أسئلة الوجود ومعاني الخلود

أديب كمال الدين يسري على صهوة براق (الألف)

 

 

 حميد الحريــزي

((أنا لست من الشرق أو الغرب.. ولا توجد حدود لقلبي)) جلال الدين الرومي

 

 

النافــــــــذة:

من يطلع على السيرة الذاتية  للشاعر  الكبير أديب كمال الدين  سوف يرى العدد الكبير من الأساتذة من ذوي الفطنة والباع الكبير  في النقد الأدبي وعلم الدلالة  وما بين السطور والقدرة على استخلاص المعنى  من رياض مجاميعه الشعرية، يقف حائرا متهيبا حد اللا جدوى من إبحار زورقه ليمخر عباب بحره الشعري الهائج بالسؤال ، الغني بجواهر الحكمة ، المتوج بالجمال، المزدان ببلاغة القول ، ورصانة المفردة، فشاعرنا  الكبير  لا يشبه أحدا  حتى أنه لا يشبه  نفسه ، فأنّى لي أن  ألتقط أوصافه  أو   ألحق بأسرائه  وهو  يعتلي صهوة  براق الألف ممسكاً بإشاراته  الذي خبر أسرار معانيه  وخبايا مبانيه من علياء اللغة  وشلال المعرفة  وزاد السفر . هذا الذي  يساوي بين كسرة الخبز ضمان  ديمومة الحياة  وكوز الماء  مبعد الظمأ ومانح الارتواء ، وبين كسرة الحرف   وسيلة  العلم  والمعرفة  والبحث في بحار  الثقافة والأدب ، هذا الذي لا تنتشله من غربته وضياعه لا المارة الأحياء السائرين في دروب الحياة ولا حتى الأموات سكنت  ظلام  الغيب والعدم ، ولا حتى  حسن وبهاء  وسحر  القصيدة  مالكة تاج الحرف والمعنى..

كيف لي أن أرافق من ينتظر سفينة نوح التي لا ترسو أبدا عند ميناء خلاصه فيرسم شبيهه على الرمل ليرسم  شبيه نوح الذي  ستجرفه الأمواج المتلاطمة نائحا  في بحر  هائل يضم بين  أمواجه أسرار  الكون . يحنّ دوما إلى  تجديد يغسل أدران الأرض والإنسان . هذا المتسائل دوما  عن جدوى الحرب التي تحدث كل يوم  لتنشر الخراب والدماء والدموع  في واقع بشري مجنون .

يواصل أديب كمال الدين أسئلته  عبر مناجاته الصارخة ، النادبة ، المتسائلة ، المتوسلة ، المسترحمة ، المستضعفة   أحينا، والمشاكسة المتحدية  أحيانا أخرى   مع  العالي المتعالي ((إلهي،)) وكأنه لا يريد  مخاطبة البشر  بل تسامت روحه لتقف أمام  الكبير المتكبر الوحيد الأوحد، لا يريد أن يسير  فوق جسر العابرين  بل يعبر  نهر الحياة  طائرا ، فيغرق في تيارها الجارف ، روح هائمة، عائمة، حالمة ، عالمة  يغيب عنه الناس  يبكي فلا عزاء، يتساءل فلا جواب ، يصرخ  فلا من يسمع، يحمل تابوته وحده فيظل غريبا في عالم موحش (( إلهي،  أنقذني من نفْسي )) فحتى متى  (( أحمل جثتي على خشبتي الطافية/ هائماً دون أن يراني  أحد ،/ هائما إلى الأبد)) ص37

يشاكس الإله ، في إشارة العذاب اللا منتهي (( لا مطركَ ينزل/ ولا النار تبرد/ ولا الجسد يكفّ عن الشوقِ والدمعِ والأنين )) 39 .

وكأنه يردد مع أدغار ألن بو  قوله (( لو أنني ملكت الإرادة الا أولد ، لما كنت رغبت بالوجود- على الأغلب- في ظل هذه الظروف المضحكة 99 ص 70 ادغار ألن بو – جان روسلو ترجمة وتقديم كميل ط2 1985((سلسلة إعلام الفكر العالمين المجموعة الأدبية.

