بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

النقطة

 

شعر: أديب كمال الدين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأعمال الشعريّة الكاملة -   أديب كمال الدين

  

المجلّد الثاني

 

منشورات ضفاف، بيروت، لبنان  2016

 

 

مكتب د. أحمد الشيخ - بغداد - العراق - ط1   1999

 

 

 بيروت – المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت - ط 2 2001

 

 

 

 

ترقيم الصفحات حسب طبعة الأعمال الشعرية الكاملة 

 

القصائد                    رقم الصفحة

 

 

محاولة في الرثاء              15                        

محاولة في السِّحر             20                       

محاولة في أنا النقطة          24                          

محاولة في دم النقطة         27                       

محاولة في الطيران          31                        

محاولة في الموسيقى         35                          

محاولة في الحروف         40                      

محاولة في الاحتفال          45                         

محاولة في الذكرى           48                             

محاولة في الانتظار          52                          

محاولة في سؤال النقطة     55                          

محاولة في العزلة           61                        

محاولة في السياحة         63                           

محاولة في الكتابة           66                         

محاولة في دخول النقطة   69                        

محاولة في الفرات          72                               

محاولة في اللقاء             75                      

محاولة في حقيقة النقطة    78                       

محاولة في الهاء             81                             

محاولة في الصوت          84                          

محاولة في القهقهة           87                       

محاولة في الإبصار         92                          

محاولة في فرح النقطة     95                           

محاولة في البهجة            98                          

محاولة في الجنون          99                           

محاولة في هاملت         104                             

محاولة في النافذة          107                              

محاولة في الحُبّ          110                          

محاولة في الحظّ           114                         

محاولة في الرصاصة     117                             

                                     

 

 

 

 

 

 

محاولة في الرثاء

 

 

        

1.

في الأربعين،

في العامِ الأربعين

جلستُ على بابِ الحُلْم.

كانَ الحُلْمُ نحيلاً كموعدٍ ضائع،

طيّباً كنارٍ بدويّة.

وكانَ ورقُ اللعبِ يظهرُ صورته

بالتاجِ وبغيره،

في الزيّ الرسميّ وبالعقال.

فانتبهتُ إلى صمته

وبكيتُ رقّته اللؤلؤيّة.

2.

في الصيحةِ الأربعين

قلتُ:

أيّها الحُلْمُ

يا مَن يظهرُ ورقُ اللعبِ صورته

يميناً ويساراً،

يساراً ويميناً،

كم افتقدنا عطفَك،

كم افتقدنا ركوبَكَ الخيل والمساءات

سائلاً عنّا نحن الحروف التي بلا نقاط

والنقاط التي بلا مستقبل

والمستقبل الذي بلا معنى

والمعنى الذي بلا مغزى

والمغزى الذي يقودنا بوحشيّةٍ إلى ساحةِ الموت.

3.

في الليلةِ الأربعين

سقطتْ صيحتي

فجمعتُ زجاجَها بلساني الجريح.

كانت الصيحةُ مرسومةً بالحاء،

كانت الصيحةُ طفوليّةً كالماء.

قلتُ:

يا مَن يظهرُ ورقُ الزمنِ صورتهُ النحيلة

أعلى وأسفل

أسفل وأعلى

أنتَ إلى الهاءِ أقرب

وأنا إلى الحاءِ أقرب،

فكيف أبكي على جبينِكَ الملكيّ

أنا الذي بنيتُ المأساةَ بدمي

وفراري من الأسدِ المُزيّفِ الذي أكلَ كبدي؟

4.

في الخزانةِ الأربعين

تضاءلت الشموسُ واختفى كلُّ شيء.

لم تكنْ دجلة بمدادِ الحبرِ مرسومةً

ولا بمدادِ الدم

ولا بأيّ شيء.

كأنَّ دجلة لم تكن!

فعجبتُ من تخاذلي                  

وارتباكِ رواياتي.

لكنَّ خزانتكَ - خزانة التاريخ - أعجب.

وروايتكَ - رواية المقهورين - أتمّ.

5.

في الطعنةِ الأربعين

أجلسُ قربَ شجرتكَ: شجرةِ التين

وأقولُ لها:

يا شجرة مَن تظهرُ الأشجار صورته

كلّ آنٍ وحين

ها أنذا قربكِ في عواصمِ الجوع

أدعو الله أنْ يؤيّدكِ بالثمر

عَلّي أشبع

ويؤيّدكِ بالماء

عَلّي أرتوي

ويؤيّدكِ بالكتابة

عَلّي أكتب نشيدي للحُلْم

الذي يظهرُ الترابُ صورته

طيّباً كموعدٍ ضائع،

نحيلاً كنارٍ بدويّة.

6.

في البابِ الأربعين

لم يكن الحُلْمُ ليأبه لصيحاتي وحشرجتي،

لم يكن يأبه لعُريي وضياعي.

كانَ الحُلْمُ هناك…

ليسَ معَ ملكاته

ليسَ معَ خَدمهِ وحَشَمه

ليسَ معَ حُرّاسهِ وعرشهِ وذهبه

ليسَ معَ مَن يأتمرون بإشارته

كانَ الحُلْمُ هناك…

مَقتولاً

كحرفٍ سقطَ من فمٍ أخرس،

كموعدِ حُبٍّ مزّقته السكاكين،

كنارٍ طيّبةٍ بالتْ عليها الكلاب.

 

 

محاولة في السِّحْر

 

إلى: د. بشرى موسى صالح

 

 

 

 1.

في ظهيرةٍ تموزيّة

جلستُ تحتَ سنّ الشمس

فطحنني الحَرُّ حتّى ابتلّتْ ثيابي

وقلبي وأصابعي.

وسقطتْ من عيني دمعتان

انقلبتا، بقدرةِ قادرٍ، إلى ساحرَين.

ثُمَّ سقطتْ دمعتان

فصارَ السّحرةُ أربعة

تحلّقوا حولي بهدوء،

لِمَ تبكي؟ سألوني بصوتٍ خفيض.

قلتُ لهم: أتعبتني الشمس

وسلَّ قلبي مرأى الجمال،

أنا المَحروم حدّ اللعنة،

وعذّبني الجوع

والرغيفُ هنا مغموسٌ بالدم

وأثقلني الفراتُ بالندم.

قالَ أوّلهم: أنا مِن الهند

أستطيعُ أنْ أُلبسكَ ثيابَ الذهب.

وقالَ ثانيهم: أنا مِن اللامكان

أستطيعُ أنْ أطيرَ بكَ مِن غيمةٍ إلى غيمة.

وقالَ ثالثهم: أنا مِن عاد وثمود

أنا مَن يعطيكَ سرَّ اللذّة.

وقالَ رابعهم: أنا مِن الصين

أنا مَن يجعل الحُلْمَ بابَ اليقين.

قلتُ لهم: عجّلوا عجّلوا

فلقد دفنني الحرمان

كما يدفنُ الزلزال

جيشاً قوامه ألف فارس.

2.

في اليومِ الثاني

جلستُ مرتدياً ثيابَ الذهب

وتحتَ قدمي غيمةٌ صغيرةٌ جميلة

وامرأةٌ أحلى مِن العسل

وأصابع كفٍّ تجعلُ الحُلْمَ - أيّ حُلْم -

بابَ اليقين.

3.

لكن الشمس إذ توسّطت السماء

ذابتْ خيوطُ الذهب

فبدتْ ثيابي مُهلهلة.

وذابت الغيمةُ الصغيرةُ الجميلة

فبدتْ قدمي قبيحة.

وذابت امرأةُ العسل

فبدتْ شفتي مُرّةً كالسمّ.

وذابتْ كفُّ الحُلْم

حتّى تحوّلتْ إلى أصابع هيكلٍ عظميّ.

فصرختُ: يا دموعي يا إخوتي يا أصحابي

أينَ أنتم؟

أينَ أسراركم وإشاراتكم؟

4.

