قراءة في المجلد السابع للشاعر أديب كمال الدين

حين يندمج الشاعر والحرف معا

ذياب شاهين

 

عن دار ضفاف ومنشورات الاختلاف صدر في بيروت مؤخراً المجلد السابع من الأعمال  الشعرية الكاملة للشاعر أديب كمال الدين، حيث احتوى على خمسة دواوين شعرية جديدة تُنشر لأول مرّة وهي: (لم يبقَ من "أحبّكِ" سوى نقطةِ الباء)،  (صرتُ شاعراً لأنَّ حرفي لا يعرفُ أن يمشي إلّا على الجمر)، (ما لم يقله الحرف)، (طفولة حرف)، (الرقص مع الحروف). وقد خُتم المجلد بآراء نقدية لكثير من النقاد من أمثال الدكتور حاتم الصكر الذي كتب يقول(1): لعل حالة أديب كمال الدين حالة نموذجية للإصرار على استخدام الحرف، واستثمار طاقاته الروحية العميقة على مستوى الدلالة، وطاقته الجمالية على مستوى التشكيل والبنية، فقد أصدر أديب كمال الدين ثلاثين ديوانا تستمد قصائدها من جمالية الحرف ودلالاته الروحية والرمزية. وقد تحول إلى الاستخدام الحروفي المطلق والحصري في شعره بعد ديوانين مبكرين.

   من ديوان (لم يبق من "أحبك" سوى نقطة الباء)، نقرأ نصا يحمل العتبة ذاتها حيث يقول أديب(2):

على مرآةِ حياتي

لم أكتبْ سوى كلمة واحدة:

"أحبّكِ"

لكنّ مرآة حياتي تشظّتْ

حتّى صارتْ سبعين شظيّة

فلم يبقَ من "أحبّكِ"

- وا أسفاه –

سوى نقطة الباء.

 

    وهذا يدلُّ على حقيقة أن الحب تلاشى في خضم تلاشي حياة الشاعر وتشظيها إلى (ثوانٍ ودقائق وأيام)، ولكنَّ تبقى أثر منه متمثلا بنقطة الباء، وبالتالي فالأسف في كلمة (واأسفاه) كان ردَّ فعل محزن حين تنطوي حياة الشاعر على كلمة "أحبك" الكبيرة بكل عوالم وذكريات ذلك الحب  لينتهي نقطة صغيرة في شظية من الحياة المتناثرة. فالحب لا يُستعاد إلا إذا جُمعت الشظايا لتعود المرآة كما كانت ولكن هذا لا يحدث أبدا فالمرآة المكسورة أنّى لها أن تصلح وتعود كما كانت.

ومن ديوان (صرتُ شاعراً لأنَّ حرفي لا يعرفُ أن يمشي إلّا على الجمر) نقرأ نصاً بعنوان (يعقوب والحلّاج) حيث نقرأ(3):

قال لي حرفي:

لم تعدْ تجالسني طويلاً

صارتْ زياراتُكَ لي خاطفةً

وكلامُكَ ومضاً وبريقاً.

أحياناً أرى عينيكَ غائمتين دامعتين

كعينيّ يعقوب وهو يتمتمُ ليلَ نهار:

يا أسَفَى على يوسفَ يا أسَفَى.

 

    وهنا نجد عتابا من الحرف للشاعر، وكأنّ الشاعر ضيّع الطريق  ولم يعد يعبأ بالحرف وطاقته وقدرته على المؤانسة أو المنادمة الروحية، ليس هذا فقط بل كان يرى الشاعر في محنة تشابه محنة يعقوب حينما فقد ابنه يوسف، وكأنّ العلاقة بين الشاعر وحرفه كعلاقة يوسف بأبيه وهل هنالك أعظم من علاقة الأب بابنه، هنا الشاعر أضاع يوسفه (حرفه) وتشبيه الحرف بيوسف تشبيه ينطوي على جدة غير مسبوقة، وهنا في النص من يتكلم الحرف بلسان الشاعر،  وكأن لا قدرة للشاعر على الكلام أو تقديم المبررات، فهو أب مفجوع حينما ابيضت عيناه من البكاء وكذلك متصوف قد أُسيء فهمه كالحلّاج ، إن تصوير الشاعر وكأنه حلّاج آخر بشفتيه المهمشتين، ولكنه بالرغم المقصلة وصراخ الغوغاء كانت كلماته بحب الله هي كلماته الأخيرة وقد نزلت حرفا حرفا من فمه وقد انسلتْ كلمات (الله الله في دمي) كانسلال الروح من الجسد وقد توفاها الله، هنا صرخة الحلّاج تشاكل صرخة الشاعر ودعاء للخالق كي يستوفي روحه ويقدرها بما تستحق فهو العالم بما في القلوب وقبل نطقها من بين الشفاه، حيث نقرأ التالي(4):

وأحياناً أرى شفتيكَ مُهشّمتين

كشفتيّ الحلّاج

وهو يتمتمُ على خشبةِ الصّلْب:

الله الله في دمي.

ومن ديوان (الرقص مع الحروف) نقرأ نص(أطلقْ روحكَ من قفصها)(5) :

قالَ لي حرفي:

إذا أردتَ أن تكتبَ قصيدةَ حُبٍّ لا تُنسى

فاحبسْ لسانَكَ في قفصٍ

وأطلقْ روحَكَ من قفصِها

لترقصَ

وتتعرّى

وتبكي

وتهذي.