يستعرض مأساة تاريخ الاستبداد والعسف والقتل ضد كل نفس تواقة للحرية  والتوحد بالمطلق كما هو الحلاج، حرقه وذرّ رماده على مياه دجلة التي لم تفيق من ذهولها لهول وبشاعة  ما حدث  إلى يومنا هذا ، حيث لم تزل دجلة  بعد ألف عام، (( فعرفتُ أنها لم تزل في ارتباكٍ وذهول))  ص44.

هذه الروح المعذبة الباحثة  عن الخلاص ،ترى في الموت المخلص الوحيد (( هكذا صار الموت خفيفاً عليَّ/ أخفّ من الحريق والغريق والجنون )) 45 والخلاص من النار والدموع، الكل لا يجيب على  تساؤلاته وشكوكه وشكواه إلا الموت هو محل سعادته (( سعدتُ لأنَّ الموت كان يدلّني على نفْسه/ مثل سكران يقودني إلى بيته )) 49، فهو لا يرى  أماناً ولا أمناً إلا بالخلاص من هذا العالم الحسي (( الأمان والسلام مع الله)) 50 ((هذه الإشارة  الوحيدة التي  لها  شمس وقمر )) 55.

فأيّ عالم  هذا الذي  يُداس فيه  رأس الشاعر بحذاء  السلطان  المصنوع من  جلود الشهداء،  فما اكبر  محنة  الشاعر الإنسان ، الذي  يشعر  بالصغر  والدونية  أمام  جلود الشهداء ، شهداء الحرية  ضد استبداد السلاطين ، لا يرى  له  أصحابا  إلا مَن (( زهدوا بكل شيء  حتى بقطرة الماء )) 57.

 الآن فلنتأمل  ولو قليلاً  في الظواهر والإحداث والسلوكيات التي  وصل إليها "حجر مقــــــــــلاع" أديب كمال الدين في ((إشارات الإلف)):-

1- الغريزة  وتحولاتها :

يشير الشاعر  وبشكل صارخ وواضح إلى دور الغريزة  عند   الإنسان  المرموز  لها بالتفاحة  التي  أنزلت آدم من الجنة إلى الأرض ، غريزة الجنس ، غريزة التملك ، غريزة  الافتراس والاغتصاب ، ومجمل  الغرائز الحسية ... هذه الغريزة المتحولة من جسد المرأة رمز النماء والجمال لتتحول وتتسطح في المرآة لتكون مجرد انعكاس للجسد، ثم البحر والساحل  والحصان ثم الكلب وتهالكه للأكل والجنس  وتحولها إلى أفعى سامة مهلكة، يرى إنها سبب كل الحروب (( حين عرفتُ أن كلّ الحروب/ بدأت من شهوتها : شهوة الدمِ المتدفّقِ كشلّال )) 59  إشارة التفاحة .

2- الصراخ بوجه الحرب و رغبة الخلاص والإفلات من قيد الاستلاب:

 يخرج من الحرب جثة يجرجرها بيديه في الطرقات ليل نهار"إشارة نهاية الحرب"  ص60 ((.. أشبهُ هذه الحرب التي لم تحدث أبدا،/ أعني هذه الحرب التي تحدث كل يوم؟)) ص20.

 تبقى هذه الروح المتوثبة  صوب الحرية  الحالمة بالسلام  لتحطيم القيود قيود الحياة المثقلة بالممنوعات  والحرمان والارتهان، حالما بالتحليق، للاقتراب من زرقة السماء  هذا الفضاء الفسيح بلا حدود المزين بمصابيح النجوم وشعاع القمر  ولكن دون جدوى (( وقفتُ على حافةِ الجبل/ وأفردتُ ذراعي كما يفعلُ الطائر/  لأحلّقَ كما يحلّق الطائر/  فتساقطتْ  حروفي سريعاً/ عند أول  خفقة جناح  /وهوتْ إلى القاع)) إشارة الطائر  62 ((إشارة المنفى )) ص130

 كم هو  هائل  العظمة بالغ العمق  مترامي الأطراف غني بالمكنونات محب للسلام، هذا الذي يغرق ،  فيه البحر ((قبل أن أغرق فيه؟ غَرقَ في أعماقي)) إشارة البحر ص36.

