أديب كمال الدين في (شجرة الحروف): أداء متقن وتفرّد في التجربة

 

 

 

 

منذر عبد الحر

  

 

(1)
الكتابة عن أديب كمال الدين ، الشاعر غزير الانتاج ، عميق الرؤية ، باذخ اللغة ، هي كتابة عن تجربة خطّت لنفسها مساراَ متميّزاَ ، دأب شاعرها لجعلها لا تشبه أيّة تجربة أخرى ضمن تجارب الجيل الذي ينتمي إليه ، وهو جيل السبعينيات العراقي ، الذي تميّز يصخبه وجلبته وعطائه المشاكس ، وفتحه لآفاق مهمة في الذائقة الشعرية الجديدة ، وسواء اتقفنا أم اختلفنا في وجهات النظر حول هذا الجيل ، فإنه سيبقى جيلاً معطاءً منتجا
ً ، ذا حضور طاغ ٍ في ساحة الابداع العراقي والعربي أيضاً ، وقد حقق رموزه منجزاً طيباً يُشار له ، ويستحق الدراسة الجديّة لما ذهب إليه من رؤى وطروحات ونماذج نصّية.

 إن أديب كمال الدين بقي يراقب المشهد عن بعد ، رغم انهماكه فيه ، وظل حذراً في إطلاق نموذجه الخاص ، لكنه تمسّك بمنطقة أداء متميّزة خاصة ، ابتعد فيها عن أقرانه ، من أجل تحقيق تفرّده المنشود الذي حققه بشكل واضح بعد أن كرّس مشروعه الشعري الذاتي من خلال منطقة اشتغاله التي وضعت مرتكزاتها التعبيريّة والفنيّة وفق منظور فلسفي شعري متداخل أساسه الحرف والنقطة ، وصيرورتهما وتحوّلات الشعر من خلال العزف على الوتر الحسّاس في أسرارهما ، حدّ أن يؤسس الشاعر علاقات الأشياء وتداخلاتها من خلال الربط الشعري بين الحرف والنقطة وعلاقة الأشياء اليومية بهما . كما أنّه ، ووفق هذه المعادلة - التي تحمل من الصعوبة والتعقيد والسريّة ما يكفي - يلجأ إلى الجملة السهلة الواضحة المألوفة وإلى بناء النصّ بناءً هندسياً منسجماً ، ذا أفق حكائي ، يجعله قريباً من المتلقي مهما كان مستواه المعرفي ، ومهما كانت ذائقته ، وهو فخّ جماليّ آسر ، يضعه الشاعر لقارئه كي يأخذ بيده إلى عوالمه العميقة .


( 2 )


"سقطتْ دمعةُ الشاعرِ على الورقة" ، هكذا يقرر الشاعر ، راوياً ورائياً معاً ، ليولد من هذا الدخول الحكائيّ ، رؤية تنطلق في فضاء رحب من لغة مؤداة بحدة الإشارة ، ووضوح الفكرة وعمقها ، فتكون الدمعة ، مكبّرة مجسّمة ، وهي تحمل تفاصيلها الشعريّة المتدفقة معها "فرأى فيها أخوة يوسف" ، ... ورأى نار إبراهيم ... ورأى صليب المسيح ... ووو ، تتداعى الصور والحكايات الممتدة في عمق التاريخ ، والمتفاعلة معه ، في زاوية نظر مبدعة لخصتها دمعة الشاعر تلك الدمعة الدالة على الإنسانية في جلبابها الصوفي المتعدد الدلالات والإشارات والآفاق في لحظة شعرية متكاملة ، ولعل شعر أديب كمال الدين يمتاز بهذه الخاصيّة الهامة ، وهي وضع ركائز بناء نصه الشعري ، وبثّ روح التعبير في مفاصله ، كي ينشيء رؤية شعرية دالة على موضوعته واهتمامه الفكري والوجدانيّ معا ، لذلك يؤسس لوحته منطلقا من دمعة، ليتحرر من أطر المعنى التقليدي ، وليستفيد من موحيات الدمعة العراقية، وزإشعاعات معانيها في كل الاتجاهات الفنية
:

 


هكذا في دمعةٍ واحدة


أضاءتْ له الدنيا جميعاً


فاحتارَ الشاعرُ كيفَ يبدأ،


كيفَ يقول


ثمَّ رأى أنْ يصفَ المشهدَ ليس إلّا.