صمت السّحرةُ الأربعة

لكنَّ رابعهم أشفقَ على قلبي المُحطَّم

كمرآةِ أعمى،

قال: أتريد الثباتَ لا الزوال؟

قلتُ: نعم.

قال: لا سبيل إلى ذاك المقال

إلّا إذا تلمّستَ شيئاً مِن روحنا.

فأومأ الثلاثةُ بالإيجاب.

ثُمَّ قامَ أوّلهم عارياً مِن كلّ شيء،

قال: سنفعل،

سنعطيكَ حروفنا أيّهذا المُعَذّب

ونعلّمكَ نقاطنا أيّهذا المَحروم

لكننا نخاف إنْ تعلّمتَها

أنْ تسخرَ مِن الذهبِ وثيابِ الذهب

أنْ تسخرَ مِن البلدان

أنْ تسخرَ مِن الأثداءِ والسيقان

أنْ تسخرَ من الأحلام،

فتكون مثلنا فارغاً

بارداً

ضائعاً

عارياً للأبد. 

 

 

 

 

محاولة في أنا النقطة

 

 

 

أنا النقطة

أنا بريقُ سيفِ الأصلعِ البطين

أنا خرافةُ الثوراتِ وثورات الخرافة

أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى

أنا دم أخذته السماء ولم تعطه الأرض

أنا بقية مَن لا بقية له

أنا فرات قتيل ودجلة مدجّجة بالإثم

أنا ألف جريح

ونون فتحتْ لبّها لمن هبّ ودبّ.

 

 

أنا النقطة

أنا خرافةُ العصرِ وسرّته.

بحثتُ عن اسمي لم أجده مع الهراطقة

ولا مع الزنادقة ولا العبادلة

ولا مع الرهبان ولا الكرادلة

ولا مع المهزومين ولا المنتصرين

ولا مع المتمترسين ولا المهاجرين

ولا مع الطبّالين ولا اللصوص.

 

 

أنا النقطة

فيَّ احتوى العالمُ الأكبر

والألمُ الأفدح

فيّ اختفتْ ابتسامةُ الطفلِ وحفيفُ الشجرة

فيّ اختفتْ موجةُ البحرِ وندى الربيع

فيّ تجمهرَ الماضي

وخرجَ باتجاهِ المستقبلِ في مظاهرةٍ حاشدة.

 

 

أنا النقطة

عرفتُ الحقيقةَ وعجنتها بيدي

قبلَ أنْ يصلَ الإنسانُ إلى الكلمة

وقبلَ أنْ يصلَ إلى القمر

وقبلَ أنْ يبتكرَ المقابرَ الجماعيّة.

بل إنّني عرفتُ الحقيقةَ عاريةً

عري هابيل وقابيل

فأعطيتُها ملابسي المثقوبة

ورعبي الذي اتسعَ فشملَ آسيا الطغاة

وأفريقيا المجاعة

وأمريكا الأعاجيب.

 

 

أنا النقطة

أنا مَن يهجوكم جميعاً

أيّتها الحروف الميّتة.

سأهجو نفاقَكم وسخفَكم،

سأهجو أكاذيبكم وترّهاتكم

وكفاحكم من أجلِ الأفخاذِ والسياطِ وكؤوسِ العرق.

 

آ...

ما أشدَّ حزني

ما أعمقَ دمعتي التي وسعتْ آلامَ البشر

ما أفدحَ خطيئتي: خطيئة المعرفة

ما أعظمَ زلزالي وخرابي الكبير،

أنا النقطة.

 

 

 

 

 

 

محاولة في دم النقطة

 

 

 

1.

خرجت النقطةُ من الباب.

كانتْ عسلاً أسْوَد

فتبعها كلُّ ذبابِ الزمن.

2.

كانت النقطةُ جوهرةً،

جوهرةً بحجمِ تفّاحةٍ كبيرة

حملها طفلٌ مدهوشٌ ببريقها

فتبعه كلُّ لصوصِ المدن.

3.

كانت النقطة ُحُلماً مليئاً بالدفء الباذخ

خرجَ إليَّ ليعوّضني عن يُتمي وهلْوَسَتي.

فتبعه كلُّ أنينِ القصائد الحيّة والميّتة.

4.

كانت النقطةُ طفلةً / امرأة

خرجتْ إليَّ بثديين غامضين

وعينين مفتونتين

وشفتين ذاهلتين.

فتبعها كلُّ وحوشِ المعمورة.

5.

كانت النقطةُ نوراً يلفُّ كلَّ شيء،

نوراً خرجَ لينيرَ سوادَ طفولتي

فحاولَ قتله كلُّ ظلامِ الأرض.

6.

كانت النقطةُ نقطتي

لكنْ حينَ لعبنا طفلين مسحورين

على سريرِ اللذّة الأحمر،

تحوّلت النقطةُ إلى خرافة

ثُمَّ إلى هزأة

ثُمَّ إلى مُهرّج.

وحينَ عضّها الزمنُ بنابه

تحوّلتْ إلى سيركٍ عظيم

لا بداية له ولا نهاية.

7.

كانت النقطةُ كريمةً حدّ الجنون.

(أذكرُ أنّها قرّرتْ حرقَ نَفْسِها

إنْ تركتُها دونَ حرف).

لكنّي تركتُها كأيّ مجنون

لم يستطعْ أنْ يسيطرَ على ضرباتِ قلبه

وهو يتلمّس صندوقَ الليراتِ العظيم.

وحينَ تحوّلَ ندمي إلى أسطورة

لم أجدْ ما أحرق به نَفْسي

سوى حروفي الباردة.

8.

كانت النقطةُ تمسكُ الشمسَ بيدٍ

وتمسكُ الحُلمَ بيدٍ أخرى.

وحينَ قبّلتُها قرّرتْ أنْ تعطيني

ملعقةً من شمسِ العالم

وكأساً من حُلمِ السرير.

لكنّي إذ ذقتُ دفء الشمس

احترقتُ بزهوي،

وإذ لمستُ كأسَ السرير

جننتُ بشبابي.

فكيفَ يمكنني أنْ أكتبَ قصيدتي

بعدَ أنْ سقطتْ منها الملعقةُ والكأس؟

9.

كانت النقطةُ دمَ الجمال

 دمَ المراهقة

 دمَ اللذّة

 دمَ السكاكين

 دمَ الدموع

 دمَ الخرافة

 دمَ الطائر المذبوح.

كانت النقطةُ دمي

أنا تمثال الشمع.

 

 

 

 

 

 

محاولة في الطيران

 

 

    

1.

طارَ اللقلق،

لقلقُ طفولتي

بعيداً بعيداً.

غيرَ أنَّ اللقاءَ به

ظلَّ حلماً ينمو فيَّ

كما تنمو النارُ في فوّهةِ البركان.

2.

وا أسفاه يا حروفي الغامضات.

وا أسفاه  يا نسائي الضائعات.

وا أسفاه يا أقنعتي التي لا تكفُّ عن فضحي.

وا أسفاه يا سنيني التي يلاحقُ بعضُها بعضاً

دونَ معنى أو بعض معنى.

وا أسفاه يا عُريي الذي أحاطَ بي

كما يحيطُ الجنودُ برجلٍ أعزل.

3.

في أزمنةِ الكراسي السُود

تصغرُ أحلامُ الطيرانِ كلّ يوم

تصغرُ

تصغرُ

حتّى تصبح بحجمِ حبّةِ رمل.

4.

مَن أنتِ

حتّى أكتب إليكِ إلياذتي المعاصرة؟

اكشفي عن أنانيّتكِ

حتّى أُريكِ يُتمي.

واكشفي لي عن بخلكِ

حتّى أُريكِ نخلتي.

واكشفي لي عن غُموضكِ ومؤامراتكِ

حتّى أُريكِ وضوحي وسذاجتي.

