بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

  

 

 

د. عبد القادر فيدوح

 

 

 

 

أيقونة الحرف وتأويل العبارة الصوفيّة

في شعر أديب كمال الدين

 

 

 

منشورات ضفاف - بيروت – لبنان - 2016

 

 

  

 

 

 

 

 

إهداء

 

 

إلى

ميْس دلال

في

 

عين ياسمين

 

 

 

 

 

 

فهرس المحتوى

 

تقديم :  بقلم الدكتور فاضل عبود التميمي  .... 9

مقدمة ....... 27

المبحث الأول: متاهة الحرف وسؤال المعنى....... 31

1.     استنطاق السر في الحرف  33.........

2.     الحرف في غواية الدهشة ..........39

3.     في متاهة الحرف ............... 48

المبحث الثاني: الهوية وسؤال المعنى ....... 57

1.     مرايا الهوية 59  ........

أ ـ الهوية المتأرجحة  ......... 59

بـ ـ ما تبقى من أرومة المنبع ........ 64

جـ ـ ما يسلب من رغبة الإمكان ......... 72

 

2.     الواقع المُبَايَنُ/سؤال الهوية...... 79 

أ ـ الواقع المتأبَّى....... 79

بـ ـ الغربة المستديمة   83........

جـ ـ رحلة المنفى/ مستودع البلاء 89.......

د ـ اللغة مأوى الشاعر/كسر القاعدة    93........

المبحث الثالث: رؤيا الإشارة بدلائل العبارة / مقاربة تأويلية صوفية........ 99

أولا ـ مبلغ المطلوب في سمت النص ......... 101

1.     تباريق تجلي المطلوب  101........

2.     نور الكشف وصفاء الحال  110.......

ثانيا ـ وقفة السالك في الحرف ........  117

1.     الحرف مقام الحيرة ..........   117

2.     مقام الحرف في الحق 125 .......

 

ثالثا ـ وقفة السالك وأسرار المقام133....... 

1.     نور السر في الإشارة والعبارة    133......

2.     وقفة المتأمل144..... 

رابعا ـ مقام الحرف في مدار الوجود      156  .....

1.     الكلمة وراء الحرف      156......

2.     تساوق أنساق الحرف مع الكلمة.......  168

 

ملخص سيرة علمية :عبد القادر فيدوح 177

أديب كمال الدين "سيرة مختصرة"     181

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(تقديم)

 

د. فاضل عبود التميمي

جامعة ديالى: العراق

 

  حين اختار د. عبد القادر فيدوح المنهج السيميائي في تأليف كتابه الجديد: (أيقونة الحرف وتأويل العبارة الصوفيّة في شعر أديب كمال الدين) أذن لنفسه أن يكشف عن جماليّات نقده في مرايا شاعر معاصر دون ادعاء، أو تحيّز إلى الشعر، أو للشاعر في ممارسة همّها اكتشاف الشعر بعيدا عن (سلطة) الشاعر الذي أخذه الحرف في دروب المعرفة، ومتاهات الفن، ومجالس المتصوّفة، ودهاليز الحكمة التي يرتّق فيها جروحه التي ما إن يندمل منها جرج حتى تنبثق جروحٌ أخر في متوالية رياضيّة يصعب الإمساك بنتائجها.

   لقد وجدتُ نفسي- بوصفي قارئا معنيّا بالشعر ونقده- وأنا أحاول التقديم لهذا لكتاب وقد توزّعت بين عالمين كبيرين: عالم الشاعر الذي شغلني منذ زمن ليس بالقليل، وهو يرتقي شجرة الحروف بسلّم الشعر الذي ورثه عن عائلة أعرف كم كانت منحازة إلى الفكر، والكلمة، وجوهر الأدب، وعالم الناقد الذي ارتقى شجرة الكلمة بسلّم النقد الذي أخذه استعدادا، وافتتانا، وتعلّما لأنْ يكون فكان، وقد سوّلت لي نفسي الادعاء أنّ لي صلة قديمة، ومعرفة عميقة بما كتب قبل سنوات بعيدة، وإن لم ألتقه وجها لوجه فقد التقيته كثيرا على صفحات ما كتب.

  إنّ التوزّع بين خطابي الشاعر، والناقد جعلني أعيش تجربتين مختلفتين تجربة الشاعر الذي يقول ويمضى سالكا دربه الذي لا يصلح إلا له، وتجربة الناقد الذي يحثّ خطاه سالكا الدرب نفسه، ولكن من مقترب آخر يتقصّى فيه أقوال الشاعر ليقيم عند تخومها بقصد تفكيك أواصر لحمتها، وسداها بحثا عن جوهر الرؤية فيها، أو جوهر الخطاب، أو جوهر الرؤيا، أو جوهر حبّة الحياة تلك التي يعيش من أجلها الشاعر مهموما و هائما.

   والحق أن توزّعي بين الخطابين جعلني أعيش تجربة ثالثة أسلك من خلالها الدرب نفسه الذي سلكه صاحباي ولكن بعدّة محبّ، ورؤية قارئ، ورغبة إنسان يريد أن يجمع الخطابين في خطاب (تقديميّ) همّه الإشارة الى فاعليّة الشعر في الحياة، وفاعليّة النقد في الشعر لا سيّما السيميائي منه في شعر واحد من أهم من كتب القصيدة الحديثة في سبعينيّات القرن العشرين، ولمّا يزل ضمن جيل عراقيّ وُلد وفي فمه بيت شعر.

   اذا كانت (السيميائية) في أدقّ مفاهيمها وأيسرها: (علم موضوعه العلامة)، فإنّ المنهج السيميائي قراءة منظّمة هدفها الوصول الى تلك العلامة، والوقوف عند عتباتها بقصد الكشف عن طاقاتها الكامنة، ومخزونها الفاعل في المتون الأدبيّة، وغيرها من خلال الاحتكام إلى التعالق بين الدوال والمداليل، وعندي أنّ شعر أديب كمال الدين يكاد يجهر بمحموله الإشاري: العلامي في مستواه الصوتي الدال، وفي مستوى حركته المتّجهة دائما نحو الأعماق، أعني حركة إشارات المعنى التي ابتلى بها الشاعر منذ اليوم الذي أيقن فيه أنّه صار شاعرا بمباركة من الحرف، وجماليّات الكلمة، وصار بحكم المسؤوليّة يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام، ذلك أنّ الشاعر يفطن لما لا يفطن إليه غيره، وإذا قَدِرَ على صنعة الشعر كان على ما دونه أقدر، بهذه الرؤية التي ابتكرها الباقلاني (403هـ) قبل ألف سنة أرى (أديبا) وهو يشعر بما لا يشعر به غيره من الناس، فينهمر الشعور صنعة جميلة وكلاما منظّما.

    قُدّر لي أن أقف عند خطاب الشاعر، أي أن أقف عند إشاراته، وهو يختزل من خلالها اللغة، ومواقف الوعي، وأن أقف عند خصيصة استنطاقه المكبوت من أطلس الحياة، فأشعاره كلّها ناطقة بالإشارات المحيلة على المعاني الثواني البعيدة في سلسلة التلقي العتيد حتى الجمادات، والمعاني العقليّة في شعره تنطق بقوة المجاز، ودلالة التشكيل المركب بما هو استثنائي فاعل في النمط المتعالي على اللغة الحقيقيّة، ولهذا صارت تهويمات الشاعر، ومرموزاته، وإشاراته، واستعاراته، وكناياته، وإحالاته، ونجاحاته، واخفاقاته (تقترف) الانتماء إلى حقل التحسس العلاماتي، وكذلك ألفاظه، وعواطفه، وانفعالاته، وإشكالات وجوده التي تفصح عن سيمياء لم يتعمدها الشاعر، وإنّما جاءت عفو الخاطر بفعل عوامل التخيّل، والإبداع التي يصعب الإمساك بها، أو توجيه مساراتها.

  إنّ كثرة رموز الشاعر بما تحمل من إيحاءات جعلت الناقد ينساق وراء تشكيلاتها لغرض الكشف، والاكتشاف، ومن ثمّ الإحالة على تعالق دوالها بمداليلها سواء أكان ذلك بالتحليل، أو التأويل، أو استنطاق الراكس في العمق حتى تساؤلات الشاعر الكثيرة التي تركها بلا إجابات كانت، ولمّا تزل تدعو الناقد لأن يجيب عنها بما يمتلك من وسائل كشف تقرأ الأساليب لتعلي من شان سياقاتها.

   لقد وُفّق الناقد وهو يقترب من شعر الشاعر وفي عقله تنبض أسئلة السيمياء في مفهومها المطلق من عقال الاختلافات المصطلحيّة، والإشكالات المعجميّة متجاوزا إرث الحراك المبني على هوامش التناحر ليدخل المتن متسلحا بقراءة الرموز، والإشارات، والدلالات التي تحمل طاقات مولّدة الشعر وهو يتقدم موكب الحياة لاعنا كلّ سوء، وظلام، راصدا السلوك الشعري للعلامة وهي تنبجس دلالة وشكلا في ظهورها الناهض من بين السياقات، وغيابها المستتر خلف هضاب الروح.