3-  انحسار حيز الحرية:-

( ( أن لا يحلم بالعودة  من حيث أتى  أبدا )) إشارة الباب 135

الشمس رمز الحرية والنور  بحجم (( حبة قمح)) هذا الحيز المتناهي في الصغر والضيق والانحسار  يجد الشاعر نفسه محاصرا داخلها ، هذا الحيز الذي لا يكفي حتى لكتابة قصيدة  عن الحُبِ  ولا عن  الحَبِ، ولا تكفي للحظة الإفلات  والطيران  فوق أسار القيود ولا تكفي حتى  لإخفاء  الدموع  والآلام ..! ((إشارة ماذا أصنع ))  ص64.

كم هي بصيرة نافذة النظرة  حكيمة الرؤيا عين الشاعر الإنسان الذي لم يخدعه بريق الديمقراطية  وزخرفها الزائف في عالمنا اليوم، يطبل  للحرية والعدالة والسلام وأنيابه تنز دما من جثث  الضحايا ، وكرشه يكاد ينفلق  مما سرقه من أفواه الجياع  في مشارق الأرض ومغاربها .....

4- الشعر لم يعد نافذة للسعادة :-

فكيف يرى  هذا الخالق المبدع ((أديب كمال الدين)) الشعر وكيف يرى الشاعر ؟؟

 ( لكن الورقة باقية لا تتبدّل). نعم ورقة الشاعر ورقته ومواقفه لا يمكن أن تجرفها الرياح حيثما تشاء ، الشاعر الشاعر مبادئ عشق الحرية والعدل والسلام....... ((إشارة الرياح)) ص74.

أن تكون أيام  البشر  أشبه بالخراف لا يمتلك الراعي  إلا الحرف ليهش به عليها خوفا من الضياع ، خوف أن تكون طعما للذئاب  في عالم متوحش ، فما أعظم دور الحرف وما اكبر مسؤولياته ؟؟؟ هكذا  يشبه الشاعر المبدع الحرف   مادة الشعر  ولبنة  بناء مفرداته . ( الحرف عصا أهشُّ بها على  أيامي) (( إشارة  الهروب )) ص103. فما أعظم  مسؤولية الشاعر  الراعي الممسك بعصا الحروف ، في حين يرى البعض إن الشعر وسيلة  للتسلية ، لهو المرفهين والسعداء ، أنيس مجالس السمر والمرح في حضرة السلاطين والملوك  وأصحاب الجاه والثروة ، فالشاعر((قرقوز)) ضاحك مضحك لا يهمه سوى رضا السلاطين وأصحاب الجاه والثروة .

الشاعر يدحض  قول من يرى  في الشعر تسلية للسفهاء ، فكلما أراد أن تمحو القصيدة غبار حزنه وألمه ومعاناته، وكلما تراكمت هذه القصائد ازداد تراكم الهموم والمعاناة  والألم  انه تراكم أحساس بالجمال  والحب، فالشعر أحساس وتحدٍ وشعور مضاعف  بمعاناة الإنسان وهمومه ، الشعر مسؤولية كبرى  أمام عظمة الجمال والعدالة والانتصار للإنسان  وصوت فعل  مميز  ضد القبح والحرمان وقيود الإنسان (( القصائد كثرتْ وتكاثرتْ،/ والغبار الثقيل / لم يزلْ فوق المرآة/ كما هو )) إشارة المرآة ص65.

((إشارة الحاء والباء )) ص90  الحب محاط بالجمر والدموع ، بالجوع والحرمان  والجنون ، فتحول الشعر إلى هلْوَسة بدلا من النشيد العظيم .

لغة الشعر  لغة من نار (( إشارة الكرة )) ص94.

ليس شعر الطغاة والحكام الذين ((لا يجيدون سوى التغزّل بكأسِ الدم / وغوايةِ الدم/ ونقطة الدم )) إشارة الدم  ص109. بل الشعور بعظمة الإنسان الطامح للحرية والسعادة والكرامة والأمان..... على الشاعر أن يكون لسان التحدي والجرأة ، وأن يكون المعبر عن أحلام وآمال النفس البشرية المكبوتة  أي هو  قائل ما لا يقال، وفاضح المسكوت عنه.... (إشارة ما لا يُقال )".

