بسم الله الرحمن الرحيم
النقطة
شعر: أديب كمال الدين

الطبعة الأولى– بغداد 1999
الطبعة الثانية - عمّان- بيروت – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001
128 صفحة من القطع المتوسط
ترقيم الصفحات حسب الطبعة الثانية
قصائد (النقطة) رقم الصفحة
محاولة في الرثاء 5
محاولة في السحر 10
محاولة في أنا النقطة 14
محاولة في دم النقطة 17
محاولة في الطيران 22
محاولة في الموسيقى 26
محاولة في الحروف 31
محاولة في الاحتفال 36
محاولة في الذكرى 39
محاولة في الانتظار 43
محاولة في سؤال النقطة 46
محاولة في العزلة 52
محاولة في السياحة 54
محاولة في الكتابة 57
محاولة في دخول النقطة 60
محاولة في الفرات 63
محاولة في اللقاء 66
محاولة في حقيقة النقطة 70
محاولة في الهاء 74
محاولة في الصوت 77
محاولة في القهقهة 80
محاولة في الإبصار 85
محاولة في فرح النقطة 88
محاولة في البهجة 91
محاولة في الجنون 93
محاولة في هاملت 98
محاولة في النافذة 101
محاولة في الحبّ 104
محاولة في الحظ 108
محاولة في الرصاصة 111
آراء 113
محاولة في الرثاء
(1)
في الأربعين
في العامِ الأربعين
جلستُ على بابِ الحُلْم
كان الحُلْم نحيلاً كموعدٍ ضائع
طيّباً كنارٍ بدوية
وكان ورقُ اللعبِ يظهرُ صورته
بالتاجِ وبغيره
في الزيّ الرسميّ وبالعقال
فانتبهتُ إلى صمته
وبكيتُ رقّته اللؤلؤية.
(2)
في الصيحةِ الأربعين
قلتُ:
أيها الحلم
يا مَن يظهر ورقُ اللعبِ صورته
يميناً ويساراً
يسارا ًويميناً
كم افتقدنا عطفك
كم افتقدنا ركوبكَ الخيل والمساءات
سائلا ًعنا نحن الحروف التي بلا نقاط
والنقاط التي بلا مستقبل
والمستقبل الذي بلا معنى
والمعنى الذي بلا مغزى
والمغزى الذي يقودنا بوحشيةٍ إلى ساحةِ الموت.
(3)
في الليلةِ الأربعين
سقطتْ صيحتي
فجمعتُ زجاجها بلساني الجريح
كانت الصيحةُ مرسومةً بالحاء
كانت الصيحةُ طفوليةً كالماء
قلتُ:
يا مَن يظهر ورقُ الزمنِ صورتهُ النحيلة
أعلى وأسفل
أسفل وأعلى
أنتَ إلى الهاءِ أقرب
وأنا إلى الحاءِ أقرب
فكيف آسى على جبينكَ الملكي
أنا الذي بنيتُ المأساةَ بدمي
وفراري من الأسدِ المزيّفِ الذي أكل كبدي؟
(4)
في الخزانة الأربعين
تضاءلت الشموسُ واختفى كلُّ شيء
لم تكن دجلة بمدادِ الحبرِ مرسومةً
ولا بمدادِ الدم
ولا بأيّ شيء
كأنّ دجلة لم تكن!
فعجبتُ من تخاذلي
وارتباك رواياتي
لكنّ خزانتكَ – خزانة التاريخ – أعجب.
وروايتكَ – رواية المقهورين – أتم.
(5)
في الطعنةِ الأربعين
أجلسُ قرب شجرتكَ: شجرةِ التين
وأقول لها:
يا شجرة مَن تظهرُ الأشجار صورته
كلّ آنٍ وحين
ها أنذا قربكِ في عواصمِ الجوع
أدعو الله أن يؤيدكِ بالثمر
علّي أشبع
ويؤيدكِ بالماء
علّي أرتوي
ويؤيدكِ بالكتابة
علّي أكتب نشيدي للحلم
الذي يظهر الترابُ صورتهُ
طيّبا كموعدٍ ضائع
نحيلاً كنارٍ بدوية.
(6)
في البابِ الأربعين
لم يكن الحلمُ ليأبه لصيحاتي وحشرجتي
لم يكن يأبه لعريي وضياعي
كان الحلم ُهناك…
ليس مع ملكاته
ليس مع خدمهِ وحشمه
ليس مع حراسهِ وعرشهِ وذهبه
ليس مع مَن يأتمرون بإشارته
كان الحلمُ هناك…
مقتولاً
كحرفٍ سقطَ من فمٍ أخرس
كموعدِ حبّ مزّقته السكاكين
كنارٍ طيّبةٍ بالتْ عليها الكلاب.
محاولة في السحر
إلى: د. بشرى موسى صالح
(1)
في ظهيرةٍ تموزية
جلستُ تحت سنّ الشمس
فطحنني الحرّ حتّى ابتلّتْ ثيابي
وقلبي وأصابعي
وسقطتْ من عيني دمعتان
انقلبتا، بقدرة قادر، إلى ساحرين
ثم سقطتْ دمعتان
فصار السحرةُ أربعة
تحلّقوا حولي بهدوء
(لِمَ تبكي؟) سألوني بصوتٍ خفيض
قلتُ لهم: أتعبتني الشمس
وسلّ قلبي مرآى الجمال
أنا المحروم حدّ اللعنة
وعذّبني الجوع
والرغيفُ هنا مغموس بالدم
وأثقلني الفراتُ بالندم.
قال أولهم: أنا من الهند
أستطيع أن ألبسك ثيابَ الذهب.
وقال ثانيهم: أنا من اللامكان
أستطيع أن أطير بكَ من غيمةٍ إلى غيمة.
وقال ثالثهم: أنا من عاد وثمود
أنا من يعطيكَ سرّ اللذة.
وقال رابعهم: أنا من الصين
أنا من يجعل الحلمَ بابَ اليقين.
قلتُ لهم: عجّلوا عجّلوا
فلقد دفنني الحرمان
كما يدفن الزلزال
جيشاً قوامه ألف فارس.
(2)
في اليوم الثاني
جلستُ مرتدياً ثياب الذهب
وتحت قدمي غيمة صغيرة جميلة
وامرأة أحلى من العسل
وأصابع كفّ تجعل الحلمَ – أيّ حلم –
بابَ اليقين.
(3)
لكن الشمس إذ توسّطت السماء
ذابتْ خيوطُ الذهب
فبدتْ ثيابي مهلهلة
وذابت الغيمةُ الصغيرةُ الجميلة
فبدتْ قدمي قبيحة
وذابت امرأةُ العسل
فبدتْ شفتي مرّةً كالسمّ
وذابتْ كفّ الحلم
حتّى تحوّلتْ إلى أصابع هيكل عظمي
فصرختُ: يادموعي يا إخوتي يا أصحابي
أين أنتم؟
أين أسراركم واشاراتكم؟
(4)
صمت السحرةُ الأربعة
لكن رابعهم أشفق على قلبي المحطّم
كمرآة أعمى
قال: أتريد الثبات لا الزوال؟
قلتُ: نعم.
قال: لا سبيل إلى ذاك المقال
إلاّ إذا تلمّستَ شيئاً من روحنا
فأومأ الثلاثةُ بالايجاب.
ثم قام أولهم عارياً من كلّ شيء
قال: سنفعل
سنعطيكَ حروفنا أيّهذا المُعَذّب
ونعلّمكَ نقاطنا أيّهذا المحروم
لكننا نخاف إن تعلّمتها
أن تسخرَ من الذهبِ وثيابِ الذهب
أن تسخرَ من البلدان
أن تسخرَ من الأثداءِ والسيقان
أن تسخرَ من الأحلام
فتكون مثلنا فارغاً
بارداً
ضائعاً
عارياً للأبد.
محاولة في أنا النقطة
أنا النقطة
أنا بريقُ سيفِ الأصلع البطين
أنا خرافةُ الثوراتِ وثورات الخرافة
أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى
أنا دم أخذته السماء ولم تعطه الأرض
أنا بقية مَن لا بقية له
أنا الفرات قتيلاً ودجلة مدججة بالإثم
أنا ألف جريح
ونون فتحتْ لبّها لمن هبّ ودبّ.
أنا النقطة
أنا خرافة العصر وسرّته
بحثتُ عن اسمي لم أجده مع الهراطقة
ولا مع الزنادقة ولا العبادلة
ولا مع الرهبان ولا الكرادلة
ولا مع المهزومين ولا المنتصرين
ولا مع المتمترسين ولا المهاجرين
ولا مع الطبالين ولا اللصوص.
أنا النقطة
فيّ احتوى العالمُ الأكبر
والألمُ الأفدح
فيّ اختفتْ ابتسامةُ الطفل وحفيفُ الشجرة
فيّ اختفتْ موجةُ البحر وندى الربيع
فيّ تجمهر الماضي
وخرج باتجاه المستقبل في مظاهرةٍ حاشدة.
أنا النقطة
عرفتُ الحقيقةَ وعجنتها بيدي
قبل أن يصل الإنسان إلى الكلمة
وقبل أن يصل إلى القمر
وقبل أن يبتكر المقابر الجماعية
بل انني عرفتُ الحقيقةَ عارية
عري هابيل وقابيل
فأعطيتها ملابسي المثقوبة
ورعبي الذي اتسع فشمل آسيا الطغاة
وأفريقيا المجاعة
وأمريكا الأعاجيب.
أنا النقطة
أنا مَن يهجوكم جميعاً
أيتها الحروف الميتة
سأهجو نفاقكم وسخفكم
سأهجو أكاذيبكم وترّهاتكم
وكفاحكم من أجل الأفخاذ والسياط وكؤوس العرق.
آ...
ما أشدّ حزني
ما أعمق دمعتي التي وسعتْ آلامَ البشر
ما أفدح خطيئتي: خطيئة المعرفة
ما أعظم زلزالي وخرابي الكبير
أنا النقطة.
محاولة في دم النقطة
(1)
خرجت النقطةُ من الباب
كانتْ عسلاً أسود
فتبعها كلُّ ذبابِ الزمن.
(2)
كانت النقطةُ جوهرة
جوهرة بحجم تفاحة كبيرة
حملها طفل مدهوش ببريقها
فتبعه كلُّ لصوصِ المدن.
(3)
كانت النقطة ُحلماً مليئاً بالدفء الباذخ
خرج إليَّ ليعوضني عن يتمي وهلْوَسَتي
فتبعه كلُّ أنين القصائد الحيّة والميّتة.
(4)
كانت النقطةُ طفلة / امرأة
خرجت إليّ بثديين غامضين
وعينين مفتونتين
وشفتين ذاهلتين
فتبعها كلُّ وحوش المعمورة.