    وإذا كان المبحثان: الأول، والثاني قد أحالا على (المعنى) صراحة، فإنّ المبحث الثالث قد أحال ضمنا عليه في: (دلائل العبارة)، و(التأويليّة)، ليأخذ هذا الجمع الدلالي المتتالي إلى تصوّر منهجيّ سيميائيّ برؤية تأويليّة ذات تعدديّة دلاليّة في ثلاثة مباحث كانت بمنزلة الفصول في الكتاب، ومقدمة يصعب تجاوزها. 

   بُنيت المقدمة على وفق رؤية غير تقليديّة تجاوزت الشكل الأكاديمي الذي يرتضي أن تكون المقدّمة بفقرات معروفة، تبدأ بالحديث عن العنوان، وأهميّة الموضوع، لتقف عند المنهج المتّبع في الكتابة مارّة على أهمّ المصادر والمراجع دون ان تنسى عنوانات الفصول والمباحث، والإشكالات التي مرّت بها خطة البحث، في مقدمة الكتاب أتاح الناقد لقارئه أن يكتشف المنهج من دون عناء، فمن الإشارات أنفسها استطاع أن يفكّك عنوان الكتاب ليهتدي إلى المنهج منطلقا من حقيقة الوظيفة الكامنة فيه، فـ(الأيقونة) مثلا في عنوان الكتاب: (أيقونة الحرف وتأويل العبارة الصوفيّة في شعر أديب كمال الدين) تدخل في علاقة مشابهة مع واقع الشاعر، أي تاريخه الخارجي، فضلا عن أنّ لها ما يشابهها من الكتابات الشعريّة، والنثريّة التي تمتلك موضوعا معيّنا يمكن الاستدلال عليه شعريّا بوجود نصوص قديمة دليلها المعنى الذي صار وجوده مفتاحا يحيل على واقع يمكن التعبير عنه بسبب الاختلاف في الموقف منه، و(الحرف) في العنوان بوصفه (رمزا) أي صورة تحيل على دال، ومدلول ذي تصوّر ذهنيّ يسمى المعنى وقد وضحت غايته، و(التأويل) في العنوان يخرج دلالة اللفظ كما يرى (ابن رشد) من الحقيقة إلى الدلالة المجازيّة من غير أن يُخل بعادة لسان العرب في التجوّز من تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه وقد اقترن بتعدّد القراءات وحريّة المتلقي في اعتماد إيّاها، وكانت (العبارة الصوفيّة) في العنوان التي فُتن بها أديب كمال الدين منذ نعومة أظفاره الشعريّة خاتمة التشكيل العتباتي.

   ويبدو لي أنّ اختيار الناقد للمنهج كان متساوقا مع لحظة اقتراح العنوان، لتتشظى فيما بعد دلالاته على متن الكتاب ليكون العنوان نفسه، كما يؤكّد الناقد جميل حمداوي مؤشّرا دالّا يسهم في تعيين النوع الأدبي، كونه مفتاحا إجرائيّا يمدّ الناقد، والقارئ بمجموعة من المعاني التي تساعد في فكّ رموز النص، وتسهيل لحظة الدخول في أغواره، وتشعّباته الوعرة، ومنهجه، وكلّ ما له صلة به.

  وإذ أَقْدَمَ الناقدُ د. عبد القادر فيدوح على قراءة شعر أديب كمال الدين، فقد كان متيقّنا أنّه أقبل على مجازفة هدفها الكشف عن واسطة فيض الكلمة، وواسطة مَدِّ العبارة ضمن الاستعارة المطلقة في شعره، أي أنه وضع نفسه إزاء هدف الكشف عن غاية الشاعر وهو يسعى إلى تقديم معنى المعنى، وجمع المتباعد من الرؤى؛ لإبراز السياق الدلالي القائم على بنية الكلمة الشاعريّة التي تَسِمها جماليّة التوظيف، في شتى مستوياتها الصوتيّة والتركيبيّة أيضا.

   لقد أيقن الناقد أنّ الشاعر يقيم عند (القصيدة السِّمة) التي تجاوز بها د. فيدوح "القصيدة الصورة" حين رجّح استعمال مصطلح (السِّمة) بديلا عنها، فقد وجد عن قرب أنّ السِّمة فيها ما يتطابق مع لغة الشاعر التي تسمو على كل ما هو متساوق وطبيعي في العملية الإبداعيّة، أي أن الناقد عقد العزم على قراءة الشاعر سيميائيّا مدركا رحلته (الكشفيّة) في صورتها الإبداعية، وقد دبّت في الناقد روح التماهي مع المطلق، وسرى في عروقه الشعور بمسؤوليّة البحث عن يقين محور الكون، بدافع خلق عوالم ممكنة، ضمن حدود الأدب وما يقدّم من إيقاعات ضامنة لديمومة حياة الإنسان، وازدادت مسؤوليّته أكثر حين وجد في إرادة الشاعر ما دفعته إلى محاولة معرفة يقين الوجود من شتى السبل، أي أنّ الإرادتين الشعريّة والنقديّة التقتا عند حدود التفاهم الإبداعي بين ما هو حياتي موغل في وجوده الإنساني الشفيف، وما هو فنيّ يعبّر عن تطلعات الإنسان.

  الإشارات السابقة مستعارة من خطاب الناقد وهي واضحة الدلالة تحيل على طبيعة المنهج المعتمد في معاينة شعر الشاعر، وقد أخَذَت الناقد إلى منطقة الوضوح المنهجي التي بدا من خلالها وقد تماهى فكره النقدي مع الفكر الشعري للشاعر في جماليّة سرت بهما ليلا وهما يحتطبان كلّا في غابة خاصّة بحثا عن عشبة كنز اليقين، فقد كانت هويّة الذات في رؤيا الشاعر مرقاة الناقد لاكتناه عالمه الشعري، بوصفه منتوجا يعكس صورتين متناظرين من حيث الشكل، ومتباينتين من حيث المضمون فيما كان الشاعر مأخوذا بتطهير ذاته من أدران العصر بوساطة جمرة الشعر التي ظل ينفخ في رمادها من خلال مجاميعه الشعريّة المعروفة.

    وإذْ أدرك الناقد عن يقين أنّ الشاعرَ مبدعٌ في خطابه؛ فلأنّه أقْدَر من غيره على توظيف السمة الكشفيّة للكلمة المؤدية إلى صدق البصيرة، تلك التي يرى فيها المبدعون، والمتصوّفة فيما تغيب عن غيرهم، فهو متمكّن من تشعيب دلالة العبارة في علاقاتها مع ما أسماه بـ " القصيدة السِّمة"، في يقينيّة نقديّة قامت على وفق فكرة مؤداها أنّ  تحوّل بناء النص عند الشاعر من التعبير عن الوعي بالذات إلى التعبير عن الذات في علاقتها بالكون، هو تحوّل منبثق من حصيلة التفاوت بين الواقع المعمول، العقيم، والواقع المأمول المتعلق بمجال تحقيق العوالم الممكنة، أو بين عالم الحقائق الوجوديّة، وعالم الإدراكات الكشفيّة في كنه الذات، وليس هذا (الكشف) النقدي  الذي اكتنزه أحد فصول الكتاب بالترف النقدي الزائد عن حاجة الناقد والمتلقي ،إنّما هو نضجٌ نقديٌّ سببه المعاشرة النقديّة لنصوص الشاعر، والإقامة عند تحوّلاتها ، ومكنزها الدلالي الذي أغرى الناقد في مفاتشة الشاعر في نصوصه التي تلوب في أوصالها أكثر من محنة، وأكثر من ذات، فضلا عن أنّه دليل إقامة قديمة عن نصوص المتصوّفة ، وأحوالهم ، ومقولاتهم، وأخبارهم. 

  في المبحث الأول من الكتاب (متاهة الحرف وسؤال المعنى) تواجهنا المتاهة بوصفها حالة من الذهول الروحي، والشرود الذهني المفضي إلى ألم الذات شاهدها الحرف الذي صار دليل الشاعر وهو يبحث عن الخلاص، لنتساءل مع الناقد، أو مع أحوال الفقرة الأولى في المبحث: هل يمكن استنطاق السر في الحرف؟ لنجد الجواب في إجراءات الناقد، وقد بدأ بالقراءة الناقدة مقتربا من اللغة الشعريّة باللغة نفسها التي أدركها السيميائيّون نسقا من العلامات التي تعبّر عن أفكار ما، لكي يدخل العمق، أو الأعماق الخصبة متخيّرا ما هو مستشفع بالمعاني الروحيّة للحرف، أو ما هو غريب يدخل في متاهة الدوران حول دائرة الذات التي لا طرف فيها  متوغلا في الحروف أنفسها بفراسة التائه في فلوات لا دليل فيها سوى صوت الحرف ذلك الذي رآه الناقد وقد عبّر عن حيرة كلّ من ضل عن سبيل الله، وليس له من منقذ من المتاهات سوى المعنى الذي حيّر سيمياء الوجود بإشكال انبثاقه الترميزي، والأيقوني ثمّ بإنتاج الدلالة فيه تلك التي تمدّ التائه ببوصلة النجاة أي إنتاج الدلالة وتداولها على وفق قانون خاص يرصده السيميائي الخارج من متاهة الدرب، والداخل الى متاهة الحرف، والباحث عن فكرة الخلاص أولا وأخيرا.