 

5- ضيـــــــــــاع المعنى :-

((إشارة من أنا)) ص 114( مَن أنا ؟ / ولماذا جئتُ/ إلى هذه المقبرة الكبرى ؟)

هذا الواقع المعاش اظهر أن  الحياة والنماء والجمال مجرد مظهر ، يكلله الزخرف الكاذب والتبرج الزائف ... في حين يظل المضمون  هو الغريب المقصي المستبعد ... تظل النقطة رمز إكمال  معنى الحرف وتحولات مضامينه فلا معنى للحروف بدون نقاط (( إشارة النقطة)) 79.

لا مأوى غير الإله  في ظل غياب المعنى ، فلا النهر  ولا الحرف ولا النقطة  ولا العيد ولا البحر والطيور  ولا  المرآة ولا المرأة (( كل  ذلك وهمٌ  وهباء/ وهمٌ وأكاذيب )) إشارة المأوى ص81.

محاولة الإفلات من القبح، الإفلات من عمل المنكر، الإفلات من الشياطين، سعيا وراء النجاة وحماية الرأس مكمن القرار وموجه السلوك ولكن دون جدوى ، نجاة الجسد ولكن دون رأس ((إشارة الرأس))85.

اللهاث  وراء السراب ، الغوص في متاهة اللا معنى ، دون موجه ودون طريق واضح سالك (( القطار الذي يركض تائهاً/ طوال العمر/ من دون سائقٍ ولا قضبان))  إشارة الخطأ 87.

الابتعاد عن البراءة والعفوية والطيبة  والإبداع الإنساني  والتحول نحو الفضاضة والوحشية والجمود ، ومعاداة الجمال والسلام ((إشارة الصديق)) ص89

((إشارة الرعب )) ( دوام القتل ، توطن حالة العنف في  عالم اليوم )) ص137.

السعي وراء الجاه والثروة ،(إشارة الأبراج) ص96. (إشارة عين من حجر) ص 124، عدم الشبع وعدم الارتواء ، (إشارة الشجرة) ص  134 ، استنطاق الشجرة  ومعرفة مشاعرها عندما يستهدفها الحطاب ، حالة القتل بدم بارد ولا مبالاة بمعاناة الضحية ........ تدمع عيون المتلقي إشارات الشاعر المشعة، السابحة في  ملكوت الجمال والحب والوفاء.

6-  المــــــــــــــــــــــــــــرأة :-

7- ( إشارة المرأة) ص105 " (ان المرأة حربٌ/ أشعلها الموت/ وسط الليل ).

مَن يطلع على الإشارات التي تذكر فيها المرأة بشكل ظاهر وحتى المستتر  يخلص إلى  أن المرأة تشكل   علامة سلبية في مسيرة الإنسان منذ الخطيئة الأولى ارتباطا ب((التفاحة)) باعتبارها الجانب الحسي المادي الذي يجسد الغرائز البشرية ومن أهمها غريزة الجنس ـ فالمرأة كما هو  مسطّر في المثيولوجيا الدينية هي التي أغرت آدم بعصيان أوامر الرب وعدم الأكل  من هذه الثمرة ، مستجيبة بذلك إلى غواية الشيطان  للإيقاع بلانسان الذي فضله الخالق على الملائكة وطلب من الملائكة  السجود له ....

طبعا مثل هذه الفجاجة المادية  لابد وان تكون  منبوذة من قبل المتصوفة من الإسلاميين المتسامين على الحسي والمترفعين على  المادي، تعلقا بالروح واتصالها بالروح المطلق، وعشقه بعيدا عن عشق الحسي ومن  ضمنه دالة المرأة  نحو الجنس....

فالموت يحب  جسد المرأة كما يحب  الكوابيس والسكاكين  وكأنّ  المرأة هي الرديف  والنظير لهذه الكوابيس والسكاكين: أدوات الخوف ، وكأنّ المرأة إحدى أدوات الموت ، لذلك  يطالب الشاعر أن ينقذه الإله من  رغيف العسل المخلوط بالسم ومن سفينة مليئة بالعظام والذهب والنساء العاريات  التي أصبحت حروفها  مباحة مشاعة  عارية كعري الشمس مع الفارق الكبير بين المشاعين  ، مشاعة وعري الشمس ، ومشاعة وعري جسد المرأة!!!

هذه المخلوقة  ترسل من يقطع كل أصابع الشاعر الذي  وجد في تلمسها المنقذ الوحيد لإعادة الحياة لروحه ....