ورغم هذا الأداء المتقن في رؤية القصيدة والاطلالة من نافذتها على عوالم متعددة، إلا أن الشاعر يعلن من خارج النص، ومن داخله معا ، الحيرة المؤداة بذكاء فني ، وسؤاله العميق ب(كيف)، ليعزز مسار أسلوبه، متمثلا الوصف مبتعدا عنه بلغة الاختزال، والصيد الثمين.

 
( 3 )


في النصوص ذات الطابع الحكائي ، وهي نصوص كثيرة لدى أديب كمال الدين ، يطلق الشاعر حكايته في فضاء من الترقب ، حدّ أنه يبدأ مع قارئه بداية سلسة ، تقوده من يده ليدخل بهدوء إلى عالم الشاعر ، مشتاقاً متلهفاً لسماع ما يأتي بعد المدخل الحكائي، السردي المباشر، الذي قد يثير التساؤل:


كانَ يجلسُ في الغرفةِ المجاورة


شابٌ أنيق بثيابٍ سود،


ينظرُ إلى السقف


بعينين فارغتين من أيّ شيء


ويضع على ركبتيه


كتاباً على هيئةِ حقيبة


أو حقيبةً على هيئةِ كتاب.


حين ناداني


دخلتُ مرتبكاً


كجثّةٍ تسقطُ في البحر.


قالَ بلغةٍ مُبهمةٍ كلاماً عجيباً


وأشارَ إلى الكتابِ: الحقيبة .


هنا يبدأ (حقل ألغام) الرؤية ، حيث ينتهي السرد بالغموض المدروس ، رغم أن تصوير المشهد ، وأجواءه الدرامية جاءت متسلسلة بحذر ، واقتصاد لغويّ ، ومفردة حادة صادمة ، إلا أنها كانت تشير إلى حركة مسرحية ، تدل على حالة الفرد - الشاب الموصوف ، والرائي الحائر ، لتنتهي ، بالكلام المبهم والصورة الكلية المحلّقة في فضاء دال على الروح والنفس والهيجان الوجدانيّ المبني على رؤية صوفية متدفقة باذخة ، تمضي بالنصّ لترسم له علاقاته الجديدة ، وتدفق إشاراته التي توميء بجمالية محببة للأسرار التي لا يفرّ الشاعر بها ، رغم أنه يطلقها مثل حمامات جميلة ، هديلها محبب ، ولا يحتاج الفهم ، بل يحتاج الإحساس المتبادل به:


مددتُ يدي لآخذَ النقطة


أعني الإناء، الحجر


الشفتين ، الجمر


........


إلى :


وأنا أنظرُ إلى النقطة


مدهوشاً بألوان الفجرِ والغروبِ فيها


كجثّةٍ تُلقى في البحر.

 


إذن هي ملامح القضية التي يطلقها الشاعر ، وهي النقطة التي يمضي بها من مستوى دلالي إلى مستوى دلالي آخر ، وهي الصورة البتي تجمع المتناقضات ، في رؤية جمالية معبّرة ، لا تتطلب من متلقيها إلا الإحساس العالي بها والتفاعل الوجداني معها .


( 4 )


لأديب كمال الدين ، صياغات ٌ خاصّة ، تجعل من قصيدته نموذجاً عالمياً ، قد يذكّر بشعراء آخرين ، لكنه ينفصل عنهم بخصوصية التجربة ، وتفرّد الأداء ، الذي يعلة بلغته المتقنة وجملته السلسة القصيرة ، كما أنه لا يعطي الصور الجاهزة أو السريعة التي تعنى بالجزء ، بل ينحو منحى آخر ، وهو إعطاء قصيدة الفكرة ، التي تشكّل شعريتها من اكتمال النص ، وصياغة المشاهد وبنائها الدرامي ، يقول الشاعر :


أعطيتُ قصيدتي الجديدة


بأصابع الارتباكِ والرغبة


إلى الحسناءِ الجالسةِ بجانبي في الباص،


قلتُ لها :


ضعيها بين النهدين


لتتعرفي إلى سرِّ القصيدة


ومعناها الأزليّ.