   يرى الناقد وقد سرت عدوى الحرف إلى قلمه: إذا كان الحرف في وظيفته الدلالية يسهم في الغرض المراد التعبير عنه باللغة في أصلها المجازي، لاسيّما في النسق الفني الرؤيوي، فإن السياق التعبيري بصيغه المجازية يحيل على ما تشير إليه حروف الشاعر في محتواها الرمزي الداعي إلى التأويل، هنا تمكّن الناقد من تفكيك أصل الخطاب، وهو ينعم النظر في حروف الشاعر التي وجدها وقد جاءت لتعبّر عن حيرة كلّ من ضل السبيل، في لجة دلاليّة تشير إلى حالة هادرة؛ لواقع يترنّح في مصيره بين لجة السواد والعيش الضنك، وما بينهما يعيش الحرف، والإنسان اشكاليّة تتجدّد من خلال توالي الأزمان.

    إنّ أديب كمال الدين في حروفيّته المائزة يتفنّن في صناعة ألفاظ بمجريات أحوال الحروف، والصور الموحية التي تتكوّن بها، من حيث الغاية المتوخاة بممكنات دلالات الحرف الموظّف، سواء من حيث ترتيب الكلمة في ربطها بدلالة الحرف، أو من حيث درجة التكثيف الإيحائي المشبع بنكهة الشعريّة في مبناها ومعناها، هذا ما قال به الناقد، ويمكننا القبول به، والاستئناس بدلالته النقديّة؛ لأنّه  سبر أغوار الحرف عند الشاعر، وأقام عند تفاصيل حكايته التي تتمدّد بمقدار تمدّد الحروف على بساط اللغة، وتمدد أحوال العاشقين في محراب الحبّ الإلهي.

   وإذا كانت للشاعر القديم دواع، وتارات يقول فيها الشعر كما يؤكّد الناقد ابن قتيبة (276هـ) في قوله: للشعر دواعٍ تحثّ البطيء، وتبعث المتكلف، منها الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الغضب، فللشعر تارات يبعد فيها قريبة، ويستصعب فيها ريّضه، وله أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح فيها أبيّه، فإنّ تارات الشاعر المعاصر ودواعيه، ومنها تارات أديب كمال الدين ودواعيه وليدة الحقب المأزومة بحسب قول الناقد، فهو ابن مظاهر الحيرة في غياب التجانس المطلوب، وفقدان العدالة، وتفشي الجهل، وانتصاب سيف الحقد، تلك الدواعي التي كانت ولمّا تزل تحثّ على قول الشعر الذي لا يقوله ترفا، ولا غزلا، ولا نسيبا، ولا مدحا، إنّما تقرّبا من خلاص يريد أن ينعم بأحواله في نهاية النفق.

   خلص الناقد إلى أنّ أديب كمال الدين شكّل ـ وبجهد دؤوب ـ مملكته الشعريّة على عرش الحرف، وأودع فيه معانيَ جسّدت فضاء انفصام الذات، ومادّة خصبة اكتنهت عالم الشاعر بالضيم، وسبرت غور المتلقي بالحدس والتأويل، في تجربة انمازت بالصبر، وتجدّد قروح الذات، ومن ثمّ المكابدة اليوميّة للألم الذي ينوب الحرف فيها عن الشاعر في استغاثاته معوّضا إياه عن صراخ ليل لا ينتهي حتى صار الحرف فيه معادلا موضوعيّا لوجود لا انفكاك من ألمه، لقد جسّدت حروف الشاعر بامتياز ظاهرة الضياع في أشكال متعددة ذلك الذي حفر عميقا في جغرافية المتاهات والنداءات، وهذا ما جعل الناقد يؤكد أن ليس غريبا أن يحاكي الشاعر حروفه التي تحيل على صيغ مجازيّة فيما تشير إليه من معانٍ ملغّزة في محتواها الرمزي الداعي إلى الحيرة، ومن ثمّ الشعور بعمق المتاهة في الحياة.

    وخلص الناقد أيضا إلى أنّ الشاعر أديب كمال الدين حين رسم الوضع بالصورة التي سبق عرضها أراد أن يضمن لنفسه البحث عن الخلاص من الشقاء وهو يدري أن لا خلاص من الشقاء الدنيوي إلا بالتماهي مع صورة الحرف الذي يأخذه إلى برّ الأمان في رحلة تشبه الى حدّ ما رحلة السفينة التي قادها (نوح) عليه السلام في ظل متاهات الكون المتعدّدة، فالشاعر بهذا المعنى تبدو صورته الدالة في الشعر الحروفي محاكاة لواقع تراجيدي يستنطق الحالة التجريديّة الموغلة في الغرابة، و الماثلة في الحياة اليوميّة التي لا تريد أن تفارق الألم، وأصل الحالة في تسلسلها التاريخي المعتّق برائحة العجب.

  والناقد أعني: د. عبد القادر فيدوح حين قرأ الحروفي في أبجديّته وجد نفسه في فضاء افتراضيّ فيه من المتاهات أضعاف ما فيه من الأمكنة المعلومة، فالمتاهات بما تمتلك من علامات يزدوج فيها الصوت والمعنى ليشكلا معنى أكبر يمكن تأويله، تطغى على عالم الشاعر الذي يظل بحاجة إلى من يؤوّل حروفه، أو يقيم عند حافات الدلالات فيها، وهكذا وجد الناقد الشاعر في متاهات "النرد الشعري"، متماهيا مع  "طاولة الزهر"؛ بعد أن حُمِّلَ الحرف على التغريب في اتجاه مجهول المراد، ومن ثمّ  عدّ تكوين صورة الحال بالحرف، انفلاتا من التنميط المحكوم بالمعلوم، أو المذعن لطاعة النسق المعلوم، وتلك مسألة لا يحتكم إليها إلا ناقد خبر تفكيك أصل اللعبة لعبة رمي الكلمات على سطح طاولة الشعر للفوز بعبارة أثيرة تشبه إلى حد ما لعبة النرد التي استحضرها الناقد من فضاء مزدحم باللعب.

   في المبحث الثاني: (الهوية وسؤال المعنى)، بحث الناقد في مسألة أصابها التحوّل من خلال سؤال المعنى الذي يتّسع لمزيد من النقاشات عن الهويّة نفسها، وقد رأى أنّ الهوية "التقليدية" تلك التي وسمت شعوبا، وأمما قبل عصر الحداثة وما بعدها كانت دوما متماسكة في اختياراتها، داخل النسق المتعارف عليه، حيث يصاغ كل شيء داخل المجتمع، أو داخل شريحة اجتماعية ما، وكأنه تحدّث عن منظومة ثابتة في حياة لا يعوزها شيء، على أنّ نسق البراديغم Paradigm  الذي دخل المجتمعات حديثا  متغير بطبيعته، وهذا ما أدى الى وجود إشكال بدت معه العلاقات المترابطة منفلتة في المدة الأخيرة، أراد الناقد بالإشكال صراع الثابت والمتحوّل الأمر الذي أدى إلى أنّ الهويّة لم تعد مقيّدة بالثوابت المنطقيّة المتعارف عليها تاريخيّا، بعد أن كسر أفق انتظار الحضارة فصار "البراديغم"، (Paradigm) مصطلحا جديدا ابتكره توماس كوهن وترجمته: (النموذج الإرشادي) الذي أحال على نظريّة يلتزم بها أفراد المجتمع المناقض للثقافة القديمة في مرحلة ما لكي يتقنوا إجراءات العمل العلمي الخالص وصولا إلى تحقيق مجتمع متميّز، وكأن الناقد أراد أن يشير إلى الاختلاف الثقافي بين الهويات، ومفهوماتها تلك التي تتصارع في عقول الشرقيين التي أدّت إلى انهيار المعنى بوصفه جوهرا ناميا في حياة الثقافات، وتنامي إنتاج السطح: أي التصحّر الفكري، وتعاظم الزيف: أي تصحّر الأصالة، نتيجة تفشي الثقافة الاتباعية: الهزيلة التي تنمو نمو الطحالب في الماء الآسن، في مقابل ضمور الثقافة الإبداعية التي تعاني اليوم من محن تزييفها.

    كان الشاعر أديب كمال الدين جزءا من منظومة إنسانيّة ترى وتحسّ، وتتعامل مع الحياة تعاملا يشوبه الإحساس بالضياع وفقدان طراوة ملمس الأشياء، وقد رأى الناقد أنّ الشاعر حاول إعادة تشكيل الصورة في منظوره الخاص؛ ليضع القارئ أمام تحديد موقفه من مشكلة ما اعترت مسالك هويتنا، وجعلت لها شوائب تنخر في جسدنا وثقافتنا، بعد أن أدرك أنّ الحياة لم تعد قابلة للعيش كما كانت بعد أن فقدت جزءا كبيرا من براءتها، فما كان من الشاعر- والحديث للناقد- إلا أن امتلك روحيّة التصوير الكشفي في طبيعة المعالجة، المرتبطة بمرجعيّة الانتماء والتأمل الحدسي، اعتقادا منه أنّ تصوره القائم على الحدس لا يمكن أن يتجرّد من إدراك معرفة ما تصدُق عليه، ومن صورة الواقع الذي يستمد منه حُلمه؛ ولهذا انبثقت صوفيّته لتكون جزءا من حلّ مع ميل شديد لاعتماد استعارات بعيدة يكون حيّز التخيّل فيها أكبر مما هو متعارف عليه، وهي جميعا تنحو منحى تخيليّا يباعد عادة بين المستعار له والمستعار منه صانعا فجوة البعد بينهما؛ لكي يحقق الإجراء الاستعاري أكبر قدر من (التجسيد)، وهو من القضايا التي أثارت انتباه النقاد والبلاغيين، وخصّصوا لها حيّزا مهمّا في كتاباتهم النقديّة المعنيّة بجمال الاستعارة التي تضفي صفات الإنسان العقلية، والعاطفية على غيره ممّا لا يعقل، ولا يشعر على سبيّل الادعاء في لغة أدبيّة ممهورة بمهر الشعر، فضلا عن أنّ الشاعر صوّر ذاته بديلا عن هويته، وهنا ظهرت  مفارقة الجمع بين تجاذب  الأفكار السوداويّة، وانشطار  الصور بين ما هو سرديّ يتحرك في حدود زمن معين ومكان وحدث ورؤية، وإشاري يوجز في تمظهراته اللفظيّة المشبعة بأنساق التأويل ليحمل أكثر من معنى، مع ميل واضح للنقد السياسيّ الملغّز للحضارة.