المرأة  الملاذ من الحرب ومن الخوف ومن الموت، ولكن هذا الإنسان  يكتشف  إن المرأة حرب أشعلها الموت وسط الليل فإلى أين المفر ؟؟؟؟؟

 المرأة وهم وأكاذيب  كغيرها من دلالات الحس  ....هكذا تؤشر  ((إشارات ألألف))

 نجد الدلالات  أعلاه في  ((6)) إشارات  مباشرة  في مجموعة الشاعر ((إشارات الألف)). وهي ((إشارة التفاحة )) و((إشارة الفجر) و (( إشارة الصراخ)) و((إشارة المأوى)) و ((أصابع الشاعر)) و((إشارة المرأة)). وبصورة غير مباشرة في  ((إشارة التفاحة )).

وهنا يُثار سؤال  هل إن الشاعر  يكره المرأة أو يخشاها ؟؟؟

نقول:- نعم  بمعنى الجسد ، بمعنى الحس  المبتذل   بمعنى  مضمون التفاحة الغرائزي. ولكن هذا الروح الشفاف المحب للجمال والسلام والزاهد في الثروة والجاه والمتعلق بروح المطلق، لا يمكن إلا أن يكون عاشقا متيما بروح المرأة كونها سكنه، ولباسه، وسر ديمومته وبقائه كونها من أجمل مخلوقات الله وتجسيدا لعظمته وقدرته  وهو الجميل  ويحب الجمال..... الشاعر يشير بوضوح إلى الدور الخطر والكبير الذي يمكن أن تلعبه المرأة روحا وجسدا في تأجيج شعلة الحياة في روح الشاعر وقت صفائهما وتوادهما ، محذرا إن في غضبها وإغضابها موت لروح الشاعر....

أيتها المرأة يا ملاذ الشاعر ، امنحيه روح الجمال وحضن الأم ، ورحمة الملاك ، وارحميه من غلواء الجسد  والإيغال في عالم الخطيئة ....

(( إشارة أصابع الشاعر)) ( لكنّ المرأة في نوبة غضب سوداء/ أرسلتْ للشاعر مَن يقطع أصابعه ،/ كلَّ أصابعه/ حتّى لا يتلمّس بعدئذ شيئاً ))93.بمعنى قطع أداة الفعل والعمل ووسيلة ألإحساس والتحسس ((الأصابع)).

الشاعر من خلال هذا القول يريد للمرأة أن تكون في موقع ومرتبة أسمى  بعيدا عن  تحويلها إلى جسد\سلعة معروضة للبيع والشراء....

 

 

8- القناعة والـزهد:-

" إشارة الدنيا " ص125 المعاناة هي طريق كشف المستور وكشف خداع الدنيا  وعدم الانجرار وراء  رغبات السفهاء .

"إشارة الطبيب" ص133، إشارة المملكة "( كانت حائي أكبر مملكة  في العالم) ص126.

"إشارة المقام" غرور الطواغيت وشعراؤهم بطول البقاء ( إن الرحلة جدّ قصيرة/  أقصر من قيامي من مقامي هذا) ص127.

الأمل والتفاؤل :- " إشارة الأخضر"ص131 (فلبستُ الأخضرَ ليل نهار).

لا نريد إن  نسهب كثيرا في توضيح الواضح في سلوك ((المتصوفة ))  من الزهد  وبساطة العيش والتواضع والترفع على الثروة والجاه والسمو فوق الغريزة الفجة، يذكر لنا التاريخ شواهد كثيرة وأمثلة كبيرة من أسماء  المتصوفة الزهاد الحكماء البسطاء الانقياء ، كسفيان الثوري ، والحسن البصري ، وابن دينار ، والحلاج.... الخ ، ولا شك إن هذه الظاهرة  السلوكية  إنما هي ردة فعل واعية ومقاومة سلمية في قوة المثال ضد مظاهر البذخ  والأبهة والترف والإسراف في الأكل واللبس  وبناء القصور وامتلاك الجواري والغلمان وامتلاك الثروة والاستماتة من اجل السلطة ، والركض وراء الجنس  واللذة  التي استشرت   في زمن الخلافة الأموية والعباسية وما بعدهما ....، مما يتناقض ومشاكســـــــــــــته: الدين الإسلامي  الداعية للعدل والسلام وبساطة العيش والتواضع، وتكريم الإنسان  من أي لون وجنس وقومية ودين  وعمر ، لا بل  أجل المتصوفة حياة كل مخلوقات الله .....