(5)
كانت النقطة نوراً يلفّ كلّ شيء
نوراً خرج لينير سواد طفولتي
فحأول قتله كلُّ ظلام الأرض.
(6)
كانت النقطةُ نقطتي
لكنْ حين لعبنا طفلين مسحورين
على سريرِ اللذةِ الأحمر
تحوّلت النقطةُ إلى خرافة
ثم إلى هزأة
ثم إلى مهرّج
وحين عضّها الزمنُ بنابه
تحولتْ إلى سيركٍ عظيم
لا بداية له ولا نهاية.
(7)
كانت النقطةُ كريمةً حد الجنون
(أذكرُ أنها قررتْ حرقَ نفسها
إن تركتها دون حرف)
لكني تركتها كأيّ مجنون
لم يستطعْ أن يسيطر على ضربات قلبه
وهو يتلمّس صندوق الليرات العظيم.
وحين تحوّل ندمي إلى أسطورة
لم أجد ما أحرق به نفسي
سوى حروفي الباردة.
(8)
كانت النقطة ُتمسكُ الشمسَ بيد
وتمسك الحلمَ بيد أخرى
وحين قبّلتها قرّرتْ أن تعطيني
ملعقةً من شمس العالم
وكأساً من حلم السرير
لكني إذ ذقتُ دفءَ الشمس
احترقتُ بزهوي
وإذ لمستُ كأسَ السرير
جننتُ بشبابي
فكيف يمكنني أن أكتب قصيدتي
بعد أن سقطتْ منها الملعقةُ والكأس؟
(9)
كانت النقطةُ دمَ الجمال
دمَ المراهقة
دمَ اللذة
دمَ السكاكين
دمَ الدموع
دمَ الخرافة
دمَ الطائر المذبوح
كانت النقطةُ دمي
أنا تمثال الشمع.
محاولة في الطيران
(1)
طار اللقلق
لقلقُ طفولتي
بعيداً بعيداً
غير أنّ اللقاء به
ظلّ حلماً ينمو فيّ
كما تنمو النارُ في فوهة البركان.
(2)
واأسفاه يا حروفي الغامضات
واأسفاه يا نسائي الضائعات
واأسفاه يا أقنعتي التي لا تكفّ عن فضحي
واأسفاه يا سنيني التي تلاحقُ بعضها بعضاً
دون معنى أو بعض معنى
واأسفاه يا عريي الذي أحاط بي
كما يحيط الجنودُ برجلٍ أعزل.
(3)
في أزمنةِ الكراسي السود
تصغرُ أحلامُ الطيران كلّ يوم
تصغر
تصغر
حتّى تصبح بحجم حبّة رمل.
(4)
مَن أنتِ
حتّى أكتب إليكِ الياذتي المعاصرة؟!
اكشفي عن أنانيتك
حتّى أريكِ يتمي
واكشفي لي عن بخلك
حتّى أريكِ نخلتي
واكشفي لي عن غموضكِ ومؤامراتك
حتّى أريكِ وضوحي وسذاجتي
واكشفي لي عن موتك
حتّى أريكِ قيامتي!
(5)
لستُ سوى طفل
سقط في البحر.. بحر الحروف
فغرق حتّى بكته الحروف.
لستُ سوى راهب
تعرّتْ أمامه بنفسجة بضّة بيضاء
فارتجف طوال حياته.
لستُ سوى ريشة
سقطتْ من طيرٍ ذبيح
لستُ سوى سين التسويف
والمماطلة والمجيء الذي لا يجيء.
(6)
يا لقلقي
متى تجيء حتّى أكفّ عن البكاء؟
متى تحطّ حتّى أكفّ عن الدموع؟
متى تحطّ حتّى ألمس السعادة
في منقاركَ الدافئ
وأحسّ بصباي
يضحك في بياضِ ريشكِ العجيب؟
(7)
لا يزال اللقلقُ يحومُ حول قلبي
قلبي الذي صادره الموتُ والجوعُ والنار
قلبي الذي صادره حلمُ الطيران
فما الذي سأفعله
أنا الذي لا أملك يدين للكلام
ولا ساقين للطيران
ولا شفتين للتذكّر
ولا ذاكرةً لمزاولة السحر
ولا سحراً لاقتناص لقلقي العجيب؟
محاولة في الموسيقى
(1)
الموسيقى تهبطُ تهبط
طيراً وعنقودَ عنبٍ وشلال ماء
فيطيرُ قلبي مع الطير
لكنّ يدي لا تمسكه،
ويلامس العنقود شفاهي
لكنْ لا سكين حبّ تقطع فراغنا الجارح
والشلال يأتيني فأكون الماء لألقاه
لكني أصطدم بصخرته الكبيرة
وأغرق.
(2)
حتّى الحروف صارتْ تتعبني
فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى
دون أن تحمل في يدها باقة شمس
أو حفنة قمر
أو قبلات ريش.
(3)
الكلّ يتبرقعُ بثياب غيره..
إلاّي
ولما لم أجد ما أتبرقع به
خرجتُ إلى الشارع عارياً..
عارياً تماماً!
(4)
الموسيقى تهبط بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال
وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس
وندى من نونات.
(5)
الموسيقى تجيء
فأقومُ من الموت إليها
لنلتقي طفلين يتيمين
يتحسران على أرجوحة العيد.
(6)
منذ أن تعرّفتُ إلى دمي
وجدته محاصراً بالطيور
ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي
وجدته ممتلئاً بالأبجديات.
(7)
السعادةُ راقصةُ بالية
والحزنُ بدويّ يفترشُ الأرض
ليعزف على الربابة.
(8)
أعجبني موتي
وحين حاولتُ أن أكرره
جننت!
(9)
الموسيقى تهبطُ.. تهبط
والروح تضيعُ.. .. .. .. وتمّحي.
(10)
الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضة
وتنام كما ينام العشاق الذين أتعبهم طول الفراق
ووطأة الهجر
الموسيقى تتألق فتحوّل الأحزان إلى حاء
وتحوّل الحاء إلى حرّية
ترقص كما يرقص الجنّي.
(11)
يا للجمال!
الموسيقى تتموسق
والحروف تتألق.
(12)
يفرح الثريّ بجواري الفنادق
ويفرح المغني بدنانير الملاهي
ويفرح زيرُ النساءِ بعشيقته الجديدة
أما أنا فكالموسيقى
لا أفرح إلاّ بنفسي
ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي.
(13)
إلى متى يعذبني نزيفُ الحروف:
احتجاجُ الحاءات
وضياعُ الراءات في ذكرى المدن الضائعة
ونفاقُ السينات
وانكفاءُ الباءاتِ حتّى الموت
يا إلهي..
إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف؟
محاولة في الحروف
نون
***
سقطت النون
وتحوّلتْ إلى عاشقٍ أبله
وامرأةٍ أذلّها الدهر
فسلبَ منها طيورها الأربعة
وشبابيكها الأربعة
وتاءِ لذتها التي ألقت القبض عليّ
بتهمة التلصص.
باء
***
أنتِ لي
أنتِ مائدتي التي هجمَ عليها الوحوشُ المهذّبون
فكسروا أقدامها الأربعة
وأكلوا ماعليها
حتّى أتوا على خشبها الجميل
فهشّموه بسكاكينهم الطوال
فلم يبقَ لي منكِ سوى النقطة:
نقطة الدم.
راء
***
الفراتُ مدين لي بكثير من الاحترام
لأنني سفحتُ طفولتي بين يديه.
جيم
***
جيمُ الجنونِ والجوعِ والجنّ
جيمُ الجثةِ والجنسِ والجلجلة
أطلقتكِ فخاف منكِ الناقدُ الوصوليّ
والناشرُ اللص
وأحبّكِ القارئ الذي لا تفارق الكوابيسُ فراشه،
القارئ الذي يمشي عارياً
آناء الليل وأطراف النهار
تماماً كقابيل وهابيل.
ألف
***
كلّ يوم أطلق عليكَ النار ولا تموت
أشفق عليك لأنكَ قويّ كالثور المجنّح
ووحيد كمرآة أعمى
وغامض كرأسٍ مقطوع
ووحشيّ كدبابةٍ تسحقُ طفلاً
وضائع كحرفٍ لا نقطة فيه
وساذج كأنكيدو
وخاسر ككلكامش
أشفق عليك َلأنكَ تشبهني تماماً
لأنكَ أنا!
حاء
***
من أجلكِ رضيتُ بالجوعِ غيمةً
والعزلة أرضاً وسوراً
من أجلكِ افتتنتُ بالموت
وأطلقتُ الحروفَ في غرفتي
فطارتْ نسوراً وصقوراً،
عصافير وبلابل،
نحلات وحمامات
بُوَماً وشواهين
فارتبكتُ
لأنّ غرفتي ضيّقة
ولأنّ حرب الطيور بدتْ مليئةً بالرعب.
سين
***
قالت سكينة النور: ما للشعر والحروف؟
قلتُ: حتّى أرسم ملامحَ وجهي وصيحات قلبي
في كتابٍ جديد.
قالت: عليكَ، إذن، بالسين
ففيها السكينة والسمّ والسكّين.
زاي
***
الزمن ذبابة
لا تتركني أنام وقت القيلولة.
كاف
***
أمام قدميكِ مُلقى
بللني الدمعُ وطحنتني شمسُ آب
فخذيني إليك
خذيني فعلى الرماحِ حُمِلَ رأسي
وعلى الورقةِ البيضاءِ سُفِحَ شبابي
وفي التستّر أضحيتُ طفلاً أضاع أهله
وأمسيتُ صوفيّاً عمّده الشيطان
خذيني يا مَن اختصصتِ بالكافِ وحدك
خذيني إليك
فليس من العدل
أن أنام كلّ ليلة
ومعي نمرُ الحاجة
وغولُ العبث
وأسدُ الحرمان.
محاولة في الاحتفال
(1)
محتفلاً بنفسي
وضعتُ دمي في كأسي
وصغتُ منه أوركسترا حروفي ونقاطي.
(2)
هل أجربّ الرقص؟
نعم، سأهيىء من حروفي
رقصة باليه لكريّاتي الحمر والبيض.
(3)
هل أجرّب الموت؟
نعم، سأهيىء من حروفي تابوتاً أخضر
يحمله الشيوخ الملتحون ليضعوه في قصر من المرمر
فأكون معهم وحولهم وبانتظارهم
أصيحُ صيحةَ أهل بدر.
(4)
هل أجرّب الحكاية؟
نعم، لكن الحكاية بلا بداية أسطورة
والأسطورة بلا نهاية خرافة
والخرافة بدون الأمل أصنام
تتهاوى على الرؤوس.
(5)
هل أجرّب الإفلاس؟ هل أبيع صباي؟
نعم. قد فعلتُ
ومن اشتراه؟
اشتراه الفرات القتيل.
هل أبيع حبي؟
قد فعلتُ.