واكشفي لي عن موتِكِ

حتّى أُريكِ قيامتي!

5.

لستُ سوى طفل ٍ

سقطَ في البحرِ: بحرِ الحروف

فغرقَ حتّى بكته الحروف.

لستُ سوى راهبٍ

تعرّتْ أمامَه بنفسجةٌ بضّةٌ بيضاء

فارتجفَ طوال حياته.

لستُ سوى ريشةٍ

سقطتْ من طائرٍ ذبيح.

لستُ سوى سين التسويف

والمماطلةِ والمجيء الذي لا يجيء.

6.

يا لقلقي

متى تجيء حتّى أكفّ عن البكاء؟

متى تحطّ حتّى أكفّ عن الدموع؟

متى تحطّ حتّى ألمس السعادة

في منقاركَ الدافئ

وأحسّ بصباي

يضحكُ في بياضِ ريشكِ العجيب؟

7.

لا يزالُ اللقلقُ يحومُ حولَ قلبي،

قلبي الذي صادرهُ الموتُ والجوعُ والنار،

قلبي الذي صادرهُ حلمُ الطيران.

فما الذي سأفعله

أنا الذي لا أملكُ يدين للكلام

ولا ساقين للطيران

ولا شفتين للتذكّر

ولا ذاكرةً لمزاولةِ السِّحر

ولا سِحراً لاقتناصِ لقلقي العجيب؟

 

 

 

 

 

 

محاولة في الموسيقى

 

 

 

 1.

الموسيقى تهبطُ تهبطُ

طيراً وعنقودَ عنبٍ وشلّالَ ماء.

فيطيرُ قلبي مع الطير

لكنَّ يدي لا تمسكه.

ويلامسُ العنقودُ شفاهي

لكنْ لا سكين حُبٍّ تقطعُ فراغنا الجارح.

والشلّالُ يأتيني فأكونُ الماء لألقاه

لكنّي أصطدم بصخرته الكبيرة

وأغرق.

2.

حتّى الحروف صارتْ تتعبني.

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دونَ أنْ تحمل في يدها باقةَ شمس

أو حفنةَ قمر

أو قُبلات ريش.

3.

الكلُّ يتبرقعُ بثيابِ غيره...

إلّاي.

ولما لم أجدْ ما أتبرقعُ به

خرجتُ إلى الشارعِ عارياً،

عارياً تماماً!

4.

الموسيقى تهبطُ بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال

وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات.

5.

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموتِ إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسّران على أرجوحةِ العيد.

6.

منذُ أنْ تعرّفتُ إلى دمي

وجدتُه مُحاصراً بالطيور.

ومنذُ أنْ تعرّفتُ إلى قلبي

وجدتُه مُمتلئاً بالأبجديات.

7.

السعادةُ راقصةُ باليه

والحزنُ بدويٌّ يفترشُ الأرض

ليعزفَ على الربابة.

8.

أعجبني موتي

وحينَ حاولتُ أنْ أكرّره

جننت!

9.

الموسيقى تهبطُ... تهبط

والروحُ تضيعُ.. .. .. .. وتمّحي.

10.

الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضّة

وتنامُ كما ينامُ العُشّاقُ الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر.

الموسيقى تتألقُ فتحوّلُ الأحزانَ إلى حاء

وتحوّلُ الحاءَ إلى حرّيّة

ترقصُ كما يرقصُ الجنّي.

11.

يا للجمال!

الموسيقى تتموسق

والحروفُ تتألّق.

12.

يفرحُ الثريُّ بجواري الفنادق،

ويفرحُ المغنّي بدنانير الملاهي،

ويفرحُ زيرُ النساءِ بعشيقته الجديدة.

أما أنا فكالموسيقى

لا أفرحُ إلّا بنَفْسي

ولا أندمجُ إلّا بنقاطي وحروفي.

13.

إلى متى يُعذّبني نزيفُ الحروف:

احتجاجُ الحاءات،

وضياعُ الراءاتِ في ذكرى المدنِ الضائعة،

ونفاقُ السينات،

وانكفاءُ الباءاتِ حتّى الموت؟

يا إلهي...

إلى متى يُعذّبني نزيفُ الحروف؟

 

 

 

 

 

 

 

 

محاولة في الحروف

 

 

 

نون

***

سقطت النون

وتحوّلتْ إلى عاشقٍ أبله

وامرأةٍ أذلَّها الدهر

فسلبَ منها طيورَها الأربعة

وشبابيكها الأربعة

وتاءَ لذّتِها التي ألقت القبض عليّ

بتهمةِ التلصّص.

 

 باء

***

أنتِ لي،

أنتِ مائدتي التي هجمَ عليها الوحوشُ المُهذّبون

فكسروا أقدامها الأربعة

وأكلوا ما عليها

حتّى أتوا على خشبِها الجميل

فهشّموهُ بسكاكينهم الطوال.

فلمْ يبقَ لي منكِ سوى النقطة:

نقطة الدم.

 

راء

***

الفراتُ مدينٌ لي بكثيرٍ من الاحترام

لأنني سفحتُ طفولتي بين يديه.

 

جيم

***

جيمُ الجنونِ والجوعِ والجنّ،

جيمُ الجثّةِ والجنسِ والجلجلة

أطلقتُكِ فخافَ منكِ الناقدُ الوصوليّ

والناشرُ اللصّ

وأحبّكِ القارئُ الذي لا تفارقُ الكوابيسُ فراشه،

القارئُ الذي يمشي عارياً

آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار

تماماً كقابيل وهابيل.

 

ألِف

***

كلّ يومٍ أطلقُ عليكَ النارَ ولا تموت.

أشفقُ عليكَ لأنّكَ قويّ كالثورِ المُجنّح

ووحيد كمرآةِ أعمى

وغامض كرأسٍ مقطوع

ووحشيّ كدبّابةٍ تسحقُ طفلاً

وضائع كحرفٍ لا نقطة فيه

وساذج كأنكيدو

وخاسر ككلكامش.

أشفقُ عليكَ لأنّكَ تشبهني تماماً،

لأنّكَ أنا!

 

حاء

***

مِن أجلكِ رضيتُ بالجوعِ غيمةً

والعزلةِ أرضاً وسوراً.

من أجلكِ افتتنتُ بالموت

وأطلقتُ الحروفَ في غرفتي

فطارتْ نسوراً وصقوراً،

عصافير وبلابل،

نحلات وحمامات

بُوماً وشواهين.

فارتبكتُ

لأنّ غرفتي ضيّقة

ولأنّ حرب الطيورِ بدتْ مليئةً بالرعب.

 

سين

***

قالت سكينةُ النور: ما للشعر والحروف؟

قلتُ: حتّى أرسم ملامحَ وجهي وصيحات قلبي

       في كتابٍ جديد.

قالتْ: عليكَ، إذن، بالسين

       ففيها السكينة والسمّ والسكّين.

 

زاي

***

الزمنُ ذبابةٌ

لا تتركني أنام وقت القيلولة.

 

كاف 

***

أمامَ قدميكِ مُلقى

بلّلني الدمعُ وطحنتني شمسُ آب.

فخذيني إليك،

خذيني فعلى الرماحِ حُمِلَ رأسي

وعلى الورقةِ البيضاءِ سُفِحَ  شبابي

وفي التستّرِ أضحيتُ طفلاً أضاعَ أهله

وأمسيتُ صوفيّاً عمّده الشيطان.

خذيني يا مَن اختصصتِ بالكافِ وحدك،

خذيني إليك

فليسَ من العدل

أنْ أنام كلّ ليلة

ومعي نمرُ الحاجة

وغولُ العبث

وأسدُ الحرمان.

 

 

 

 

 

محاولة في الاحتفال

 

 

 

1.

محتفلاً بنفسي

وضعتُ دمي في كأسي

وصغتُ منه أوركسترا حروفي ونقاطي.

 2.

هل أجرّبُ الرقص؟

نعم، سأهيّئ من حروفي

رقصةَ باليه لكريّاتي الحُمْر والبِيض.

 3.

هل أجرّبُ الموت؟

نعم، سأهيّئ من حروفي تابوتاً أخضر

يحمله الشيوخُ الملتحون ليضعوه في قصرٍ من المرمر 

فأكون معهم وحولهم وبانتظارهم

أصيحُ صيحةَ أهل بدر.

 4.

هل أجرّبُ الحكاية؟

نعم، لكنّ الحكاية بلا بداية أسطورة،

والأسطورة بلا نهاية خرافة،

والخرافة من دونِ الأمل أصنام

تتهاوى على الرؤوس.

 5.

هل أجرّبُ الإفلاس؟ هل أبيعُ صباي؟

نعم. قد فعلتُ

ومَن اشتراه؟

اشتراه الفرات القتيل.

هل أبيعُ حُبّي؟

قد فعلتُ.

ومَن اشتراه؟

اشترته النساءُ اللاتي لا حاء في بائهنّ

ولا باء في حائهنّ.

هل أبيعُ المسرّة؟

قد فعلتُ.

ومَن اشتراها؟

اشتراها الزمانُ الأدرد.

هل أبيعُ الليل؟

قد فعلتُ.

ومَن اشتراه؟

اشتراه الصبحُ المرعوب.

6.

محتفلاً بدمي،

فرحاً به

توّجته ملكاً للكلمات

وسلطاناً للحروف

وإمبراطوراً للنقاط

ومنحته أحلاماً ذات ريشٍ عظيم

وطواويس وفرمانات أسطوريّة

لم يحصلْ عليها بشرٌ من قبل.

وحينَ اكتملَ كلُّ شيء

ولم يبقَ سوى موسيقى الفرح العظمى

أطلقتُ عليه النار.

وإذ تلوّى دمي بدمه

وصارَ يسحبُ خيطَ الدمِ بألمٍ فادح

دهشتُ لهولِ المشهد

ثُمَّ ضحكتُ وضحكتُ

وبكيتُ

ومتّ!  

 

 

 

 

 

 

 

 

محاولة في الذكرى

 

 

 

 1.

ها أنذا أعودُ إلى ذكراكِ

أعودُ كجيشٍ مهزوم

فلا تحاولي معي إحصاء الجرحى والمفقودين.

2.

نقطتكِ أيّتها الباء

كانتْ نار شتاء ودخان سيكارةٍ فرحة.

نقطتكِ كانتْ شموساً تُمْسَكُ باليد

وصيفاً غامضاً مليئاً بالقُبَل

ودخولاً مُفاجئاً في العدمِ السعيد.

3.

موتي بعد فراقكِ بدأَ كمهرجانٍ أسطوريّ

وحين سألتُ عن اسمه

لُطِمتُ على فمي حتّى سالَ دمي.

4.

أنتِ فاجعتي الأخيرة وانتحاري المُبّكر.

أنتِ ألف مكسورة

ونون متعسّفة

وتاء ممتدة كجسدٍ مُباح.

5.

ها أنذا أعودُ إليك

كمدمنِ خمرٍ قرّرَ تركَ الخمرِ ألف مَرّة

ونجحَ في كلِّ مَرّة!

6.

بعد أنْ كنتِ مرآتي التي تبتسمُ لابتسامتي

وتنتفضُ لمجيئي

صرتِ عبثي الذي يلقي عليّ القبض

كلّما رآني

أو كلّما تذّكر حرفاً من حروفي المُحطّمة.

7.

لا أكتمكِ

بعدكِ تحوّلتُ إلى صفرٍ جارح

وضياعٍ مؤبّد

وشِعْرٍ يحبّه الناسُ ولا أحبّه

لأنّه نزيف، نزيف مركّز فقط.

8.

لا أكتمكِ

بعدَ ليلتكِ الخضراء

صارت الليالي شظايا.

وبعدَ سريركِ البضّ

صارت الأسرّة منايا.

وبعدَ غرفتكِ المُعلَّقةِ بالسقف

صارت الغرفُ سراديب.

وبعدَ قُبلتكِ الجارحةِ ورضابكِ العسل

صارت القُبَلُ طيوراً قتيلة.

وبعدَ كلماتكِ الطيّبة حدّ الطفولة

صارت الكلماتُ أسناناً اصطناعيّة.

9.

بعدكِ الزمنُ ضاع

ولا أحد يعرفُ أين.

سألتُ كلَّ شيء عن كلِّ شيء

فلم يجبني أيُّ شيء عن أيّ شيء

ونشرتُ إعلاناً في كلِّ الصحف

اسألُ: أين وأين وأين

فاتـُّهِمتُ بالغموضِ والنسيانِ واللاأين.

10.

تصوّرتُ النساءَ مثلكِ

أشجارَ خضرةٍ وثمارَ ذهب

فكان تصوّري عارياً وعُريي باذخاً.

وتصوّرتُ المدنَ مثل مدينتك

أساطيرَ حُبٍّ وقـُبَلاً من نار

ولقاءات عاصفة ككؤوس عرق

فوجدتها مدنَ موتى لا يتحاورون إلّا بالنباح

ولا يقدّمون لبعضهم بعضاً إلّا باقات من الشتائم!

 

 

 

  

 

 

محاولة في الانتظار

 

 

 

1.

مَن ينتظرُ مَن؟

الشمسُ تنتظرُ الشارع

أم الشارع ينتظرُ الناس: مُغفّلين وشحّاذين؟

الحقولُ تنتظرُ النحل

أم النحل ينتظرُ الأزهار؟

الخوفُ ينتظرُ الموت

أم الموت ينتظرُ الظلام؟

مَن ينتظر مَن؟

الخيبةُ تنتظرُ المفاجأة

أم المفاجأة تنتظرُ اللاجدوى؟

العبثُ ينتظرُ الأكاذيب

أم النساءُ ينتظرن الثرثرة؟

مَن ينتظر مَن؟

الجسرُ ينتظرُ الفرات

أم الفرات ينتظرُ الجسرَ الأحدب؟

الشاعرُ ينتظرُ الحروف

أم الحروف تنتظرُ النقاط؟

مَن ينتظر مَن؟

القاتلُ ينتظرُ الضحية

أم الضحية تنتظرُ السكّين؟

الزمنُ ينتظرُ الناسَ ليفتك بهم

أم الناس ينتظرون الزمنَ ليشحذوا ويهرموا؟

مَن ينتظر مَن؟

الساحرُ ينتظرُ الجنّ

أم الجنّ يطرقون عليه الباب

بعد أن ملّوا من الانتظار. 

2.

يا لهذا الانتظار:

بكت الشمسُ فاتّهمتُ الشارع.

بكت الحقولُ فاتّهمتُ النحل.

بكى الخوفُ فاتّهمتُ الموت.

بكت الخيبةُ فاتّهمتُ المفاجأة.

بكت النساءُ فاتّهمتُ الثرثرة.

بكى الجسرُ فاتّهمتُ الفرات.

بكى الشاعرُ فاتّهمتُ الحروف.

يا لهذا الانتظار،

يا لهذا العذاب:

بكى القاتلُ فاتّهمتُ الضحيّة.

بكى الزمنُ فاتّهمتُ الناس

وبكى الساحرُ فاتّهمتُ الجنّ.

3.

يا لهذا الانتظار.

قيل إنّ الجنّ معي

كانوا ينتظرون

ولو علموا ما استكانوا لهذا العذاب العجيب.

ولو علموا لطاروا وطاروا وطاروا

ولو...

أيّها الجنّ

اذكروني اذكروني

إنّني معكم في قمقمِ الانتظار،

إنّني معكم في قمقمٍ من حديد.

 

 

 

 

 

 

 

 محاولة في سؤال النقطة

 

  

 

  1.

على نارِ شمعة

أريدُ أنْ أذيبَ أهرامَ حزني،

وعلى نارِ دمعة

أريدُ أنْ أحرقَ رمادَ شبابي،

وعلى نارِ إطلاقة

أريدُ أنْ أبدأ أو أنهي سمفونيّةَ دمي.

 2.

سقطَ الزمن

سقطَ من رأسي إلى قدمي فمتُّ

وكانَ سقوطه مُدوّياً حتّى أيقظني من نومي

فضحكتُ!

3.

الموتُ على الأبواب.

الموتُ هو الصديقُ الوحيدُ الذي يتذكّرني بعمق

ولا يكفُّ عن إرسالِ أزهاره السُود إليّ

بالبريدِ المُسجّل.

 4.

ضاعَ الشتاءُ في المطرِ والوحل.

وحينَ أرسلتُ الصيفَ ليبحث عنه

لم يرجع أبداً

وقيلَ إنّه شُغِلَ بعري الربيع.

 5.

وقيلَ إنّ الزمن

لا شتاء فيه ولا صيف ولا ربيع عُري.

الزمنُ مدن بهيئةِ مقابرٍ مُضيئة

وضوء عذبٍ ينيرُ جُثثَ المسافرين.

 6.

الزمن أنا

والزمن أنتِ.

أنتِ التي لا قطار عندكِ

وأنا الذي لا محطّة عندي ولا قضبان.

7.

من دمكِ اقتبستُ موتي

وكتبتُ روايةَ ألِفي

وترجمتُ هزائم نقطتي

إلى سبعين لغة حيّة ومنقرضة. 

8.

حاصرني الشتاءُ مجدداً بأكاذيبه وزخّاته

فحاولتُ أنْ أحاصره بحروفي

ولكنّي احترقتُ وغرقت.

 9.

أنتِ أكذوبةٌ

وأنا الحبل الذي تنشرين عليه أكذوبتكِ.

أنتِ اعترافٌ

وأنا متّهم اعترفَ مطمئناً بجرائمه الألف

ثُمَّ نامَ كطفلٍ بريء.

 10.

أنتِ........ مَن أنتِ؟

وأينَ هي نقطتكِ؟

فوق حيث الشمس تسقطُ ببلاهة؟

أم هي تحت

حيث الشمس يسرقها الكَفَرَةُ الفَجَرة؟

 11.

أنتِ....... مَن أنتِ؟

أنتِ جريمةُ قتلٍ متكاملة

لا تنقصها إلّا الإطلاقة

وابتسامة القاتل الهادئة.

 12.

أنتِ جريمةُ قتلٍ متكاملة

لا ينقصها إلّا أنا.

 13.

أنتِ دعوةٌ  للّذّة

أخافُ كتابتها لأنَّ أبجديتي سماويّة

وحبري مقمر بالأسرار.

14.

أنتِ إطلاقة الرحمةِ التي نسيها الجلّاد

ونامَ على الأرجوحة

تاركاً ضحيّته تئنّ

عبر كأس الرمّان.

 15.

أنتِ موسيقى تهرب

إلى أعماقِ الأمطارِ لتنام.

 16.

أنتِ جسدٌ أضاعَ نقطته

فحاولَ قتلي في الممر.

 17.

أنتِ خرافةٌ تسيرُ على قدمين.

 18.

أنتِ عُريي الذي حاولتُ تأجيله

فلم أستطعْ

إلّا بعدَ أنْ لبستُ ثيابَ الألف

وتعمّمتُ بعمامةِ النون.

 19.

أنتِ أسطورة صنعتُها من اللاشيء،

من اللاجدوى،

من اللامعنى،

من اللامستقر.

وحين أفلستُ

بعتُ اللاشيء مقابل طفولتي

واللاجدوى مقابل صباي

واللامعنى مقابل لذّتي

واللامستقر مقابل جُثّتي.

لكنْ بدل أنْ تبتهج أسطورتي

أطلقتْ عليَّ النار!

 

 

 

 

 

  

 

محاولة في العزلة

 

 

1.

بعدَ أنْ سقطَ الأصدقاءُ والأشقّاء

في بحرِ الكراهية

ركبتُ زورقي متجهاً إلى بحيرةِ دمي،

مجاذيفي الحروف

ووجهتي النقاط

يتبعني جمعٌ من النونات.

 2.

 بعدَ كوارث لا تُحصى

وصلتُ إلى نَفْسي

وأقَمْتُ فيها

وفرحتُ كما تفرحُ جُثّة بلحدها الجديد.

 3.

هكذا فأنا أجلسُ في نَفْسي

لأحرسَ نَفْسي.

ولكي لا أنسى ما صُنِعَ بي

وضعتُ رمحاً على بابي

خضّبته بدمي.

وصنعتُ من الطين

رأساً كرأسي

وضعتهُ على الرمح

وبكيت...

بكيتُ حتّى سالتْ روحي

فرددتها إليه... إلى الرأس.

 4.

 كلّ صباحٍ أركعُ أمامه في خشوع

لأقول له:

"صباح الخير 

أيّها الرأس المُثقل بالأسى والحروف".

فيردّ عليَّ في هدوءٍ عظيم:

"صباح الخير 

يا صاحبَ العزلةِ السعيدة!"

 

 

 

 

 

 

 

 

محاولة في السياحة

 

إلى: فيصل عبد الحسن

 

 

 1.

لا أحلام في ساحةِ الهراقلة

سوى أحلام الطيران إلى بلادِ الثلجِ والثيابِ القصيرة،

سوى أحلام مُهرّبي الآثار ومروّجي الدموع،

سوى أحلام الهراقلة الذين بنوا مدرّجات أجسادهم

وسط عُرينا العظيم.

فذُهلنا نحن الذين لا اسم لنا ولا عنوان،

لا ذاكرة ولا يقين.

2.

لا طيور في ساحةِ الهراقلة

لا طيور حُبّ ولا عصافير،

لا بلابل ولا حمامات.

هنا، فقط، أنواع من البُوم

وبضع ببغاوات يتصنّعن الذكاء.

هنا موسيقى سائبة

تشبهُ حبلَ كلبٍ ضائع.

3.

كم حملنا إلى هذه الساحةِ من قصائد أو حروف

لكنّ الألف شُغِلَ بعُريه

والباء ماتتْ

والنون تحوّلتْ إلى سخريةٍ مُرّة ورثاء.

والنقاط احرنجمتْ

والأبجديّة ارتبكتْ

والظاء تحوّلتْ إلى شرطيّ

والضاد إلى جوازِ سفرٍ أبكم.

هكذا بكيتُ أنا المُنوّن الغامض

وكدتُ أضيع وسط هذا الارتباك الكبير.

4.

كنتُ أسأل الوجوهَ والأسماء:

هل من طريقٍ إلى جنّةٍ ما دونَ صفعات؟

هل من طريقٍ إلى جنّةٍ ما دونَ دخانٍ أو حريق،

دونَ أبالسةٍ أو شياطين؟

كنتُ أسألُ وأسأل...

لكنْ لا أحد لديه السؤال

ولا سؤال لدى أيّ أحد

ولا أحد لدى أيّ كان.

5.

الدنانيرُ وحدها تتكلّم!

عجبتُ: لقد صمتَ الهرقلُ العظيم،

صمتَ الجبلُ وبائعو الموتِ الحيّ

وبائعات السكائر.

وصمتَ بائعو الفلافل وشعراءُ مقهى الدموع

وأمينةُ المكتبةِ وزوّارها العاطلون.

الدنانيرُ وحدها تتكلّم

تتكلّمُ وتتكلّمُ وتتكلّم!

عجبتُ: لقد صمتَ كلُّ شيء

حتّى حروفي التي جمعتْ بعضها ونقاطها

وغادرتْ ساحةَ الهراقلة

في ارتباكٍ عظيم.

