيد، محاولة لتنسيق أحزان العالَم، موقع الشاعر):

لكنّ النهرَ ظلّ يحلمُ ويحلم

محدّقاً في الأقاصي البعيدة

دونَ أنْ يعيرَ كلامي انتباهاً. (السابق: 14)

 

الفرات:

الفرات من المفردات المکرّرة في شعر أديب وتحمل بُعداً رمزياً في النصّ، إذ يشكّل هذا النهر، بالنسبة للعراق، مصدراً من مصادر الحياة يضخّ الروح فيه، لکنّه أصبح ميّتاً:

کيف متّ،

يا فراتَ الروح

وسينما الطفولة

ومقهی الحلم. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 59)

يقارن الشاعر بينه وبين مصادر الحياة وأنهار أستراليا البلد الذي يقيم فيه، فيقول في قصيدة "لم يعد مطلع الأغنية مُبهجاً":

النهرُ هنا يتجدّدُ قطرةً قطرة

ليس کالفرات الذي يدفعُ ماؤه الضفافَ دفعاً. (السابق: 74)

فيبقی الشاعر يحنّ إلی هذا النهر وهو مقيم في الغربة، ففي القصيدة ذاتها يقول الشاعر:

مَن يعيدُ إليَّ سمكَ الفرات؟

ومَن يعيدُ إليَّ مرکباً خشبيّاً وسط الفرات؟ (السابق: 74)

يحنّ الشاعر بعمقٍ إلی سمك الفرات وإلی مرکبه الخشبي وسط هذا النهر وإلى تلك المسرّة الخفيّة العذبة التي تلاشت إلى الأبد. وفي نصّ آخر يقول:

ما دمتَ قد أنفقتَ عمرَك

وأنتَ تضع قدميكَ الحافيتين

في راء الفرات

ليلَ نهار،

فكيفَ ستركب غيمةً

تحلّق بكَ بعيداً بعيداً؟ (رقصة الحرف الأخيرة: 13)

الفرات يرمز إلی الوطن/ العراق؛ فقد أنفق الشاعر أحلی سنيّ عمره وهو يضع قدميه الحافيتين في هذا النهر فکيف له أن يحلّق في السماء ويتقدّم ليصل إلی ضالته المنشودة؟

کما شاهدنا في هذا البحث فإنّ شيوع ألفاظ معينة، في قصائد شاعرٍ ما، يشير إلی أنّ حالة نفسية تتراکم عليها شبکة لفظية ذات دلالات معنوية ونفسية تعبّر عن تلك الحالة المستشعرة التي تهيمن علی کيان الشاعر. وتلك الشبکة التي ترفد القصيدة بالأسس الدلالية تنمو وتتکثف داخل أطر تصويرية مشکّلة مادة رئيسية في بنية الصورة الشعريّة. والحق فإنّ إلحاح تلك الألفاظ وانتزاعها من رکام ضخم، لا يضغط اعتباطاً وإنما يجيء ضغطه حاملاً معه وشائج الارتباط الوثيق بوجدان الشاعر لخلق حالة معادلة، أو ما يقرب من ذلك، لانتزاع القيمة الشعورية وتحويلها إلی قيمة تعبيرية تصطف مع نزوع الحالة المسکونة. ولذلك يبدو من الصعب إحلال البدائل مهما اقترب البديل من الدلالة، لارتباط اللفظ بالنسق الذي يوالف العلاقات القائمة بين الوحدات اللغوية (حبيب، 1999م:   129و130).

 ولا شكّ أنّ الألفاظ تکتسب أهميتها ودلالالتها من خلال السياق الذي ترد فيه. بمعنی آخر: الألفاظ لا تشکّل في بساطتها، أو ما تحمل من إرث، أو إنحدار إلی العامية، أيّة قيمة، إلا إذا خضعت للانفعال وحرکته واحتضان وجدان الشاعر لها.

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

ظاهرة التکرار

 

 

 

 

  

التکرار:

يُعدّ التكرار من الظواهر الأسلوبية التي تُستخدم لفهم النص الأدبي، وهو مصطلح عربي كان له حضوره عند البلاغين العرب القدامى فهو في اللغة من الكرّ بمعنى الرجوع .ويأتي بمعنى الإعادة والعطف. يقول ابن منظور: الكرّ: الرجوع يُقال كَرَّه وكَرَّ بنفسه. والكَرُّ مصدر كرّ عليه يكرّ وكُروراً وتَكْراراً: عطف عليه وكرَّ عنه: رجع .كرّر الشيء: أعادة مرّة أخرى.

فالرجوع إلى الشيء وإعادته وعطفه هو التكرار .أمّا في الاصطلاح فهو تكرار الكلمة أو اللفظة من مرة في سياق واحد أما للتوكيد أو لزيادة التنبيه أو التهويل أو التعظيم أو للتلذذ بذكر المكرر (ابن منظور، مادة کرّ).

ظاهرة التکرار تُعدّ من الظواهر البارزة فی النص، ولا شكّ أنها ترتبط بعلاقةٍ ما مع صاحب النص فهو من خلال التکرار یحاول تأکید فکرةٍ ما تسیطر علی خیاله وشعوره. ویعد وسیلة من وسائل تشکیل الموسیقی الداخلیة. التكرار لا يقوم فقط على مجرد تكرار اللفظة في السياق الشعريّ، وإنما ما تتركه هذه اللفظة من أثر انفعالي في نفْس المتلقّي، وبذلك فإنه يعكس جانباً من الموقف النفسي والانفعالي، ومثل هذا الجانب لا يمكن فهمه إلّا من خلال دراسة التكرار داخل النص الشعريّ الذي ورد فيه، فكل تكرار يحمل في ثناياه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق الشعريّ.

وتشكّل ظاهرة التكرار في الشعر العربي بأشكال مختلفة متنوعة فهي تبدأ من الحرف وتمتدّ إلى الكلمة أو العبارة والى بيت الشعر، وكلّ جانب يعمل على إبراز جانب تأثيري خاص للتكرار.

يتحقق التكرار عبر عدّة أنواع:

1- تكرار الحرف: وهو يقتضي تكرار حروف بعينها في الكلام، مما يعطي الألفاظ التي ترد فيها تلك الحروف أبعاداً تكشف عن حالة الشاعر النفسية.

2- تكرار اللفظة: وهو تكرار بعيد اللفظة الواردة في الكلام لإغناء دلالة الألفاظ، وإكسابها قوةً تأثيرية.

3- تكرار العبارة أو الجملة: وهو تكرار يعكس الاهمية التي يوليها المتكلم لمضمون تلك الجمل المكررة باعتبارها مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلم، إضافة إلى ما تحققه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه.

كان التكرار بأنواعه الثلاثة المشار إليها عند الشاعر أديب کمال الدين مثيراً للانتباه، وداعياً للاهتمام بالشيء المكرّر، ومن ثمّ فقد حقّق تفاعلاً عاطفياً وشعورياً وإيقاعياً مع المتلقي بكافة أشكاله سواءً كان تكرار كلمة، أو مقطع أو تقسيم، أو كان تكراراً شعورياً، أو موتيفيّاً. وأيّاً كانت صور هذا التكرار فإنه سلّط الضوء على بعض الجوانب اللاشعورية في نفْس الشاعر، والتي تلحّ عليه كأنه لا يودّ مجاوزة العبارة المكررة إلى غيرها .

 

تكرار الحرف:

تكرار الحرف الواحد الذي هو من بنية الكلمة، وهذا النوع من التكرار لا يقتصر دوره على مجرد تحسين الكلام، بل يمكن أن يكون من الوسائل المهمة التي تلعب دورها العضوي في أداء المضمون. يُعدّ هذا التکرار أبسط أنواع التكرار، لقلّة ما تحمله هذه الحروف من معاني وقيم شعورية قد لا ترتقي إلى مستوى تأثير الأفعال والأسماء والتراكيب. وأمثلة هذا النوع في شعر أديب كثيرة.

لقد کرّر الشاعر في المقبوس التالي حرف السين بکثرة:

إلهي،

أجلسُ تحتَ شجرة محبّتكَ الوارفة

عاشقاً

ليس له من حُطامِ الدنيا

سوى كوز ماء

وكسرة خبز

وكسرة حرف.

أجلسُ كي أكتبَ سرَّك

وسرَّ سرّك

بكسرةِ حرفي.

وأجلسُ أيضاً

كي أمحو حرفي

حتّى لا يظهر من سرِّك

وسرِّ سرّك

سوى السين وقت انقضاض الزلازل

وسوى الراء وقت انهمار المطر. (إشارات الألف: 14 و15)

کرّر الشاعر هذا الحرف 17 مرّة وهو حرف مُموسق بجرس إيقاعي ترتاح له الأذن. وتكرار الحرف لا يمكن أن يخضع لقواعد نقدية ثابتة يمكن تعميمها على النصوص الشعريّة للشاعر لاختلاف طبيعة الأسلوب والدلالة التي يحدثها كلّ حرف ضمن السياق في النص الواحد، وإن كان تأثير الحرف الموسيقي لا يرقى في قوته إلى تأثير الكلمة. لكن مع هذا فإنّ تكرار الحرف يحقّق أثراً واضحاً في ذهن المتلقي يجعله متهيّئاً للدخول إلى عمق النص الشعريّ.

وفي قصيدة (اليد) ألحّ علی تکرار حرف "الفاء":

في الطفولة

فتحتُ يدَ الحرف

كي أجدَ قلمَ حبرٍ أخضر

فوجدتُ وردةَ دفلى ذابلة.

وفتحتُ يدَ النقطة

فوجدتُ دمعةَ عيدٍ قتيل.

وفي الحرب

فتحتُ يدَ الحرف

كي أجدَ طائرَ سلامٍ

يرفرفُ فوقَ روحي التي أربكها

مشهدُ الدم،

فوجدتُ حفنةَ رمادٍ

وقصيدةَ حبّ مزّقتها الطلقات.

وفتحتُ يدَ النقطة

فوجدتُ دمعةَ أمٍّ  بكتْ ابنها القتيل. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 32)

لقد تكرّر حرف (الفاء) کثيرا في هذا النص، وأغلبها فاء العطف مع الفعل (وجدتُ) الذي تكرر ست مرّات. في هذا النص نجد طفولة الحرف والنقطة وما بهما من أحاسيس ومشاعر، حيث أثث فضاءه بأصابعه التي طرّزت جُملاً ومقاطع شعريّة مزجت بين بساطة اللغة وعمق المعنى، عبر شخصيتين رئيسيتين هما الحرف والنقطة، متمثلة في الطفولة والحرب والمنفى، ومن خلال الحرف نستبطن الداخل. وقد رُتّبِت القصيدة في حكاية من ثلاثة مقاطع، وهكذا في بقية القصائد حيث تكرّر الحرف فيها مثل: لِمَ أنت؟، مديح إلى مهند الأنصاري، لم يعد مطلع الأغنية مُبهجاً، غزال أكل قلبه النمر. (عبدالرحيم أغا، جمالية التكرار في مجموعة الشاعر أديب كمال الدين "أقول الحرف وأعني أصابعي"، دراسة منشورة في موقع الشاعر).

من نماذج تكرار الحرف في قصيدة (ثمّة خطأ):

ثمّة خطأ في السرير

وفي الطائرِ الذي حلّقَ فوق السرير

وفي القصيدةِ  التي كُتِبَتْ

لتصفَ مباهج السرير

وفي المفاجأةِ التي تنتظرُ السرير

في آخرِ المطاف. (السابق: 7)

ثمّ يعود ليكرّر هذا الحرف في المقطع الثالث من هذه القصيدة:

ثمّة خطأ في الكأسِ والخمرة

وفي الرقصةِ والراقصة

وفي العُري والتعرّي

وفي وثائقِ التابوت

وفي النشيدِ، والنشيجِ، والضجيج،

والحروب التي أكلتْ أبناءها

أو التي ستأكلهم عمّا قريب.

ويعود مرّة أخرى في المقطع السادس من القصيدة نفسها:

 ثمّة خطأ في الحرفِ وآخر في النقطة

وفي ساعةِ الرملِ أو ساعةِ الصخر

وفي الذكرى، والموعدِ، والسكّين

وفي المفتاحِ، وبابِ البيتِ، والمطر

وفي القُبلةِ، وكلمةِ الأسف

وفي رغبةِ شفتيكِ وشفتيّ

وفي كلمةِ: "أحبّك"

وكلمةِ: "وداعاً".

يكرّر الشاعر حرف الجر (في) أكثر من (15) مرّة. وقد وظّف الشاعر تكرار الحرف لبيان صورة محتملة في ثبات تأكيد أخطاء: أخطاء في حياتنا، من الحرب، إلى العُري، إلى الأسف، إلى فقدان الرؤية، لتضفي على الصورة وصفاً داخلياً مُتّسماً بالقهر من خلال الحرف (في). وهي تشكّل نموذجاً يحتذي به في مختلف القصائد فضلاً عن ما أفاده التكرار من خلق إيقاع موسيقي داخل القصيدة (عبدالرحيم أغا، جمالية التكرار في مجموعة الشاعر أديب كمال الدين "أقول الحرف وأعني أصابعي"، دراسة منشورة في موقع الشاعر).

وقد يعمد الشاعر في بعض الأحيان إلى أنواع مختلفة من تكرار الحروف كأن يكرّر أداة استفهام أو نفي، منها تكرار الحرف في قصيدة (زوربا):

ستسخرُ. ممن إذن؟

من الرقص؟

لا.

من الرمل؟

لا.

من الحُبّ؟

لا.

من الحظّ؟

لا.

من الخوف؟

لا.

ستكررُ لا ولا ألف مرّة

إلى أنْ تنهار فوقَ الرمال

والقلبُ ضاحكاً مثل طفل سعيد

يصيح: لا.

وأنتَ من خلفه مذهولاً تصرخُ: لا

لا

لا

لا

لا

لا

لا! (السابق: 20)

تنوّعت التكرارات في هذه القصيدة، منها تكرار الحرف (لا) (15) مرّة وهذا النفي ناتج من رفض وسخرية (زوربا) من الموت ومن الحبّ ومن الخوف ليصيح: لا.... حيث يتمّ تشكيل الحرف بنسق جمالي في شكل عمودي ليقرّ بأهمية التأثير البصري وفاعلية دلالته. وحرف "سين" (13) مرة، (سترقص إذن يا صديقي/ سيجتاحكَ الوهمُ أو الموج/ وسترفع قدمكَ إلى الأعلى/ ستبتسم). لاحظ كيف أن "سين المستقبل" متلاصقة للأفعال المضارعة وهي تحمل زمنها بنفسها، ثمّ ان الفعل ترقص الذي ينمّ عن حركة وانفتاح يزيد من تصعيد الحدث وأن زوربا يعود ويبتسم. ويبدو أن هذا التنوع في التكرار قد أغنى الإيقاع الدلالي للقصيدة، فتكرار( لا، ومن) تأكيد للمعنى الذي يحاول الشاعر إيصاله فضلاً عن الإيقاع النغمي والموسيقي (عبدالرحيم أغا، جمالية التكرار في مجموعة الشاعر أديب كمال الدين "أقول الحرف وأعني أصابعي"، دراسة منشورة في موقع الشاعر).