9-  مساءلة الخالق ومشاكســـــــــــــته :-

"إشارة الهاء" ص108 عدم القدرة على بلوغ عظمة الإله.

"إشارة لماذا" ص110. ( شحّاذاً أعمى/ يطرقُ ليلَ نهار/ بابَ الحرمان) "إشارة هل" 120.

"إشارة الجالس عند الباب" ص111 ( وتقودني كما يُقاد شحّاذٌ أعمى/ إلى بيته الموحش في آخر الزقاق).... وإشارات  عديدة أخرى هي  الأكثر حضوراً في المجموعة.

الشاعر روح العدل وصوت التوازن والنوق نحو الجمال والحرية ، لكنه مصنوع من روح شفافة، طليقة  كجناح الطير  ونقية كالحب مما يجعلها عاجزة  عن تحمل واقع مفترس متوحش مسلح بالأنياب والمخالب... فالشاعر يسأل الإله كيف  يخلق روحاً للحب والجمال وتُلقى مجرّدة من كل سلاح وسط (( رقصة الوحوش))؟ فأنى له القدرة  ليحافظ على رأسه المعبأ بصور الجمال وبذخ الخيال....؟؟؟؟؟؟

أسئلة الإنسان وغربته وسط خراب القيم  وقردنة السلوك ، وسمية النهج مما يجعله يمشي (( على الجمر من المهد إلى اللحد)) ص97.

صرخة وسؤال وطلب حق في أن يلعب يوما مع إنسان مثله ، إنسان المثال والكمال ، إنسان المحبة والتسامح والحرية  ولو قبل الموت !!!" إشارة اللعب" ص67.

" إلهي، خلقتني بهيئة عطشان،/ لا بهيئة إنسان،/ ثم ألقيتَ بي في الصحراء الكبرى" إشارة العطش  ص68.

"إلهي، خلقتَ الذهبَ يلمع ليل نهار/ ثم قلتَ للناس: / اعبدوني فأنا الحق والذهب باطل" ص92.

صراع بين روح البراءة وبين متطلبات الحياة المادية ،صراع بين الطفولة  و((صحن)) ديمومة الحياة ، الطفل يغرق، المستقبل يغرق، تنقذ الصحن وتبكي براءة الطفل. "إشارة السؤال" ص88.

10-                     نداء من أجل الخـــــــــــلاص :-

" أنا امشي على حبل الجمر ، /لا ينقطع هو الأخر ،/ آهٍ متى ينقطع هذا الحبل،/ يا إلهي،/ لأتخلّصَ من حفلةِ البهلوان ، والساحر ، والطاغية، / ولأتخلصَ/ أيضاً/ من حفلة الماشي على الجمر ". "إشارة الماشي على الجمر" ص 70.

" وحين بلغتُ من السأم عتيّا،/ ركبتُ في مركبهن،/ وكان وثيرا ، مريحا،/ بل أكاد أقول مدهشا،/ غير انه غطّى – وا أسفاه- وجهي بتراب ثقيل ". ص 73.

 تحوّل العمر هنا إلى تراكم  من السأم والجزع واللا جدوى وليس إلى تراكم من سنين حياة الأمل والعمل والمتعة والفرح ، رغم محاولات هذه الذات  أن تتخلص من هيمنة هذه الحروف حروف الموت ، بالجنون ، والكهان ، والمصلوب                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              إلا انه لم  يفلح بالخلاص فركب مركب الموت الذي  يراه مريحا وثيرا  لكنه غطّى  وجهه بتراب ثقيل فحجب عنه كل شيء!! " إشارة الميم والواو والتاء "

11-                    جلد الذات ، الشكوى  من حالة القصور والعجز :-

"إشارة الخرس" ص26  يسأل الشاعر هذه الروح الهائمة عن سبب سكونها وجبنها وصمتها بوجه الطغاة والقتلة  (( لماذا لم أملأ هذا الكون صراخا؟؟)).

الهلع والجزع من واقع الإنسان الحاضر ، الحروب ، والقتل ، واقع الافتراس، والوحشية في ظل كل هذا يشعل الشاعر قلبه شمعة ليبدد هذا الظلام ، ظلام الوحشية  والظلم". إشارة الشمعة" ص79.