ومن اشتراه؟
اشترته النساءُ اللاتي لا حاء في بائهنّ
ولا باء في حائهنّ.
هل أبيع المسرّة؟
قد فعلتُ.
ومن اشتراها؟
اشتراها الزمانُ الأدرد.
هل أبيع الليل؟
قد فعلتُ.
ومن اشتراه؟
اشتراه الصبحُ المرعوب.
(6)
محتفلاً بدمي…
فرحاً به…
توّجته ملكاً للكلمات
وسلطاناً للحروف
وإمبراطوراً للنقاط
ومنحته أحلاماً ذات ريش عظيم
وطواويس وفرمانات أسطورية
لم يحصل عليها بشر من قبل
وحين اكتمل كلّ شيء
ولم يبقَ سوى موسيقى الفرح العظمى
أطلقتُ عليه النار
وإذ تلوّى دمي بدمه
وصار يسحبُ خيط الدم بألمٍ فادح
دهشتُ لهولِ المشهد
ثم ضحكتُ وضحكتُ..
وبكيتُ..
ومت!
محاولة في الذكرى
(1)
ها أنذا أعودُ إلى ذكراكِ
أعودُ كجيشٍ مهزوم
فلا تحاولي معي إحصاء الجرحى والمفقودين.
(2)
نقطتكِ أيتها الباء
كانت نار شتاء ودخان سيكارةٍ فرحة
نقطتكِ كانت شموساً تُمْسَكُ باليد
وصيفاً غامضاً مليئاً بالقُبل
ودخولاً مفاجئاً في العدم السعيد.
(3)
موتي بعد فراقكِ بدأ كمهرجانٍ أسطوري
وحين سألتُ عن اسمه
لُطِمتُ على فمي حتّى سال دمي.
(4)
أنتِ فاجعتي الأخيرة وانتحاري المبّكر
أنتِ ألف مكسورة
ونون متعسفة
وتاء ممتدة كجسدٍ مباح.
(5)
ها أنذا أعود إليك
كمدمنِ خمرٍ قرر ترك الخمر ألف مرّة
ونجح في كلّ مرّة!
(6)
بعد أن كنتِ مرآتي التي تبتسم لابتسامتي
وتنتفض لمجيئي
صرتِ عبثي الذي يلقي عليّ القبض
كلّما رآني
أو كلّما تذّكر حرفاً من حروفي المحطّمة.
(7)
لا أكتمك
بعدكِ تحوّلتُ إلى صفرٍ جارح
وضياعٍ مؤبد
وشِعْرٍ يحبّه الناسُ ولا أحبّه
لأنه نزيف.. نزيف مركّز فقط.
(8)
لا أكتمكِ..
بعد ليلتكِ الخضراء
صارت الليالي شظايا
وبعد سريركِ البضّ
صارت الأسرّة منايا
وبعد غرفتكِ المعلّقةِ بالسقف
صارت الغرفُ سراديب
وبعد قبلتكِ الجارحةِ ورضابكِ العسل
صارت القُبَلُ طيوراً قتيلة
وبعد كلماتكِ الطيّبة حدّ الطفولة
صارت الكلماتُ أسناناً اصطناعية.
(9)
بعدكِ الزمنُ ضاع..
ولا أحد يعرف أين..
سألتُ كلّ شيء عن كلّ شيء
فلم يجبني أيّ شيء عن أيّ شيء
ونشرتُ إعلاناً في كلّ الصحف
اسألُ: أين وأين وأين
فاتـُهِمتُ بالغموضِ والنسيانِ واللاأين.
(10)
تصوّرتُ النساءَ مثلك
أشجارَ خضرةٍ وثمار ذهب
فكان تصوّري عارياً وعريي باذخاً
وتصوّرتُ المدنَ مثل مدينتك
أساطيرَ حبّ وقـُبَلاً من نار
ولقاءات عاصفة ككؤوس عرق
فوجدتها مدن موتى لا يتحاورون إلاّ بالنباح
ولا يقدمون لبعضهم بعضاً إلاّ باقات من الشتائم!
(1)
مَن ينتظرُ مَن؟
الشمسُ تنتظرُ الشارع
أم الشارع ينتظر الناس: مغفّلين وشحّاذين؟
الحقولُ تنتظرُ النحل
أم النحل ينتظرُ الأزهار؟
الخوفُ ينتظرُ الموت
أم الموت ينتظرُ الظلام؟
مَن ينتظر مَن؟
الخيبةُ تنتظرُ المفاجأة
أم المفاجأة تنتظرُ اللاجدوى؟
العبثُ ينتظر الأكاذيب
أم النساءُ ينتظرن الثرثرة؟
مَن ينتظر مَن؟
الجسرُ ينتظر الفرات
أم الفرات ينتظرُ الجسرَ الأحدب؟
الشاعرُ ينتظرُ الحروف
أم الحروف تنتظرُ النقاط؟
مَن ينتظر مَن؟
القاتلُ ينتظرُ الضحية
أم الضحية تنتظرُ السكّين؟
الزمنُ ينتظرُ الناسَ ليفتك بهم
أم الناس ينتظرون الزمن ليشحذوا ويهرموا؟
مَن ينتظر مَن؟
الساحرُ ينتظر الجنّ
أم الجنّ يطرقون عليه الباب
بعد أن ملّوا الانتظار.
(2)
يا لهذا الانتظار
بكت الشمسُ فاتهمتُ الشارع
بكت الحقولُ فاتهمتُ النحل
بكى الخوفُ فاتهمتُ الموت
بكت الخيبةُ فاتهمتُ المفاجأة
بكت النساءُ فاتهمتُ الثرثرة
بكى الجسرُ فاتهمتُ الفرات
بكى الشاعرُ فاتهمتُ الحروف.
يا لهذا الانتظار
يا لهذا العذاب
بكى القاتلُ فاتهمتُ الضحية
بكى الزمنُ فاتهمتُ الناس
وبكى الساحرُ فاتهمتُ الجنّ.
(3)
يا لهذا الانتظار
قيل انّ الجنّ معي
كانوا ينتظرون
ولو علموا ما استكانوا لهذا العذاب العجيب
ولو علموا لطاروا وطاروا وطاروا
ولو..
أيها الجنّ
اذكروني اذكروني
إنني معكم في قمقم الانتظار
إنني معكم في قمقمٍ من حديد.
محاولة في سؤال النقطة
(1)
على نارِ شمعة
أريدُ أن أذيب أهرام حزني
وعلى نارِ دمعة
أريد أن أحرق رمادَ شبابي
وعلى نارِ اطلاقة
أريد أن أبدأ أو أنهي سمفونيةَ دمي.
(2)
سقط الزمن
سقطَ من رأسي إلى قدمي فمتّ
وكان سقوطه مدوّياً حتّى أيقظني من نومي
فضحكت!
(3)
الموتُ على الأبواب
الموتُ هو الصديق الوحيد الذي يتذكّرني بعمق
ولا يكفّ عن إرسال أزهاره السود إليّ
بالبريد المسجّل.
(4)
ضاع الشتاءُ في المطرِ والوحل
وحين أرسلتُ الصيفَ ليبحث عنه
لم يرجع أبداً
وقيل انه شُغِلَ بعري الربيع.
(5)
وقيل انّ الزمن
لاشتاء فيه ولا صيف ولا ربيع عري
الزمنُ مدن بهيئةِ مقابرٍ مضيئة
وضوء عذبٍ ينيرُ جثثَ المسافرين.
(6)
الزمن أنا
والزمن أنتِ
أنتِ التي لا قطارعندك
وأنا الذي لا محطّة عندي ولا قضبان.
(7)
من دمكِ اقتبستُ موتي
وكتبتُ روايةَ ألفي
وترجمتُ هزائم نقطتي
إلى سبعين لغة حيّة ومنقرضة.
(8)
حاصرني الشتاءُ مجدداً بأكاذيبه وزخّاته
فحاولتُ أن أحاصره بحروفي
ولكني احترقتُ وغرقت.
(9)
أنتِ أكذوبة
وأنا الحبل الذي تنشرين عليه أكذوبتك
أنتِ اعتراف
وأنا متهم اعترف مطمئناً بجرائمه الألف
ثم نام كطفلٍ بريء.
(10)
أنتِ........ مَن أنت؟
وأين هي نقطتك؟
فوق حيث الشمس تسقط ببلاهة؟
أم هي تحت
حيث الشمس يسرقها الكفرةُ الفَجَرة؟
(11)
أنتِ....... مَن أنت؟
أنتِ جريمة قتل متكاملة
لا تنقصها إلاّ الاطلاقة
وابتسامة القاتل الهادئة.
(12)
أنتِ جريمة قتل متكاملة
لا ينقصها إلاّ أنا.
(13)
أنتِ دعوة لّلذة
أخافُ كتابتها لأنّ أبجديتي سماوية
وحبري مقمر بالأسرار.
(14)
أنتِ اطلاقة الرحمة التي نسيها الجلاّد
ونام على الأرجوحة
تاركاً ضحيته تئنّ
عبر كأس الرمّان.
(15)
أنتِ موسيقى تهرب
إلى أعماق الأمطار لتنام.
(16)
أنتِ جسد أضاع نقطته
فحاول قتلي في الممر.
(17)
أنتِ خرافة تسيرُ على قدمين.
(18)
أنتِ عريي الذي حاولتُ تأجيله
فلم أستطعْ
إلاّ بعد أن لبستُ ثيابَ الألف
وتعمّمتُ بعمامة النون.
(19)
أنتِ أسطورة صنعتُها من اللاشيء
من اللاجدوى
من اللامعنى
من اللامستقر
وحين أفلستُ
بعتُ اللاشيء مقابل طفولتي
واللاجدوى مقابل صباي
واللامعنى مقابل لذتي
واللامستقر مقابل جثتي
لكنْ بدل أن تبتهج أسطورتي
أطلقتْ عليّ النار!
محاولة في العزلة
(1)
بعد أن سقطَ الأصدقاءُ والأشقاء
في بحرِ الكراهية
ركبتُ زورقي متجهاً إلى بحيرةِ دمي
مجاذيفي الحروف
ووجهتي النقاط
يتبعني جمع من النونات.
(2)
بعد كوارث لا تُحصى
وصلتُ إلى نفسي
واستقرّيت فيها
وفرحتُ كما تفرح جثّة بلحدها الجديد.
(3)
هكذا فأنا أجلس في نفسي
لأحرس نفسي
ولكي لا أنسى ما صُنِعَ بي
وضعتُ رمحاً على بابي
خضّبته بدمي
وصنعتُ من الطين
رأساً كرأسي
وضعتهُ على الرمح
وبكيت..
بكيتُ حتّى سالتْ روحي
فرددتها إليه... إلى الرأس.
(4)
كلّ صباحٍ أركعُ أمامه في خشوع
لأقول له:
"صباح الخير
أيها الرأس المثقل بالأسى والحروف".
فيردّ عليّ في هدوءٍ عظيم:
"صباح الخير
يا صاحبَ العزلةِ السعيدة!"
محاولة في السياحة
إلى: فيصل عبد الحسن
(1)
لا أحلام في ساحة الهراقلة
سوى أحلام الطيران إلى بلادِ الثلجِ والثيابِ القصيرة
سوى أحلام مهرّبي الآثار ومروّجي الدموع
سوى أحلام الهراقلة الذين بنوا مدرّجات أجسادهم
وسط عرينا العظيم
فذهلنا نحن الذين لا اسم لنا ولا عنوان،
لا ذاكرة ولا يقين.
(2)
لا طيور في ساحة الهراقلة
لا طيور حبّ ولا عصافير،
لا بلابل ولا حمامات
هنا، فقط، أنواع من البوَم
وبضع ببغاوات يتصنّعن الذكاء
هنا موسيقى سائبة
تشبه حبل كلب ضائع.
(3)
كم حملنا إلى هذه الساحةِ من قصائد أو حروف
لكنّ الألف شُغِلَ بعريه
والباء ماتت
والنون تحوّلتْ إلى سخريةٍ مرّة ورثاء
والنقاط احرنجمتْ
والأبجدية ارتبكتْ
والظاء تحوّلتْ إلى شرطي
والضاد إلى جوازِ سفرٍ أبكم
هكذا بكيتُ أنا المنوّن الغامض
وكدتُ أضيع وسط هذا الارتباك الكبير.
(4)
كنتُ أسأل الوجوهَ والأسماء:
هل من طريقٍ إلى جنةٍ ما دون صفعات؟
هل من طريقٍ إلى جنةٍ ما دون دخانٍ أو حريق،
دون أبالسةٍ أو شياطين؟
كنتُ أسألُ وأسأل..
لكن لا أحد لديه السؤال
ولا سؤال لدى أيّ أحد
ولا أحد لدى أيّ كان.
(5)
الدنانيرُ وحدها تتكلم!
عجبتُ: لقد صمتَ الهرقلُ العظيم
صمتَ الجبلُ وبائعو اللحم الحي
وبائعات السكائر
وصمت بائعو الفلافل وشعراء مقهى الدموع
وأمينة المكتبة وزوّارها العاطلون
الدنانيرُ وحدها تتكلم
تتكلم وتتكلم وتتكلم!
عجبتُ: لقد صمت كلّ شيء
حتّى حروفي التي جمعتْ بعضها ونقاطها
وغادرتْ ساحةَ الهراقلة
في ارتباكٍ عظيم.
محاولة في الكتابة
(1)
كتب الشاعرُ عنوان قصيدته
كان متعباً كرأسٍ مقطوع
ووحيداً كصحراء سقطتْ في البحر
وموحشاً كقبرٍ ينتظر جثةً سرقها اللصوص
وإذ حاول كتابةَ قصيدته
حاصره الرأس
وطوّقته الصحراء
وسخرتْ منه الجثة ُوالقبر
وألقى اللصوصُ القبضَ عليه فرحين مسرورين.
(2)
الزمن غبار
واليوم قش
والساعة رماد.
وإذ أمسكَ الشاعر
بغين الغبار وقاف القش وراء الرماد
تحوّل إلى حرفٍ لا نقطة فيه
لا بهجة ولا نار.
(3)
بحثتُ عن طفولتي في أغنية قديمة
بحثتُ عنها في نخيل بابل والعراق
وسألتُ عنها ليل الحلة
فلم أجدها إلاّ في كفّ طفل شحّاذ
يجلس قرب الجسرالعتيق
ويمدّ يديه للعابرين الساهمين
يضحكُ تارةً، يبكي أو ينام.
(4)
كتب الشاعرُ مرثيته
بحثَ عن مستمعٍ لها لم يجد
إلاّ الفرات
الذي سمعها وقبـّلها
وأخفاها في قلبه: وسط الطين والسمك.
(5)
المرأة في المرآة
والمرآة في الحمّام
والحمّامُ في الطبل
والطبلُ في الدينار
والدينارُ في الفقر
والفقرُ صديقي
والفقرُ أحبّتي، أهلي
شعبي وشمسي.
(6)
كتب الشاعرُ عنوانَ أحزانه
وصندوق بريده المفلس حدّ الموت
ورقم هاتف أوجاعه
وأرسله إلى المجلات الأنيقة والصحف
فتبارت المجلاتُ في نشر تلك القصائد
وملأتها بالألوان البهيجة
ونسيتْ أن تردّ
على صندوق البريد المفلس
وعلى هاتف الأوجاع العظيم.
محاولة في دخول النقطة
(1)
النقطةُ عند الباب
مليئة بالشمسِ والطفولةِ وحقيبةِ السفر
النقطةُ عند الباب
مليئة بوشمِ القُبَل
واشتعالِ الجسد
النقطة ُتدعوني: إلى أيّ نون؟!
(2)
النقطةُ عند الباب..
تعبتُ من الحنين
وابتلّتْ يدي برذاذِ شتاءِ قصصِ الحبّ الفاشلة
وابتلّ قلبي بعطرِ زهرِ الربيع
وابتلّتْ حروفي بأنين حرائقي الكبرى
وتسامتْ بألمها
حتّى عشقت النار
وتعرّفتْ إلى طيبةِ الرمادِ وصدقه العجيب.
(3)
النقطةُ عند الباب..
لم يزل المغني ينشد واقفاً أنشودة الحبّ:
أيّ دجلة بانتظاري؟
دجلة الحبر،
أم دجلة الخوف،
أم دجلة شهرزاد الأفعى
وشهريار الحاوي؟
(4)
النقطةُ عند الباب..
المغنّي احترق برماده فتيّاً
وحروفه نسيتْ نفسها
أيّ حنين بانتظاري؟
أيّ خرافة تقفُ عند باب حيرتي؟
أيّ طفولة تقف
عند نار فصولي الصاخبة؟
أيّ صخب يقف
عند باب عريي وتستّري؟
(5)
النقطةُ تصرخ..
هل أنا بانتظارِ سكاكين لامعة
لبرابرةٍ مهذّبين؟
أم أني سأدخل في إيقاع المغني العجيب
وأغرق فيه حتّى الموت؟
(6)
النقطة ُقالت،
وبكتْ..
وعند قدميها
بكيتُ أنا كراهبٍ أعزل
إلاّ من جنونه وسواد جفونه.
محاولة في الفرات
إلى: عبد السلام كمال الدين
(1)
لم نخرجْ من البيت
كانت السماءُ ملبّدةً. بماذا؟
ملبّدة بالمجاهيل.
كانت يدي تشيرُ إلى قلبي المليء بالندوب
كانت يدي تحملُ قلبي
وتبعد عنه الترابَ والذباب
لم نخرجْ من البيت
كانت السماءُ ملبّدةً باليتم
ملبّدة بحلمِ المدنِ القصية
يا نهر الفرات:
لِمَ لا تخرج من دهليزكَ الضيق
وتغسل حرفي الأسود؟
لِمَ لا تخرج من فراشكَ الطفوليّ
وتغسل ضياعي؟
أنتَ طفل
وأنا طفل
ونحن نركض في الأرض دون هدى
هل نذهبُ الليلة إلى السينما؟
هل نشاهدُ (أم الهند)؟
برجو: أخي برجو
يداك مقطوعتان
يداكَ يدي
برجو: هل تلمّستَ نهرَ الفرات؟
هل سمعتَ بنهرٍ يموت فيه الناسُ ليلاً
ويقومون في الفجرِ صرعى؟
كانت النون معي
أبي نقطة وأمي هلال
والهلال أبي
والنقطة كبدي
تُمَلّحُ وقت المساء وتُشوى
كيف نخرج؟
أثقلوا جيبنا بالوصايا
أثقلوا جيبنا بالحصى والخطايا
كيف نخرج؟
كيف يشعرُ أعمى بشمسٍ تدهمه في الطريق
برجو: كيف نخرج والطريق إلى النهر
مثل عبد يسخر من مخاوفنا
فينبح علينا بأسنان بيض؟
كيف نخرجُ والطريقُ إلى النهر
زلزاله كالحجر
وأحداقه من رغيفٍ مدمّى؟
(2)
قلتُ شيئاً
وناديتُ شيئاً
وبرجو يحدّق في الفلم
صامتاً كالحجر
كفّاه مقطوعتان
والطين أفعى
قلتُ شيئاً
وناديتُ شيئاً
وكان الفرات معي
راكضاً في الدهاليز أعمى.
محاولة في اللقاء
(1)
في سوقِ عريك
أنفقتُ كلّ ما أملك
دون أن أرى شيئاً.
(2)
بعد أن أحببتكِ.. وانتهى كلّ شيء
وبعد أن كرهتني.. وانتهى كلّ شيء
التقتْ محبتي بكراهيتك
وتبادلا الطعنات حتّى الموت.
(3)
لو دخلتْ نقطتي في هلالك
لأشرقتْ شمس أخرى
وقضتْ على ظلامِ الليلِ الخرافي.
(4)
لو دخلتْ نقطتي في هلالك
لاستعدتُ طفولتي المسلوبة
من سوقِ اللصوصِ والمرابين.
(5)
لو دخلتْ نقطتي في هلالك
لنبتتْ لقلبي شجرة تفاح أحمر.
(6)
لو دخلت نقطتي..
لكفّ قلبي عن البكاء بين يدي السفينة
وذاكرتي عن انتظارِ الغرابِ والحمامةِ الضائعين.
(7)
جسدكِ وليمة
ولكنْ ليس لأمثالي
إنه وليمة الوحوش المهذّبين.
(8)
ما أن دخلتُ سهلَ حبّك
حتّى بدأتْ جبالُ عجرفتكِ بالظهور إليّ
أنا الذي لا أملك سوى كفّين داميتين للتسلّق.
(9)
لو دخلتْ نقطتي في هلالك
لاكتشفتُ أبجديةً جديدة
تبدأ بالنون وتنتهي عند نقطتها
كما ينتهي البخيلُ عند كيس ليراته كلّ ليلة.
(10)
لو دخلتْ نقطتي..
لتوقف قلبي عن اطلاقِ العياراتِ النارية
على الحروف!
(11)
لو دخلتْ نقطتي..
لتحوّلتُ إلى راعٍ لضفائر أكاذيبكِ الجميلة.
(12)
لو دخلتْ نقطتي في هلالك
لكان بإمكاني أن أمسك الغيوم
وأرسلها حيث أشاء
ولكان بإمكانكِ أن تمسكي النجوم
وتلصقيها على ثدييكِ وساقيك
وتصنعي بالباقي لنا طبقاً من القبلات!
محاولة في حقيقة النقطة
(1)
كانت النقطةُ تحت
وقتها كنتُ ملكاً عاشقاً
ثم انتقلت النقطةُ فوق
فصرتُ صعلوكاً فشحّاذاً فلا شيء!
(2)
استمرّ صعود النقطةِ عشرين عاماً
بالتمامِ والكمال
خلالها حلّقت الطائراتُ مرّتين
واحترقتْ مرتين
فاستبدلتُ رائي بالألف
وعيني بالدال ودالي بالياء والباء
واكتشفتُ الخمرةَ الآلهيةَ بدلاً من الخمرة المغشوشة
وضعتُ حتّى اكتشفتُ أرخبيل الضياع
وعدتُ كأنني ولدتُ للتو
بشعرٍ أبيض
وقلبٍ مليء بالندوب.
(3)
من حقي أن أسأل الأبجدية
أن أسأل الباءَ نفسها كيف أصبحتْ نوناً
فتحوّلتُ من معشوقٍ يـُنتـَحرُ في سبيله
إلى شيء مجرد ذكر اسمه
يبعث على الغثيان؟
من حقي أن أسأل الأبجدية:
كيف تحولّتُ من مشعلٍ للحرائق إلى عامل إطفاء؟
(4)
من حقي أن أسأل
أنا الذي ضاجعتُ النسيانَ على فراشٍ بارد
كيف ظهرت الباءُ دامعة
وسط الياء والسين؟
كيف أبكي وأنا عند الوليّ السعيد؟
(5)
اللعبةُ واضحة
والجوابُ ذهب إلى المستشفى
بحثاً عن العلاج!
(6)
ليست هنالك من لعبةٍ
أو علاج
ليس هنالك من سؤالٍ
أو جواب.
(7)
وسؤالي:
كيف تحوّلت الباءُ إلى نون؟
كيف تحوّلتُ من ملكٍ مطاع
إلى شحّاذٍ يرميه الأطفالُ بالحجارة؟
(8)
الأسئلةُ تلد بعضها
تلك حقيقة الأسئلة.
(9)
لكنني لا أبحثُ عن حقيقة الأسئلة
أنا أبحثُ عن حقيقة النقطة.
(10)
حقيقة النقطة في الموت!
محاولة في الهاء
(1)
هاءُ الهمهمة
هاءُ الهروبِ الجديد إلى القضبان
هاءُ العنكبوتِ وبيض الحمام والنقر وسط القلوب
هاءُ هروب الحروف إلى المناطقِ الخارجةِ عن الجغرافيا
هاءُ الكتمان والحرمان والإذعان
هاءُ الأصابع: هل تصل إلى المفتاح؟
هاءُ هبوب الرياح.
(2)
قلتُ للهاء: هل أنتِ جميلة ؟
قالت: أجملُ مما تتصور أيها الغارق في الطير
أنا أجملُ من فجرٍ يزرع طيراً في الماء
أجملُ من طيرٍ يزرع ماءً في الفجر
أجملُ من ماءٍ يزرع فجراً في قلبِ الطير.
(3)
وانتبهتُ إلى الهاء
كانت عذبة في حلمها المشتبك
طرية كغصن بان
مدهشة كتنهيدة
فرحة كسفينةٍ تغرق.
(4)
وانتبهتُ إلى الهاء
كانت الهاء توزّعني ذات اليمين وذات الشمال
وأنا جالس قرب عشبها
مثل سكين سقطتْ من يد قاتل
مثل صورة تبحثُ عن صاحبها الفقيد
مثل دراهم أضاعها طفل بريء
مثل كلكامش أضاع الطريق إلى أنكيدو
مثل أنكيدو لم يلتقِ بعد بالمرأة العنكبوت
مثل امرأة سُبِيتْ دون سبب مفهوم
مثل سبب لا سؤال عنده أو لديه
مثل سؤال أضاع علامة بكارته
مثل علامة ضحكتْ مني
مثل ضحكة سقطتْ في منتصف المسافة
مثل مسافة سقطتْ في منتصف الجسر
مثل جسر أضاع فراته وأطفاله وقطاراته
مثل قطارات تدوّي الليل كلّه
مثل ليل سفيه، وآخر ملآن بالدمع
مثل دمع له عنوان بيتي وعري خرافاتي
مثل خرافاتي ذات الأربعين دهراً ودهراً
مثل دهر له ماله
مثل من لا مثل له
مثل من لا مثيل سواه.
محاولة في الصوت
(1)
أهي قليلة مناسبات ضياعي وهلاكي
حتّى تضيع، يا صوتي، وتهلك؟
(2)
كنتَ بلبل حنجرتي
الآن وقد حلّقتَ بعيداً بعيداً
ظهرتْ حنجرتي للعيان
قفصاً بارداً من حديد.
(3)
لا أحد يعينني
على بلواي:
صمت الأطباء
واخرست الأدوية
وارتجف الدعاءُ بين أصابعي
فقط كان دمعي على الخط
يصيح: آلو، آلو.
(4)
كلّما تعمّقتْ حفرةُ قبري أكثر فأكثر
كتبتُ شعراً أعمق فأعمق
يا للسخرية!
(5)
انتبهوا أيها الأصدقاء
طارَ البلبل
وضحكَ الغراب.
(6)
متى تهبط ؟
أخبرني: متى تهبط ؟
أم أنه كُتِب عليّ أن أرى جسدي
يموت أمامي عضواً عضواً؟
(7)
صوتي: أيها الطائر
اهبطْ فلن أضربكَ كعبدٍ بالسوط
ولن أترككَ في عطشكَ تجود بنفسك
ولن أصرخ كما يصرخ المجانين
ولن أطلب منك الغناء دون مناسبة ولا الاحتجاج
ولا الخروج على النصّ عندما يتبلّد النص.
اهبطْ أيها الطائر
فلن أترك سوفوكليس يقلع عيون مخلوقاته
على خشبةِ دمي
ولا التوحيدي يحرق كتبه كلّ ليلة
في صحراء حلمي
ولا المعري يموت وحيداً
كما أفعل أنا
وكما تفعل أنت.
(1)
جيمُ الجثةِ والجوعِ والجلجلة
غريبة على الواقع
عصيّة على التصديق.
ومع ذلك، فنحن هنا، للحديثِ عن السين
سين سلام الموتى
سين سقوط الأسنان
سين الأسئلة التي تبدأ لكي لا تنتهي.
ونحن هنا للحديث عن القصيدة
التي لم يكتبها الشاعر
بسببِ السأمِ وجلجلةِ الجيمِ وصليلِ الأسئلة
وقبح الوجوه التي يلتقيها
لا سلام،
لا تحية، لا صباح الخير
لا توجد غير لا ولا ولا.
والجيمُ تنمو، تتوزع في الشوارع
والوجوه التي أدمنت اللاأمل.
هل اللاأمل ممنوع؟
انكسر السؤالُ ودخلتُ في الجلجلة
لا شأن لي بما تسألون
لا شأن لي إلا ّبما يكتب الشاعر
في حروف دمه
لكنهم سرقوه:
رجال من الشرق سرقوا أصابعه
ثم أعادوها إليه
دون إبهام وسبابة،
رجال من الغرب سرقوا رأسه
ثم أعادوه إليه
دون عينين
دون أنف وشفتين
فكيف سيكتب قصيدة حبّه الكبرى؟
كيف سيزرعُ السينَ فتزهر قافيةً من حنين
تزهر أطفالاً ومواعيد حبّ؟
كيف وهو في الممرّات ضائع:
لا صباح الخير، لا مساء الخير،
لا تحية، لا طمأنينة،
لا ولا، سوى القهقهات.
(2)
هل سمعتَ بميكائيل أنجلو؟
هل سمعتَ بفان كوخ؟
هل سمعتَ بالسيّاب الساذج؟
هل سمعتَ بالماغوط المغفل؟
هل سمعتَ بما لا ينبغي أن تسمع؟
لكنني كنتُ أضحك حتّى أبكي
وأبكي حتّى أموت
ثم أولد كي أبكي ثم أموت.
(3)
من أنتم – قال المقهقه – رجال من الشرق؟
إذن: أعيدوا إليّ إبهامي وسبابتي
من أنتم ؟ - قال المقهقه – رجال من الغرب؟
إذن: أعيدوا إليّ رأسي الفقيد
أعيدوا عيني ، أنفي وشفتي
أعيدوا أعيدوا – أنا السيّاب –
أعيدوا إليّ ماء بويب
وغيلان، أين غيلان؟
وعصاي التي أهشّ بها على وحشتي؟
وأعيدوا إليّ لحنَ قصائدي – أنا الماغوط –
ملحّن البارات
وملحّن أناشيد الاندحار
ومايسترو القوافي الجبانة.
ومع ذلك، فنحن هنا
لا للحديث عن القوافي ولا البارات
لا عن بويب ولا غيلان
نحن هنا للحديث عن الجيم
والجيم جثتها باقية أحملها كلّ يوم
أنا الحلاج حلجتكم بيدي
أنا النفريّ النبيّ
أنا دعبل، والشريف الرضيّ، لكنني..
فمن أنتم أيها الأصدقاء القدامى الجدد؟
كيف سنتفاهم بالشعر
ونحن نركض خلف جيم وسين
وبينهما النون عارية كالمتاهة؟
إذن: السين سيدة الموت تغسلكم في النهاية
والجيمُ ضاعت
بنقطتها عنوان بيتي القديم
وعنوان بيتي الجديد.
ومع ذلك، فنحن هنا للحديث
لا عن الجيم ولا السين
نحن هنا للحديث عن القهقهة!
****************************************
الشاعر محمد الماغوط يخاطب الشاعرَ السيابَ
في قصيدته:
(إلى بدر شاكر السياب) المنشورة بديوان ( الفرح ليس مهنتي) قائلاً:
تشبثْ بموتك أيها المغفل
دافعْ عنه بالحجارة والأسنان والمخالب!
محاولة في الإبصار
(1)
الدمع
حاصرني كما تحاصرُ الدبابةُ أعمى في البرّية.
(2)
الدمع في الأربعين: خرافة
والموسيقى في الدمع: طفولة
والرقص في الدمع: أقصى حالات الجنون
والحرف في الدمع: شعري أيها الأعمى.
(3)
كيف ضعتُ وكيف
من الذي ألقاني في الوادي السحيق
ودفنني في الصحراء
وزرعني في بطنِ غيمةٍ تائهة؟
من الذي جعلني أركض
خلف ذيل الشمس حتّى الموت؟
(4)
متى تكفّ لغتي عن الهذيان؟
(5)
أنتَ يا أنت
أيّهذا المحتفي بموتي والناسي موته
أيّهذا الضائع في جسدي وفي جسد الزمن
هلاّ انتبهتَ إلى الدمع؟
هلاّ انتبهتَ إلى الموتِ عند الباب
والحبّ إذ ينهار كجبلٍ ثلج؟
هلاّ انتبهتَ إلى دمعتك؟
(6)
بعد أن أنفقتُ سبعين قرناً
أتجلّى في ذيل الشمس
الملآن بالدم والغبار والأنين
لم أجد سوى كلمات، كلمات، كلمات
كلمات من دمع
وحروف من دمع
ونقاط من دمع.
(7)
ما الذي جعلني أتيه هكذا؟
أخبرني يا عمري: يا جبل الدموع!
محاولة في فرح النقطة
(1)
الصباحُ قطعةُ كفن
فتعالي يا نقطة الطفولة
قبّلي خرابي كلّ سنةٍ مرّة
وضعي على رأسي الذي شيّبتهُ الحروب
حرفَ أمل وغصنَ حياة
تعالي فالصباح عباءة سوداء
عليها سقط عصفورُ روحي كسير الجناح
تعالي، ولو بقطعة من خشب
نعالج عظامه البيض
ولو بقطعةٍ من وهم
نمسح دمعَ عينيه البريء.
(2)
فرحتكِ غيمة من حرير
فرحتكِ مباهج الفقر
فرحتكِ شمس حية
لم تلوّثها الأكاذيب
ولم تبدل حروفها الترّهات
فرحتكِ أعيادي التي سرقها اللصوص
وشبابي الذي غيّبته دجلةُ الغموض
لذا اقتربي يا نقطة الطفولة
علّنا نعيد لأزهار الشارع
عناوين حبّ ضاعت
علّنا نعيدُ للفجرِ فرحتكِ: مباهج المحزونين
والذين بلا غدٍ أو شموس.
(3)
هكذا اكتملتِ
واكتملتْ فرحتك
وقت سقوط العالم في بحار التفاهة
هكذا نضجتِ
ونضجتْ فرحتك
وقت أن غزت السوق
أنواعُ الفواكهِ الفجّة
هكذا ارتفعتِ
وارتفعت فرحتكِ بعيداً بعيداً
مثل بالونة ترتفعُ في الهواء
والطفلُ قربي يصيحُ بي:
"امسكْ بها يا أبي
امسكْ بها يا أخي
امسكْ بها يا شبيهي"..
فلا أستطيع.
محاولة في البهجة
مددتُ يدي إلى الله
إلى ماشاء الله
وإذ نظرَ إليّ برحمته التي وسعتْ كلّ شيء
لم يضع في كفّي المتوسلة ذهباً
ولا دنانير فضّة
لم يضع فيها سوى حرف صغير
كان يلتمع أملا ًكعيدِ طفلٍ يتيم.
وإذ نظر الله إلى دمعتي الحرّى
وقلبي المحطّم
سارع ليضع وسط الحرف نقطة
فامتلأ قلبي ذهباً ودنانير فضّة
حكمةً وبهجةً ومحبّة
هكذا كنتُ صحراء فكانَ الحرفُ جَمَلاً
هكذا كنتُ ضياعاً فكانت النقطةُ معنى
هكذا كنتُ حتّى امتلأتُ
هكذا طرتُ أنا وجَمَلي
طرتُ كغيمةٍ من نور.
محاولة في الجنون
(1)
القمرُ على الباب
معلّق من قدميه.
(2)
الكلّ انطوى على نفسه
كوترٍ مقطوع.
(3)
الأصدقاءُ تناسلوا هنا أو هناك
أكاذيب وترّهات.
(4)
المعنى معتقل في نفسه
ولا أحد يستطيع أن يفتديه
حتّى أنا.
(5)
أولئك الذين ماتوا
أحسنوا كتابة قصائدهم المهدّمة.
(6)
البارحة متّ
وفي الصباحِ، كالعادةِ، استيقظت.
(7)
الجوع رسالة
لا تحتاج سوى أن تغلقها
وترسلها إليك،
عفواً
إليّ!
(8)
ماتت المرأةُ: الحلمُ، والمعنى، والفجر
وكان موتها مناسبة لحلول أربعين كارثة أخرى.
(9)
الجنونُ جميل
لأنه صندوق بريدي المليء بالطيور
ومستقبلي المليء بالظلمات.
(10)
احتجّتْ حروفي
على جبالِ الحزنِ فيها
فقمعتها بيدٍ من حديد
وصبرٍ ورعب.
(11)
مات الشاعرُ والوليّ
مات الفيلسوف
ومات المؤرخ
وحين مات بائعُ الفواكه
حينها، فقط، احتجّ الناس.
(12)
صديقي الوحيد الذي نجا
أرسل لي رسالةً مليئةً بالأفاعي والبوَم
رسالة ملأتْ بيتي رعباً.
(13)
حين قرأتُ قصائدي البارحة
في احتفالٍ عام
كان هناك جمهور غفير
لم أكن أحلم به.
كان هناك، فقط، قلبي
ومائدتي
ودمي.
(14)
حبّك آية من نور
وأنتِ ياحبيبتي
نبيّة من ظلام.
(15)
حين كتبتُ اسمكِ ارتبكتُ
فلقد أحببتُ حروفه بجنون
وخشيتُ أن يراها الناس
بل خشيتُ أن أراها أنا.
(16)
أين أنتِ
لتعيدي إلى دمي طبول أفريقيا
وخزعبلات آسيا
وأشباح العالم السفلي؟
(17)
صار حبّكِ قصيدة
يهيمُ بها كلّ مجانين الأرض .
يا للروعة!
(18)
حبّك قاد شعري
إلى كنهِ الحروفِ والنقاط
وقادني إلى العظمة
إلى جنون العظمة!
(19)
آ.......
القمرُ على الباب
رفع احدى قدميه!
محاولة في هاملت
(1)
أوفيليا،
يا غيمة البراءة،
أخبريني كيف اجتمعت الدنيا في جسدك
ثم ضاعتْ في الماء؟
أخبريني كيف قُتِلَ أبي
وكيف أباحتْ أمي طيورَ طفولتي للثعبان؟
كيف قادني الشبحُ إلى الشبح
والموتُ إلى الطوفان؟
(2)
أوفيليا
جسدكِ المقمر مرثاةُ عمري
إذن دعيني، مثل طفل يتيم سرقوا ثوبَ عيده،
أبكي عليك
دعيني أتعرّف إلى جسدكِ البضّ
لأعرف سرّ الجنون والهذيان
دعيني أتعرّف إلى جبينك
لأعرف سرّ المطر
دعيني أتعرّف إلى أصابعك
لأعرف سرّ الفرح
دعيني أتعرّف إلى بطنكِ النحيل
لأعرف سرّ الطفولةِ والطمأنينة.
(3)
أوفيليا
جمالكِ الأسطوري عذّبني كلّ يوم
حتّى قادني إلى منافي الكلمات
ورضابكِ أبهجني مثلما يبتهج الساحرُ بالصاعقة
فضميني قبل أن تهلك آخر قطراتُ دمي معك
ضميني قبل أن يأكلني الماء.
(4)
مدّت أوفيليا يدها إليّ
لكنْ ما أن قبّلتُ أصابعها المترفة
حتّى تحوّلتْ إلى خناجر وشتائم
ما أن قبّلتُ صدرها الفاتن
حتّى خرجت المردةُ والشياطين
وأحاطتْ بي من كلّ جانب
وما أن قبّلتُ شفتيها
حتّى خرجت الأفعى إليّ
فسقتني السمّ
لأموت إلى الأبد.
محاولة في النافذة
(1)
جلستُ إلى النافذة
كي أرى أطفالي يطيرون عبر الزجاج
وأمهم تلوّح لي
كي أرى أصدقائي يفرّون إلى حروف الأقاصي
وأرى نقطتي تحلّق شيئاً فشيئاً.
جلستُ إلى النافذة
جلستُ إلى نفسي
فوجدتها تطير إلى النافذة
لكنها اصطدمتْ، واأسفاه، بزجاج الموت.
(2)
جلستُ إلى نفسي
جلستُ إلى النافذة
وصرختُ بالأطفال الذين يلعبون في الشارع: (اذكروني)
لكنهم كركروا كغيمةٍ فرحة.
وصرختُ بالقتلى الذين قاتلوا من أجلٍ ربيعٍ الوهم
لكنهم تسربلوا بدمٍ لزج.
وصرختُ بالسكارى والقحاب
لكنهم انشغلوا بشتائمهم ومهاتراتهم.
وصرختُ حتّى كادت النافذة
أن تقع على رأسي المذهول.
(3)
ولذا سأنادي: أبي
يا سيف صحراء الحرمان،
أبي
أيها الشفوق كهلالِ العيد،
أبي
يا ثمرة الغيب ونتاج العظمة،
أبي يا أبي
أغثني أغثني
فالرماحُ تكاثرت
والنافذة
ضاقت بما ترى
فخفتُ أن تتسع
أو تجنّ.
(4)
أبي
ضاقت النافذة
بنفسها وتحطّمتْ
ونزلَ زجاجُ الموتِ إلى الشارع،
فأزلته بلساني الجريح
يا أبي.
محاولة في الحبّ
(1)
حبيبتي: جنّية صغيرة
مليئة باللذةِ والدمعِ والدفء.
عليّ أن أجد طريقاً لترويضها
أنا الساحر الذي أحْرِقَ حيّاً حتّى الموت.
(2)
حبيبتي: نخلة باسقة
مليئة بالتمرِ والحلمِ وأعشاش الحمام.
عليّ أن أجد طريقاً لصعودها
أنا المعوَّق الذي قطعت الشظايا إحدى قدميه.
(3)
حبيبتي: أغنية عميقة
مليئة بالطبولِ والدفوف والعنفوان.
عليّ أن أجد طريقاً لسماعها
أنا فان كوخ الذي أهدى إذنه لحبيبته الهازئة.
(4)
حبيبتي: بستان تفاح
مليء بالمواعيد والرغبة والعصافير
عليّ أن أجد طريقاً لسرقته
أنا اللصّ الذي سرقَ الزمنُ حقيبة طفولته البريئة.
(5)
حبيبتي
تزورني في كرسيي المتواضع كلّ يوم
محملةً بالتاجِ وبريق التاج
عليّ أن أجد طريقاً لمدحِ كلِّ لؤلؤةٍ في تاجها
أنا الشاعر الذي لا يحبّ أن يمدح
سوى تيجان النساء
وبريق النساء.
(6)
حبيبتي
تزور حيرتي كلّ يوم
مليئةً بالغموضِ والأساطير والألغاز
عليّ أن أجد طريقاً لفكّ ألغاز أساطيرها
وفتح غموضها المرتفع
أنا المُطلِسم الذي سرق الجنّ
طلاسمه في حوضِ السباحة!
(7)
حبيبتي
تزورني كلّ يوم
مليئةً بالرقم سبعة
وإشاراته وارتباكاته وصيحاته.
عليّ أن أجد طريقاً لإلقاء القبض عليه
بسببِ صيحةٍ كلكامشية
أو حلمٍ فرعوني
أو خطأ بابلي في ترتيبِ أيامِ الأسبوع.