ويمضي الاستهلال ، منساباً مموسقاً مموهاً ، يعطي الثمالة قبل الكأس ، ويضع أواني جماليّة ليصبّ فيها الحلم، وهكذا يرصد اللانهائي بالمحسوس ، والقصيدة ، وسرّها بالنهدين ، والمرأة الحسناء المبهمة، وهو بذلك يجترح علاقات ، قد تبدو غرائبية في إطارها العام ، لكنها صادمة جميلة مدهشة في عمق قراءتها.
  وعلى هذا الأساس تنطلق أسرار شعرية أديب كمال الدين ، العارف بوقع جملته ، والباحث عن تكريس شخصي لأسلوبه ، وهو الذي يقول في مطلع قصيدة أخرى :


هكذا أُلقيتُ في الطوفان


كانَ نوح يهيىءُ مركبَه لوحاً فلوحاً


ويدخلً فيه من كلِّ زوجين اثنين.


كنتُ أصرخُ:


يا رجلاً صالحاً


يا رجلاً مُبحراً إلى الله


خذْني معك .

 


لنتأمل جملته ومسارها الفني لذي يبدأ من نسق متحرّك آتٍ من غيب، (هكذا) (أُلقيتُ).. ليستثمر القصص القرآني، وقصة نوح المعروفة بدلالاتها المتجددة لدى أديب الذي يعود لذاك الزمان ، في صرخة ، تفضح الألم الإنساني المتدفق ، وطبيعة تعامل الشاعر مع الوجود .

وللشاعر أديب كمال الدين باع ٌ معروف في التعامل مع النص القرآني ، ومع الفكرة السماوية ، ومع الرموز الدينية ، وصولا ً إلى الحرف والنقطة وأسرارهما ، حتى أن مجموعته التي بين يديّ تحمل عنوان ( شجرة الحروف ) ، وفيها قصيدة بهذا العنوان تطلق أجنحتها في فضاء تعبيري جميل:


ليس هناك شجرةٌ بهذا الاسم


أو بهذا المعنى.


ولذا أنبتُّ هيكلي العظميّ في الصحراء


وألبستُه قبّعةَ الحلم


وحذاءَ طفولتي الأحمر


وعلّقتُ عليه


طيوراً ملوّنة


اتخذت شكلَ النون


ثم وضعتُ عليه


بيضةً صفراء كبيرة


اسمها النقطة !


فأيّ تشكيل مدهش هذا؟ وأية صياغة، وأيّ خلق؟ إن أديب كمال الدين ينحت بجمله وحروفه ليحقق عوالم سحرية وسرية تعطي نكهتها وجمالها دون اللجوء إلى إجهاد اللغة والرؤية والتصوّر ، لذلك يحقق الخلق الشعريّ الخاص ، بدلالة الحروف ومعانيها المتشعبة وقراءتها الخاصة ، وعلاقتها بالنقطة التي قد تكون ومضة برق أو دمعة أو خطفة حلم أو قطرة ماء أو لثغة موسيقى.

 نعم أديب كمال الدين شاعر مترف الحضور غنيّ التجربة ، تقتضي دراسته الكثير من المفاصل الفنية والمحددات القرائية وخصوصية البحث والتشخيص ، سواء على صعيد التجربة أم اللغة أم البقعة الخاصة التي وجدها لنفسه بجدارة ، فكانت علامة فارقة له ، وميزة واضحة بين أبناء جيله . وهناك حديث يطول عن قصائد هذه المجموعة الراقية المدهشة ، فهناك التقطيع الفني ، والبؤر الصياغية ، ومثابات النص ، وخصوصية الجملة والمفردة ، والأجواء النفسية والشعرية التي يعمل الشاعر في طياتها ، والكثير من نقاط البحث في تجربة هذا الشاعر المهم.

*****************************

* شجرة الحروف: شعر: أديب كمال الدين، دار أزمنة، الأردن، عمّان 2007 .

* نُشرت المقالة في جريدة الدستور البغدادية العدد 3022 المؤرخ في 3 آذار، مارس 2014

 

 

 

الصفحة الرئيسية

Home

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة