قراءة في قصيدة (إشارة البحر) لأديب كمال الدين

 

 

undefined

 

 

علوان حسين

 

القصيدة في ظاهرها مناجاة الشاعر لربّه وكما فعل المسيح "قبل صلبه" بلحظات حين خاطب ربّه قائلاً (إلهي لماذا تخلّيت عني؟) يسأل الشاعر ربّه:

إلهي,

ماذا فعلتُ

كي أنفق العمر كلّه مع البحر؟

لنتوقف عند عبارة (البحر) بما تحمله من مدلولات ورموز تمنح قارئ القصيدة أفقاً وفضاءً ليحلق ويغوص في مياهٍ شفافةٍ لبحرٍ لا منجاة منه:

كيف أنجو منه

وهو الذي يتعرّى أمامي

بألوانه الباذخة

وأمواجه الغامضة

فأذهبُ إليه كالمسحورِ حيناً,

وكالضائعِ حيناً,

وكالمجنونِ أحياناً أخرى؟

أهو بحر الأنوثة بأهوائه الصاخبة وفتنته وأمواجه الغامضة حيث يذهب الشاعر إليه كالمسحور, أم هو بحر الشهوات الذي لا قرار له ينعكس بألوانه الباذخة من خلال جسد المرأة إذ يتعرّى أمام بصر الشاعر الذي يختصر المسافة مابين الحب والحلم, الشهوة المتوحشة التي حين تبرق وتشتعل كاللهب يحرق حين يمس جسم العاشق وهو كالشمس تضيء حين تلامس قلبه؟

المفارقة أنّ الشاعر لم يختر عبارة اللهب أو النار ليصف من خلالها حالة الانخطاف والوجد لديه كما يفعل الشعراء عادةً , إنما اختار مفردة البحر المائية وهو رمز الصفاء والزرقة والشفافية الذي يدعو للتأمل الصوفي والذوبان وقد يكون الطريق الرحب الى الله, هذا البحر الذي يفيض من أعماق الشاعر كما تتفتح الينابيع من أعماق الأرض لترويها. ماء كلما فاض يزيد الشاعر ظمأً فإذا بالعاشق وهو يغرق في الأعماق السحيقة يموت هائماً, بتعدد حالات الغرق يتعدد الموت , هذا الموت على رمزيته العالية يشير إلى حالة الضياع والتمزق هذا الشعور المُعذّب بحثاً عن سرٍ ما عن غبطة أو فرح غامض بحياةٍ تبدو كلما نهل منها شعر بجوع ٍ مستدام وحالة من النهم لا يشبعّها سوى الموت .

البحر بألوانه الباذخة وأمواجه الغامضة, أهو الجنون الذي يطرد الطمأنينة من قلب الشاعر ويزرع في رأسه القلق ويعذّبه بالأسئلة الممضّة كلما خلا إلى شياطينه , هي لربما أسئلة الوجود والخلق التي تكهرب عقل الشاعر وتعصف به وتتركه ضائعاً حيناً وكالمجنون أحياناً أخرى, أم هو بحر المعرفة العميق حيث الحياة في اللج العميق صاخبة خلابة وسادرة بالغموض؟ أفكار تصعد كالمد من أغوارنا السحيقة لتغرقنا بأمواجها الفاتنة فنضيع .

هذي القصيدة على قصرها تكثف معاناة الإنسان في غربته وضياعه على كوكب بدا أكثر غموضاً وهو أي الإنسان أمام مغريات العصر من شهواتٍ ورغباتٍ وأفكارٍ تموج في أعماق كل منا, موسيقى اندلعت من أحلام الشاعر لا أحد يصغي إليها وقد سالت من قلبه كالنبع ليغرق في شفافية موتٍ غامضٍ دون أن يراه أو يشعر به أحد.

في قراءتي المتواضعة لهذي القصيدة الشذرة الملمومة والمكتنزة بالأفكار والموحية لمعانٍ شتى نهباً لكل ذائقة وقراءةٍ تستخلصها منها بعد معاناةٍ وكدٍّ فالقراءة ليس نزهة بريئة في غابة المعنى إنما غوص وذهاب الى المجهول , هي مغامرة ليست مضمونة في الوصول الى السر , لم تستوقفني صورها المتلاحقة ولا لغتها ومجازاتها البديعة, هي على تقشفها وبساطتها الظاهرة تشع كجوهرة بجمالٍ خاص كونها تقترب من شذرات هليقريطس المكتنزة بالحكمة والأفكار المفتوحة على دلالات موحية وثرية بالمعنى والجمال.

 متعة قراءة هذي القصيدة تكمن في منحنا الدهشة وتدفعنا الى التفكير بل تغرقنا في بحرٍ من الأفكار لنغرق في مياهه الشفافة باحثين عن سر يشدنا الى الموت الجميل. موتٌ هو حياة متجددة تفيض من دواخلنا, من منطقة معتمة حيث تشرق شمس صغيرة من بئر الأسرار, ليحمل كل منا أفكاره على خشبته الخاصة.

نصّ القصيدة

إشارة البحر

شعر: أديب كمال الدين

 

 

 

إلهي،

ماذا فعلتُ

كي أنفقَ العمرَ كلّه مع البحر؟

وكيف أنجو منه

وهو الذي يحيطُ بي

كما تحيطُ جدرانُ السجنِ بالسجين؟

كيف أنجو منه

وهو الذي يتعرّى أمامي

بألوانه الباذخة

وأمواجِه الغامضة

فأذهبُ إليه كالمسحورِ حيناً،

وكالضائعِ حيناً،

وكالمجنونِ أحياناً أخرى؟

كيف أنجو منه

وهو الذي غرقَ فيَّ

قبل أنْ أغرقَ فيه؟

غرقَ في أعماقي السحيقة

حتّى صرتُ كلّ ليلة

أموتُ غريقاً

فأحملُ جُثّتي على خشبتي الطافية

هائماً دون أنْ يراني أحد،

هائماً

إلى الأبد.

 

 

 

***************************************************

نُشرت (إشارة البحر) في مجموعة (إشارات الألف)  للشاعر أديب كمال الدين،  منشورات ضفاف ، لبنان، بيروت  2014

 

الصفحة الرئيسية

 

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home