(8)
حبيبتي
تجيء كلّ يوم إلى بابي المحطّم
مليئةً بالرغبةِ والدلالِ واللامعنى.
عليّ أن أجد طريقاً لملء حلمها
وتقبيلِ دلالها
وإطلاق طيور لامعناها
في غيمة معناي المرعبة.
(9)
حبيبتي
تجيء كلّ يوم
بألفها الذي يشبه ألفي
وبيائها التي تشبه يائي
وبعذابها الذي يشبه عذابي.
عليّ أن أجد طريقاً
لأضع حداً لضياع حروفها وحروفي
وارتباك حروفها وحروفي
حتّى لو اضطررتُ إلى إطلاقِ النار
على الحروفِ جميعاً!
محاولة في الحظّ
(1)
إلى الحظّ
أرسلتُ رسائلَ شديدة اللهجة،
شديدة التقريع:
"أنتَ مَن أفسدَ طفولتي
وحطّمَ شبابي
وأربكَ شيخوختي".
ضحك َالحظّ، وقال:
"حسناً،
سأجعل من موتك
مناسبةً مليئةً بالبهجةِ والشموع!"
(2)
حين تعلّم المنحوسُ النطق
سقطت أسنانه واختفت الكلمات!
وحين تعلّم المشي، اختفت الطرقات!
وحين تعلّم الكتابة،
لم يعد للكلمة معنى أو شبه معنى!
وحين تعلّم الطيران، اختفت السماء!
(3)
في سُلّم الحظ
كلّما صعدتُ درجةً هوتْ تحت ناظري
وبدا السُلّم عميقاً حدّ اللعنة.
(4)
لم يعد الرغيفُ حلماً
صار قصيدة حبّ
لا تُقرأ إلاّ بين يدي الملوك.
(5)
بقليلٍ من الشؤم
أحببتكِ
أنتِ يا كثيرة الأسماء والمواعيد
وبكثير من الحظ
أجبتِ على قصائدي بالطعنات.
(6)
الفرقُ بين الرغيف والحظ
واهٍ كخيطِ عنكبوت
والفرقُ بين الغيمة والطفولة لا شيء
لأنّ بياضهما سرقته امرأة العزيز
وباعه أخوةُ يوسف بدراهم معدودة
والفرق بيني وبينك لا شيء
لأننا من عدمٍ واحد.
(7)
"ستفرح حين تموت"
تلك وصية الحظ
قبلتُ بها وابتسمت
ثم ضحكتُ قليلاً
وقهقهتُ أخيرا ًكمجنون.
محاولة في الرصاصة
كان لي قلب
حين كبرتُ تحوّل إلى عصفور
ثم إلى وردة
ثم إلى كلمة
فدمعة ورغيف.
كبرتُ فتحوّل قلبي إلى رصاصةٍ من الفولاذ
باردةٍ، ناعمة.
وحين حاولتُ أن أحتجّ على هذا التحوّل
شاهدت الطائراتُ قلبي من بعيد
فرمتني بصاروخ
نسفني من الأعماق
فتشظّيتُ وتشظّيت
حتّى رأيتُ العصفورَ هابطاً بجناحٍ واحد
وشممتُ الوردة َحمراء حمراء
وكتبتُ بالكلمةِ دمعتي ورغيفي
ولمستُ الرصاصة
فكانت باردة ًناعمةً كالموت.
فلسفة النقطة تطابق توجه النقطة زائداً سعة النقطة.
فلسفة النقطة تكافئ توجّه النقطة زائداً سعة النقطة.
توجّه النقطة لا يكافئ سعة النقطة.
توجّه النقطة يؤدي إلى ويتحول من سعة النقطة.
ويبقى معنى النقطة...؟!
واثق الدايني
من محاضرة له بعنوان: (فلسفة المعنى بين النظم والتنظير في شعر أديب كمال الدين) اتحاد الأدباء ببغداد 2/10/1996
استطاع الشاعر أديب كمال الدين أن يؤسس عالمه الشعري المتفرّد على لبنة حروفية عبر حالات الاستكناه لذاتية الحروف ليقف في مقدمة الجيل السبعيني في العراق. إنّ تجربته الطويلة مكّنته من استلهام روح الحرف ليحلّق به ضارباً عرض حائط اللغة وساخراً من وصايا النظامين الذين عانت شرايين الحرف على أيديهم من مرض التكلس. الحرف لديه امرأة وطير ورمز وقمر ورسالة حبّ وصلاة عند الغروب وأغنية على بحيرة ونهار مشرق. ومن تعدد هذه الدلالات استطاع الشاعر أن يشيد مملكة للحرف ويجلس متربعاً على عرشها.
عبد الرزاق الربيعي
جريدة آخر خبر / عمان / 14 تموز 1994
قصيدة الشاعر العراقي أديب كمال الدين تخبر المعنى وتسعى إلى إدراكه وكلّما أمسكت به انحرف إلى الشعر في نص مفتوح، قد يخدعنا بلولبيته الشكلية ولكنه يعلن دائماً انفتاحه. يتمرد بالحروف فنحسبه يعيد تقصيبها ومدمكتها، لكن سرعان ما يتشظّى في معنى يبحث عن ظله فيقع في الجبّ قبل وصول أسد القفار.لعلنا أمام علامات مورس أو شواهد فوكوية من تاريخ قيد التشريح. ورغم كل هذا لا يخسر النص شحنة معناه بسهولة، بل كثيراً ما يشي بمعنى لقلب يتعذب أو جسد ينحل أو عقل يهذي بمعارف قرأها في صفحات عتم العالم. وتظهر بين الحزن والآخر، بين العرس ودمه، بين الموت الجميل والموت الآخر: بغداد المقوّسة الجميلة ترقص أحيانا بالنايات أو البنادق.. أو إذا شئت بالمحال… وكلها معانٍ تسعى في ظلالها إلى اخبار يقين وتشد ركبتها الملحميتين بأكثر من رواية.
الياس لحود
مجلة كتابات معاصرة / العدد 29 / 1997
إنّ أرض العراق تلد شاعراً آخر هو أديب كمال الدين يتفرّد عن غيره بالمكتوب. ينقل اللغة الشعرية من ديباجة النظم ولعبة الأحاجي النثرية إلى ضرب من التأسيس يفتح الذات على المتخفي ويبشّر بحضارة عربية فاعلة.
د. مصطفى الكيلاني
أديب كمال الدين شاعر مثابر ومتحمس لموضوعته الشعرية التي يحاول اغناءها دائماً. ومنذ مفردات تجربته التي بدأها بمجموعته الشعرية الأولى (تفاصيل) 1976، نلاحظ تنبهه المبكر للقصدية التي تحكم بناء التجربة الشعرية لديه. وهذا ما بدا واضحاً في مجموعته الثانية (ديوان عربي) 1981 حيث اشتغل على تقديم تجربة جديدة تفيد من الكيفية التي تجمع فيها الدواوين الشعرية على أساس موضوعاتها. أما في مجموعتيه اللاحقتين (جيم) 1989 و(نون) 1993 فقد توجه الشاعر إلى الاعتناء بمسألة دقيقة جداً في مشغله الشعري، حيث تركّز اهتمامه على مسألة الحرف وإدامة تفعيلة في القول الشعري مستنداً بذلك إلى جذور صوفية – سيمائية تارة وشكلية – جمالية تارة أخرى.
أحمد الشيخ
جريدة الجمهورية 16 / 4 / 1996
إنّ الشهقة التي تبدأ مع عنوان قصيدة أديب تحتفظ برذاذها حتّى حرف القصيدة الأخير.
عبد العال مأمون
جريدة الجمهورية 15 / 5 / 1996
يعمل الشاعر أديب كمال الدين على تفكيك اللغة إلى مستوياتها الأولية: أصوات ورموز كتابية. لا يعير كبير أهمية إلى المستوى الأول ويستغرقه الثاني في جو طقوسي مشع يعبق بشذى الأسطورة والبدايات الأولى. في مغامرته الحروفية هذه يرغب وبإلحاح في أن يوغل في أرض بكر لم تطاها أقدام غير أقدامه. إنه يؤسس رؤيته الحروفية استناداً إلى تراث المسلمين المتصوفة كمرجع خارجي لنصوصه الشعرية موظفاً مصطلحاتهم وصيغهم في بناء شعري يتسم بالكثافة والانضغاط مطلقاً العنان لاستخداماته الأستعارية دافعا بها إلى مدياتها القصية محمّلاً لغته طاقات ايحائية وإشارية تقترب أو تبتعد كثيراً أو قليلاً من لغة المتصوفة وأساليبهم وتصرفاتهم بها. على أن الخبر الأوسع في مجال انشغالاته – مكابداته – يبقى للحروف فهي المادة الخام – الهيولى – الطين الذي خلق الله منه آدم.. يستلّها حرفاً كما تستلّ الشوكة من الروح ثم يشرع بعجنها، يكوّنها، يمعن في الخلق. حتّى انك ترى ضوء حرائقها وتسمعها تجأر وتئّن بين أصابعه.
عيسى الصباغ
في واحدة من محاولات شاعرنا المعاصر لخلق أسطورته الخاصة واستحداث الفعل الصوغي الخاص تقف محاولة أديب كمال الدين في خلق التقاطع مع المألوف والاستعلاء عليه بمكابدة الحرف.. في توق لخلق الأنموذج المهيمن على رؤيته الشعرية.. أنموذج (القصيدة الحروفية). ويحاول الشاعر أن يبوح بالمحفزات التي دعته إلى اقتحام نصه تحت (شروط الحرف أو طائلته) والدوران معه في دورة لامتناهية، وأول المحفزات لديه يبدأ بالقرآن الكريم، والحرف جزء من أسراره، ثم بما أحسه في الحرف من قدرة على استكناه أزمنته الماضية والحاضرة وكشف المستقبلية منها وقدرته على خلق أسطورته الشخصية، ويعلن عما منحته التجربة الصوفية ومواجد المتصوفة له من مقترح حرفي وأسئلة قصوى عن الحرف وقدراته التي لاتحد .ويصرّح الشاعر بالحرف (أسطورة خاصة) ويعرف به أداة لحفر منجمه الشعري ويشهد ان للحرف لديه مستويات. وإذا أردنا لهذه المستويات أن تتحدد لكانت:
1. المستوى الهيئي (الشكلي).
2. المستوى الدلالي.
3. المستوى التحويري.
4. المستوى الطلسمي.