 

     وفي هذا النص نجد الحرف ناصحا للشاعر، وكأنّه عاشق مجرّب،  فهو يدعو الشاعر أن يلزم لسانه، ويسجنه في قفص، لكي يستطيع الشاعر أن يكتب قصيدة حب لا تُنسى، فالكلام يقتل القصيدة، فالقصيدة المستحيلة والخالدة تتطلب الصمت، وعدم الإطلاق العنان للسان لكي يكون حرا، ليس هذا فقط ، بل نجد فعلا آخر يستوجب القصيدة الخالدة، هو إطلاق القصيدة من قفصها، لأن العشق الحقيقي يمثل تجربة روحية، وبدون هذه التجربة سيكون على الشاعر كتابة قصيدته الخالدة. إن اطلاق اروح من قفصها يفسح المجال لها لكي تتصرف بعفوية بالغة وتمارس أفعالها البدائية الأولى من رقص وتهرٍ وبكاء وهذيان، إذن فحبس اللسان في قفص وإطلاق الروح من القفص (الجسد) لكي تسري وتعرج لسماء في تجارب حلمية عميقة ستجعل من القصيدة الخالدة سهلة المنال ولا يمكن نسيانها.

ومن ديوان (ما لم يقلهُ الحرف) نقرأ نص (يدافع عن موته حدّ الجنون)(6):

ماتَ الكثيرُ من أصدقائي الشُّعراء.

بعضُهم ماتَ بالخمرة،

وبعضُهم ماتَ بالرعبِ أو الجوعِ أو النّساء

أو التّفاهةِ أو الوحشةِ أو الحرمان.

فاضطررتُ إلى رثائهم

والتّأسّي عليهم

رغمَ أنّني أعلمُ علمَ اليقين

أنَّ بعضهم كانَ سعيداً بموته

بل كانَ يدافعُ عن موتهِ حدّ الجنون!

 

حيث يتذكر الشاعر أصدقاءه الذين ماتوا، ولكل ميتة تليق به وبمساره الشعري، فهنالك من قتلته الخمرة إدمانا، وهنالك من مات رعبا أو جوعا، بل وهنالك من قتلته النساء شوقا أو غيرة، وهنالك من مات بسبب التفاهة أو وحشة أو الحرمان، يتساوى الشعراء بموت مبكر وبأسباب متعددة، ولأن الشعراء وقد ماتوا تركوا أثرا في نفسيته وجد نفسه متأسيا عليهم، ولكن المفارقة تظهر في هذا النص، أن أصدقاءه كانوا سعداء بموتهم، لأنهم قد اختاروا موتهم بيدهم ولم يدفعوا إليه دفعا، بل دافعوا عن هذا الموت بشجاعة نادرة وكأنّ الشاعر يشير بيد خفية لشعراء قدامى قد ذهبوا للموت بأقدامهم كعبيد بن الأبرص وطرفة بن العبد الذين رفضا الهروب من الموت برغم أن الطريقة لنجاتهم كانت سالكة، حيث تخلّوا عن الحياة وبادروا الموت بكل ما ملكته أيديهم، فماتوا سعداء وتركوا غصة في حلوق أصدقائهم.

  

وأخيرا  من ديوان( طفولة حرف) نقرأ نص( قمر)(7):

قالَ لي حرفي:

في قلبِ كلِّ شاعرٍ ثمّة قمر،

فما اسمُ قمرك؟

 

وهنا نجد استمرارا لما يقوله الحرف للشاعر، حيث يبوح بشيء غريب، أو يمكن أن نقول إن الحرف يبوح بحقيقة هي أن في قلب كل شاعر ثمة قمر، وهي حقيقة قارة لا جدال حولها ولكنه يبادر الشاعر بسؤال يبدو غريبا، وهو( فما اسم قمرك؟)، ولكن الشاعر لم يجب، فالجواب كان الحرف قد قرره مسبقا بالمقاطع التالية(8):

أهو القُبْلةُ أم الطعنة؟

الحلْمُ أم الدمعة؟

الوردةُ أم الجمرة؟

النقطةُ أم الهذيان؟

 

   هنا نجد مجازا يتوسله الشاعر فأسماء قمر الشاعر الساكن في قلبه، ثنائي الدلالة، أي القمر(القبلة- الطعنة)، أو ثنائية (الحلم- الدمعة)، أو القمر (الوردة- الجمرة) أو القمر(النقطة- الهذيان)، هذه الثنائيات التي تبدو وكأنها علامات لغوية بدال ومدلول، فالقمر يمثل علامة لكل الثنائيات التي يقترحها الحرف ولكن ليست أيّا منها، أو يمكن أن تكون كلها، وإذا كان القمر يمثل الشفاء بين (القبلة- الطعنة)، ويمثل اللاوعي بين (الحلم- الدمعة)، ويمثل اللون الأحمر الحار بين (الوردة- الجمرة)، فهو يمثل الحرف بين (النقطة- الهذيان)، وهو ما يريد أن يصل إليه الشاعر وحرفه، فالشاعر يمثل الحرف والعكس صحيح فالشاعر والحرف مندمجان معا على طول المجلد.  

 

*********************************************

الهوامش

1- الأعمال الشعرية الكاملة – المجلد السابع- أديب كمال الدين – منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف- ط1 – 2024 - ص 290

2- الديوان – ص44

3- الديوان- 109

4- الديوان- 109

5- الديوان- 188

6- الديوان- 232

7- الديوان- 257 الديوان- 257

نُشرت المقالة في جريدة الصباح الجديد  في 25 كانون أول 2023

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home