أديب كمال الدين:

كتابة بأسلوب النجارة!

ملف أعدّه حسام السراي لمجلة بيت الشعر في أبو ظبي

الشعراء الآن على ثلاثة أنواع: شاعر حقيقي، وشاعر ناظم، وشاعر رديء! الشاعر الحقيقي معروف فليس من سبب لتوصيفه. لكن الشاعر الناظم قد يجهله الكثيرون. إنه من "ينجر" القصائد ليس فقط على بحور الشعر المعروفة بل على "قوالب" قصائد معروفة لشعراء قدماء أو محدثين. وهذا ينطبق على الشعر العمودي في الأغلب وعلى بعض من شعر التفعيلة حيث ظهر الآن من "ينجر" قصائد تفعيلة أيضا!

 الشعر ليس نجارة على الأطلاق! الشعر موقف من العالم: موقف روحي وفلسفي وأخلاقي. والذين يطوّعون الشعر لخدمة أغراض التكسّب والجاه لا يستطيعون أن يكتبوا شعراً متميزاً ألبتة مهما امتلكوا من قدرة التقليد. ذلك أن التقليد يبقى تقليداً ولن يصبح إبداعاً مهما نُفخ فيه!

وهكذا فإن "الكتابة بأسلوب النجارة" لا تتيح للشاعر بالطبع سوى كتابة قصائد مهلهلة تشكو فقرها الشديد وهزالها الأكيد رغم تماسكها الظاهري الكاذب.

وإذا كانت قصيدة النثر قد فتحت أبواباً عظيمة للإبداع كما هو معروف، فإنها في الوقت ذاته فتحت الباب على مصراعيه وبخاصة في زمن الانترنيت- لنشر مئات الخواطر الفجة التي يسميها أصحابها "قصيدة نثر" يومياً على المواقع الالكترونية العامة والخاصة.

لكن المسألة ليست انترنيتية خالصة ولا خاصة بقصيدة النثر لوحدها بالطبع. إذ يجب أن نعترف بأن هناك أزمة في الحصول على الشعر المتفوق المبدع لكنها أزمة ليست جديدة. لأنّ الكثير من الشعراء والشاعرات في أقطارنا العربية- باختلاف أساليبهم الشعرية: عمودية أو تفعيلية أو قصيدة نثر- يفتقدون إلى الفهم الدقيق لمسألة بنية القصيدة، ولمسألة النمو العضوي في القصيدة، ومسألة الاقتصاد في اللغة، ومسألة القاموس الشخصي للشاعر، كما يعانون من الخواء الروحي والإنساني أحياناً. الكثير منهم لا يملكون تجارب روحية أو إنسانية ذات شأن أو عمق. وتجد جملهم الشعرية وصورهم الفنية مليئة بالتغميض والترهل والتقعير والهذيان اللامجدي حتى تحوّلتْ قصائدهم إلى مايشبه ركاب عربة القطار الذين لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يجمعهم أيّ جامع سوى العربة!

الشعر، كما أراه، هو اكتشاف الحياة في ومضة نادرة وبأقل عدد من الكلمات. ولذا سيكون الشعر الحقيقي والعميق نادراً على الدوام. والغلبة في الظهور، على الأكثر، للنماذج غير الأصيلة، للنماذج التي تعوزها الومضة النادرة في اكتشاف الحياة أو تعوزها قدرة الشاعر على تجسيد هذه الومضة بشكل عميق ومبتكر دونما تعقيد أو تغميض. وبالتغميض أعني الغموض المفتعل وليس الأصيل.


إنّ معادلة الإبداع في الشعر صعبة حقاً، وتتطلب من الشاعر خبرة حياتية وثقافية ولغوية وشعرية، مع مران مستمر، وإيمان حقيقي بالشعر ودوره الإنساني الخلاق، مع الحرص الصادق على عدم ابتذال الشعر بأيّ شكل من الأشكال.

 ^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^

   نُشرت هذه الإجابة في مجلة (بيت الشعر) التي يصدرها بيت الشعر في أبو ظبي - الإمارات في عددها الخامس - تشرين أول، أكتوبر 2012 ضمن ملف عن الشعرية العراقية أعدّه الشاعر حسام السراي بعنوان: "الشعرية العراقية بين زمنين". ساهم فيه عدد من الشعراء والنقاد العراقيين .  

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home