 

 

 

 

 

 

 

محاولة في الكتابة

 

 

 1.

كتبَ الشاعرُ عنوانَ قصيدته.

كانَ متعباً كرأسٍ مقطوع

ووحيداً كصحراء سقطتْ في البحر

وموحشاً كقبرٍ ينتظرُ جُثّةً سرقها اللصوص.

وإذ حاولَ كتابةَ قصيدته

حاصره الرأس

وطوّقته الصحراء

وسخرتْ منه الجُثّةُ والقبر

وألقى اللصوصُ القبضَ عليه فرحين مسرورين.

2.

الزمنُ غبار

واليومُ قشّ

والساعةُ رماد.

وإذ أمسكَ الشاعر

بغينِ الغبارِ وقافِ القشِّ وراء الرماد

تحوّلَ إلى حرفٍ لا نقطة فيه،

لا بهجة ولا نار.

3.

بحثتُ عن طفولتي في أغنيةٍ قديمة.

بحثتُ عنها في نخيلِ بابل والعراق

وسألتُ عنها ليلَ الحلّة

فلم أجدها إلّا في كفِّ طفلٍ شحّاذ

يجلسُ قربَ الجسر العتيق

ويمدُّ يديه للعابرين الساهمين،

يضحكُ تارةً، يبكي أو ينام.

4.

كتبَ الشاعرُ مرثيته

بحثَ عن مستمعٍ لها لم يجدْ

إلّا الفرات

الذي سمعها وقبـّلها

وأخفاها في قلبه: وسط الطين والسمك.

 5.

المرأةُ في المرآة

والمرآةُ في الحمّام

والحمّامُ في الطبل

والطبلُ في الدينار

والدينارُ في الفقر

والفقرُ صديقي

والفقرُ أحبّتي، أهلي،

شعبي وشمسي.

6.

كتبَ الشاعرُ عنوانَ أحزانه

وصندوقَ بريده المفلس حدّ الموت

ورقم هاتف أوجاعه

وأرسله إلى المجلات الأنيقة والصحف.

فتبارت المجلاتُ في نشرِ تلك القصائد

وملأتها بالألوان البهيجة

ونسيتْ أنْ تردّ

على صندوقِ البريدِ المفلس

وعلى هاتفِ الأوجاعِ العظيم.

 

 

 

 

 

  

محاولة في دخول النقطة

 

 

 

 1.

النقطةُ عندَ الباب

مليئة بالشمسِ والطفولةِ وحقيبةِ السفر.

النقطةُ عندَ الباب

مليئة بوشمِ القُبَل

واشتعالِ الجسد.

النقطةُ تدعوني: إلى أيّ نون؟

2.

النقطةُ عندَ الباب.

تعبتُ من الحنين

وابتلّتْ يدي برذاذِ شتاءِ قصصِ الحُبِّ الفاشلة

وابتلَّ قلبي بعطرِ زهرِ الربيع

وابتلّتْ حروفي بأنين حرائقي الكبرى

وتسامتْ بألمها

حتّى عشقت النار

وتعرّفتْ إلى طيبةِ الرمادِ وصدقه العجيب.

 3.

النقطةُ عندَ الباب.

لم يزل المغنّي ينشد واقفاً أنشودةَ الحُبّ:

أيّ دجلة بانتظاري؟

دجلة الحبر،

أم دجلة الخوف،

أم دجلة شهرزاد الأفعى

وشهريار الحاوي؟

4.

النقطةُ عندَ الباب.

المغنّي احترقَ برماده فتيّاً

وحروفه نسيتْ نفْسها.

أيّ حنين بانتظاري؟

أيّ خرافة تقفُ عندَ باب حيرتي؟

أيّ طفولة تقف

عندَ نار فصولي الصاخبة؟

أيّ صخب يقف

عندَ باب عُريي وتستّري؟

  5.

النقطةُ تصرخ:

هل أنا بانتظارِ سكاكين لامعة

لبرابرةٍ مُهذّبين؟

أم أنّي سأدخلُ في إيقاعِ المُغنّي العجيب

وأغرقُ فيه حتّى الموت؟

6.

النقطةُ قالت،

وبكتْ.

وعندَ قدميها

بكيتُ أنا كراهبٍ أعزل

إلّا من جنونه وسواد جفونه.

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

محاولة في الفرات

 

         

 

 1.

لم نخرجْ من البيت

كانت السماءُ ملبّدةً. بماذا؟

ملبّدة بالمجاهيل.

كانتْ يدي تشيرُ إلى قلبي المليء بالندوب،

كانتْ يدي تحملُ قلبي

وتبعدُ عنه الترابَ والذباب.

لم نخرجْ من البيت

كانت السماءُ مُلبّدةً باليُتم

مُلبّدةً بحلمِ المدنِ القصيّة.

يا نهر الفرات:

لِمَ لا تخرج من دهليزكَ الضيّق

وتغسل حرفي الأسْوَد؟

لِمَ لا تخرج من فراشِكَ الطفوليّ

وتغسل ضياعي؟

أنتَ طفل

وأنا طفل

ونحن نركضُ في الأرضِ دون هدى.

هل نذهبُ الليلة إلى السينما؟

هل نشاهدُ "أمّ الهند"؟

برجو: أخي برجو

يداك مقطوعتان،

يداكَ يدي.

برجو: هل تلمّستَ نهرَ الفرات؟

هل سمعتَ بنهرٍ يموتُ فيه الناسُ ليلاً

ويقومون في الفجرِ صرعى؟

كانت النقطةُ كبدي

تُمَلّحُ وقت المساء وتُشوى.

كيف نخرج؟

أثقلوا جيبنا بالوصايا

أثقلوا جيبنا بالحصى والخطايا

كيف نخرج؟

كيف يشعرُ أعمى بشمسٍ تدهمه في الطريق

برجو: كيفَ نخرجُ والطريقُ إلى النهر 

مثل عبد يسخرُ من مخاوفنا

فينبحُ علينا بأسنان بِيض؟

كيف نخرجُ والطريقُ إلى النهر

زلزاله كالحجر

وأحداقه من رغيفٍ مُدمّى؟

2.

قلتُ شيئاً

وناديتُ شيئاً،

وبرجو يحدّقُ في الفلم

صامتاً كالحجر.

كفّاه مقطوعتان

والطين أفعى.

قلتُ شيئاً

وناديتُ شيئاً،

وكانَ الفراتُ معي

راكضاً في الدهاليز أعمى.

 

 

 

 

 

 

 

 

محاولة في اللقاء

 

 

 

 1.

في سوقِ عُريكِ

أنفقتُ كلَّ ما أملك

دونَ أنْ أرى شيئاً.

 2.

بعدَ أنْ أحببتُكِ وانتهى كلّ شيء

وبعدَ أنْ كرهتِني وانتهى كلّ شيء،

التقتْ محبّتي بكراهيتكِ

وتبادلا الطعنات حتّى الموت.

 3.

لو دخلتْ نقطتي في هلالكِ

لأشرقتْ شمسٌ أخرى

وقضتْ على ظلامِ الليلِ الخرافيّ.

4.

لو دخلتْ نقطتي في هلالكِ

لاستعدتُ طفولتي المسلوبة

من سوقِ اللصوصِ والمرابين.

5.

لو دخلتْ نقطتي في هلالكِ

لنبتتْ لقلبي شجرةُ تفّاحٍ أحمر.

6.

لو دخلت نقطتي...

لكفّ قلبي عن البكاء بين يدي السفينة

وذاكرتي عن انتظارِ الغرابِ والحمامةِ الضائعين.

 7.

جسدكِ وليمة

ولكنْ ليسَ لأمثالي.

إنّه وليمة الوحوش المُهذّبين.

 8.

ما أنْ دخلتُ سهلَ حُبّكِ

حتّى بدأتْ جبالُ عجرفتكِ بالظهور إليّ

أنا الذي لا أملكُ سوى كفّين داميتين للتسلّق.