   ووقف الناقد عند رحلة منفى الشاعر تلك التي بدأت منذ أوائل العام 2003 حين اتخذ من أستراليا مكانا للعيش والإبداع، بعد سنتين قضاهما في الأردن. وقد تشكّلت بفعل قوّة الاستبداد التي شدّته بربقة قيد الغلّ اللاجم لمشيئته- أي لوجوده- التي فعلت فعلها في العزل القسري، والوحشة، وفقدان الاتجاه إذ الشاعر لا يقوى على معاينة نفسه في المرآة مبتكرا لنفسه مرآة الحرف التي من خلالها صار يرى ويُرى.

    أمّا المبحث الثالث فكان عنوانه: (رؤيا الإشارة بدلائل العبارة/ مقاربة تأويليّة صوفيّة)، وهو كما يحيل نصّه يتقصى الرؤى الإشارية التي حملها شعر أديب كمال الدين في دلائل عباراته التي يتماهى فيها مع أقوال المتصوّفة، وأحوالهم بالتصريح، أو بالإشارة، وقد هُيّء للناقد أن يستبطن فيه تجربتين: الأولى التجربة الصوفيّة التي نعدّها الآن مثالا مجلوبا من الماضي، والأخرى تجربة الشاعر التي تصدى فيها لذاته بالشعر، وهي تدخل آفاق التصوّف المعاصر بعدّة معاصرة.

   استهل الناقد المبحث بقوله: تبدو القصيدة المعاصرة في تحديها الواقع، عبارة عن إشارات دالة، بوصفها علامة تدفع بالمتلقي إلى خلق دلالات متجدّدة بتجدّد مؤولها، وكأنّه أراد التذكير بقضايا مهمّة، فالقصيدة إشارة، والشعر يتحدى الواقع، والتأويل يحضر لغرض تلقيه، لكنّ القصيدة تبقى واجهة الشاعر، وقناة اتصاله بالمتلقين؛  ولهذا اقترح الناقد مصطلحا جديدا هو(القصيدة السِّمة) التي مرّ ذكرها وفيها يتوحّد الدال بالمدلول ليشكّلا علامة واضحة في متن القصيدة الذي من خلاله يتمّ تحويل الرؤيا الشعريّة بسحب مادّتها من (الصورة) إلى (السِّمة) التي مرّ ذكرها، وفيها أي من التشكيل التقليدي إلى الخطف الومضي الذي يضيء المدخل المعتم قبل أن يضيء العرض، ويحلو للناقد وهو مأخوذ بدلالة مصطلحه أن يقف قليلا أمام سلطته ليقول: يمكن عدّ السِّمة في صورتها السيميائيّة التي نطرحها بديلا للصورة على أنها أداة متحرّرة في حركة تفاعلها مع النصّ الأدبي، بفعل تمركزها على معطى الظاهر والباطن، وفي قوله تنهض بعض المفهومات التي هي من صميم منهجه أعني: الوثوق بالسِّمة، وحضور الظاهر والباطن لكي يكون المتلقي قريبا من قراءته، فالثنائيّات الضديّة عادة ما تؤدّي دلالة مزدوجة تنفتح على معنى معيّن، وآخر ضدّه لها سلطة التأسيس لما هو غائب في الذهن لكي يكون حاضرا في اللغة لاسيّما في الشعر، فكيف بقصيدة السِّمة؟

   ويرى الناقد وهو يستكمل رؤيته النقديّة أنّ القصيدة السِّمة تتوازى مع القصيدة الصورة في توافقها الخفي بين ظاهر الشيء وشعور الفنان، أي بين حالة الحضور وحالة الغياب، وهي بالتأكيد – السِّمة - قادرة على احتواء جملة علامات القصيدة التي تنبثق منها تشكيلات الدوال والمداليل فضلا عن التمظهرات الأخرى الفاعلة في المتن، غير أن القصيدة الصورة تتعامل مع المجاز من حيث كونه مجموعة علائق، توجّه الأخيلة الشعوريّة، بفضل قوة إدراك الرؤية المتغذية من المناحي العاطفيّة التي يجلوها تأمل الفنان، في حين أنّ الأمر يختلف نسبيًا مع القصيدة السِّمة التي تتجاوز حدود التصوّر الخيالي في قوته الإدراكيّة إلى (براديجم) جديد، أي محاولة تحقيق مجتمع متميّز عن طريق ابتكار هوية جديدة، وعنده أن ليس من غرض القصيدة السمة الانشغال بمعرفة الحقيقة، أو الاحتفاظ بالمرجعيّة، وإنّما تكسير المنهجيات، أي تكسير القناعات الجامدة التي تتراتب في أنساقها جيوش من الردّة، والانحطاط، والبؤس، والفاقة، وقد وجد الناقد في شعر أديب كمال الدين ما يسوغ لهذا التصوّر الذي أسس فيه إجادة إبداعه على قطب الرؤيا الوجدانيّة، أي ما يسوّغ له النظر الجديد إلى شعره، وقد ابتكر أداة نقديّة رصد من خلالها وعي القصيدة لا وعي الشاعر.

   لقد وقف الناقد مليّا أمام تجربة الشعر عند أديب وهي تعايش تجربة السعادة بالوجدان، ومكاشفة الحق بالحق للحق في حقائق الممكنات، أو ما يظهر في أعيان الممكنات في سيرورتها أي أنّه دقّق في أصول الوله الصوفي الذي أخذ الشاعر نحو الافتتان بالذات العليا، ونسيان حاله بعد أن رهن مصيره بالحرف في مساره الصوفي الذي لا يعرف التدليس، أو الادعاء السمج بحقائق الوجود، فضلا عن ولعه بالنقطة التي رأى الناقد أنها التربة الخصبة التي تنقدح منها الرؤى، بوصفها مدار أصل معرفته بالعلم.

   ولأنّ الحديث عن (السِّمة) هو حديث مبتكر عن مجاهدة الشاعر للنفس، وللحرف معا، فقد وجد الناقدُ أنّ دلالة الحرف في "سِمَة" قصيدة الشاعر ترتكز على تجريد اللغة من دلالاتها الاعتياديّة، والانحراف عن المعنى الذي استنفدته "الصورة الشعرية"، بمعنى أنّ المعنى في (السِّمة) يجاهر في عبور الدلالة المعجميّة إلى دلالة المعاني الثواني التي تنزاح فيها الدلالات انزياحا كليّا يخضع السياق فيه للتأويل واتساق النظم، وتحميل الجمل الشعريّة خصيصة الانفتاح على تعدديّة التلقي التي تكون مفتاح الولوج إلى فهم شعريّة الشعر.

   ورأى الناقد، وهو في قمّة الانحياز إلى الشعر، أنّ أديبا يستعمل صورة "الكلمات الحق"، بوصفها دالة على الحق الجامع الذي يتضمن ما تقع فيه الإشارة إلى الكمال في كلّ شيء من صفاته تعالى أي أنّ الشاعر يتماهى مع خطاب الحق بعد أن وضحت له صورة ذاته السالكة طريق التصوّف الحقيقي؛ ولهذا عدّ شعر الشاعر تصويرًا تأمليّا يتجاوز به الواقع، بحثا عن جوهر اليقين في تجلّياته الروحانيّة. فقد صنع أديب كمال الدين رؤاه الكشفيّة بما تشكّله اللغة بسيل من دلالات الحرف في مضامينه الصوفيّة، وبما تخلقه سمة الكلمة في قدرتها على صنع سمات فنيّة ومعانٍ تحيل على شعر مختلف.

    ولا أجدني مختلفا مع الناقد وهو يستقري تجربة الشعر عند الشاعر (أديب) في ضوء التجربة الصوفيّة التي وصلت إلينا ناضجة من خلال عشرات الدواوين، والمتتبع لمثل هذه السمات المجازية في شعر أديب يجد الكلمة تخلق نسقها الخاص الذي يرفع المعنى من الفهم الذهني إلى أسمى ما يمكن للشاعر ـ والمتصوّف على حد سواء ـ أن يحقق وجوده فيه، الموزع بين العالم الكشفي الروحي، والعالم الإبداعي الشعري، وفي الخلاصة وجد الناقد أنّ الكلمة الصوفية متنوعة التأويل في الرؤية الدالة على الغاية، من غير المواضعة، لاسيّما إذا دلت على معنى الحرف بوصفه طوية أسرار الغيوب، ومفاتح اختلاف أنواعها.