 

تكرار الکلمة:

يمتلك تكرار الكلمة في النصّ أثراً عظيماً في موسَقَته. القيمة السمعيّة لهذا التكرار أكبر من قيمة تكرار الحرف الواحد في الكلمة. ويكون هذا التكرار ناتجاً عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، حيث تأتي مرّة للتأكيد أو التحريض ولكشف اللبس، إضافة إلى ما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النصّ الشعريّ.

في ما يلي کرّر الشاعر لفظة الموت ومشتقّاتها 5 مرّات:

حينَ ماتت الحاء

أورثتني مَوتاً مُضافاً إلى مَوتي.

ولأنني قد اعتدتُ على مشهدِ الموت

منذ الطفولة،

لذا لم أحترْ كثيراً

وقرّرتُ أنْ أجمّده في ثلّاجةِ الذاكرة

بدلاً من ثلّاجةِ الموتى. (رقصة الحرف الأخيرة: 31)

وکرّر لفظة المطر في قصيدة "راء المطر"  23 مرّة، وقد اقتبسنا المقطع التالي من هذه القصيدة:

صحتُ: ما اسمه المطر؟

قالت الغيمةُ فجأةً:أيّ مطر؟

قلتُ لها: مطر بغداد،

مطر الفرات،

مطر الحرمان،

مطر السفارة الثلجيّة،

مطر السجن،

مطر البلد البعيد. (السابق: 42)

يقول الشاعر في المقطع الأوّل من قصيدة "ثمّة خطأ":

ثمّة خطأ في السرير

وفي الطائرِ الذي حلّقَ فوقَ السرير

وفي القصيدة التي كُتِبَتْ

لتصفَ مباهج السرير

وفي المفاجأةِ التي تنتظرُ السرير

في آخرِ المطاف. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 7)

فقد کرّر الشاعر لفظة "السرير" أربع مرّات ليدلّ علی فداحة هذا الخطأ منذ البداية، الخطأ أو العصيان الذي ارتكبه أبو البشرية (آدم) منذ بدء الخليقة.

ومن أمثلة هذا النوع من التكرار نجده حاضراً في قصيدة "مديح إلى مهند الأنصاريّ":

كانتْ حقيقية

شمسكَ أيّها الراحل- الباقي.

ليستْ مُحاطة بالغبار

ولا معجونة بالأكاذيب.

ليستْ بحجمِ حبّةِ قمحٍ

ولا بحجمِ برتقالةٍ ذابلة.

ليستْ بالتي تنام

ولا تدري أتقومُ غداً

مِن سريرها أو لا تقوم.

ليستْ بالتي تكرهُ ساعاتها

ولا دقّات قلبها.

ليستْ بالتي تلبسُ وجهين

ولا تغيّرُ دفّتها كلّ حين.

ليستْ بالتي تدوسُ على الكواكب الأخرى

إنْ زاحمتها في الطريق. (السابق: 88)

نلاحظ تكرار مفردة "ليست" خلال أسطر القصيدة، حيث تتكرر 6 مرّات مؤدّية إيقاعاً موسيقياً داخل القصيدة فضلاً عن الإيقاع الدلالي الذي تؤدّيه هذه المفردة التي تدخل النفي حول حقيقة شمس الراحل الأنصاريّ. والنفي هنا رمز، ولو رجعنا إلى كلمة "ليست" في اللغة العربية لوجدناها: ليس فعل ماضي جامد والتاء هي تاء التأنيث.

 ومن الأمثلة الأخرى لهذا النوع من التكرار قصيدة "لم يعد مطلعُ الأغنية مُبهجاً". يقول الشاعر أديب كمال الدين في المقطع الخامس من هذه القصيدة:

سأحتاج إلى كلمةٍ لأصفَ غربتي

وسأخترعها إنْ لم أجدها.

غربتي ليستْ هي البحر،

فالبحرُ، رغم وحشته وأكاذيبه ومجونه، طيّبٌ

إذا روّضته أو روّضك.

غربتي، إذن، بدأتْ في الفرات

وغابتْ مع شمسه التي غابتْ. (السابق: 75)

ويقول في المقطع السادس:

غربتي هي غربةُ العارفين

إذ كُذِّبوا أو عُذِّبوا.

غربتي هي غربةُ الرأس

يُحْملُ فوق الرماح

من كربلاء إلى كربلاء.

غربتي هي غربةُ الجسرِ الخشبيّ

إذ يجرفه النهرُ بعيداً بعيداً.

غربتي هي غربةُ اليد

وهي ترتجفُ من الجوعِ أو الارتباك،

وغربةُ السمكِ إذ تصطاده

سنّارةُ الباحثين عن التسلية،

وغربةُ النقطة

وهي تبحثُ عن حرفها الضائع،

وغربةُ الحرف

وهو يسقطُ من فمِ السكّير

أو فمِ الطاغية.

ألحّ الشاعر بکثافة علی تکرار مفردة "الغربة" في نصّه. وقد أسهم هذا التكرار في صورة الغربة التي تتحكم بالشاعر بكلّ أشكالها وصفاتها، وتهيمن علی أفکاره ومشاعره. إنّها غربة الروح والجسد والهجر وفقدان الوطن الحبيب. فالشاعر يعاني الاغتراب بالجسد والروح معاً بعد ما أبى العيش في وطنه تحت حكم الطغاة.

في قصيدة "صباح الخير على طريقة شارلي شابلن" يقول:

صباح الخير أيّها الضحك.

صباح الخير أيّتها القهقهة،

أيّتها السخرية،

أيّتها السعادة،

أيّتها الطفولة المتهرّئة،

أيّها الفقر الأسود،

أيّها الغنى الأبيض.

صباح الخير أيّتها الدموع،

أيّها الجوع،

أيّها الحذاء المَسلوق،

أيّتها البطالة،

أيّتها المغامَرة،

أيّتها المرأة الجميلة المعشوقة،

أيّها المُتشرّد العاشق.

صباح الخير يا أمريكا الأعاجيب،

أيّتها الرأسمالية البشعة،

أيّتها البروليتاريا الرثّة،

أيّتها الحريّة،

أيّتها العبوديّة،

أيّتها الأثداء والسيقان،

أيّها الحرمان. (السابق: 60)

يکرّر الشاعر في هذا المقبوس "صباح الخير" 4 مرّات بأسلوب ساخر، فالقصيدة تبدأ بمنادى وبتكرار خفيف يشبه إيقاظ نائم أو إيقاظ وجوه عديدة،  بعدها يستمر الشاعر أديب كمال الدين في تكرار المفردات في حالة همسات شاعرية رائعة يمتزج فيها الحسي والمعنوي امتزاجاً عضوياً نابضاً بالتوهج الجمالي، فأسلوب النداء له أهمية في هذه القصيدة، حيث تأكيد الانتباه ولفت اهتمام القارئ خاصة وأنّ المنادى هو كلّ أشكال السياسة والقهر والحرمان وبطريقة هزلية: طريقة شارلي شابلن (عبدالرحيم أغا، جمالية التكرار في مجموعة الشاعر أديب كمال الدين "أقول الحرف وأعني أصابعي"، دراسة منشورة في موقع الشاعر).

في قصيدة "حرف يحتضن نفْسه" يقول:

دع القطار يخرجُ من سكّتِه.

دع المرأة تقول: "أحبّك"

وهي تضعُ الكثيرَ من الأصباغِ المزيّفة

على وجهها الذي أتعبه الزمن.

دعْها تقول

حتّى لو انتحرتْ في آخر القصةِ البليدة.

دع القصة البليدة تتكرّرُ كلّ يوم.

دع النافذة تنفتحُ بقوّة

لترتبك الصورة العارية في الهواء.

دع التلفون يرّن ويرّن دونَ أنْ تقلق.

دع المطر يهطلُ بغزارة

لتشرق الشمس، بعدئذٍ، بصخبٍ أصفر.

دع الشبّان يصرخون في الشارع

والشابّات يلبسن اللاشيء.

دع الزمن ينهمرُ من نافذةِ العمر

أو من نافذةِ الفندق

والساعات تدفعُ بعضها بعضاً

في ازدحامٍ عجيب.

دع المدينة تلهو

وبرجها ينهارُ بهدوءٍ شيئاً فشيئاً.

دع الطائرة تطيرُ على ارتفاع

ذراعٍ واحدٍ من الأرض. (السابق: 96 و97)

هنا تكرّرت مفردة ( دع ) 11 مرّة مؤدّية إيقاعاً موسيقياً داخل القصيدة فضلاً عن الإيقاع الدلالي الذي تؤدّيه هذه المفردة التي تدلّ على ترك كلّ ما يربك ويقلق الحرف وهو ينام مثل يتيم طُرِدَ من الملجأ: دع الأرض تعبث كما يحلو لها. ويبدأ في جمل فعلية بالفعل (دع) حيث الزمن يلعب ويلهو ويعبث ويطير كما يحلو له.

 

تكرار العبارة:

تكرار العبارة أو الجملة هو تكرار يعكس الأهمية التي يوليها المتكلم لمضمون تلك الجمل المكررة باعتبارها مفتاحاً لفهم المضمون العام الذي يتوخّاه المتكلم، إضافة إلى ما تحققه من توازن هندسي وعاطفي بين الكلام ومعناه؛ وربّما تكون هذه العبارة هي المرتكز الأساس الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنصّ فضلاً عن المهمة النغمية التي يؤديها التكرار وهذا النوع نجده حاضراً في قصائد كثيرة في تجربة أديب الشعريّة.

ويحتاج تكرار العبارة إلى مهارة ودقة بحيث يعرف الشاعر أين يضعه فيجيء في مكانه اللائق وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنه يمتلك طبيعة خادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري.

وقد عمد الشاعر إلی هذا النوع من التکرار في قصيدة إنّي أنا الحلّاج:

لا تقتربْ من ناري!

من نارِ قلبي وسرّي،

...........

لا تقتربْ!

أخافُ عليكَ من الصلب

وما بعد الصلب.

أخافُ عليكَ ممّا ترى

................

لا تقتربْ!

أيّهذا الحروفيّ الذي يقترحُ الحرفَ اسماً

.................

لا تقتربْ!

فلقد احترقتُ قبلكَ ألفَ مرّة

وما ارعويت.

لا تقتربْ!

إنّي أنا الحلّاج

اسمُكَ اسمي

ولوعتُكَ لوعتي

ودمعتُكَ دمعتي

ووهمُكَ وهمي

وصليبُكَ صليبي. (السابق: 17 19)

فقد کرّر أديب کمال الدين "لا تقترب" في هذه القصيدة 5 مرّات، ليؤكد فلسفة الاحتراق والموت.

 كذلك يقول في قصيدة "ثمّة خطأ":

(1)

ثمّة خطأ في السرير

وفي الطائرِ الذي حلّقَ فوقَ السرير

(2)

ثمّة خطأ في الأصابع

والشوق

ولحظةِ العناق.

ثمّة خطأ في الجسد.

أعني في تفّاحِ الجسد...

(3)

ثمّة خطأ في الكأسِ والخمرة

وفي الرقصةِ والراقصة

(4)

ثمّة خطأ في السرِّ والقبرِ والمنفى

وما بين الساقين.

ثمّة خطأ في الطائرة

وفي مقصورةِ الطيار

والسنوات التي انقرضتْ فجأةً

دون سابق إنذار.

ثمّة خطأ في البحر

والجلوس قرب البحر

(5)

ثمّة خطأ يكبر

وآخر يتناسل

(6)

ثمّة خطأ في الحرفِ وآخر في النقطة

وفي ساعةِ الرملِ أو ساعةِ الصخر

(7)

وأخيراً

وباختصارٍ سحريّ

ثمّة خطأ يشبهني تماماً

مثلما يشبه البحر نفسه. (السابق: 10 - 7)

هنا تكرّرت عبارة (ثمّة خطأ) 10 مرّات، ليأتي هذا التكرار لتقوية الصورة التي تصف هذه الأخطاء ومكان خطورتها (ثمّة خطأ في الحرف وآخر في النقطة)، ليأتي (أخيراً وباختصار سحريّ ثمّة خطأ يشبهني تماماً). فالنصّ لا يعالج خطأ واحداً وإنما مجموعة أخطاء، منها نشوة الخمر، نزعة التعرّي، الموت الأحمر، السنوات التي تتساقط من بين أصابع الشاعر، وهروبه من منفى إلى آخر، إلى آخر الأخطاء التي تكبر وتتناسل. ويلاحظ أن الشاعر قد عمد إلى أن يأتي بهذه العبارة في بداية المقاطع ليدل على الخطر في ارتكاب الخطأ، لتكون القصيدة من القصائد الجميلة في المجموعة.

يعمل تكرار هذه اللازمة على ربط أجزاء القصيدة وتماسكها ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنها قالب فني متكامل في نسق شعريّ متناسق. يكشف هذا التكرار عن إمكانيات تعبيرية وطاقات فنية تغني المعنى وتجعله أصيلاً إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه وأن يجيء في موضعه، بحيث يؤدي خدمة فنية ثابتة على مستوى النص تعتمد بشكل أساسي على الصدى أو الترديد لما يريد الشاعر أن يؤكّد عليه أو يكشف عنه بشكل يبتعد به عن النمطية الأسلوبية. ففي قصيدة (سؤال مسدود) يقول:

(1)

كيف متّ

أنتَ الذي كانت الحياة كأسكَ المفضل

(2)

كيف متّ

أنت الذي اقترحتَ للعيد فجراً وأرجوحة.

(3)

كيف متّ

بأيّ ليلٍ بهيمٍ سقطتَ كنجمةٍ تائهة؟

(4)

كيف متَّ،

يا فراتَ الروح

وسينما الطفولة

ومقهى الحلم،

لاذعاً مثل كأس عرقٍ مغشوش

في شمسِ آب؟

كيف متَّ، إذن،

وتركتَ جثّتكَ مرتعاً للطيورِ والكلاب؟ (السابق: 58 و59)

وهكذا يتوالى تكرار عبارة (كيف متّ) في القصيدة وفي بداية كلّ مقطع من مقاطع القصيدة الأربعة. وهذا التكرار الاستفهامي نسج منه الشاعر أديب تجربته الشعريّة، فصار الاستفهام هو المحور لهذا النصّ ولعل الاستعانة بالأسئلة وصيغ الاستفهام خاصية بدأت تبرز بشكل ملفت للنظر في قصائده.