 9.

لو دخلتْ نقطتي في هلالكِ

لاكتشفتُ أبجديةً جديدة

تبدأ بالنونِ وتنتهي عند نقطتها

كما ينتهي البخيلُ عند كيس ليراته كلّ ليلة.

 10.

لو دخلتْ نقطتي...

لتوقّفَ قلبي عن إطلاقِ العياراتِ الناريّة 

على الحروف!

 11.

لو دخلتْ نقطتي...

لتحوّلتُ إلى راعٍ لضفائر أكاذيبكِ الجميلة.

12.

لو دخلتْ نقطتي في هلالكِ

لكانَ بإمكاني أنْ أمسك الغيوم

وأرسلها حيث أشاء

ولكانَ بإمكانكِ أنْ تمسكي النجوم 

وتلصقيها على ثدييكِ وساقيك

وتصنعي بالباقي لنا طبقاً من القُبلات!

 

 

 

 

 

 

 

 محاولة في حقيقة النقطة

 

 

1.

كانت النقطةُ تحت.

وقتها كنتُ ملكاً عاشقاً

ثُمَّ انتقلت النقطةُ فوق.

فصرتُ صعلوكاً فشحّاذاً فلا شيء!

2.

استمرَّ صعودُ النقطةِ عشرين عاماً

بالتمامِ والكمال.

خلالها حلّقت الطائراتُ مرّتين

واحترقتْ مرّتين

فاستبدلتُ رائي بالألِف

ودالي بالياء والباء

واكتشفتُ الخمرةَ الإلهيّةَ بدلاً من الخمرة المغشوشة

وضعتُ حتّى اكتشفتُ أرخبيلَ الضياع

وعدتُ كأنّني وُلِدتُ للتو

بشعرٍ أبيض

وقلبٍ مليء بالندوب.

3.

مِن حقّي أنْ أسأل الأبجديّة،

أنْ أسأل الباءَ نَفْسها كيفَ أصبحتْ نوناً

فتحوّلتُ من معشوقٍ يـُنتـَحرُ في سبيله

إلى شيء مجرّد ذكر اسمه

يبعث على الغثيان؟

من حقّي أنْ أسأل الأبجديّة:

كيف تحولّتُ من مُشعلٍ للحرائق إلى عامل إطفاء؟

 4.

من حقّي أنْ أسأل

أنا الذي ضاجعتُ النسيانَ على فراشٍ بارد:

كيفَ ظهرت الباءُ دامعةً

وسط الياء والسين؟

كيفَ أبكي وأنا عند الوليّ السعيد؟

 5.

اللعبةُ واضحةٌ

والجوابُ ذهبَ إلى المستشفى

بحثاً عن العلاج!

 6.

ليستْ هنالكَ من لعبةٍ

أو علاج

ليسَ هنالكَ من سؤالٍ

أو جواب.

 7.

وسؤالي:

كيف تحوّلت الباءُ إلى نون؟

كيف تحوّلتُ من ملكٍ مُطاع

إلى شحّاذٍ يرميه الأطفالُ بالحجارة؟

 8.

الأسئلةُ تلدُ بعضها.

تلك حقيقة الأسئلة.

 9.

لكنّني لا أبحثُ عن حقيقةِ الأسئلة

أنا أبحثُ عن حقيقةِ النقطة.

 10.

حقيقةُ النقطةِ في الموت!

 

 

 

 

 

 

 

 

محاولة في الهاء

 

 

1.

هاءُ الهمهمة

هاءُ الهروبِ الجديدِ إلى القضبان

هاءُ العنكبوتِ وبَيضِ الحمامِ والنقرِ وسط القلوب

هاءُ هروبِ الحروفِ إلى المناطقِ الخارجةِ عن الجغرافيا

هاءُ الكتمانِ والحرمانِ والإذعان

هاءُ الأصابعِ: هل تصلُ إلى المفتاح؟

هاءُ هبوبِ الرياح.

2.

قلتُ للهاء: هل أنتِ جميلة ؟

قالتْ: أجملُ ممّا تتصوّر أيّها الغارقُ في الطائر.

أنا أجملُ مِن فجرٍ يزرعُ طائراً في الماء،

أجملُ مِن طائرٍ يزرعُ ماءً في الفجر،

أجملُ مِن ماءٍ يزرعُ فجراً في قلبِ الطائر.

3.

وانتبهتُ إلى الهاء

كانتْ عذبة في حلمِها المُشتبِك،

طريّة كغصنِ بان،

مُدهشة كتنهيدة،

فرحة كسفينةٍ تغرق.

4.

وانتبهتُ إلى الهاء

كانت الهاءُ توزّعني ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال

وأنا جالسٌ قربَ عشبها

مثل سكين سقطتْ من يدِ قاتل

مثل صورة تبحثُ عن صاحبها الفقيد

مثل دراهم أضاعها طفلٌ بريء

مثل كلكامش أضاعَ الطريقَ إلى أنكيدو

مثل أنكيدو لم يلتقِ بعد بالمرأةِ العنكبوت

مثل امرأة سُبِيتْ دونَ سببٍ مفهوم

مثل سبب لا سؤال عنده أو لديه

مثل سؤال أضاعَ علامةَ بكارته

مثل علامة ضحكتْ منّي

مثل ضحكة سقطتْ في منتصفِ المسافة

مثل مسافة سقطتْ في منتصفِ الجسر

مثل جسر أضاعَ فراتَه وأطفالَه وقطاراته

مثل قطارات تدوّي الليلَ كلّه

مثل ليل سفيه، وآخر ملآن بالدمع

مثل دمع له عنوان بيتي وعُري خرافاتي

مثل خرافاتي ذات الأربعين دهراً ودهراً

مثل دهر له ما له

مثل مَن لا مثل له

مثل مَن لا مثيل سواه.

 

 

 

 

  

  

محاولة في الصوت

 

 

1.

أهي قليلة مناسبات ضياعي وهلاكي

حتّى تضيع، يا صوتي، وتهلك؟

2.

كنتَ بلبل حنجرتي

الآن وقد حلّقتَ بعيداً بعيداً

ظهرتْ حنجرتي للعيان

قفصاً بارداً من حديد.

3.

لا أحد يعينني

على بلواي:

صمتَ الأطبّاء

واخرسّت الأدوية

وارتجفَ الدعاءُ بين أصابعي.

فقط كانَ دمعي على الخطّ

يصيح: آلو... آلو.

4.

كلّما تعمّقتْ حفرةُ قبري أكثر فأكثر

كتبتُ شعراً أعمق فأعمق

يا للسخرية‍!

5.

انتبهوا أيّها الأصدقاء

طارَ البلبل

وضحكَ الغراب.

6.

متى تهبط ؟

أخبرني: متى تهبط ؟

أم أنّه كُتِبَ عليّ أنْ أرى جسدي

يموت أمامي عضواً عضواً؟

7.

صوتي: أيّها الطائر

اهبطْ  فلن أضربكَ كعبدٍ بالسوط

ولن أترككَ في عطشِكَ تجود بنفسك

ولن أصرخ كما يصرخ المجانين

ولن أطلب منكَ الغناء دونَ مناسبة ولا الاحتجاج

ولا الخروج على النصّ عندما يتبلّد النصّ.

اهبطْ أيّها الطائر

فلن أترك سوفوكليس يقلع عيون مخلوقاته

على خشبةِ دمي

ولا التوحيديّ يحرق كتبه كلّ ليلة

في صحراء حلمي

ولا المعري يموت وحيداً

كما أفعلُ أنا

وكما تفعلُ أنت.

 

 

 

  

 

 

 

محاولة في القهقهة

 

 

 

 1.

جيمُ الجُثّةِ والجُوعِ والجلجلة

غريبةٌ على الواقع،

عصيّةٌ على التصديق.