  ثم خلص الناقد إلى تقرير حقيقة مفادها أنّ مشروع أديب كمال الدين قائم على إثارة المتلقي، والرغبة في تمكينه من حدس الرؤيا في حروفيته ضمن الأفق الدلالي المتوقع باستمرار؛ للوصول إلى الأنا المثاليّة التي يطمح إليها الشاعر، والتي تتساوق مع الفكر والروح والوجدان، من دون أن ينسى أنّ الشاعر سلك درب السالكين بنيّة الإفصاح عمّا يدور في ذهنه بعد أن انتظر طويلا في دروب وعرة المسالك.

    ولي أن أشير في نهاية هذا (التقديم) إلى أنّ الناقد الذي جعل مقدمة الكتاب موّارة بما هو مخالف لمنهج البحث التقليدي ترك الكتاب غفلا من خاتمة يستخلص فيها نتائج النقد، وكأنّه بهذا الإهمال القصدي كان قد خضع لسلطة إحساس النقد الداعم لضرورة اشراك المتلقي في صنع خاتمة خاصّة به يحاول من خلالها استعادة وعيه الخاص من جرّاء تلقي الكتاب، فهي خاتمة تحضر في الذهن لتغيب عن الورق ولتكون جزءا من سيمياء متحرّكة تجمع بين قراءة الناقد، وقراءة المتلقي.

   ما قلته فيما سبق ليس تلخيصا مختزلا لمتن الكتاب، إنّما هو قراءة حاولت الوقوف عند سلسلة تلقي الناقد لخطاب الشاعر، القصد منها دعوة المتلقي للمكوث عند عتبات الكتاب، واكتشاف ما غفلت عنه القراءة، فليست القراءة الواحدة قادرة على فكّ مغاليق قراءة قائمة على قراءة سابقة، وعندي أن قراءة الشعر تبدأ بقراءة محدّدة ولا تنتهي بقراءات، ولك أن تحتكم- عزيزي القارئ- إلى شعر المتنبي، أو السياب لكي تكتشف صدق مقولتي، والله من وراء القصد.

 

 

 

 

مقدمة

 

 

وليس في الكون إلّا من تكون له

                             ابن عربي

 

عندما أقدمت على قراءة شعر أديب كمال الدين كنت متيقنًا أنني مقبل على مجازفة الكشف عن واسطة فيض الكلمة، وواسطة مَدِّ العبارة؛ ضمن الاستعارة المطلقة، وهو الأسلوب الذي يتبعه الشاعر في السعي إلى المعنى الإضافي، من خلال سِمة الكلمة التي تُبِين كمال العبارة في معناها الافتراضي، وتتجاوز ما يمكن إخضاعه لليقين، أو تثب على عالم ما هو موجود في مقابل عالم ما هو مرتقب، في أثناء ممارسة الرؤيا فيما وراء الإدراك؛ والاستغراق في الذات بغرض توليد المعاني المتداعية لمعرفة الحقيقة الكونية، ذلك أن إبداع الشاعر في منظورنا إطلالة على ولادة نص متعاقب نحو كشف الذات للذات باتجاه الوصول إلى الحق، أضف إلى ذلك أن رحلتنا مع الشاعر أديب كمال الدين لا تقف عند الاكتفاء بظاهر النص، كما لا تزعم في قراءتها بأحادية التصور، أو الإحاطة بكل ما تحتويه جمالية شفرات الملفوظ الإشاري، بقدر ما تسعى إلى جمع المتباعد من الرؤى؛ لإبراز السياق الدلالي القائم على بنية الكلمة الشاعرية التي تَسِمها جمالية التوظيف، في شتى مستوياتها، وعند بعض من عناصرها، وهو ما أطلقنا عليه بـ "القصيدة السِّمة" في صورتها السيميائية التي نطرحها بديلا لـ "لقصيدة الصورة"؛ أي بترجيح استعمال مصطلح السِّمة بديلا للصورة؛ الأمر الذي يتطابق مع لغة الشاعر أديب كمال الدين التي تسمو على كل ما هو متساوق وطبيعي في العملية الإبداعية.

وحين تحاول إدراك الرحلة الكشفية ـ في صورتها الإبداعية ـ مع أديب كمال الدين يَدُبُّ فيك روح التماهي مع المطلق، ويسري في عروقك الشعور بمسئولية البحث عن يقين محور الكون، بدافع خلق عوالم ممكنة، وتزداد المسئولية أكثر حين تجد في إرادة الشاعر ما يدفعك إلى محاولة معرفة يقين الوجود من شتى السبل، وعلى أشكال ومذاهب، في ضوء علم دلالة منطق الجهاتmodal logic ، منها ما هو فلسفي، ومنها ما هو نقلي باستعماله العقل مبدأً، والقياس برهانًا، ومنها ما هو صوفي باستناده إلى المكابدة الروحية؛ لمعرفة الوجود في أنساقه الإنسانية والطبيعية والمعرفية، كل ذلك جاء في ضوء إمكانية استبدال قوة القداسة بقوة الحياة الدنيوية، ومقايضته الانفصال عن الوجود الأرضي بالتطلع إلى الوجود السماوي كمثال للذات، فيما هو جوهري فيها، حتى يكون مرآة للحق.

وإذا كان للإنسان زلفى بين صفات ذات الخلق؛ فلأن كمال الحق شرّفه، وكرّمه؛ ليعرف الحق الثابت بلا شك على الوجه الأكمل؛ وليستنير بنوره حتى يحدد عينَ موضعه في صفة الإنسان الكامل، وهي الصفة التي طرحها الشاعر بديلا للهوية المضللة التي طبعتها حالات التكيف مع الواقع الإجرائي، المطبوع بالغربة القسرية التي فرضتها الهوية المُوهِمة، في مقابل الهوية الراسخة والأصيلة. والشاعر إذ يتمرد على الهوية المتّضِعة؛ فلأنه رأى في جاذبية صفات ذات الحق ما يقربه إلى الحق، حيث اتحاد ذات الخلق بذات الحق، وإذا نظرنا  إلى السِّمات الدالة للرؤى الكشفية  في شعر أديب كمال الدين نجدها تنبعث من هذا السياق الذي تتمحور حوله مزايا وعي ذات الخلق المتطلعة إلى صفات ذات الحق.

لقد كانت هوية الذات في رؤيا الشاعر مرقاتنا لاكتناه عالمه الشعري، بوصفه منتوجا يعكس صورتين متناظرين من حيث الشكل، ومتباينتين من حيث المضمون، تكمن الأولى في صورة زيف الواقع، في حين تُعنى الثانية بما فوق الواقع في أكوانه الممكنة، والصورتان ـ معًا ـ تدفعان الشاعر إلى التماس وسيلة تعبير مختلفة في نتاجه الكشفي، حين اتخذ من أصالته الإبداعية، وهويته الروحية ما ينم عن فطرته الصافية إنسانيةً، ومزيَّته الخالصة تورعًا، ورؤيته الإبداعية كشفًا، سواء بدافع رفع الشيء عما يواريه في أنساق الواقع، أم بدافع معرفة ما وراء الإدراك من خلال صفات ذات الحق وجودًا وشهودًا.

ولعل المتأمل في شعر أديب كمال الدين يتبين له أنه أمام مبدع أقْدَر من غيره على توظيف السمة الكشفية للكلمة المؤدية إلى صدق البصيرة، ومتمكن من تشعب دلالة العبارة في علاقاتها مع ما أسميناه بـ "القصيدة السِّمة"، كما هو مبيّن في متن مبحث "رؤيا الإشارة بدلائل العبارة". وليس ذلك في اعتقادنا لسمة الانفتاح على أيقونة الكلمة الرائية، أو الانفتاح على سمات المتباعد الدلالي لها فحسب، وإنما أيضا في احتضانها نواة المُباين المواجِه، وتأكيد التّباين مع المثيل المطابق. والحالُ، أن مبررات نظرتنا لشعر أديب كمال الدين بهذه الرؤية هو في تقديرنا نابع من تحول بناء النص من التعبير عن الوعي بالذات إلى التعبير عن الذات في علاقتها بالكون، وهو تحول منبثق من حصيلة التفاوت بين الواقع المعمول، العقيم، والواقع المأمول المتعلق بمجال تحقيق العوالم الممكنة، أو بين عالم الحقائق الوجودية، وعالم الإدراكات الكشفية في كنه الذات، ومن هذه المفارقة عملت سِمة الرؤيا الإبداعية في شعر أديب كمال الدين على إلغاء عالم الإحاطة بالواقع "الظاهر" من غمرة فيضه الإبداعي، إلا فيما عبر عنه بنفيه، في مقابل ترسيخ العلاقة مع جسر "الشهود المطلق" في الدلالات الروحية "الباطن". واتحاد الشاعر مع وحدة "الشهود المطلق" هو ما يجعل الذات رمزيًا في اقترابها من صفات الحق في وحدة روحية، ولما كان الإنسان من حيث "ما هو في ذاته ـ حسب تعبير هيجل ـ كان من الواجب على ما هو ذاته أن يتحقق فيتجاوز الطبيعة الأولى".