وفي قصيدة واحدة هي (العودة من البئر) يمكننا إحصاء أكثر من عشرة أسطر تبدأ بـ (لماذا؟) وهي صيغة الاستفهام تأتي أحياناً صادمة للقارئ وتثيره، لكنها في الأغلب تأتي كمخرج متعدد الحالات، وهذا هو سرّ مهنة أديب:

لماذا تركتهم يلقونني في البئر؟

لماذا تركتهم يمزّقون قميصي؟

لماذا لم تقلْ أيّ شيء؟ (السابق: 13)

وهي تتحدث عن غدر إخوة يوسف وعن معاناته، ويكرّر الشاعر لماذا ... ولماذا سكت يعقوب عن كل هذا الظلم. 

وأخيرا لا يفوتنا أن نشير إلی أنّ ما يميّز التکرار في نتاج أديب کمال الدين ويضفي عليه جمالية خاصة هو تكرار اللفظة في أوائل الأبيات:

أنا النقطة

أنا بريقُ سيف الأصلع البطين

أنا خرافةُ الثورات وثورات الخرافة

أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى

أنا دم أخذته السماء ولم تعطه الأرض

أنا بقية من لا بقية له. (النقطة: 14)

***

كانت النقطةُ دمَ الجمال

دمَ المراهقة

دمَ اللذة

دم َالسكاكين

دمَ الدموع

دمَ الخرافة

دمَ الطائر المذبوح.

كانت النقطةُ دمي

أنا تمثال الشمع.  (السابق:  21)

***

وا أسفاه يا حروفي الغامضات

وا أسفاه يا نسائي الضائعات

وا أسفاه يا أقنعتي التي لا تكفّ عن فضحي

وا أسفاه يا سنيني التي تلاحق بعضها بعضاً

دونَ معنى أو بعض معنى

وا أسفاه يا عُريي الذي أحاط بي

كما يحيطُ الجنودُ برجلٍ أعزل. (السابق:  23)

***

من أنتِ

حتّى أكتب إليكِ إلياذتي المعاصرة؟

اكشفي عن أنانيتك

حتّى أريكِ يتمي.

واكشفي لي عن بخلك

حتّى أريكِ نخلتي.

واكشفي لي عن غموضكِ ومؤامراتك

حتّى أريكِ وضوحي وسذاجتي.

واكشفي لي عن موتك

حتّى أريكِ قيامتي! (السابق:  23)

 

 

 

الفصل الخامس

 

التواصل بالرموز (الحروف) ودلالاتها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرموز:

يُعدُّ الرمز من أهمّ وسائل تشکيل الصورة الشعريّة؛ لاسيّما في العصر الحديث. والرمز بمفهومه الشامل هو: ما يمکن أن يحلّ محلّ شيءٍ آخر في الدلالة عليه، ليس بطريقة المطابقة التامّة وإنّما بالإيحاء، أو بوجود علاقة عرضيّة، أو علاقةٍ متعارفٍ عليها (سليمان، 1987م: 32).

 أصبحت للرموز بکافة مستویاتها أهمیة قصوی للشاعر، بحیث غدا استدعاء الرموز أمراً یثري المضمون الشعريّ، ویکشف عن المعاني التي یصعب الحدیث عنها بطریقة مباشرة. معطیات الرمز عامل مؤثر في إغناء الصورة وفي رفد أبعادها آفاقاً جدیدةً ومتنوعةً، وکذلك فإنّ وجود الرمز یستحضر معه مفردات خاصة بهِ، وهذه المفردات تؤدي إلی تخصیب الصورة وإغناء مناخاتها.

 لم یکن هذا الاتجاه الرمزي جدیداً في الشعر العربي، وإنّما سار الشعراء العراقيون علی خُطی إخوانهم العرب في التعبیر عمّا لم یستطیعوا أن یبوحوا به، فالظروف الصعبة التي عاش في کنفها العراقيون حدت بهم إلى الإتجاه إلی لغة الرمز ومواصلة النضال الشعريّ، لأنّ التصریح بالأفکار والأحاسیس الکامنة ربّما تقود صاحبها إلی الاعتقال أو السجن أو القتل. ولهذا السبب لجأ الکثیر من شعراء العراق إلی الرمزیة والاستعانة بالتراث. وقد نهلت لغة الشاعر أديب کمال الدين کثیراً من خصوبة التراث ورموزه فی مسیرتها الإبداعية، وإنّه أي الشاعر- کان فعالیّة ثقافیة، تتحرك بقوة في حقول الإبداع الشعريّ لتواصل اکتشافها لمناطق جدیدة في الشعر والکتابة وإقامة تلك الجسور المجدولة بعمق بین مناطق الإبداع والذوق السلیم والخیال الواسع والعواطف الجیاشة.

 

رمزيّة الحروف:

لا يُذكر اسم الشاعر أديب كمال الدين إلّا وذُكرت معه الحروف التي أصبحت لقبه وبصمته الخاصة في المشهد الشعريّ العراقي والعربي على حد سواء، ولم يكن ذلك وليد الصدفة ولم يتكرّر عشوائياً في منجزه الشعريّ بل كان مشروعا (حروفيّاً) جادّاً وضع القارئ أمام تجربة فريدة من نوعها من حيث الوسيلة التعبيرية عن ثيمة النص الشعريّ الذي يؤول رؤاه من خلال (الحرف) الذي لم يكن وسيلة الوصول إلى الغاية بل كان الوسيلة والغاية معاً. يشكّل الحرف بحدّ ذاته هاجساً شعريّاً مركزياً بالنسبة لتجربة الشاعر أديب كمال الدين. ومبدئياً تتمثل (الحروفيّات) بالنسبة إليه كدلالات زاخرة بالمعاني، وكمشروع مكثّف لاستقراء الجذور التكوينية لكيان اللغة. فالحرف الذي (يشتغل) عليه الشاعر لا يفضي بنا إلى إحالات موضوعية مشتركة بمعنى أن تعميق دلالات الحرف بالنسبة إلى (المعامل الوجداني) الذي اختطّه الشاعر بقصدية أو شبه قصدية لا يبلغنا استعمالاته بذات الموضعية أو بذات التلقّي الذي يوزّع الحرف فينا تأثيره، ومعناه واستخدامه التداولي، بل يتخذ (الحرف) غالباً دلالات مزدوجة تحتمل التعددية في القراءة وبالطبع التعددية في مستويات التأويل وبإمكاننا تأشير (التجربة الحروفيّة) للشاعر أديب كمال الدين مبدئياً بالمستويات الآتية:

1-المستوى الشكلي لاستثمار عطاء الحرف.

2- المستوى (الصوفي) لاستثمار عطاء الحرف.

3- المستوى (الشخصاني) الاعتباطي لاستثمار عطاء الحرف.

4- مستويات أخرى تعتمد (الترابط الوظيفي) والاستخدام (البراغماتي). للحرف كأداة فنية بديلة خاصة بتحريك الرؤى الجمالية للشاعر وهي تساهم غالباً بانحراف دلالات الحرف عن سياقه الشعريّ المطلوب (ميري، استكناه دلالات عطاء الحرف/ قراءة جمالية في قصائد (نون) للشاعر أديب كمال الدين، مقال منشور في موقع الشاعر).

اتخذ أديب کمال الدين من الحروف وسيلة تعبير عن الحياة بشؤونها وشجونها المختلفة، ووهبها ما تجود به انفعالاته وأحاسيسه وأخيلته، فتفرّد بها وصارت دالّةً من دوال شعره. فأديب هو الشاعر الحروفيّ الذي وَجَد في حروف اللغة العربية وفي النقطة غزارةَ أسرارٍ ومكامنَ شعريّة هائلة، فقد استطاع خلق شعريّته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة حتّى أنسن الحرف وأنسن النقطة. لو نظرنا مثلاً في نصّ (جاء نوح ومضى):

ستموت الآن.

أعرفُ، يا صديقي الحرف، أنّكَ ستموت الآن.

لم تعدْ نقطتكَ الأنقى من ندى الوردة

تتحمّل كلّ هذا العذاب السحريّ

والكمائن وسط الظلام

والوحدة ذات السياط السبعة. (أربعون قصيدة عن الحرف: 7)

ففي هذا المقطع نرى بأنه قد انبنى على شخصنة الحرف (يا صديقي الحرف). الشاعر يعتبر الحرف صديقاً له فأخذ يخطابه كأنّه يسمع ويعي ما يُقال له؛ ففي أكثر نصوص أديب نراه يحرص على تشخيص الحرف وخطابه وفقاً لرؤاه التي يريد الإفضاء إليها.

تجربة الشاعر أديب كمال الدين الشعريّة تمتاز بالريادة والابتكار على المستويين المنهجي والفني. فهو الشاعر الوحيد الذي وظّف الحرف واستثمر جوانبه المتعددة؛ حيث تحوّل الحرف لديه من مجرد عملية شخصنة إلى أسطورة تخالط الواقع حتّى يصعب على مستوى الفرز الدلالي أن تكتشف أيّهما الواقع وأيّهما الخيال.

نعم، انفرد أديب كمال الدين بتجربته الشعريّة الحروفيّة وأخلص لها في مشروعه الحياتي إذ نراه يقول:
في كينونتي

أعني في ارتباكي الكبير

 ثمّة حرف 

وثمّة نقطة. (شجرة الحروف: 88)

لا يمكن تخيّل الحرف والنقطة بمعزل عن الشاعر، فهما يرتبطان به ارتباطاً عضوياً ولا ينفصلان عنه، فلا كيان لهما بدونه، وهو ما يعني أن تجربة الشاعر لم تستقِ من الموضوع بل تنبع من الذات كثراء، كخصب، كعطاء، عبر شجرة غضة يانعة، ناضجة ثمارها يجتثّها من قلبه لينير بها العالم.

 إنّ القانون الذي غالباً ما يتحكم في استعمال أديب كمال الدين للحروف يتمثّل في اشتقاق معنى الحرف من كلمة يكون جزءاً منها ذلك الحرف، يقول:

وصديقٌ طيّبٌ ينكرُ على الله

أنْ يقولَ للشيء كُنْ فيكون....

سينهضُ في آخر الليل

وهو ينکرُ أنّ الله

هو الذي خلق الکافَ والنون. (الحرف والغراب: 25-23)

فخلق "الکاف" و"النون" تدلّ علی الکون وهنا يتناص الشاعر مع الآية الشريفة کن فيکون والتي وردت في أکثر من آية قرآنية. وأيضاً يقول:

اجْتمَعَتِ الحَـاءُ بالبَـاءِ فكَانَ الكَوْنُ! (نون:  64)

 "الحاء" و"الباء" حرفان خافتان ومتعاكسان (شفوي وحلقي)، ولهما معنى عاطفي مضمونه (حبّ)، وهذه أصغر مفردة ذات معنى تدل علی أكبر مشاعر إنسانية فريدة. فيرمز الشاعر في هذا المقتبس بـحرفي "الحاء" و"الباء" إلی "الحبّ" الذي يراه سبباً في خلق الكون. ومن قبيل قوله:

 في حاءِ حبّكِ التي وسعتْ كلَّ شيء

 وُلِدت الباءُ بريئةً كدمعة. (السابق:28)

 

الحاء:

يستخدم الشاعر الحروف التي تنسجم رمزياً مع الحالة النفسية التي يعيشها؛ ولعل أكثر تلك الحروف نجاحاً في أستخدامها كمعادل ترميزيّ للحالة التي يعيشها الشاعر هو حرف (الحاء):

في الليلةِ الأربعين

سقطتْ صيحتي

فجمعتُ زجاجَها بلساني الجريح.  

كانت الصيحةُ مرسومةً بالحاء،

كانت الصيحةُ طفوليّةً كالماء...( النقطة: 6) 

لقد استخدم الشاعر (حرف الحاء) في هذا المقطع الصغير خمس مرات لأنّ (الحاء)  هو الحرف الذي عندما نلفظه لا يتجه إلى خارج الفم بقدر مايتجه إلى الداخل، وإلى حيث موقع (القلب) وهذا الأمر يتحقق في حالتي الوجع الذي يسبب (الصيحة) أو (الحبّ) الذي يفقد القلب الإنساني هدوءه واستقراره لأنّ هاتين الحالتين الإنسانيتين محكومتان بذلك الاحتراق الذي يكون داخل الإنسان حاضنته.

ويری الشاعر حرف "الحاء" في معترك الحياة مجرد حلم ورماد:

حاءُ الحياةِ حلمٌ ورماد

وتاؤها ألمٌ ونومٌ ونسيان. (الحاء: 50)

ولعلّ هذا الحرف يدلّ علی الحيرة أيضاً فقد احتار الشاعر الحروفيّ من تعدّد دلالات الحاء، فتارةً يراها راقصة أسطورية وتارةً توابيت عارية وتارةً أخری يراها ذهباً وجمراً ودموعاً وسکاکين:

عجبَ الحروفيّ من هذه الحاء

فلقد رآها مرّةً راقصةً أسطوريّة

ومرّةً رآها توابيت عارية

ومرّةً رآها ذهباً وجمراً ودموعاً وسكاكين.

فاحتار.

قيل له: اخترْ لهذه الحاء كلمةً واحدة

ولا تزدْ.

فقال: حاءُ الحياة...

ومات. (السابق: 56)

بالرغم من تعدديّة المعاني والدلالات التي يدلّ عليها حرف الحاء إلّا أنّ الشاعر إذا أراد أن يلخّص هذه الدلالات بکلمة واحدة فهي الحياة. وکثيراً ما تلتقي حاء الحياة بحاء الحلم:

فتّشت بعينين دامعتين عن حاء الحلم،

فتّشت أوراقَ قصائدي القديمة،

لم أجدْ إلّا حاء نوح

وحاء الحرمان

وحاء الحرب

وحاء الحنين. (رقصة الحرف الأخيرة: 47)

والشاعر في بحثه عن حاء الحلم التي تحتوي علی جميع الحاءات لم يجد منها سوی حاء نوح وحاء الحرمان وحاء الحرب وحاء الحنين. فالشاعر لم يصل تماماً إلی سرّ الحياة (حاء الحلم) بل اقترب قليلاً إلی روح الأمل والمثابرة والنجاح (حاء نوح) مع شيء من اليأس والحرمان والأذی والحنين؛ لکنّ الشاعر نسی أن يبحث عن الحبّ الذي يمکن له أن يساعده کثيرا في رحلته:  

في بحثي المجنون عن حاء نوح

وحاء الحرمان

وحاء الحرب

وحاء الحنين،

نسيتُ أنْ أبحثَ عن حاء الحبّ. (السابق: 51)

ولعلّ الشاعر تعمّد في تناسي هذا الحرف للأسباب التالية:

حاءُ الحبّ أكثر الحاءاتِ شَعْوذة،

هكذا قالَ لي الصحفيون.

حاءُ الحبّ أكثرُ الحاءاتِ التباساً

وغموضا وهرطقة،

هكذا قالَ لي المؤرّخون.

حاءُ الحبّ أكثرُ الحاءاتِ مَبْعثاً

للضحكِ والفكاهةِ والسخرية،

هكذا قالَ لي الحشّاشون.

لكنّ قلبي قال:

حاءُ الحبّ أكثرُ الحاءاتِ مَبْعثاً للجنون. (رقصة الحرف الأخيرة: 51 و52)

 

الباء:

حرف (الباء) سرّ الوجود، لكونه ينبع من فكرة تلخيص القرآن الكريم بسورة الفاتحة، والفاتحة بالبسملة، والبسملة بالباء، والباء بالنقطة، فهي بالتالي رمز للتعين الأول، الذي يشكّل وسطاً بين الواحد والكثير. أما نقطة الباء فتشير إلى وجود العالم أي الموجودات. ووقوعها تحت الباء تمثيل لتبعية الموجودات للتعين الأول. وهي رمز الإنسان الكامل عند الصوفيّة (الحکيم، 1981م: 181). لهذا جاءت (الباء) لدى الشاعر (لها شكل الماء)، فكانت تعبيراً عن ديمومة الحياة في قصيدة (أنثى المعنى):

الباءُ دعاءٌ سريّ أسكنتُ مخارجه قلبي

حتّى مات القلبُ بدائرةِ الباءْ.

والباءُ لها شكلُ الماء. (أخبار المعنی: 23)

وهي (لها شكل الكاف، وأوعية اللام/ ولها دائرة الميم الحمراء، ونون الخالق):

الباءُ لها شكلُ الألفِ المذعورْ،

شكلُ التاءِ الممتدّةِ ما بين اللاشيء،

شكلُ الجيمِ المجنونةِ بالجنّة والجنّْ.

ولها هاءُ همومي،

واو وعودي،

حاءُ حنيني،

طاءُ طيوري،

ياءُ دعائي.

الباءُ لها شكلُ الكافِ وأوعية اللام

ولها دائرةُ الميمِ الحمراء ونون الخالقْ. (أخبار المعنی: 24)

حيث يصل بها إلى مرحلة الفناء في قصيدة (باء المعنى) حينما يقول:

في باءِ القِبْلةِ قرب حروف الذهب الأعلى..

أم في باء خرابي حيث الموت له عينان؟

(الأعمال الشعريّة الکاملة:166) 

و(الباء) حرف معذَّب عند الشاعر يبحث عن لذائذه التي فقدها في العالم الآخر. وفي النصّ التالي يتحدّث الشاعر عن حرف "الباء" الذي يسمّيه أهل العلم بالحرف الكاشف!

يقول أديب كمال الدين في قصيدته "أنثى المعنى":

الباءُ لها شكلُ الأنثى،

شكلُ الحلمِ السريّ وضوضاء الأمطار. (أخبار المعنى: 21)

في هذا النص جعل من الباء دالاً على الجانب الأنثوي من روح الوجود. فالباء طاقة أنثوية مطلّة على المكنون. يقول العلوي ليست نقطة الباء أيّة نقطة كانت بل هي باء البسملة، فهي نقطة لها موقع دال وكينوني ولو سقطت لاختلّ نظام البسملة..  (العلوي،1997م: 105 ).

ولعل مَن تأمّل باء (بسم الله) كانت نظرة الفراهيدي لفحولة الباء من جهة الجنس عندما ذكر في معناه (إنّها الرجل الكثير الجماع) (السابق: 105):

هل أبيع حبي ؟

قد فعلتُ.

ومَن اشتراه ؟

اشترته النساءُ اللاتي لا حاء في بائهنّ

ولا باء في حائهنّ. (النقطة: 37)

فإذا تأولّنا هنا الباء بالدلالة التي ذكرها الفراهيدي (كثرة الجماع) والحاء بالحنان، تكون الدلالة التي فُكّكت إليها الكلمة هي انكسار صور الكمال الغائب وغياب أحد المكملتين الحنان أو الجماع. (حسين، 2007م، ص196).

 

النون:

ومن أکثر الحروف توظيفاً في شعر أديب کمال الدين هي "النون". فهي  تمثّل الدالة الأكثر خصوبة في حروفيّة الشاعر لقدرتها على التشتت والتشظّي والانفجار وتكوين مجرّات جديدة. والصفات الخاصة لحرف النون تؤهله لأن يكون موضوعاً شعريّاً أو مخلوقا ألسنياً لديه أسراره ومناقبه. ولذلك يمكن أن يحتمل ألعابنا اللغوية وأخيلتنا بنقطته وبدائرته المفتوحة، بصورته الأصلية التي كانت عمياء من غير تنقيط. والأمثلة على ذلك لا تُعدّ ولا تُحصى. يقول في قصيدة (قاف):

صرتُ أرى نونَكِ من غيرِ نقطةٍ فأبكي. (نون: 13)

حرف "النون" في شعر أديب يرمز إلی الکون، ونقطتها ترمز إلی الشاعر، وأحياناً يرمز هذا الحرف إلی سفينة نوح ونقطتها إلی النبي نوح، وأحياناً ترتبط بالنبي يونس وقصة الحوت المعروفة. أما الشاعر نفسه فيقول عن معنی هذا الحرف:

النون هي النون

فلا تضعوا علی لساني

کلمات لم أقلها

ولا حروفاً لم أعرفْ سرّها ونجواها. (شجرة الحروف:107)

إنّ الحرف كدالّ رمزيّ وضع أمام أديب كمال الدين مساحات شاسعة ليتحرّك عليها بخفّة، ومرونة، وقدرة على ملء فراغات تلك المساحات أكثر بكثير ممن ملأوا بالكاد واحداً أو اكثر من تلك الفراغات. لقد عرف أديب كيف يستثمر فضاء الحروف لصالح الحدث، وحركاتها لصالح فعله الشعريّ المتضمن على قدر وافر من الدراما فجعل تجربته كلها وقفاً على الحروفيّة، وعلى السير بهديها حتّى نهاية الطريق من دون أن يمنح نفسه فرصة للتوقف، واستعادة الأنفاس، واكتشاف مساحات أخرى لتجارب ما بعد الحروفيّة.

 

النقطة ودلالاتها:

تُحيل "النقطة" أو التنقيط على علامة الوشم كأن يتّخذ له البياض باليد أو الساق أو الوجه أو الوَرَقة أشكالاً. ولأنّ النقطة/ النقاط سَوَادٌ في العادة مقابل البياض أو ما يُقارب البياض فهي أشبه ما يكون بالموجود الدالّ على وجود حينما يظهر ويتشكّل ويشتغل علامَةً ودلالةً وامكانًا لمعنى رمزيّ مُحتجب يستدعي ناظره أو قارئه. كما يُراد بالنقطة في الاشتغال العلاميّ والدلاليّ الحروفيّ الإشارة إلى المؤتَلِف والمختلف بين الحروف، بضُروب من التحويل والتكثير، كالباء والتاء والثاء أو الحاء والجيم أو الفاء والقاف.

إنّ النقطة بالمنظور الحروفيّ العربيّ القائم على الدلالة العِرفانيّة التشكيليّة الرمزيّة الإيحائيّة، هو الحضور رغم ضآلته وصفته العارضة داخل دفْق الحركة في انسيال الوجود أو انسيابه. لذلك نزعت الكتابة في قصائد "النقطة" لأديب كمال الدّين إلى انتهاج سبيل "المحاولة" تليها محاولة بل محاولات لاستحالة حصْر النقطة في نظام تدليليّ واحد، إذ يتحكّم سِياق الاستخدام في كُلّ من الظهور العلاميّ  والأداء الدلاليّ بلحظاتٍ وجهود كاتبة مختلفة. (الکيلاني، الحَرْف والطيف: عالم أديب كمال الدّين الشعريّ، کتاب الکتروني 2010).

تشكّل النقطة عند أديب کمال الدين موضوعاً أو حرفاً أثيراً له دلالة سرية وسرمدية فهي ليست صفراً أو شيئاً مهملاً لا معنى له بل له دلالات عديدة، ففي قصيدة "خطاب الألف" من مجموعته (نون) يصف النقطة بأنها (سيّدة) و(حبّ) و(أعجوبة) و(دم) و(هروب) و(جنية) و(بخور) و(غموض) و(آه) و(خروج) و(عبث) و(دمعة) و(نجمة) و(مفاجأة) و(صومعة) و(ذهب) و(حبر) و(طعنة) و(ملاك) و(ملك مشعوذ) و(سطح) و(عقل) و(رمز) و(غيمة) و(دفقة) و(تلطيف) و(حلم) و(ربيع).

إنّه يعيش إشكالية التعبير عن سر الحرف وبالذات سر معنى النقطة مع أنها اختصار لكينونة الوجود، لكونها (رمز الإنسان الكامل)  عند المتصوّفة، والإنسان الكامل هو(الجامع لجميع العوالم الإلهية والكونية الكلية والجزئية؛ فالنقطة بهـذا مركز المعنى وسره، لأنها مركز العالم الذي رمزه (الباب) في قصيدة (إله المعنى) من مجموعته أخبار المعنى:

دعْ لي الباء ولا تأخذها

فلعلّي ألقى نقطتَها

ذاتَ صباح أو ذاتَ مساء

فأقومُ من القبرِ إلهاً

أبعثُ في جسدي الروح! (الأعمال الشعريّة الکاملة: 172)

فالباء رمز السرمدية والخلود الذي كان (كلكامش) يبحث عنه في (باء المعنى) حيث كان (كلكامش) هذا يسأل كالأعمى عن معنى الباء، ولأنّ الأعمى لا يرى وإنما يلمس ويتحسس الأشياء فإنه بالتأكيد لن يرى النقطة، لأنها أصبحت ريشة بالنسبة إلى جسده في قصيدة (باء المعنى) فغدت مركز العقل وحركته ومركز حركة الوجود ومحور الأرض فهي كاللوغوس عند الفلاسفة. (الجنابي، قراءة في مجموعة (نون) للشاعر أديب كمال الدين/ النقطة سرّ المعنى، مقال منشور في موقع الشاعر).

الحرف دلالة مفتوحة والنقطة علامة مكملة له؛ فهي بعض من الحرف أو ضلع فيه:

قالت النقطة:

أيّهذا المُعذَّب

أنا بعضٌ منك ‍!

ضحك الحرفُ وقال:

أيّهذي المُعذَّبة

أنتِ بعضٌ منّي! (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة: 63 و64).

لقد افتتح الشاعر أديب كمال الدين ديوان "نون" بإهداء قال فيه: إلى نقطتي وهلالي بمناسبة استمراري حيّاً حتّى الآن. وهو الإهداء الذي يوضح لنا عميق الصلة والمحبة الجامعة بين الشاعر ونقطته. يحمل کمال الدين نقطته إلى المنافي، وقد قرّر أن يحوّل هذه النقطة التي لا تمثّل وطناً ولا وجوداً إلّا في وجدان الشاعر، لتصير وطناً في مخياله، ثمّ لتصير تجربة شعريّة عريضة لشاعر اختار أن يعمل فيها بهدوء مثل نحّات في مشغله القصيّ:

حبيبتي أيّتها النقطة

أيّتها الحمامة

أيّتها الصخرةُ المُلقاةُ على حافةِ النهر....

أيّتها الدمعةُ اللؤلؤة

كيفَ أجدُكِ الليلة؟ (شجرة الحروف: 92)

ولم يكن الشاعر، من بين مجايليه، غير صورة الذات الدؤوب على اجتراح طريق الشعر، حين اختار حروفيّته الخاصة منكبّاً على معالجة الحرف بأبعاده الثلاثة، في اللغة والدلالة والمرموزات التي تحمل رسالته المعرفية.

أصدر أديب ديواناً عنوانه: (النقطة) وقد ضمّ ثلاثين قصيدة: ستاً منها حملت عنوان النقطة وهي:  محاولة في أنا النقطة، ومحاولة في دم النقطة، ومحاولة في سؤال النقطة، ومحاولة في دخول النقطة، ومحاولة في حقيقة النقطة، ومحاولة في فرح النقطة. وهذه القصائد بحدّ ذاتها تشكّل، إذا جُمِعتْ سوية، مدخلاً رحباً إلى عالم الديوان. يجعل الشاعر من النقطة في هذا الديوان بؤرة تتجمع فيها كل الأشياء والرموز والمعاني والدلالات. ففي قصيدة (محاولة في أنا النقطة)  المنشورة  في ديوان  النقطة،  يستهل الشاعر قصيدته بالإفصاح عن المتكلم:

 أنا النقطة 

أنا بريقُ سيفِ الأصلع البطين. 

فيلفت انتباه القارئ للعودة الى مرجعياته الدينية والتأريخية:

أنا النقطة

أنا بريقُ سيفِ الأصلع البطين

أنا خرافة ُالثوراتِ وثورات الخرافة

أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى

أنا دم أخذته السماءُ ولم تعطه الأرض

أنا بقيةُ مَن لا بقية له

أنا الفرات قتيلاً ودجلة مدججة بالإثم

أنا ألف جريح

ونون فتحتْ لبّها لمَن هبّ ودبّ. (النقطة: 14)

نلاحظ أنّ الشاعر جعل النقطة بريقاً للسيف ودماً وكياناً بشرياً ثمّ جعلها الفرات ودجلة وألفاً جريحاً وحرف نون لا يدرك سرّه سوى العارف. ثمّ يعطي للنقطة بُعدَ الإنسان الذي يسع العالم:

فيَّ احتوى العالمُ الأكبر.

وهي الزمن المتمرّد:

فيَّ  تجمهر الماضي 

وخرجَ باتجاه المستقبلِ في مظاهرةٍ حاشدة. (السابق)

والنقطة هي فيلسوف بحثَ عن الحقيقة ووجدها:

أنا النقطة 

عرفتُ الحقيقةَ وعجنتُها بيدي. (السابق)

ويستمر هذا الخطاب (الأنويّ)  15 مرّة، فكلما أردتَ أن تكوّن صورة  لهذه النقطة فاجأك الشاعر بصورة أخرى تجعلك في حيرة من أمرك وهي حيرة مدهشة، فالنقطة ترتدي النظارات وتتخذ دور العارف  بالناس الذين  يبدون عراةً وحقائقهم  مكشوفة.  لكنّ الأكثر إدهاشاً أنها تهاجم الحروف في مواجهة ساخنة وساخرة  في آن واحد:

أنا النقطة

أنا مَن يهجوكم جميعاً

أيّتها الحروف الميّتة.