ومعَ ذلك، فنحنُ هنا، للحديثِ عن السين:

سين سلامِ الموتى

سين سقوطِ الأسنان

سين الأسئلةِ التي تبدأُ لكي لا تنتهي.

ونحنُ هنا للحديثِ عن القصيدة

التي لم يكتبها الشاعر

بسببِ السأمِ وجلجلةِ الجيمِ وصليلِ الأسئلة

وقبحِ الوجوهِ التي يلتقيها.

لا سلام،

لا تحيّة، لا صباح الخير

لا توجد غير لا ولا ولا.

والجيمُ تنمو، تتوزّعُ في الشوارع

والوجوهِ التي أدمنت اللاأمل.

هل اللاأمل ممنوع؟

انكسرَ السؤالُ ودخلتُ في الجلجلة.

لا شأنَ لي بما تسألون،

لا شأنَ لي إلّا بما يكتبُ الشاعر

في حروفِ دمه.

لكنّهم سرقوه:

رجالٌ من الشرقِ سرقوا أصابعه

ثُمَّ أعادوها إليه

دونَ إبهامٍ وسبّابة،

رجالٌ من الغربِ سرقوا رأسه

ثُمَّ أعادوه إليه

دونَ عينين،

دونَ أنفٍ وشفتين.

فكيفَ سيكتبُ قصيدةَ حُبّه الكبرى؟

كيفَ سيزرعُ السينَ فتزهر قافيةً من حنين،

تزهر أطفالاً ومواعيد حُبّ؟

كيفَ وهو في الممرّاتِ ضائع:

لا صباح الخير، لا مساء الخير،

لا تحيّة، لا طمأنينة،

لا ولا، سوى القهقهات.

2.

هل سمعتَ بميكائيل أنجلو؟

هل سمعتَ بفان كوخ؟

هل سمعتَ بالسيّابِ الساذج؟

هل سمعتَ بالماغوطِ المُغفّل؟

هل سمعتَ بما لا ينبغي أنْ تسمع؟

لكنني كنتُ أضحكُ حتّى أبكي

وأبكي حتّى أموت

ثُمَّ أولد كي أبكي ثمَّ أموت.

3.

مَن أنتم ؟ – قالَ المقهقهُ – رجالٌ مِن الشرق؟

إذن: أعيدوا إليّ إبهامي وسبّابتي

مَن أنتم ؟ - قالَ المقهقهُ – رجالٌ مِن الغرب؟

إذن: أعيدوا إليَّ رأسي الفقيد،

أعيدوا عينيّ ، أنفي وشفتيّ،

أعيدوا أعيدوا – أنا السيّاب –

أعيدوا إليَّ ماءَ بويب.

وغيلان، أين غيلان؟

وعصاي التي أهشُّ بها على وحشتي؟

وأعيدوا إليَّ لحنَ قصائدي – أنا الماغوط –

ملحّن البارات

وملحّن أناشيد الاندحار

ومايسترو القوافي الجبانة.

ومعَ ذلك، فنحنُ هنا

لا للحديثِ عن القوافي ولا البارات

لا عن بويب ولا غيلان.

نحنُ هنا للحديثِ عن الجيم.

والجيم جُثّتها باقية أحملُها كلّ يوم

أنا الحلّاج حلجتكم بيدي

أنا النفريّ النبيّ

أنا دعبل، والشريف الرضيّ، لكنّني...

فمَن أنتم أيّها الأصدقاء القدامى الجدد؟

كيفَ سنتفاهم بالشعِر

ونحنُ نركضُ خلفَ جيمٍ وسين

وبينهما النون عارية كالمتاهة؟

إذنْ: السينُ سيّدةُ الموتِ تغسلكم في النهاية

والجيمُ ضاعتْ

بنقطتِها عنوان بيتي القديم

وعنوان بيتي الجديد.

ومعَ ذلك، فنحنُ هنا للحديث

لا عن الجيمِ ولا السين.

نحنُ هنا للحديثِ عن القهقهة‍!

****************************************
الشاعر محمد الماغوط يخاطبُ الشاعرَ السيّاب في قصيدته:

(إلى بدر شاكر السيّاب) المنشورة بديوان ( الفرح ليس مهنتي) قائلاً:

            تشبّثْ بموتكَ أيّها المُغفّل

            دافعْ عنه بالحجارةِ والأسنان والمخالب!

 

 

 

 

 

  

 

 

 

محاولة في الإبصار

 

 

1.

الدمع

حاصرني كما تحاصرُ الدبّابةُ أعمى في البرّية.

2.

الدمعُ في الأربعين: خرافة

والموسيقى في الدمعِ: طفولة

والرقصُ في الدمعِ: أقصى حالات الجنون

والحرفُ في الدمع: شِعْري أيّها الأعمى.

3.

كيفَ ضعتُ وكيف

مَن الذي ألقاني في الوادي السحيق

ودفنني في الصحراء

وزرعني في بطنِ غيمةٍ تائهة؟

مَن الذي جعلني أركض

خلف ذيل الشمس حتّى الموت؟

4.

متى تكفّ لغتي عن الهذيان؟

5.

أنتَ يا أنت

أيّهذا المُحتفي بموتي والناسي موته

أيّهذا الضائع في جسدي وفي جسدِ الزمن

هلّا انتبهتَ إلى الدمع؟

هلّا انتبهتَ إلى الموتِ عند الباب

والحُبُّ إذ ينهارُ كجبلِ ثلج؟

هلاّ انتبهتَ إلى دمعتك؟

 6.

بعدَ أنْ أنفقتُ سبعين قرناً

أتجلّى في ذيلِ الشمس

الملآنِ بالدمِ والغبارِ والأنين

لم أجدْ سوى كلمات، كلمات، كلمات،

كلمات من دمع

وحروف من دمع

ونقاط من دمع.

7.

ما الذي جعلني أتيه هكذا؟

أخبرني يا عمري: يا جبل الدموع!

 

 

محاولة في فرح النقطة

 

 

 

1.

الصباحُ قطعةُ كَفَن

فتعالي يا نقطة الطفولة

قبّلي خرابي كلّ سنةٍ مَرّة

وضعي على رأسي الذي شيّبتهُ الحروب

حرفَ أملٍ وغصنَ حياة.

تعالي فالصباح عباءة سوداء

عليها سقطَ عصفورُ روحي كسيرَ الجناح.

تعالي، ولو بقطعةٍ من خشب

نعالج عظامه البِيض

ولو بقطعةٍ من وهم

نمسح دمعَ عينيه البريء.

2.

فرحتُكِ غيمةٌ من حرير،

فرحتُكِ مباهج الفقر،

فرحتُكِ شمسٌ حيّة

لم تلوّثها الأكاذيب

ولم تبدّلْ حروفَها الترّهات،

فرحتكِ أعيادي التي سرقها اللصوص

وشبابي الذي غيّبته دجلةُ الغموض.

لذا اقتربي يا نقطة الطفولة

علّنا نعيد لأزهارِ الشارع

عناوين حُبٍّ ضاعتْ

علّنا نعيد للفجرِ فرحتكِ: مباهج المحزونين

والذين بلا غدٍ أو شموس.

 3.

هكذا اكتملتِ

واكتملتْ فرحتُك

وقت سقوط العالم في بحارِ التفاهة.

هكذا نضجتِ

ونضجتْ فرحتُك

وقت أنْ غزت السوق

أنواعُ الفواكهِ الفجّة.

هكذا ارتفعتِ

وارتفعتْ فرحتُكِ بعيداً بعيداً

مثل بالونة ترتفعُ في الهواء

والطفلُ قربي يصيحُ بي:

"أمسِكْ بها يا أبي

أمسِكْ بها يا أخي

أمسِكْ بها يا شبيهي".

فلا أستطيع.

 

 

  

  

 

 

 

محاولة في البهجة

 

 

 

مددتُ يدي إلى الله