الدوحة ـ قطر  05/07/2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

متاهة الحرف وسؤال المعنى

 

 

1.    استنطاق السر في الحرف

أن تحاول قراءة "الحرف" مع أديب كمال الدين، يعني أن تقرأ  الحرف في انعطافه على داله، وفي إيماءته على نفسه ليستنطق دلالته، وكأنك تقرأ اللغة باللغة التي تحتوي الشيء في مرامه، ضمن سياق  اللّغة الواصِفة  (Métalangage) في تأملها الأشياء باستمرار.

وأن تتعمق في "حروف" الشاعر فأنت مخير بين أمرين: الأول ـ ما هو مستشفع بالمعاني الروحية للحرف، والثاني ـ ما هو غريب غرابة أبي زيد البسطامي حين قال: "أَشْرَفْتُ عَلَى مَيْدَانِ اللَّيْسِيَّةِ، فَمَا زِلْتُ أَطِيرُ فِيهِ عَشْرَ سِنينَ، حَتَّى صِرْتُ مِنْ لَيْسَ فى لَيْسَ بِلَيْسَ، ثُمَّ أَشرَفتُ على التضييعِ، حَتَّى ضِعْتُ فىِ الضَّيَاعِ ضَيَاعاً، وضَعْتُ، فِضِعتُ عَنِ التَّضْييع بليْسَ، فىِ لَيْسَ، فىِ ضَيَاعَةِ التضْييعِ، ثُمَّ أشرَفتُ عَلَى التوحِيدِ، فىِ غَيْبُوبَةِ الخَلقِ عَنِ العَارفِ، وغيْبوبَةِ العارِفِ عن الخلْقِ[1]

وأن تتوغل في حروف أديب كمال الدين  يقتضي أن تكون لك  فراسة ذات بصيرة ثاقبة ـ قريبة من علمي الرمل والزايرجةـ وعمق في إدراك معنى الحرف ومبناه، بوصفه مرآة تكتنه عالم ذات الشاعر، وصورة للكون في تجاذباته. وبهذا المنظور يكون للحرف معانٍ، متجلية في الفكرة التي وُضعت لها، ومن أجلها.

ومع حروف الشاعر تهيم في فلوات شاسعة، لا دليل فيها إلا "الحرف" في مناجاته وخلاصه، على حد ما جاء في اعترافات الشاعر في قوله: الموت هو الحرف الأعظم. إنّه الحرف الذي لا يسبقه حرف ولا يدانيه حرف. وكشاعر اتخذ الحرفَ وسيلةً فنيةً وروحيةً حتى صرتُ بفضل ذلك أدعى بـ(الحروفيّ)، أقول: إنّ الحرف والحروفية، بل الشعر والشعرية، إنما هي احتجاج على الموت وتنديد به، ومحاولة للالتفاف عليه وتحجيمه وتخفيف سطوته وعنجهيته وعبثيته[2]1.    

وإذا كان الحرف في وظيفته الدلالية يسهم في الغرض المراد التعبير عنه باللغة في أصلها المجازي، بخاصة في النسق الفني الرؤياوي، فإن السياق التعبيري بصيغه المجازية يحيل إلى ما تشير إليه حروف الشاعر في محتواها الرمزي الداعي إلى التأويل.

إن الاهتمام بمهارة الوعي الإبداعي المائز في شعر أديب كمال الدين هو اهتمام مسوغ بالحيرة، ومشفوع بمشروعه الداعي إلى الرغبة في إدراك أصْفَى الحق الضائع، مع تقديرنا لاختلاف وجهات النظر فيما يمكن الاتفاق، أو الاختلاف، حوله في الحكم على دلالات الحروف التي تعد الأكثر خلافية بين مهارات التحليل ونوعية الدراسة، والأكثر إثارة للجدل في الكشف عن دلالة النص، سواء من حيث البنية اللغوية، أو الرؤيا الفكرية المتضمنة إضمارا تجريديا؛ ما يعني أن المكاشفة الشعرية عند أديب كمال الدين منفتحة على الكثير من العوالم الممكنة والافتراضات الجمّة فيما يرمي إليه ترميز الحرف، وبما يقتضيه الوعي التجريدي الذي يستند إلى أسلوبين" يتداخلان فيما بينهما هما: التجريد الكوني الذي تتضاءل فيه درجات الإيقاع والنحويَّة إلى حدٍّ كبير، مع التزايد المدهش لدرجتي الكثافة والضياع، ومحاولة استيعاب التجربة الوجودية الكونيّة باستخدام بعض التقنيات السريالية والصوفيّة الدنيويّة. وثانيهما التجريد الإشراقي الذي ربما يقع على خط الاتجاه السابق معترضا إيّاه في سلم الدرجات الشعرية، مع التباس أوضح بالنظرة الشعرية والنزوع الصوفي الميتافيزيقي، والامتزاج بمعالم ورؤى وجودية تختلط فيها الأصوات المشتركة والرؤى الحالمة المبهمة، مع نزوع روحي بارز يعمد إلى التراث الفلسفي بدلا من الضياع في التراث العالمي"[3]

وإذا كانت كل فكرة تسعى إلى مطلب البحث عما يحركها صاحبها من تساؤل، فإن كل محاولة للإجابة تفقد صاحبها مقدرته على أن تكون قطعية الدلالة، أو أن يحتمل معناها على معنى ثابت، وحتى في الحالة التي يفترض فيها الشاعر تساؤلا محيّرا عن مساعي فهم حروفه، فإن ذلك يكون من غير جدوى فيما يمكن أن يكون أدعى لاستخلاص الرؤية الصائبة، ويبرر إحجامنا عن المسعى في موقف بيّن، كما في قوله:

 لكلِّ مَن لا يفهمُ في الحرفِ أقول:

 النونُ شيءٌ عظيم

 والنونُ شيءٌ صعبُ المنال.

 إنّه مِن بقايا حبيبتي الإمبراطورة

 ومِن بقايا ذاكرتي التي نسيتُها ذات مرّة

 في حادثٍ نوني عارٍ تماماً عن الحقيقة

 ومقلوبٍ، حقاً، عن لبّ الحقيقة.

 وهكذا اتضحَ لكم كلُّ شيء

 فلا تسألوا، بعدها، في بلاهةٍ عظيمةٍ

 عن معنى النون.[4]

لعل الحيرة المستحكمة في مصير حرف (النون) الذي تخطى فاعليته واقع الشاعر المهدور، هو ما يعكس ضياع المعنى في دلالة الحرف، المعبر عن ضياع المصير في جوهر حقيقته الحضارية، بعد أن تلاشى إشعاعها، وبدأت حقيقتها تتوارى عن حجاب العين، على نحو مواراة حرف النون ـ  كهلال القمر ـ في رمزه الدلالي الذي اقتضته مصلحة الحاجة للتفرقة بين الهلال، والصليب، والنجمة السداسية، في المدلول الحضاري، وليس العقدي.

ومن هنا، يبرز موضوع الشتات الذي أتلفت تناميه الفعل الحضاري، ونخر الواقع بِعُثّة أفسدت عليه مساعيه، والشاعر كما يتبدى في إخفاء مكاشفة أيقونة الحرف في منحنياته الظالعة، إلى حافة الهاوية، فإنه يعكس بذلك ما آلت إليه قيمنا في هذا العصر الموبوء، نتيجة تراكم الأزمات، وتراجع الإمكانيات، وتفشي داء التعالم؛ المفضي إلى زرع روح الفشل، والإخفاق في تحقيق الطموح.

 والحال، أن الحرف في شعر أديب كمال الدين لم يأتِ ليتخذ قوامه المعهود في الترابط والتناسق لبناء الكلمة، أو تطابقه مع الصوت الذي يماثله، أو مقامه في توضيح المعنى، أو لضرورة لغوية من حروف المباني وحروف المعاني، أو لدلالته على المعنى في نفسه، أو من حيث وضعه في سياقه الذي من شأنه أن يؤدي إلى اختلاف في معنى الكلام، كما لم تكن حروف أديب كمال الدين نظير المكاشفات فيما هو مضروب عليه الحجب من خلال نبض الحرف الغائر في  أعماق التجربة الصوفية، خلافا لذلك فإننا نرى أن حروف الشاعر جاءت لتعبّر عن حيرة كل من ضلّ السبيل، وفي لجّة دلالية تشير إلى حالة هادرة؛ لواقع يترنح في مصيره بين لجّة السواد والعيش الضنك.

إن الحقل الدلالي لمسوغات الحرف في شعر أديب كمال الدين ينزاح عن الاستعمال الوظيفي، المعياري، لمدلول الكلمة ـ والحرف على وجه الخصوص ـ أي خارج ما تمليه قواعد المواضعة اللغوية. ولعل ما يميز حروفية الشاعر هو التفنن في صناعة ألفاظ بمجريات أحوال الحروف، والصور الموحية التي تتكون بها، من حيث الغاية المتوخاة بممكنات دلالات الحرف الموظف، سواء من حيث ترتيب الكلمة في ربطها بدلالة الحرف، أو من حيث درجة التكثيف الإيحائي المشبع بنكهة الشعرية في مبناها ومعناها والتي من شأنها أن تحقق رغبة في التآصر مع "المريد والمراد". ونظيرَ ذلك، يشي الحرف في مترادفاته بالجمود الحاصل في البناء الحضاري، وهو ما عبر عنه الشاعر من خلال تعقيد مبنى الحرف، وتشابك دلالاته:

هكذا كنتُ صحراء فكانَ الحرفُ جَمَلاً،
هكذا كنتُ ضياعاً فكانت النقطةُ معنى،
هكذا كنتُ حتّى امتلأتُ،
 
هكذا طرتُ أنا وجَمَلي
 
طرتُ كغيمةٍ من نور.