مما تقدم  نرى  الشاعر  هنا أشبه بشبكة الرادار الحساسة وهي تتحسس للإشارات والظواهر الحياتية وللأسئلة الوجودية للإنسان ومن ثم  تظهيرها وفق وعي الشاعر المتسامي إلى روح الحب والجمال والسلام المتعلقة بالروح المطلق  عبر  التساؤل ألعرفاني والعشق الوجداني حد المشاكسة ، سعيا لأدراك  ماهية  الحياة  ومعناها  بين متشائم حد عشق الموت  ومتفائل حد الاخضرار ودوام النماء ...إشارات كمال الدين  جولة تنقلنا كما الإسراء إلى عوالم الذات وتساؤلاتها الظاهرة والمضمرة في حضرة الماوراء العالم العليم ....وكما قال المتصوف  الشهير جلال الدين الرومي: (( المعنى في الشعر، كحجر المقلاع، ليس له اتجاه محدد)).

 خاتمة القـــــــــــــــــــــــول :

((إشارات الألف )) شراع الحروف  يبحر في بحر التصوف

((إشارات الإلف )) نسق من الشعر الصوفي  الحديث من حيث اهتمامه الكبير بالمعنى وعمق الدلالة البعيدة عن الزخرف والإطالة والإسهاب ، كما إنها كانت وفية للأشعار الصوفية  بكسرها  التقليد ، ولكن ما ميّز ((إشارات الإلف)) أنها  لم تسلك نهج اغلب الشعر الصوفي في المدائح والتوسل  بالرسل والصحابة والأولياء  وإنما  هو  نصب خيمته تحت سدرة الإله الجبارة متسائلا مستفهما  حد المشاكسة  وهو يرصد الإشارات الكونية ليس من سماء مفارقة بل من  واقع حياتي بشري مرير لتعكسها حروفه المشعة صوب المطلق من اجل الإمساك بنور الحقيقة  واستقبال رجع الحدث، وهذا النهج  يحسب  للحروفي في صوفيته المعاصرة  تلميذا  وفيا للسلف الصالح ((ابن عربي ، رابعة العدوية ، مالك بن دينار ، الحلاج، سفيان الثوري ....)) ولكنه ابن عصره الذي اعتصر  روح الإنسان  وأغرقه في بحار الغربة والاستلاب والتعمية ..... ومناهضة العنف والتعذيب ايا كان مصدره  كما  نسب للحلاج قوله:-

 ((لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ولو دخلت  الجنة لأنهدم بنيانها)) د. رشيد الخيون ((طروس من تراث الاسلام) ط1 2007- مؤسسة الانتشار العربي ص103.

اختم إطلالتي المتواضعة عبر نافذة دار  (( إشارات الإلف)) المهيبة الذي خطف بريقى ابداعها  نظري  لما تضمنته من الدهشة  وقوة البناء  والبلاغة  وجمال المفردة وكنوز الحكمة، متجاوزا قول جان كوهين ((الشاعر خالق كلمات وليس خالق أفكار)) اشكالية قصيدة النثر- عز الدين مناصرة  ط1  2002 ص120. مع احترامنا لهذا الرأي المنحاز لجمال الكلمة ، فاننا نستطيع القول ودون مبالغة  إن  الشاعر أديب كمال  الدين  ، تمكن من الجمع بين  جمال الكلمة وعمق الفكرة، أي خالق كلمات مفكرة فما أروعه من خالق ؟

هذا ما يمكن  أن تسمح به هذه الدراسة المختصرة ل((إشارات الألف)) ، الذي يتطلب الإحاطة بها إلى  استقدام الأبجدية من ألفها إلى يائها ....آملا أن أكون قد  تجاوزت ((قشرة بيضة)) قصائده ولامست ((المح)) الذي استعصى وصوله على  الذين كتبوا  عن الشاعر الكبير حيث يقول  (( كم أدهشني أولئك الذين يكتبون عني! / فهم يلامسون قشرة بيضة قصيدتي / ويقولون هذا المُح)) "إشارة أولئك" ص56.

***********************

إشارات الألف ، شعر: أديب كمال الدين ، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2014

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home