سأهجو نفاقَكم وسخفَكم،

سأهجو أكاذيبكم وترّهاتكم

وكفاحَكم من أجلِ الأفخاذِ والسياطِ وكؤوس العرق. (السابق: 16)

 

 

 

  

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

التناص القرآني

 

 

 

  

 

 

مفهوم التناص:

التناص مصدر للفعل تناصَّ، وتناصَّ القوم تزاحموا (ابن منظور، لسان العرب: مادة نصص) وهذا المصدر بصيغته الصرفية هذه، يدل على المفاعلة، ولم يظهر التناص بوصفه مصطلحاً نقدياً في النقد العربي إلّا مع مرحلة الترجمة للفكر الغربي الحديث، ولكن التناص مصطلح حديث لظاهرةٍ قديمة، أدرك بعض جوانبها النقد العربي القديم.

أما في تراثنا النقدي فقد وردت مصطلحات كثيرة لها علاقة ما بمصطلح التناص كالتضمين والسرقة وغيرها. ولهذا فإنّ التناص  ظاهرة كانت مُدرَكة في الشعر العربي ولكنها لم تتبلور منهجاً شاملاً، بل إن ذلك كان إدراكاً لبعض خواص التناص، ولكنها ليست التناص كما هو اليوم، يمثل منهجاً شاملاً، تأسس على خلفيات معرفية؛  فلسفية ولسانية ونفسية، لهذا تظل المرجعية لهذا المفهوم مرجعية غربية، وإذا قلنا غير هذا دخلنا دائرة التعصب التي تؤدي إلى التعصب ذاته.

 وأول ما ظهر مصطلح التناص، ظهر مع الباحثه جوليا كرستيفا في كتاباتها التي نُشرت في مجلة تل كل ومجلة كرتك وفي كتابها نص الرواية وفي تقديمها لكتاب (دستويوفسكي ) لباختين (انجينو، 1998م: 65-6 ) وتقرُّ كرستيفا أن الفضل يعود لباختين من خلال طرحه لمفهوم التناص الذي لم يظهر صراحةً في كتاباته ولكنه يكمن في مفهومه للحوارية (حسني، 1999م: 242). كما تعود بالفضل أيضاً إلى دوسوسير في  طرحها مفهوم التصحيفية المستوحى من تصحيفات سوسير، والتصحيفية تعني: امتصاص نصوص متعددة إلى داخل النص الشعريّ مشكّلةً فضاءً نصياً متداخلاً (كرستيفا، علم النص، ص78) هو عبارة عن هدم النصوص الأخرى وإعادة بنائها، إن هدم وامتصاص النصوص الأخرى يجعل النصّ ينتج داخل حركة معقدة، هي حركة إثبات ونفي للنص الآخر في الوقت نفسه. (السابق: 78-79).

إنّ التناص هو إعادة توزيع النص للغة، والنص هو حقل إعادة التوزيع، أي أنه المركز الذي تدور النصوص وأشلاء النصوص في فلكه، فيحدث التفكيك، والانبناء ولا يختلف هذا المفهوم كثيراً عن مفهوم كرستيفا للنفي والإثبات، ويقول بارت: كلّ نص هو تناص والنصوص الأخرى تتراءى فيه بمستويات متفاوتة وبأشكال ليست عصيّة على الفهم بطريقة أو بأخرى إذ نتعرف نصوص الثقافة السالفة والحالية: فكلّ نصّ ليس إلا نسيجاً جديداً من استشهادات سابقة (بارت، 1998م: 42)، وتعرض هذه الاستشهادات موزعة: قطع ومدونات وصيغ ونماذج إيقاعية ونبذ من الكلام الاجتماعي (السابق: 42)، والتناص مجال عام للصيغ وهذه الصيغ هي استجلابات لا شعورية عفوية وليست محاكاة إرادية مقصودة تمنح النص الإنتاجية وليس إعادة الإنتاج. (السابق: 42)

 

التناص القرآني:

يُعدّ النص القرآني مصدراً ثرّاً من مصادر الإلهام الشعريّ الذي يفيء إليه الشعراء، يستلهمونه، ويقتبسون منه علی مستوی الدلالة والرؤية أو علی مستوی التشکيل والصياغة.

ويبدو أن التناص مع آيات القرآن الکريم قد أخذ مجالاً واسعاً في شعر أديب کمال الدين. ولعل اهتمام الشعراء وکلفهم باستدعاء النصوص القرآنية والتناص معه لما يمثّله القرآن الکريم من ثراء وعطاء متجددين للفکر والشعور، فضلاً عن تعلّق ثقافة الشعراء المعاصرين به تأثراً وفهماً واقتباساً ( جربوع، 2004 م: 134) .

ذلك أن استحضار الخطاب الديني في الخطاب الشعريّ المعاصر، يعنی إعطاء مصداقية وتميّز لدلالات النصوص الشعريّة، انطلاقاً من مصداقية الخطاب القرآني، وقداسته وإعجازه.  واذا کان الشاعر يقتبس من القرآن بعض ألفاظه وتراکيبه، أو يغترف من نبع معاني القرآن جملة أو يضمّن شعره أثراً من روح القرآن ووحيه، فإن ذلك کلّه أو بعضَه، يظهر بجلاء حيناً وبشيء من الخفاء الفني أحياناً، من خلال أشکال متناصية واضحة مع القرآن کاشفاً في هذا أو ذاك أبعاداً دلالية متنوعة. ولابدّ للقارئ بالطبع من أن يمّر عبر السياق القرآني للوصول إلی الدلالة النصية، لا أن يبقی متعلّقاً بالنص القرآني دون أن يفطن إلی أنه مرآة تنعکس عليها أشعة الدلالة النصية للإشارة إلی الواقع.  إن الاستعانة بالنص القرآني في البناء الشعريّ، لا يعنی عند هؤلاء أکثر من توکيد الدلالة الشعريّة للوصول إلی المعنی المرکّز، وهو ما يقابله الاستشهاد في النثر، لکنه في الشعر أکثر ترکيزاً وکثافة، وفيه تصرّف، ولو طفيف، بالنص القرآني ليتساوق والنص الشعريّ. (جابر، 2007 م: 1087).

إنّ ظهور التناص في شعر أديب کمال الدين يدلّ علی ثقافة شمولية عامة، وظّفها الشاعر واستلهمها في تطلعاته ومقاصده وأفکاره الشعريّة وکان للقرآن نصيب وافر في شعره، فالقرآن معين لا ينضب قد ألهم الشعراء والکتّاب والمتطلّعين إلی الحرية والخلاص عبر العصور.

تتوزّع ظواهر التناص مع القرآن عند أديب کمال الدين علی عدّة نقاط وتشمل عدّة محاور؛ لکل منها دوره، وأهميته في إنتاج الدلالة وتوجيهها وفق زاوية، أو رؤية معينة، وقد تأخذ هذه الظواهر أشکالاً مختلفة، بحيث تتضافر، وتتفاعل المحاور في النص مع هذه الظواهر، فتعطي التناص قيمة دلالية خاصة، تنمّ علی  إدراك أديب لموروثه الديني وفي مقدمته القرآن الکريم.

والمتفحّص لمواقع التناص القرآني في شعر هذا الشاعر المبدع يجده تناصاً متنوعاً، وأشکالاً متعددة، يکون لفظياً وتارة يکون معنوياً وأخری يکون إيحائياً. أما موضوعاته فتقتصر علی أمر مهم لا يوازيه في نظر الشاعر أمر أهّم منه، فهو سبب مأساته ومأساة شعبه. يقف الشاعر بکلّ شجاعة ليفضح هذا الواقع المرير وقلبه وقلمه ينزفان ألماً ضد الطغيان والخيانة والتجاهل والكراهية والإقصاء والتهميش والتفرقة.  

لقد استوحی أديب الکثير من المعاني والايحاءات والافکار من القرآن الکريم. فالبنية القرآنية التي استثمرها الشاعر في أقصى حالاتها، مرّة لتكثيف صورته الشعريّة، ومرّة للتعبير عن موقفه الوجودي، ومرّة لأسباب جمالية شكلية وأخرى تشكيلية اقتضتها الضرورة لايضاح النص والكشف عن مكنوناته.

في المقطع التالي مثلاً من قصيدة "العودة من البئر" يقول الشاعر:

أعرفُ أنكَ كنتَ شيخاً جليلاً

وأنهم وا خجلتاه- استغلّوا

ضعفكَ البشريّ

وبياضَ لحيتِك

ودقّةَ عظمِك.

أعرفُ هذا

وأعرفُ أنهم تركوني إلى الموت

قابَ قوسين أو أدنى. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 13)

فنری الشاعر يتناص مع الآية التالية: "قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا". مريم/ 4. کما أنه في الشطر الأخير" قاب قوسين أو أدنی" أيضاً يتناص مع الآية التاسعة من سورة النجم.

استطاع الشاعر أديب كمال الدين أن يخلق رمزه الخاص به باستعارته للمفردة الآيويّة (نسبة إلى الآية) أو باستدعائه للإيقاع القرآني بلغة تحاكيه وصياغة تحتفي به وإن لم تبلغه محاولةً منه لنقل أكبر قدر من الأحاسيس والمشاعر وشحن لغته بها ويظهر ذلك في مقطع ثانٍ من قصيدة (إشارة الفجر):

لو أنزلنا هذا الفجرَ الأسْوَد

وعلى وطنٍ للحُبّ

لرأيتَ الزهرَ الدافئ ينمو، يلتفُّ على الجسدين وحيداً

ويمشّط ُ شَعْرَ القلبْ (الأعمال الشعريّة الكاملة: 197)

 هنا يمكن أن نلمس صدى الآية الكريمة: (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ). فقد استدعى الشاعر صيغة من الآية (لو أنزلنا) وصيغة أخرى (لرأيته) بعد حذفه الهاء لتصبح في المقطع (لرأيت) فكان المقطع يرتدي حلّةً من الإيقاع القرآني لسورة الحشر مزهواً بها غير متقاطع معها، مغايراً لها في المضمون غير ناقد، وهو بذلك (أي الشاعر) حقّق وصولاً سريعاً إلى المتلقّي كون الأخير تسلّم مفتاح النص من علاقة متحققة أصلاً مع النص الغائب: الحاضر في النص الشعريّ. وبذلك أيضا استطاع الشاعر بثّ ما يريد بثّه من خلال الصيغ التي استعارها معتمداً  في ذلك على نفس العلاقة التي أصبحت في ما بعد عاملاً مشتركاً بين طرفي القراءة/ المنتج/ والمتلقّي. (يونس، قراءة في قصيدة: إشارات التوحيديّ (النص الغائب/ الحاضر)، الحروفيّ: 33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعريّة، إعداد وتقديم: د. مقداد رحيم. 350).

وفي المقطع التالي یقول الشاعر:

كيف سأسقيكَ من أنهارٍ من عَسلٍ مصفّى،

أنهارٍ لذّة للشاربين

لا فيها لغوٌ ولا تأثيم

وكيف ستجلس في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ (مواقف الألف:13).

یُعتَبر هذا المقتبس مثالاً واضحاً للتناص الخفيّ مع القرآن الكريم، فالسطر الأوّل فيه جاء بناؤه النصيّ قريباً من قوله تعالى: وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّى محمد/ 15، وكان السطر الثاني قد أخذ شكله النصيّ من الآية السابقة: وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، فيما السطر الثالث تناص مع الآية: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا النبأ/ 35، أمّا السطر الأخير فقد استمد صيغته من الآية: في مَقعدِ صدقٍ عندَ مَليكٍ مُقْتَدِر القمر/ 55، فالتراكيب الشعريّة في النص السابق أخذت صيغها، ودلالاتها النهائية من القرآن الكريم اقتباساً لا تنصيصاً.

وكذلك الحال في قول الشاعر في قصيدة (موقف الوحشة):

وذكّر الناسَ

فالناس سُكارى

وما هم بسُكارى

ذكّرهم بقافي وقرآني. (السابق: 22).

الذي حضرت فيه معالم الآیة الشریفة التالية: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ الحج/ 2، محاطة بصياغات الشاعر التي تجعل النصّ القرآني وسط تعبير شعريّ لا تكتمل رؤيته الفنيّة إلّا باستدعاء نصّ خارجيّ يحيل على فكرة التناص المستتر، ويعمل على بلورة أسلوب شعريّ مزدوج الدلالة.

ولننظر إلى مقطع من قصيدة (إشارة الرؤيا): 

الرحمن

خَلَقَ الإنسان

علّمه ما لم يعلمْ..

علّمه ما كانَ يكون

ما لم يكُ في الحسبانْ. (الأعمال الشعريّة الكاملة: ص203 )

يحيلنا هذا المقطع منذ ابتدائه إلى اسم من أسماء الله الحسنى (الرحمن) وإلى ملاحظتين مهمتين أولاهما وبشكل لا يقبل الشكّ أنه مبني على تناصّه مع (سورة الرحمن، الآية رقم 1) وهو ما يثبت ملاحظاتنا بشأن إعلان الشاعر عن مصادره  المتناصص معها وابتداء من غلاف المجموعة (جيم). والملاحظة الثانية إن الشاعر في هذا المقطع متوافق تماماً مع ما جاء بنص (سورة الرحمن). حتّى كاد يخرج بشعريّته إلى دائرة التأويل لولا أنّ ذلك منفيّ بالسطر الذي يلي هذا المقطع مباشرة بقوله (المأساةُ اتسعتْ، مَن لي يا ذاكرةً خَرِبةْ) وهو هنا في (إشارة الرؤيا) إذ يستدعي صيغتين من صيغ النص الغائب (فضلاً عن لفظ الرحمن)، صيغة (خلق الإنسان وعلّمه البيان) والأخيرة هي التي يحاول تأويلها لنا بـ(علّمه ما لم يعلم.. علّمه ما كانَ يكون.. ما لم يكُ في الحُسبانْ). والعبارة الأخيرة من المقطع حملت معها صيغة رابعة على شكل مفردة لا يمكن إرجاعها من خلال السياق الذي وردت فيه إلّا  إلى (سورة الرحمن) وبالتحديد الآية  القرآنية (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ). وكما نرى هنا جاءت الاستعارة محاولة من الشاعر لتكثيف الصورة الشعريّة  باستدعائه للآية الكريمة على مستوى عالٍ من الوعي بالحالة التي بثّها النصّ بدوره على شكل صورة شعريّة جديدة مختلفة عن ورودها داخل النصّ: الأصل. (يونس، قراءة في قصيدة: إشارات التوحيدي (النص الغائب/ الحاضر)، الحروفيّ: 33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعريّة، إعداد وتقديم: د. مقداد رحيم، 351).

 

 

 

 

  

 

الفصل الخامس

 

استدعاء الشخصيات الدينية

 

 

 

 

 

 

 

 

استدعاء الشخصيات:

 لقد وظّف أديب کمال الدين القصص القرآنية وشخصياتها في شعره بصورة تلميحية لإثراء نصوصه ونقل مضمونه للمتلقي مشحوناً بروح معنوية. وللشاعر طاقة إبداعية في توظيف الشخصيات القرآنية بحيث تتناسب مع الحاجة العصرية؛ لأنّ الشاعر  قد أحسّ بأنّ ثمّة روابط وثيقة تربط بين تجربتهم وتجربة الأنبياء، فکلّ نبي وکل شاعر أصيل يحمل رسالة والفرق بينهما أن رسالة النبي سماوية، وکلّ منهما يتحمل التعب والعذاب في سبيل رسالته. (عشری زاید، 1978م: 77) . ولذلك اهتم الشاعر بتوظیف شخصیات الأنبیاء کونها أحد الروافد السخیّة والخصبة التی تمدّه بما یحتاج الیه من رموز وصور وتراکیب، بسبب ما یزخر هذا الرافد من عطاء وثراء.

استحضر الشاعر عدداً من الأنبياء الذين قصّ القرآن الكريم قصصهم فاختار من تلك القصص ما يُساهم في إثراء نصه الشعريّ کقصة النبي نوح (ع) والنبي إبراهيم (ع)  والنبي يوسف (ع) والنبي أيوب (ع) والنبي موسی (ع) والنبي عيسی (ع) والنبي محمد (ع). وإننا في هذا الفصل سنرکّز علی استدعاء الشاعر لشخصيّتي النبي نوح والنبي يوسف ثمّ نعالج استدعاء الشاعر لشخصية الإمام الحسين (ع).

 إنّ مسألة استدعاء الشخصيات تمنح القصيدة حمولة فكرية ووجدانية، لأنّ الشخصيات المستدعاة غالباً ما يكون لها في الذهن والوجدان إيحاءات دلالية وعاطفية، تفرض على القارئ نوعاً من التماهي معها، بما تمثّله في وعيه ولاوعيه الفردي والجماعي من حضور وتأثير قويين. وتوظيف الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، يعني استخدامها تعبيرياً لحمل بُعد من أبعاد تجربة الشاعر يعبر من خلالها أو يعبر بها عن رؤياه المعاصرة (السابق: 13).

 

استدعاء قصة نوح (ع):

من الشخصیات الدینیّة التي رمزت للصبر والانتظار الطویل المریر، والبعث والعمل الدؤوب رغم التحدیات العویصة شخصیّة النبيّ نوح (ع). يصوّر الشاعر في  قصيدة "موقف نوح" صبر نوح وعذابه ومحنته وما تعرّض له من قومه:

أوقَفَني في موقفِ نُوح

وقال: يا عبدي

أرأيتَ إلى صَبرِ نُوح،

وعذابِ نُوح،

ومحنةِ نُوح،

وسفينةِ نُوح؟

أرأيتَ وقد قامَ بالقومِ ألفَ سنة

إلّا خمسين عاماً. (مواقف الألف: 44)

ثمّ يختتم النص:

أرأيتَ كيف حملَ نُوح الأمانة

 وَصَبرَ وكانَ صبره كجبلِ أُحد

 وعبرَ الطوفان

والناس غرقى

في يومٍ كأنّه يوم القيامة؟ (السابق:45)

لقد صوّر الشاعر عاقبة مَن عصى وعذابه تاركاً للقارئ استكمال الصورة التي ينقلها إلى فكره. وقد أفاد من قصة نوح كما تضمنها القرآن الكريم وشكّل فيها صورة جديدة مستمدة من صور القرآن الكريم حيث ضمّن القصة مع الإشارة الكاملة إلى تفصيلاتها. وكلها تبين بعض أوجه التناص مع الخطاب القرآني عبر سفينة نوح، وكيف حُملت أمته فيها "في يوم كأنّه يوم القيامة"، وكان يوم نصره على القوم الظالمين.

 وفي نص آخر تحت عنوان (قصيدتي الأزليّة) يستثمر الشاعر الطوفان العظيم ومركب نوح:

هكذا أُلقِيتُ في الطوفان

کانَ نوح يهيّئُ مرکبه لَوحاً فَلَوحاً. (شجرة الحروف: 19)

إنّ الشاعر هنا يكتب أسطورته (قصيدته) وكأنّ الحياة سفر أزلي متصل يبدأ بالطوفان لتنظيف الأرض من المارقين. ولأنّ نوحاً لم يكن معنياً بإنقاذ الشعراء لذا نجد أنّ الشاعر يتسلل إلى مركب نوح خلسةً، بعد أن أعجزه صدود نوح عنه، وبعد أن صمّ أذنيه عن سماع صراخه ولم يأبه لصيحاته وتوسلاته:

كنتُ أصرخ:

يا رجلاً مُبحراً إلى الله

خذني معك.

وإذ لم يأبه نوح لصيحتي

 تسللتُ إلى المركبِ: المعجزة. (السابق:19)

إنّ المركب الذي أنقذ الصالحين من الموت تحوّل إلى سجن للشاعر، فقد نزل الجميع مباركين وفرحين إلّا الشاعر، فقد كان قراره بصعود السفينة قراراً فردياً ولكنّ النزول من السفينة لم يكن بيده:

حتّى إذا هدأت العاصفة

وقيلَ يا أرضُ أبلعي ماءَك،

هبطَ الكلُّ من سفينةِ نوح

فرحين مباركين

إلّاي. (السابق:20)

وإذا كان نوح (ع) قد صمّ أذنيه عن سماع صوت الشاعر في بدء الطوفان ورفض اصطحابه، فالشيء ذاته حصل بعد توقف هطول الماء وابتلاعه من قبل الأرض، بل إنّ نوحاً استنكر وجود الشاعر بالرغم من اقراره بصلاح نوح ورسالته:

وثانية صرختُ بنوح:

يا رجلاً صالحاً

يا رجلاً عادَ من طوفانه: الجلجلة.

قالَ نوح: مَن أنت؟

قلت: أنا الإنسان.

قال: مَن؟

قلت: أنا المؤمن الضال.

قال: مَن؟

وتركني في المركبِ دهراً فدهراً. (السابق:20)

إنّ رحلة الشاعر رحلة خيالية تخترق الزمن، وهي رحلة فردية تقوده فيه الأقدار ويواجه مصيره منفرداً لا أحد يشاركه المصير وليس له أتباع، ولا يوجد لديه حمامة أو غراب كي يخبراه فيما لو انحسر الماء أم لم ينحسر. إنّ بقاء الشاعر في السفينة معناه أنه قد بقي على فطرته ولم يتلوّث بما كان يحصل خارج السفينة:

حتّى إذا غيّبَ الموتُ نوحاً

 تحرّك المركب،

 تحرّكَ بي وحدي

لأواجه طوفانَ عمري

 في موجٍ كالجبال

 أنا الذي لا أعرفُ الملاحةَ ولا السباحة

 وليس لي حمامة أو غراب. (السابق:20)

إنّ الشاعر أديب كمال الدين يستدعي هذه القصة ليعبّر عن رحلته الزمنية وهي رحلة وجودية بإمتياز. فإذا كان للنبي نوح سفينة وأصحاب يرافقونه في رحلته وله حمامة وغراب يبشّراه بوجود اليابسة، فإنّ الشاعر هنا يتحرّك وحده ليواجه طوفان عمره في أمواج كالجبال، وهو لا يعرف السباحة والملاحة، وليس له حمامة أو غراب يبشّرانه بإزالة المحنة.

وفي قصيدة "إشارة نوح" يقول الشاعر:

إلهي،

أفنيتُ العمرَ كلّه

أنتظرُ نوحاً

رغمَ أنّي أعرفُ أنّ نوحاً

قد جاءَ ومضى.

هكذا فأنا منذُ ألف ألف عام

أجلسُ على الشاطئ وحيداً

أرسمُ فوقَ الرملِ سفينةَ نوح

أو غرابَ نوح

أو حمامةَ نوح

أو ابن نوح

أو صيحات نوح.

وحينَ أتعبُ حدّ البكاء

أرسمُ رجلاً يشبهني تماماً

يجلسُ على الشاطئ

ليرسمَ نوحاً وينوح! (إشارات الألف: 18 و19)

 لم يعمل الشاعر أديب كمال الدين على إعادة تسطير هذه الحادثة التاريخية، أو توظيفها كما يفعل بعض الشعراء، أو تضمينها كما يفعل البعض الآخر، وإنما يكتفي بالاحالة إليها عبر حوادث نصّه الشعريّ التي تتلاقح مع الحدث  التاريخي إلى درجة التماهي. يستهل الشاعر قصيدة "جاء نوح ومضى" المفعمة بالنَفَس الدرامي بفكرة الموت، فالحرف يموت الآن أو في اللحظة التي نقرأ فيها هذا النصّ أو نسمعه:

أعرفُ، يا صديقي الحرف، أنكَ ستموت الآن.

لم تعدْ نقطتُكَ الأنقى من ندى الوردة

تتحمّل كلَّ هذا العذاب السحريّ

والكمائن وسط الظلام

والوحدة ذات السياط السبعة. (أربعون قصيدة عن الحرف: 7)

 والملاحَظ أن الشاعر والحرف الذي يقف بموازاته كانا ينتظران سفينة نوح، لكن نوحاً لم يرَهما على الرغم من أنهما لوّحا له بكل الأشياء المرئية واللامرئية لأنه "كان مهموما بسفينته وطيوره". لم يفقد الشاعر الأمل على الرغم من يُتمه الأبدي وضياعه الأزلي وهو يقف إزاء الفرصة الأخيرة، لذلك ظلّ يصرخ حتّى الرمق الأخير طالبا النجدة من نبي يبدو أنه لا يرى ولا يسمع لأنه غارق في محنته (أحمد، تقنية الاحالة لاستدعاء الأساطير في تجربة أديب كمال الدين الشعريّة، دراسة منشورة في موقع الشاعر).

 إننا نرى- حسب رؤية الناقد صباح الأنباري- الشاعر وحرفه ينوءان بمختلف العذابات وهما ينتظران على قارعة البرّ أو على شواطئ البحار حتّى تقبل نحوهما سفينة الخلاص فيشيران لها، ويلوّحان بما عندهما من الملابس والثّياب؛ يصرخان ويستنجدان ويطلبان الإغاثة حتّى إذا ما استكانا راح الشاعر يكمل حكايته لصديقه الحرف قائلاً:

انتظرنا أنا وأنتَ طويلاً سفينةَ نوح.

جاءَ نوح ومضى! (السابق: 7)

فما من حلّ يأتي من الماضي ولا مِن منقذ يقفز المسافات الطويلة ليدخل عبر بوابة الزمن من الماضي المنصرم إلى الحاضر القائم. لقد باء الانتظار باليأس الذريع فالماضي، كما هو شأنه أبداً، مشغول بأحداثه ومكابدته ولن يرى الملوّحين له على قارعة الانتظار. يقول الشاعر مبرراً عدم انتباه نوح لهما:

لم ينتبه الرجلُ إلينا.

كانَ طيّباً ومُسالماً

ومهموماً بسفينته وابنه وطيوره. (السابق: 7)

لقد جاء نوح إذن، ولكنه مضى دون أن ينقذ الشاعر وحرفه الموشك على الموت وكان هذا مدعاة ليأسٍ جديد. (الأنباري، 2014م: إشكالية الغياب في حروفيّة أديب كمال الدين).

 

استدعاء قصة يوسف (ع):

استحضر أديب کمال الدين قصة النبي يوسف وأخوته الذین تآمروا علیه وألقوه في غیاهب الجبّ؛ فیغدو الشاعر معادلاً للنبي یوسف؛ والجبّ معادلاً للغربة والخيانة والمؤامرة والظلم والالتفاف على حقوق الآخرين في كل مكان وزمان.

ففي قصيدة "العودة من البئر" يصبح الشاعر نفسه معادلاً موضوعياً للنبيّ يوسف كما ذكرت، لتتضمّن- أي القصيدة- عتاب يوسف الصدّيق (ع) لأبيه،  بعد أن اتخذه الشاعر قناعاً للتعبير عن مأساته في مواجهة كذب الكذابين وحقدهم وأراجيفهم:

لماذا تركتهم يلقونني في البئر؟

 لماذا تركتهم يمزّقون قميصي؟

 لماذا تركتهم يكذبون،

وأنتَ تعرفُ أنّهم يكذبون؟ (أقول الحرف وأعني أصابعي: 13)

تتحدّث هذه القصة عن غدر الإخوة به، وعن معاناته الطويلة في البئر، وعن أبيه الذي ابيّضت عيناه من الحزن وأودعه دمعته الطاهرة.

إذنْ، لماذا تركتَهم هكذا

يرقصون طرباً من لذّةِ الحقدِ والانتقام؟

لماذا كنتَ ضعيفاً إلى درجةِ الوهم؟

لماذا كنتَ طيّباً

كطيبةِ دمعتِكَ الطاهرة؟

ولماذا أورثتني دمعتَكَ الطاهرة

يا أبي؟  (السابق:16)

وتدور الصور الشعريّة في هذه القصيدة دورة كاملة لتعود بنا مجدداً إلى عذاب المنفى، وظلم الأقربين. والذي يتراءى لنا من خلالها، قصة النبي يوسف، بكل حمولتها الدرامية، وفجيعة ما حدث لطفل خذله أبوه، فتركه لإخوته القساة، بالرغم من عدم تصريح الشاعر باسم مَن تدور عليه الدوائر في هذه الحكاية. وقد عمدَ الشاعر إلی توظيف هذه القصة القرآنية بدلالاتها الخصبة في أکثر من قصيدة منها قصيدة "أمطار موسميّة"، يقول فيها:

والخوف

والمجهول

والظلام

وإخوة يوسف

ويعقوب الذي مات بين يديّ

 کمداً علی يوسف الذي لم يعد.  (السابق:109 و110)

أو في قصيدة أخری:

قالَ إخوة يوسف:  إنّا نحن، إنّا أنا.

وألقوا يوسفَ في البئر،

ومضوا لأبيهم بدمٍ كَذبٍ.

فبكى يعقوب أناه

حتّى ابيضّتْ عيناه. (رقصة الحرف الأخيرة: 93)

وفي المقتبس التالي يقول الشاعر علی سبیل القناع تارة أخری:

هكذا أُلقيتُ في البئر

ألقاني إخوتي

وعادوا إلى أبي عشاءً يبكون.

لكنّ السيّارة إذ وصلوا إلى البئر

ما قالوا: يا بشرى هذا غلام

بل قالوا: وا أسفاه هذا هلام.

وتركوني في البئر

يمزّقني الظلامُ والخوفُ والانتظار. (شجرة الحروف: 22).

إنّ ظلمة البئر الذي أُسْقِطَ فيه الشاعر ظلمة قاسية، يتحوّل فيها الشاعر إلى هلام، حتّى أن السيّارة لا يمكنهم إنقاذه، فكيف يمكن لهم أن ينقذوا هلاماً، وما الذي يغريهم فيه كي ينقذوه إذ أنه لم يكن غلاماً ولم يكن جميلاً، فتركوه وحيداً تنهشه الظلمة والخوف والانتظار في سجنه المريع. فإذا کان "النبي یوسف" قد نجا من محنته من قبل السیّارة، وصار وزیراً وأمیراً، فإنّ الشاعر لا يزال في البئر تمزّقه وحشة الغربة والخوف انتظاراً لمَن یساعده.

في ختام هذا النص تبقى الأسطورة (أسطورة الشاعر) مفتوحة على الاحتمالات كافة، وهي احتمالات قدرية قد تحدث أو لا تحدث، وتعتمد على الصدفة المحض، وحتّى لو خرج الشاعر فخروجه سيكون خروجاً متأخراً بعد أن لحقت به خسائر فادحة:

ربّما سأخرجُ من البئرِ يوم يُبعثون

أو ربّما يوم يُقال للأرضِ: ابلعي ماءك،

فأخرجُ من مركبِ نوح

أو من نارِ إبراهيم

وقد أكلني الرعب

ولفظني الموج

وأطفأت المأساةُ عيوني. (السابق:22).

استمد "أديب" موضوعات صوره من القصّ القرآني، وقد نجح في استخدامها استخداماً ثقافياً بليغاً بعد أنْ أخضعها لشاعريته الفذّة وموهبته الخلّاقة بفنية شعريّة عالية، اعتماداً على أسلوب رشيق رصين، وثقافة عميقة متنوعة:

سقطتْ دمعةُ الشاعرِ على الورقة

فرأى فيها إخوة يوسف

وهم يمكرون ويكذبون

ورأى دمَ الذئب

ورأى أباه شيخاً وحيداً يتمتم:

يا أسفي على يوسف، يا أسفي. (السابق: 7)

 لقد ضمّن نصه شيئاً من قصة يوسف، لأنه رأى أنَّ شيئاً من التماثل بين ما حدث له وما حصل ليوسف، فصحبه الذين كان يعدّهم إخوة له كانوا غير صريحين معه، وماكرين، لا يختلفون عن إخوة يوسف في المكر والخديعة وارتكاب الجرائم حسداً وغيرة، وكان يحملهم محمل الود والإخاء. وإذا كان أبو يوسف قد رأى دماً كذباً على قميص يوسف، وادعى إخوته أنه دم أخيهم يوسف الذي أكله الذئب، فإنّ الشاعر رأى دم الذئب دم القاتل لا دم القتيل. فنجح في اتخاذ الرمز شفرة قصيدية، ليتمكن عبره من كشف الحقائق والماهيات، ليمنح مفرداته زخماً دلالياً واسعاً، فتحوّلت المفردات بواسطته من دال إلى مدلول، جاعلاً الكلمة نفسها هي التي تشير إلى نفسها ليتمكن من تحريك ما هو ساكن بطبعه، موحياً لنا إحساساً بالألم وكذلك الخديعة والمكر، من خلال ظلال التعبير وتأويلاته. ورأى أنّ ما تمتم به أبو يوسف على يوسف بألم ومرارة (يا أسفي على يوسف يا أسفي) إنما هو ترجمة صادقة لما في دواخل الشاعر من ألم ومرارة، ومن أسف على ما مضى. (المشايخي، تشظّي الحرف في غروب النقطة: شجرة الحروف، دراسة منشورة في موقع الشاعر).

 

استدعاء شخصية الإمام الحسين (ع):

إنّ أديب کمال الدين يستحضر مأساة کربلاء ليأخذ منها نموذج التضحية والفداء قبل البکاء والأسی علی ما جری لأهل البيت (ع)، فالإمام الحسين (ع) رمزٌ خالدٌ للتضحية والفداء من أجل المبدأ/ الدين، وهو رمز الباحث عن العدالة ونُصرة المستضعفين في وجه الجبروت.

استلهم کمال الدين وقفة الإمام الحسين (ع) في کربلاء وقوّة صموده وصلابته وصبره وتحوّله إلی قيمة مطلقة للشهادة في سبيل المبادئ والحق، هذه القيمة التي ثبتت بالاستشهاد والدم. يقول الشاعر:

ورأسكَ ينهبُ التاريخَ نهباً

بدمه الطيّب الزكي

ليكتب سرّاً لا يدانيه سرّ،

ليصبح اسم الشهيد له وحده

سرّاً لا يدانيه سرّ:

سرّ الحاء والسين والياء والنون. (أقول الحرف وأعني أصابعي:39)

حروف اسم الحسين من الحروف المقدّسة التي تشعل الحب الحقيقي في النفوس المطمئنة للحقّ الإلهي والتي أصبحت لائحة يُحتذى بها في التضحية والفداء من أجل كرامة الإنسان وحفظ كلمة الحق:

لبّيك

يا حاء الحق.

لبيكَ يا سين السرّ  

وياء السرّ ونون المحبّة. (السابق:37)

ألقى الشاعر على عاتق الإمام (الحسين) هموم روحٍ أيقظها وجع الظلم والشعور بالأسى في مواجهة ما يمكن أن نسمّيه بـ (فتنة الدنانير) التي تُشترى بها الذمم في الأزمنة الرديئة، فها هو في قصيدة (يا صاحب الوعد) يُعيد على متلقّيه قصة الغدر التي أعانت الظالمين على المكر والانتقام من دعاة الحق:

يا صاحبَ الوعد

حملوا رأسكَ فوقَ الرماح

وطافوا به كوفة الوعد. أيّ وعد؟ 

كنتُ أبصرُ شهوةَ الدينار

تلمعُ في عيونهم الكليلة

وأبصرُ شهوةَ الغدر

في سيوفهم المُغبرّة.

يا صاحبَ الوعد

كنتُ أركضُ خلفهم

- أنا الشاهدُ الأخرس-

وأكادُ أختنقُ من ترابِ الخيول.

لقد انتصروا!

الله أكبر!

وكانت الدنانيرُ تُلقى على الناس

في كوفة الوعد. أيّ وعد؟

وشعراءُ الكديةِ يهللون

لدمكَ المسفوح

ويمتدحون رمحاً حملَ وعدك

وسيفاً حزّ عنقَ مُحبّ الإله.  (السابق:36 و37)

 وفي قصيدة "الحاء والألف" يستدعي الشاعر كذلك شخصية الإمام الحسين (ع)، فحرف الحاء يعني الحقّ/ الحسين، وحرف الألف يعني الشاعر/ أديب:

قالت حروف الحقّ

وهي تناقش في الألف الشاب:

هل سيُکتب له أن يعيش؟ (السابق: 67)

ويتطرق في هذه القصيدة إلی الکثير من القضايا التي ترتبط بالإمام الحسين(ع):

وحدهُ الحاء

قال: اتركوه فهو شمسي.

هو مَن سيذكرني كلّما هلَّ اسمي.

وسيكتبُ عن رأسي وقد تناهبه الغبار

وحُمِلَ فوقَ الرماح

من بلدٍ الى بلد

ومن عطشٍ إلى عطش

ومن واقعةٍ إلى واقعة.

بل إنّ رأسي سيكون قصته

ودمي لوعته

وأنيني نبض قلبه. (السابق:67 و68)

يذکر الشاعر قضية حمل رأس الإمام الحسين (ع) فوق الرماح من بلد إلی بلد آخر، وقضية العطش في اليوم العاشر، فکلّ هذا يجسّم لنا مدی الظلم الذي تعرّض له الإمام الحسين والذي سوف يتعرّض له الشاعر بل إنّ رأسي سيکون قصته .... ثمّ في ختام هذه القصيدة يستحضر الشاعر قول النبي محمد (ص) في الحسين: "حسين منّي وأنا مِن حسين" قائلاً:

قال: اترکوه فأنا منه وهو منّي. (السابق:68)

وفي قصيدة "لم يعد مطلع الأغنية مُبهجا" يستحضر الشاعر قضية الإمام الحسين ويتّخذها قناعاً فيضفي عليها دلالات جديدة وفقا لرؤيته تجاة الظلم الذي تعرّض له نفسه:

غربتي هي غربة الرأس

يُحمل فوقَ الرماح

من کربلاء إلی کربلاء. (السابق:76)

وقضية رفع رأس الإمام الحسين (ع) علی الرماح في شعر أديب تُعتبر موتيفاً أساسياً يستخدمه الشاعر في الکثير من قصائده، کما جاء في قصيدة " لِمَ أنت؟":

منذ أن رُفِعَ رأسُ الحسين علی الرماح.  (السابق:92)

 ذلك أنّ الشاعر يری في الإمام الحسين المثل الأعلی والأروع في الثبات علی الحق، حتّی دفع حياته ثمناً له، واستشهد في سبيله، وهو إذ ذاك يناصر الإسلام، ويقتدي بهدي جده رسول الله (ص) ليسجّل باستشهاده صفحة ناصعة في تاريخ الإسلام، جعلته من الأبطال الأوائل الذين نعتزّ بتاريخهم وسيرتهم ونقتدي بهم. فالإمام الحسين (ع) رمز للحريّة والشهادة والبطولة، وهو بمثابة ملاذ آمن للشاعر الذي يحاوره ويخاطبه، راجياً أن يجد بريق الخلاص والطمأنينة والأمل، في سيرته الفذّة. نعم، ففي شجاعة الحسين أمل للمظلومين، وفي سيرته انتصار للقدرة الحقيقية والخالدة لدم الشهداء.  

 

 

   

 

 

 

الفصل السادس

 

الألوان ودلالاتها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الألوان:

تعتبر الألوان من أکثر الأشیاء جمالاً وخصوبة في حیاة الإنسان، فالألوان لیست خطوطاً أو مسحات شکلیة خالیة من دلالات جمالیة وتعبیریة ورمزیة بل هي  بسطوتها علی الصورة الشعريّة وعلاقاتها الوطیدة مع الرؤیة الفنیة تمیط اللثام عن إحساس الشاعر کي یدخل في نسج الصورة الفنیة والتي تشمل علی دلالات عدّة منها نفسیة واجتماعیة ورمزیة.

 إنّ تنوع الألوان في العصر الحديث ووعي الشعراء المعاصرين بهذا النوع إنّما ينشأ عن بصيرتهم العميقة إزاء عناصر الوجود. في الأدب العربي القديم کانت الألوان تُستخدم کما هي في الحياة الواقعيّة. أمّا في الأدب العربي المعاصر فلا تُستخدم الألوان لتمنح الشعر أو النثر صورة جماليّة حسب، بل تُستخدم کأداة رمزية.

 يستعين الشاعر بالألوان، ليعبّر عن عُمقه العاطفي وجوهره الفکري، وکأنّه رسامٌ عارفٌ بخفايا الألوان ودلالاتها وعلاقاتها بالإنسان، بل إن الصور والألوان تنطلق من جوانية الشاعر، وخبرته البصرية، ووعيه التاريخي، وحفرياته الأسطورية، وتجربته النقدية، وتجواله ومشاهداته التشکيلية، وتتنوع اهتماماته بين الفنون، بحيث تصبح الصورة ليست مجرد أداة للمعرفة فحسب، وإنّما أداة للحرية أيضاً (نشوان، 2004م: 126).

 يُعدّ اللون من أبرز أدوات الفنان التشكيلي لما له من دور في تجسيد اللوحة الفنية لإثارة بصر المتلقي وشحن ذاكرته؛ وللشاعر صلة قربى بالفنان التشكيلي من هذه الناحية، غير أن هذه القربى عمّقتْ نصوصه وأغنتها، وجعلت اللون فيها ملمحاً جمالياً من ملامحها، ويرى أن لكل لون من الألوان خصوصيته في الدلالة، وأن لكلّ حالة لونها ولكلّ مقام مقال لوني يعكس نظرة الشاعر للعالم والوجود، فتستحيل ألوانه إلى مرايا عاكسة لذاته وتبدلاتها من الفرح إلى الحزن، ومن العشق والوله إلى اللامبالاة، ومن الوطن إلى المنفى، وهكذا. وتلعب البيئة والمکان بانفتاحاتهما الطبيعية والرمزية والثقافية والتاريخية والاجتماعية والفلسفية والأسطورية دوراً مهماً في تحديد الدلالة وتوسيع حدود تداوليتها، ومنحها قوة شعريّة يمکن أن يستعين بها الشعر في تشکيل معناه (جواد، 2009م: 43).

إنّ قراءة شعر أديب كمال الدين يعني التجوال في حديقة مليئة بالألوان تبعاً لتبدّلات حياة الشاعر وانتقاله من الوطن إلى منفى قصيّ له خصائصه المختلفة التي وجد في الألوان تجسيداً لها. فجاء كلّ لون يحمل إشارة رمزية دالة على صورة ذهنية معادلة للواقع الذي يمثل مادة لونيّة ثريّة تقوم بصهرها المخيلة ليرسم صورة عالمه الشعريّ الغني بألوان الحياة:

ما دمتَ قد رسمتَ لوحةَ الوجود

بألوانِ الدمِ والثلجِ والسرير،

فكيفَ ستنجو لوحتُكَ الكبرى

من غَلَبة الأحمر الناريّ

والأبيض المتوحّش

والرماديّ الممسوس؟ (رقصة الحرف الأخيرة: 15)

في تتبع حرکة الألوان وتکرارها في شعر أديب کمال الدين نجده يعتمد علی بعض الألوان لقيمتها الإيحائية والتأصيلية في بناء الصورة الشعريّة وهي علی الترتيب حسب قوّة ظهورها لديه: الأسود، الأبيض، الأحمر، الأخضر، الأزرق، والأصفر.

 

اللون الأسود

 شكّل اللون الأسود منذ الأزل نقطة نفور وخوف في الموروث البشري وارتبط بدلالات عدّة منها: الظلام والشرّ والموت والغمّ والوهم. فالأسود لون یثري الحزن والتشاؤم والخوف من المجهول لارتباطه بأشیاء منفّرة في الطبیعة دون سائر الالوان، فهو مرتبط باللیل والظلام، والزفت والسخام، والهباب والرماد المتخلف عن الحریق (عمر،1982م: 202-204).

 هذا اللون في الشعر الحدیث اکتسب دلالات وایحاءات عدّة منها التعتیم والکبت والکآبة والخطیئة والتعسّف وغیر ذلك من الإیحاءات. وأديب استلهم الکثیر من تلك الدلالات  وراح یرمز لها بهذا اللون بعبارات ومعاني شتّی. اللون الأسود بالدرجة الأولی يدلّ علی الحزن في تشکيل صور أديب کمال الدين. يقول:

يفتحُ بابَ الموت

بهدوء أسْوَد

ويطير. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 10)

ففي هذا المقبوس، الأسود يدلّ علی العنف والقسوة وشدّة الموت.

وفي مکان آخر يقول:

کنتِ مطري الأسْوَد الذي حاصرني. (السابق:43)

فالمطر الأسود يدلّ علي الدمار والخراب؛ ولو أن المطر يرمز للخصب والرحمة إلّا أن الشاعر نعته بالسواد ليدلّ بذلك علي غزارته وكثافته غير المجدية. 

ويقول أيضاً:

أيّتها الطفولة المتهرّئة

أيّها الفقر الأسود،

أيّها الغنی الأبيض. (السابق:60)

الفقر الأسود يدلّ علی شدّة الفقر وضيق العيش وعسره. کما جاء استخدامه  بهذا المعنی:

وقطعة خبزٍ کبيرة سوداء. (السابق: 98)

وله أيضاً:

قال الطبيبُ: إذن، ماذا تنتظرين؟

قالت: أنتظرُ الموتَ ليأتي ويأخذني

مرتدياً طفولةً سوداء

 وشباباً أسود

 وكهولةً سوداء. (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة: 131 و132)

 وهنا يظهر اللون الأسود ليبسط سلطانه في النصّ لتتحوّل الدلالة من الطفولة والحياة والبراءة إلى الموت:

مدّ الطبيبُ يده ذات القفاز الأبيض

إلى الضحية،

فأبعدها الموتُ برفق.

كانَ الموتُ يبكي على الضحيةِ بدموعٍ سود.

لكنّ الضحية نفْسها

وجدتْ في الأسْوَد،

في آخرِ المطاف،

طمأنينةَ الألوانِ كلّها. (السابق:132)

 وهكذا يجد الطمأنينة في الأسود الذي هو أشد الألوان عتمة، وهو نقيض الأبيض في كلّ خصائصه. وفي نصّه (مطر أسود. . مطر أحمر) يستدعي من الذاكرة صورة المطر الأسود الذي سقط على بغداد عقب حرب الخليج الثانية عندما تشبّعت الغيوم بدخان الحرب والنفط والموت، وحين ألقت الغيوم حمولتها المائية سقط مطر أسود على البيوت والأشجار والنوافذ. هذه  "الشظيّة" أسس عليها الشاعر أديب مشهداً كاملاً يفضح عبثية الحرب ومغامرات (صاحب الجند) الذي جعله رمزاً للطاغية الذي يرسم له صورة كاريكاتيرية ساخرة هي أقرب لصورة الدون كيشوت عندما يقف في مقدمة الصفوف. (الربيعي، 2007م: 109و110):

مرّتْ سنين طويلة

حتّى غطّتْ بغداد

غيمةٌ لا أوّل لها ولا آخر

وبدأتْ تمطر.

كانت الغيمةُ سوداءَ كجهنّم

فنزل المطرُ أسْوَدَ كالقير.

ضحكَ الأطفالُ أوّلَ الأمر للمطر

لكنّهم بكوا

حين أصبحتْ وجوههم كالقير.

واستبشر الزرّاعُ خيراً

لكنّهم وجموا إذ رأوا أشجارهم

تموتُ ببطء

ثمّ جاءَ الدورُ للسحرةِ الذين وقفوا

في أزقّةِ المدينة

ينتظرون المطر ينزلُ في أوانيّهم.

كانوا يرقصون

فهذا المطر رديف للسحرِ الأسْوَد

قالوا: إنّهم سيسحرون به كلّ شيء

حتّى صاحب الجند نفْسه! (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة: 28 و29)

 ويقول في قصيدة (دراهم كلكامش):

 تلك التي اسمها الحياة

متلفّعة بعباءةِ السوادِ والحلم،

بعباءةِ الفقرِ والتعاسة

هي مَن أعطاني الدراهم التي ضاعتْ سريعاً.

كان لقاءً عابراً

يشبهُ حياةً عابرة. (أربعون قصيدة عن الحرف: 10)

فاللون الأسود هنا يوحي بالحزن والقساوة والتعاسة. وكلمة ضياع تكرّرت ست مرّات في هذه القصيدة ممّا أغرق النص في سواد أكثر مما ينبغي.

ويرمز هذا اللون أحياناً إلی الحقد والکراهية کما جاء في النصّ التالي:

حينَ ماتَ تَد هيوز

أورثني غرابَه مَحبوسا في قفص.

ولأنَّ غرابه لا يجيد سوى الهرطقة والتجديف

لذا أطلقتُ سراحه فوراً

لكنَّ الغراب لم يحلّقْ بعيداً

كما توقّعت

بل حطَّ على عمودِ الكهرباءِ المجاورِ لشرفتي

لينظرَ إليَّ بعينين حاقدتين

وقلبٍ أسْوَد.  (رقصة الحرف الأخيرة: 21)

فالقلب الأسود هو القلب الذي فقد براءته وبياضه فأصبح مرکزا للحقد والکراهية. وفي النص التالي يرمز الأسود للتعاسة وسوء الحظ:

جلسَ البريءُ خلفَ القضبان

فرأى القضاةَ والمحامين والجمهور

يتبادلون النكات عن الزحامِ وأحوالِ الطقس،

ويعلكون الكلمات الفضفاضةِ عن العدالة،

ويضحكون من حظّه الأسْوَد حدّ اللعنة. (السابق: 34).

 

اللون الأبيض:

للأبيض تقاليد رمزية عالية التداول في صنع الدلالة وترميزها في أفق الاستخدام المعنوي والسيميائي، فهو في السياق الدلالي العام رمز الطهارة والنور والغبطة والفرح والنصر والسلام (همام، 1930م: 7)؛ کما أنه وفي السياق ذاته والرؤية ذاتها رمز للصفاء، ونقاء السريرة، والهدوء والأمل، وحبّ الخير والبساطة في الحياة وعدم التقيّد والتکلّف (عبو، 1982م: 137).

 والشاعر أديب كمال الدين يعطي للون الأبيض قيمة رمزية ضمن سياق سردي يضجّ بالعديد من الأسئلة المغلقة في نص عنوانه (ألوان) حيث يقول:

قال الطبيبُ الذي يرتدي قميصاً أبيض

وبنطلوناً أبيض

وحذاءً أبيض.

* هل كانتْ طفولتكِ بيضاء؟

_ (لا).

* هل كانَ شبابكِ أبيض؟

_ (لا).

*  هل كانتْ شيخوختكِ بيضاء؟

_ (لا). (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة: 131)

فنرى النصّ هنا طافحاً باللون الأبيض، إذ تكرّر هذا اللون بدلالاته الرمزية في هذا المقتبس ستّ مرات.

وفي قصيدة (أعماق):

في أعماقي

طائرٌ أبيض

يسقطُ مذبوحاً في أعماقِ المسرح.

وفي أعماقِ المسرح

صراخٌ وأنين وثيابٌ ممزَّقة. (أربعون قصيدة عن الحرف: 54).

يبدأ قصيدته باللون الأبيض وهو لون الحبّ والسلام والنقاء وهو نقيض اللون الأسود. وقد حقّق ذلك في طائره الأبيض ولكن هذا الطائر سرعان ما يسقط مذبوحاً. وجاء في المقتبس التالي:

فسيکون الحرفُ نايك

بل سيکون طائركَ الأبيض

محلّقاً في السماء الزرقاء. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 34)

اللون الأبيض يدلّ علی النقاء والطهارة والمقصود من الطائر الأبيض هنا القلب الطاهر، أما الطائر في هذا التعبير فإنه يرمز أيضاً إلی براءة هذا القلب. کما في المثال التالي:

غير أن أصابعي

امتدّتْ إلی قلبي

وخلعتُه من مکانه

وأخرجتْ منه طائراً أبيض

ورمته باتجاه الجمهور. (السابق:80)

فالطائر الأبيض هو القلب البريء والطاهر والنقي .وجاء المقتبس التالي:

والبحر أبيض

وثوبكِ کما أختارَ له المخرجُ أبيض

والشجرُ الذي يحيطُ بكِ أسْوَد أسْوَد. (السابق:71)

والثوب الأبيض هو کناية عن القلب الأبيض والطاهر، يقولون في اللهجة الدارجة: "فلان ثوبه أبيض"، ويعنون بذلك طهارة قلبه ونقاءه. وفي الشطر الثالث تکرّرت لفظة (الأسود) لتدلّ علی شدّة قسوة القلوب المحيطة بهذا القلب.

 

اللون الأحمر

یعتبر اللون الأحمر من أوائل الألوان التي عرفها البشر في الطبیعة، فهو من الألوان الساخنة المستمدة من وهج الشمس، واشتعال النار والحرارة الشدیدة، وهو من أطول الموجات الضوئیة (عمر، 1992م:111)؛ ویعتبر أغنی الألوان وأکثرها تضارباً فهو لون البهجة والحزن، وهو لون الثقة بالنفس والتردّد والشك، وهو لون العنف والمرح، إلی غیر ذلك من الدلالات الجزئیة المتداخلة والمتباینة في آنِ واحد. (السابق: 214-212).

 هذا اللون یرمز إلی دلالات وإیحاءات عدّة، ولعلّ أبرز سمة للأحمر في الشعر العراقي ارتباطه بالحزب الشیوعي. ومن بین الشعراء الذين استخدموا هذا اللون بهذه الدلالة المتعارف علیه، الشاعر أديب کمال الدين حیث یخاطب الشاعر البیاتي في المقتبس التالي:

کنتَ تجيدُ لبسَ القميصِ الأحمر

وحملَ لافتةِ الشغيلةِ والتقدّمِ والصراعِ الطبقيّ. (أقول الحرف وأعني أصابعي: 115)

بالنسبة لمعنی القمیص الأحمر فالمقصود به الشیوعية حیث کان الشاعر البیاتي شیوعیاً لزمن طویل وقد مجّده الحزب الشیوعي العراقي والأحزاب الشیوعية العالمية لهذا السبب (کونه شیوعیاً). وتمّ الاهتمام به بشکل کبیر لأسباب ایدیولوجية حزبیة أولاً. ویمکن فهم المقصود بسهولة من لفظة (شغیلة) وهي التسمية التي یطلقها الشیوعیون علی العمال والطبقة العاملة، و(اللافتة)، كما هو معروف، هي قطعة القماش الکبیرة التي یحملها المتظاهرون في الشوارع.

وفي نصّه المعنون (حصانان أسود وأحمر) ،يختار الشاعر الحصان الأسود حالماً بغيمة بيضاء تمطر حبّاً وسلاماً، لكنه سرعان ما يتحوّل عنه إلى الحصان الأحمر الذي لم يكن سوى رمز للحبيبة المختفية في سراب الصحراء:

كنّا نجلسُ عاريين في الصحراء

حين اقترب منّا حصانان أسود وأحمر.

فقمتِ بعينين دامعتين

وقبلتِني القُبلةَ الأخيرة.

فدهشتُ

ثمَّ امتطيتِ الحصانَ الأسود

وقلتِ بصوتٍ مرتجفٍ: وداعاً.

فذهلتُ

لكنّي قلتُ لنفسي:

سأمتطي الحصانَ الأحمر

إنْ عصفَ بي الشوق

وعذّبني الحبّ. (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة: 90 و91)

 لكنّه يستفيق ليجد أنّ الشمس التي شبهها الشاعر بـ(أسد أحمر)، وهو تشبيه ممهور ببصمة الشاعر، قد غابت:

ثمّ سرعانَ ما عصفَ بي الشوق

وعذّبني الحبّ.

فالتفتُ إلى حصاني الأحمر

لم أجده.

ووجدتُ الشمسَ تغيبُ على امتداد الصحراء

مثل أسدٍ أحمر. (السابق:91)

 واللون الأحمر من الألوان الحارة التي تستمد ألقها من وهج الشمس، واشتعال النار، والحرارة . وفي قصيدة (أحمر ناريّ) يستخدم الشاعر اللون الأحمر عنواناً لها، وهو لون يشير إلى النشوة والتمرّد والحياة الصاخبة:

إلّا حين يلهج  

 بأسطورتكِ المعلّقةِ في الأعالي،

 ونقطةً لا تجيد

 سوى أناشيد الحبِّ بالأحمر الناريّ،

 أعني بالأحمر الممسوس

 باللوعةِ والهذيان. (أربعون قصيدة عن الحرف: 30)

 

 

اللون الأخضر

هذا اللون یحمل في أعماقه الحياة، یرتبط بتأثیره الممتد بالطبیعة الخضراء التی تغطی مساحة الوجود، وکأنّ أثره اللوني  يملك القدرة علی احتواء المشهد الذی رسمه الشاعر. اللون الأخضر هو لون الطمأنينة والسرور لأنه یهدّئ النفس ویسرّها، وهو تعبیر عن الخصب والنماء والأمل والسلام والأمان والتفاؤل. وهو لون الربیع والطبیعة الحیّة بكل تفاصيلها.

 یعتبر اللون الأخضر من الألوان المفضّلة والمحببة لدی الإنسان، ویحمل في طیاته العديد من المعاني السامية،  فهو من أکثر الألوان استقراراً  ووضوحاً في الدلالة، فهو لون الخصب والنعیم، والنماء والزمرد والزبرجد (عمر، 1982م: 209)؛ وهو أیضاً قرین الشجرة ورمز الحیاة والتجدّد، وهو مرتبط بالحقول والحدائق وهدوء الأعصاب  (عجينة، 1988م: 291 و292)؛ وقد اقترن اللون الأخضر لما یمثّله من الخلود والتجدّد بایحاءات کالأمل والتفاؤل والعطاء والفرح والبهجة والرفاهیة والنعیم حتّی وصف الله ثیاب أهل الجنّة ومقاعدهم بهذا اللون نظراً  لرمزیته الخاصة، حیث قال ربُّ العزّة في محکم کتابه: وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ (الکهف /31). وهذا ما أشار له أديب في شعره أيضاً:

 

لکنّ أجدادي المتبرقعين بالأخضر

طاروا جميعاً. (شجرة الحروف: 109)

 

فيرى الشاعر أجداده كلّهم أخياراً وصالحين، مضوا الي الله بوجوه بيض فاستحقوا الجنة والثياب الخضر.ويدلّ اللون الأخضر في شعر أديب علی الخصوبة والحياة والنضارة والحيوية کما فی المثال التالي:

لنری النخلة

ببهائها السحريّ

ولطفها الإلهيّ

وبرکتها الأموميّة

وحنانها الأخضر.(أقول الحرف وأعني أصابعي:41).

فحنان النخلة الأخضر يدّل علي شدة حنانها ونضارتها وخصوبتها. وأحياناً يدلّ هذا اللون علی الزهو والجمال کما فی المثال التالي:

وکنتِ فجري الذي أشرقت  

فيه شمسي الخضراء.  (السابق: 43)