 

إن التكثيف في استخدام صيغ "الكينونة" يعكس معايشة الشاعر مخاض تحول التجربة الحضارية من البناء إلى الانهيار والانحلال، وبعد أن جرّب كل الممكنات؛ للحفاظ على المرجعيات الأصيلة، تسلق الغمام حائمًا، ومحومًا، رغبة في الذود عن حسن المآب، والمنحرف عن المسار الطبيعي لمصير الكون في وجوده التراتبي والترابطي؛ لبناء المكون الحضاري، ومحاولة اقترانه بما حوله من تنوع في الثقافات بأنساقها التواصلية، ومواقفها الغائية. وفي مثل هذه الحالة يجد الشاعر نفسه في حيرة من أمر مصيره  في تشابك دلالي بينه وبين الحرف والنقطة؛ الأمر الذي تمخّض عنه صراع نفسي؛ لإثبات الوجود بعدما انفلت من بين أصابعه الحرف والنقطة، ووقعت في يد الآخر:

قالَ الشاعرُ: مَن سيكتبُ قصيدتي؟

- قالَ الحرفُ: أنا.

* ومَن سيطلقُ أسرارها للناس؟

- قالت النقطةُ: أنا.

جاءَ القَدَر

ومسحَ الحرفَ والنقطة

من شاشةِ المعنى.

فجلسَ الشاعرُ مذهولاً العمر كلّه

مثل صخرة كبيرة

مُلقاة على شاطئ البحر.

....

جاءَ الشيطان

ومسحَ الحرفَ والنقطة

من شاشةِ الوجود.

فجلسَ الشيخُ مرتبكاً

لا يعرفُ كيفَ يموت!  

 

 

 

2.     الحرف في غواية الدهشة:

        إذا كان الشعر مدعاة لانبثاق تفتح الروح نحو كل ما هو كشفي وسحري، وغير محدد ـ  كما يُقال ـ فإن قيمته لا تسمو إلّا بمقدار التوتر الذي ينتاب الشاعر؛ بتانسب طردي بينه وبين رؤاه، وفي تماسك يربط بين مكونات النصّ وتجربة الضمير الجمعي، وبعلاقة تماثل من جهة الخصائص الدلالية بين جوهر الحياة وقلق السؤال.

        وإذا كانت القصيدة وليدة الفترات المأزومة، فإن الشاعر ابن مظاهر الحيرة في غياب التجانس المطلوب، ومن ثم فهما وجهان لعملة واحدة، ولا ضير في تعاضدهما، بل إنّ في كلّ منهما إثراء للآخر، بحيث لا توجد قصيدة من دون حيرة، ولا شاعر إلّا في جوهره اضطراب، يدفع به إلى الرغبة في فهم الحياة، وفك الملغز والملتبس بينه وبين الحقيقة الغائبة. ولعل التطور الحاصل بينهما نابع في حقيقته من حيرة الرؤيا في العملية الإبداعية، وتوتر السؤال في الرؤيا الكشفية، وإذا كان لنا أن نجمع بين الحيرة والسؤال، أو بين الرؤيا والكشف في القصيدة، فإن التعليل كاف بالقول إنها نبض إيقاع الحياة الذي يأخذ بوعي الشاعر ليقوده إلى إمكان معرفة مجاهل أعماقه، بعد أن عجنته حروفه بخميرة الحيرة؛  لتشكلا معًا صورة تأملية في جدل حواري:

أوقَفَني في موقفِ الحيرة
وقال: خلقتُكَ يا عبدي وأنا أعرفُ حيرتَك.
حيرتك أكبرُ من البحر
وأقسى من الصحراء،
أبعدُ من الغيم
وأقربُ من القُرب.
فكيفَ ستنجو منها
وأنتَ كلّما صُمتَ
ظهرَ لكَ العسلُ شَهيّاً
فارتبكتَ؟
وكلّما تَرمّزتَ
ظهرَ لكَ المَخفيُّ جَليّاً
فأعلنتَ؟
لِمَ لا تكتفي بالصومِ إلى الأبد؟
ولِمَ لا تلبس ثوبَ الحرمان
وهو ثوبكَ منذ الأزل؟
الحيرةُ ستأكلكَ أكلاً جَمّاً.
وستضيعُ وأنا أنظرُ إلى حيرتِك
وهي تحيطُ بكَ من الجهاتِ الأربع،
فَتَمّسكْ وَتَنسّكْ وَتَماسَكْ!
فإنيّ أخافُ عليكَ من غدرِ البحر
ومن عاصفةِ الصحراء
ومن ضياعِ الغيم
ومن حَبلِ الوريد.
وهل هنالك خوفٌ أعمق من حَبلِ الوريد؟
[5]

 

لقد شكّل أديب كمال الدين ـ وبجهد دؤوب ـ مملكته الشعرية على عرش الحرف، وأودع فيه معانيَ جسدت فضاء انفصام الذات، ومادة خصبة اكتنهت عالم الشاعر بالضيم، وسبرت غور المتلقي بالحدس والتأويل، سعيا إلى إدراك خبياها من خلال الحفر في ترميز الحرف عبر تنوع أدوار معناه وعلاقة دلالاته مع الشاعر. وضمير الحرف المخاطب في هذا النص ينبه الشاعر من محاذير المخاطر بعد أن سكنت ضميره حيرة السؤال والارتماء في أشرعة المجهول، من خلال استناد الضمير (أوقفني) إلى توجيهات ضمير الحرف الذي اختزن جملة من متاهات رؤيا الشاعر.

ولعل قلة استنطاق ضمير الشاعر، عدا ما ورد منه (أوقَفَني)، ووفرة حضور ضمير الحرف في حواره المتوالي بطاقات ترميزية، ما ينم عن الحفر في كيان الشاعر، رغبة في الخلاص من الحيرة المشوبة بطاقاتها المقموعة لمصير الشاعر الذي لم يعد له أي دور غير الاستسلام بالإصغاء لتوجيهات مضامين الحرف، وتساؤلاته، بعد أن أصبح يتخلق به ويتأثث بدلالاته.

يعدّ إيثار دلالة ضمير المخاطب ـ المكثف في كل صورة من فضاء هذا النص ـ امتلاء لحاضنة الغربة التي اكتسحت وجود الشاعر، واجتاحت كيانه، وألقت به الأقدار والحسابات المبغضة، إلى المفازة، حيث لا علامة فيها يُهتدى بها، ما يعني انكسار هوية الذات، وإذعانها للانطواء الملتف بالحيرة التي "ستأكلكَ أكلاً جمّا"

 

وتظل النجدة متواصلة عندما ينوب الحرف عن الشاعر في استغاثاته، وطلب الخلاص في مواجهة هذا الزمن السديم، المتوهج، حيث "اختلاط الحابل بالنابل" وتفشي اللايقين، ومتاهة الوجود وضلاله، على نحو ما عبرت عنه (صيحات النقطة):

 

قال الحرف:

لم أعدْ مِن نفْسي بعد.

ضعتُ في نقطتها القاسية

وتضاريسها المليئة بصورِ الموت.

لم أعدْ مِن نفْسي بعد

فلِمَ كلّ هذه القصائد الوحشيّة بانتظاري ؟[6]

لقد جسدت حروف الشاعر ظاهرة الضياع في أشكال متعددة، قد يكون ضياع الذات، وأخرى يتخذ سبيل ضياع الوطن، وحينا في ضياع الهوية، وأخرى في ضياع الرؤيا، وبين هذا وذاك هو ضياع يؤجل فعل المواجهة، ويستكين لسراب لا ينال منه طالبه، بعد أن أدركت الذات الشاعرة أن:

الحرفُ هو الزلزال

وأنا أسكنُ الحرفَ يا زلزالي.

وإذا كان الحرف هنا يمثل كيانا في مداراته الفصامية، ومساراته الفصالية، نتيجة اضطراب الوجود في كينونته الإنسانية التي تهاوت إلى غيهب المعنى، فإن معناه قد أظهر الواقع في صورة تبدت فيه أسرار الاختلاف والدخول في اللامعقول، بعد أن اختار سكن الكينونة المتزلزلة، والواقع المتأبي.

في كينونتي،

أعني في ارتباكي الكبير،

ثمّة حرف

وثمّة نقطة.

......

حرفي تاه

وسط كؤوس الخمرِ والدخان

حتّى أدمنَ صيحاتِ البحر

وصيحاتِ نوارسِ البحر.