5. المستوى القناعي ويتخذ أشكالاً مختلفة منها:
أ . الصوفي ب . الأسطوري ج . التراثي
ولو أردنا ان نضع مقترحاً أو مقترباً قرائياً لأسطورة الحرف عند أديب لتمثل في امتزاج هذه المستويات وانصهارها في حروفياته
د . بشرى موسى صالح
دراسة أكاديمية بعنوان (خطوط الحرف السرية: قراءة نقدية في شعر أديب كمال الدين)
مجلة آفاق عربية ع / 3 – 4 آذار - نيسان 1999
قال باشلار: إنّ كلّ شاعر يدعونا إلى القيام برحلة، وهذه الرحلة تكون إلى عالم يخلقه الشاعر من مزيج صور ،يعانق الواقعيُّ الخياليَّ فيها، والدعوة التي تلبيها هذه القراءة من شاعرعراقي تطغى على تجربته نزعة عنف دام فرضها واقعه المعيشي والتاريخي ورغم انّ المضمون أخذ حيزاً بارزاً من اهتمام الشاعر أديب كمال الدين في مجموعته الشعرية السادسة( النقطة) فإنّ القارئ لا يمكنه غير أن يحتفي بشعرية واضحة ومهارات تتراكم كماً ونوعاً لتؤكد بلغة عالية ملامح صوت متميز يفكك اللغة العربية إلى حروف ونقاط ليشكّل منها رموزه وصوره التعبيرية التي بنى عليها نصوصه.
نجاة العدواني
جريدة الصحافة، تونس ـ 31 مارس 2000
في مجموعته الشعرية (النقطة) أكّد الشاعر أديب كمال الدين انه قد أنجز من التفاصيل في بناء تجربته الشعرية مايكفي لأن نقول انه قد كوّن أخيراً أفقه الشعري الخاص، الأفق الذي يخشى الآخرون الاقتراب من سماواته ليحلّق هو وحده فيه بحيوية خارقة ليتفرّد في عالم شعري متميز بخصوصية الرؤيا الشعرية، وخصوصية الأدوات التي تنير الوهج المتواصل في هذه الرؤيا. ويمكن لأديب كمال الدين أن يرفع اسمه من أي عمل شعري يكتبه لنعرف انه يعود اليه، وهذا الرهان الصعب على نحت بصمات أصابع خاصة، في عالم يموج بآلاف الشعراء استطاع ان يحققه الشاعر بدأب الصابرين الطويل على طريق تجربة محفوفة بالمخاطر، نادرة المرجعيات، مجهولة النتائج والنهايات
هادي الربيعي
إنّ هذه المجموعة تفتح أمام الناقد أبواباً مختلفة لأداء مهمته النقدية. فهناك باب للنقد السيكولوجي. وباب للنقد الواقعي وللنقد الواقعي السحري، وباب للنقد الاجتماعي، وباب للنقد اللغوي ـ الأسلوبي.
أ. د. عبد الواحد محمد
مجلة الوفاق العربي ـ تونس أيلول 2000
هذه نقطة ترصّع جبين الشعر العراقي والعربي الحديث، وتؤكد ما قلناه مراراً وتكراراً ان المدد يأتي إلى الشعر العربي من العراق دائماً. وبهذه النقطة يتربع أديب كمال الدين على عرش شعري قائم بذاته.
د. حسين سرمك حسن
جريدة العرب ـ لندن ـ 2/8/2000
اندرجت هذه القصائد النثرية في ثلاثين محاولة ومدارها على النقطة بعد أن أدار الشاعر قصائده في دواوين سابقة على الحروف، وأخاله في هذه المحاولات بلغ غاية نضجه وإبداعه وجاءت سليقته بأعذب ما يخطر بالبال من فنون الرصف ونضد الكلام الدال والقول المصفى المبتكر. فلأديب كمال الدين قدرة فائقة عجيبة على إتيان العبارات الدافقة المحملة بالفحاوى الرامزة إلى المفارقات والمتناقضات الغالبة على مظاهر الحياة.
مهدي العبيدي
جريدة العراق ـ 2 تشرين الأول 1999
أديب كمال الدين شاعر له بصمة شعرية واستطاع أن يصنع نصّاً مفتوحاً واسع الآفاق بلغة أنيقة وجمل شعرية مكثفة.
علي جبار عطية
جريدة عُمان ـ سلطنة عُمان ـ 12/10/2000
الحرف عند الشاعر أديب كمال الدين روح معذبة تبحث وترقص وتبكي وتسأل هذه وذاك عن أشياء أصبحت بعيدة المنال، كما أن الحرف عنده إغراء للآخرين للكتابة عنه حتّى آخر الزمان.
فيصل عبد الحسن
جريدة العراق ـ 25/2/1994
إنّ قراءة النصوص الشعرية للشاعر أديب كمال الدين تبقى عملية غور ومقارنة يمكن أن تكشف أسرارها على مستويات متعددة لأن الشاعر قارئ ذكي يقتنص الصورة والفكرة المدهشة ويوظفهما بشكل فني ذي تكنيك عجيب. كما أن إحالاته كثيرة للموروث قد لا تُفصح عن أبعادها لكلّ قارئ؛ لذا يمكنني القول إن هناك ثلاثة أنواع من القراء لشعر أديب: الأول: يشعر بلذة الاكتشاف ومتعة القراءة. أما الثاني فيقع في حيرة لقلة مساحة دائرته الثقافية وضعفها. والثالث قارئ ليس له سوى المديح والثناء وإطلاق كلمات الإعجاب لئلا يقال له إنه لا يرى ملابس الإمبراطور! فهل ينام أديب عن "شواردها ليسهر الخلق"؟!
هادي الزيادي
جريدة العرب ـ لندن ـ 25/5/2000
أديب كمال الدين صياد طريدته المعنى. كلّما أوهمنا باقتناصها باح بلوعة غيابها. وتأمل شباكه ليجد بقاياها حروفا تتناثر في طيات النسيج الشعري الذي أعده فخاً لها فوقع فيه. الحرف في قصيدته شظية أو كسرة من رقيم. ليست حلية بل شاهدة جماعية إشارة تضيء ظلام المعنى وترفو جراحه.
د. حاتم الصكر 1996
يشكّل الحرف بحد ذاته هاجساً شعرياً مركزياً بالنسبة لتجربة الشاعر أديب كمال الدين. ومبدئيا تتمثل الحروفيات بالنسبة اليه كدلالات زاخرة بالمعاني وكشروع مكثف لاستقراء الجذور التكوينية لكيان اللغة.
خضير ميري
جريدة العراق 16 تشرين الثاني 1993
الحرف عند أديب كمال الدين هو صياغة إشارة لجيل اكتفى بأسواره الداخلية. فالكلام هو فائض نعمة لكن الحرف، وبعد ذلك النقطة، وربما اللاكلام في هذا المعنى، خلاصة منطقية للشعر وضد الشعر. فالشاعر بالكلمات يتوخى بلوغ السحر المقدس: سحر المعنى بالنون ذات البعد الروحي البديل للشروحات أو لما يضاف اليها. فالشاعر يضعنا في أمان التجريد، هذا الفضاء الذي هو كتلته.
عادل كامل
25 تشرين اول 1995
بغض النظر عن الدوافع التي دفعت الشاعر إلى هذه الحروفية فقد توصل إلى لون من الغزل أو النسيب الذي يمتاز بعاطفته المتدفقة وصوره الجميلة الرائعة وصياغاته الجديدة المبتكرة ورؤاه المتميزة.
عبد الجبار البصري
جريدة العراق 20 / 4 / 1996
إنّ تطور شعرية أديب كمال الدين تكمن في استحواذه في بناء تجربته الشعرية على اتساع البنية الاستعارية بايحاءاتها الجوهرية التي تستغور ما في الحرف العربي من طاقات تعبيرية ودلالية وتشكيلية تتيح له مبادلة أو مقاربة هي أشبه بالافاضة التي نراها عند الصوفيين في توليد النص الذي تذوب فيه الفواصل ويكشف ما في الحال من لمحات ونوازع . يكون الحرف ودلالاته وإشاراته باعثا للمعرفة/ الكشف التي تطيح بسرّه وتلقيه في منطقة هي أقرب للسكر الروحي الذي يشبه الانخطاف.
علي الفواز
القصيدة هنا تراهن على البساطة لا التعقيد فالذي يتسامى به الحرف شعرياً هو الطفولة واليسر والسهولة والعفوية، لا التقعر واجتلاب الغريب والناشز.
د. محمد صابر عبيد
جريدة الإعلام 20 / 5 / 1998
الخطاب الشعري عند الشاعر أديب كمال الدين خطاب مغاير، خطاب غير مكتشف بهذه السعة، خطاب لا يقوم على اليومي المألوف، خطاب ذهني – تشكيلي، يضع (الحياتي) خارج منطقة الشعر ويسعى في الوصول إليه من خلال الإشارات والشفرات الدالة، خطاب يقوم على التأويل والفهم الديني والصوفي لدلالات الحرف وتوظيفها في الأنساق الشعرية التي تحفر بعيداً في المعنى عن المعنى، لذلك فانّ خطاباً من هذا النوع لن يتسع إلاّ بقدرات نوعية لاحقة تمنحه صفات أخرى من الحركة. من هنا، انشغل الشاعر بموضوعة الحرف طويلا في مجاميعه (جيم / نون / أخبار المعنى ) لتأكيد هذه القدرات بدراية عالية.
ريسان الخزعلي
جريدة علامات 10 / تموز 1998
أديب كمال الدين واحد من الشعراء المبدعين الذين تفردوا في نهجهم الشعري بأسلوبية جمالية خاصة، وهو شاعر امتثل أمام نفسه طويلاً كي يستخلص عصارة فكره وأدبه ويترجمها إلى حروف قد غزل من خلالها أجمل القصائد خلال عقدين من الزمن. وهو شاعر تفنن في تقنية الحرف وجعله مرآة عاكسة لتوهجه الروحي ومكابداته المعرفية في عالم مليء بالنزاعات والآلام وأحلام المستحيل.
ماجد محمد لعيبي
مجلة الشباب / تموز 1998
ليس بدهياً القول إن الشعر يعبّر عن نزعات الشاعر، فثمة من يحّقق انفصالات بين شعره و ذاته، وأديب كمال الدين في (النقطة) تلتصق نزعاته بنصّه، فهو يضمّن افتراضاته الشخصية في نصّه. ورغم انه يقوم بتحييد سلسلة طويلة من المشاهدات ليكشف بصيرته على: نقطة، رغم ذلك يتسنى لنا أن نرى هذه المشاهدات المحيّدة. نصّ أديب (مثقل بالأسى والحروف)، وعلاقتهما يحكمها الكبت، فالأسى المكبوت أتاح للحرف أن يتلبّس بالمعنى، كما أن الحرف أتاح للأسى - الأسى في العالم - أن يظهر على ملامح النصّ. وبهذا التبادل يمكن للنص أن يحتفظ بحيويته، وأن يمّكن (النقطة) من أن تستوعب العالم الذي يداوله الشاعر بيننا وبينه.
د. حسن ناظم
عمّان 15-6 -2001
انتهى
الصفحة الرئيسية اتصل مقالات عن الشاعر سجل الزوار