لكنّ نقطتي

نهضتْ من جنونها اليوميّ

نهضتْ لتتدروش وتتصوّف.[7]

          يعترف الشاعر، هنا، بأزمته الخانقة عبر رحلة حياة أصبحت عصية الفهم، كرّست واقعا تقهقرت سبله، وأصابه الضعف والوهن، وتطايرت شظاياه بسبب حالة اليأس، وفقدان الأمل، والاستسلام للممارسات الاستبدادية بعد تسليط القهر على الرقاب؛ الأمر الذي دعا إلى تقويض مساحة التفاهم المشترك بين الأنا (الرعية) والآخر (الراعي)، وأعاق التماسك الاجتماعي، وأفقده توازنه، وأدخله في "مصائر غير محدودة، ومستقبل مبهم... زمن يتأسس على إحباطات الحاضر، وعلى معاناة الحروف المشخصنة، واضطرابات النقاط على جنون اللغة، وجنوحها نحو العذابات الأزلية، رحيل ممعن في الموت، وغياب ممهور بالاختفاء الأبدي.. دهر يعوي.. يقوم ويعوي..." [8]

"والشاعر في مثل هذه الصورة يحاول أن يتجاوز الواقع المعمول فيما وصل إليه حرفه التائه إلى الواقع المأمول بعد أن (نهضت نقطته من جنونها اليومي)؛ لتعانق أشراقة نور الإيقان، رغبة في انكشاف واقع الحال."

        وليس غريبا أن يحاكي الشاعر حروفه التي تحيل إلى صيغ مجازية فيما تشير إليه من معنى ملغز في محتواه الرمزي الداعي إلى الحيرة، ففي قصيدة (حُبّ) من ديوان شجرة الحروف نجد الحقل الدلالي للفعل في هذا المقطع ـ مثلا ـ يفضي بالانفتاح على فضاء الترميز، المبطن بالقلق، والموزع بين الآمال المنتزعة والآلام الملزقة بواقعنا،  ضمن صيغ تداخلت فيها حيرة الضمائر (المخاطب والمتكلم والغائب) بأفعال مجيء الإخبار بصيغة الحاضر، الدال على الرغبة في الإرادة المسلوبة، ومن أجل البحث عن الكينونة في احتوائها السمو؛ لتشرئب إليه الأعناق:

 

حلمي كانَ الحُبّ
ولذا أردتُ لحرفي أنْ ينطق كلمة: حُبّ.
قبّلتُ شفته السفلى

كانَ الحرفُ صغيراً وجميلاً
وللتوّ عاد من طفولته المليئة  بالجمر
قلتُ له: قلْ حُبّ.
فقالَ على الفور: حرّيّة !

ولذا ضعتُ لسنين لا حصر لها

أتجلّى في طوفانِ الحرّيّةِ وزلازالها.
ثمَّ قلتُ له: قلْ حُبّ
فقالَ على الفور: حماقة !

ولذا ضعتُ لسنين لا حصر لها

أتجلّى في كأسِ حماقاتِ الدنيا

درويشاً مهووساً بقصصِ العشق

وملاكاً مُصاباً بجذام الرغبة.
ثمَّ قلتُ لحرفي
ها قد أصبحتَ كبيراً
أعني أصبحتَ مِن النضجِ بما يكفي
لتقول: حُبّ
فقال على الفور: حرب !

ولذا ضعتُ ضياعاً أسودَ أغبر
في حربِ الأجداد

وحربِ الأوغاد

وحربِ الأحقاد.

 

         لعل مضامين صيغ الأفعال بأنماطها المختلفة، ساقتها قرائن لفظية ومعنوية متبادلة بين الفعل الماضي والفعل المضارع في مجراهما النحوي ـ وليس الصرفي ـ وفق سياق الأفعال التي أشارت إلى تعاضد الصيغة الدالة على استحضار صورة الحدث آنيا، وبيان دلالاتها المعبرة عن مطلق الزمن؛ لتحقيق (حلم الحُبّ) الذي كان، وما يزال، جامحا بخياله بين الماضي والحاضر والمستقبل، غير أن هذا الجموح ظل، وما يزال، مكبوحا برده عما يَعد به كل طموح باستبدال فقدان (الحرية)، وتفشي (الحماقة)، واندلاع (الحروب) بالحب فيما يريده (الحرف/الضمير)، أو ترغب في استجلابه من سلم وأمان، بوصفهما ضرورة من ضرورات الكرامة الإنسانية. 

فقد عبر الشاعر عن المعنى الذي يريد إيصاله بصيغة الماضي في سبع عشرة مرة، قياسا إلى قلة استعمال فعلي المضارع والأمر، بقصد إخبارنا عما جرى في مرامه مع الحرف، وعلى الرغم من ذلك نلاحظ أن جميع هذه الصيغ  تخبرنا عن صيغة ما يجب فعله مع الحرف الدال على الضمير الواعي، سواء من توظيف الماضي في صورة الحاضر، وتصويره كأنه يحدث الآن، أو من صيغة المضارع المتواري في فعله، أو في فعل الأمر المتوقع منه تحقيق المطلب المستعصي على (الحرف/ الضمير) نطقه بكلمة حُبّ.

وإذا كانت هذه الصيغ ـ في هذا المقطع مثلا ـ  تدل على استحالة نطق الحُبّ؛ أي نفي حدث الولادة المشرئبة التي ضاعت بين الأزمنة الموبوءة،  بصيغها المطلقة في أحداثها التامة، والمتكررة، والمستمرة، ما كان منها وما سيأتي ـ إذا كان الأمر كذلك ـ فإن نصوص الحروفي تطرح فكرا أنطولوجيا يقوم على أساس النزعة التشاؤمية المترسبة في الوعي الجمعي الذي لم تعد له ماهية تتبلور مع سيرورة وجوده، اعتقادا منه فيما يكشف عنه لامقول النص أنه لا معنى لوجود لا يملك أي رؤيا متعلقة بماهية تحدد مصيره، ضمن استجابة متطلبات جوهر الحياة في مساعيها النبيلة، وعودتها إلى الأصل "العودة إلى المنبع المولد، وللحفاظ على مكسب (ما) ينبغي تجديده باستمرار، من أجل كل واحد، ومن أجل الجميع، ومن أجل الذات ومن أجل الآخر، في الحب، والصداقة... علينا تجديد الدائم. كل ما لا يتجدد ينتكس، ما لايكون في حالة ولادة يكون في حالة موت"[9]

لقد تعب الحروفيّ مع حروفه في البحث عن  الوجود الأصيل، أو تحقيق الذات، حيث عالم الإرادة الحرة، بعد انعدام صحة الرؤيا المشرئبة، بوصفها معيارا لقيمة التطلع إلى ما هو أسمى، في مقابل ما يعترض سبيله إزاء ما يجري من حوله  من مصائب وهموم متوالية في صورة ظلامية على سبيل الاستعارة المكنية، كما في قوله:

"أوقَفَني في موقفِ الظلام

وقال: الظلامُ يحيطُ بك

مِن كلِّ صوبٍ يا عبدي.

فَعَلامَ الهرب؟

وَعَلامَ التعب؟

إنْ تصوّرتَ أنَّ للجسدِ شمساً

أو أنَّ للحلمِ ألَقاً

أو أنَّ للذهبِ روحاً

فأنتَ مِن الواهمين." [10]

يموضع الشاعر نفسه داخل قطب الرَّحى بين صورتي التشاكل الدلالي في شقه التقابلي بين (الظلام≠ الشمس) و (الهرب ≠ الألق) و (التعب ≠ الروح) بما تحمله كل صورة في استعارتها المكنية، وانزياحاتها الدلالية  للتعبير عما آل إليه وضعه من كآبة وقلق؛ لذا جاء معنى التقابل هنا ليكرس حالة الإذعان من خلال إثبات المعنى. وكأنّ الشاعر يحاول أن يجعل من هذه المفارقة الضدية صورة مرتبطة بواقع الحال فيما تقع فيه الذات من عدم، يحول دون الرغبة في تحقيق الإمكانية، ومن دون أن تتكشف غاية الحقيقة أمامه، حتى أصبح مأخوذا بالاستلاب، والخضوع، والاستعباد،  وهو بذلك رهين كل ما هو منكفئ، أو صادٍّ عن كل شيء، ومعرض عن كل ما هو مستبشر به، وليس للشاعر مفر غير (الظلام، والهرب، والتعب) في صور دالة على الضياع، وفقدان الأمل من كل ما هو حقيقي، وواقعي، ومطمئن في صور (الشمس، والألق، والروح) بوصفها صورا تعبر عن حالة تغذي إشباع الرغبة الطموحة كمًا وكيفًا، مادةً وروحًا.

 

 

 

 

3.     في متاهة الحرف:

مرّ بنا ـ فيما سبق ـ أن الحروفي مال بنا في حروفه إلى التجريد الذي بات محكوما بذروة التّذَرُّر؛ حيث "العدمية تقف على بابه كـ "ضيف هو الأكثر بشاعة"[11] وإذا كان الأمر كذلك ـ بالنسبة إلى الحروفي ـ فلأنه استطاع أن يكون لسان الحال، المهيَّم به، والمفعم بالمشاعر الشاردة نحو المطلق، نتيجة تشظّي مفردات الواقع وتكميمه، وبعد أن تجرّد الوجود من كل ما هو مرجعي/ نموذجي، أو تجريد الحالة الإنسانية من الحقائق الكلية:

كلُّ شيء تبخّرَ في هدوء عجيب.

صفّقوا أيّها الأصدقاء

صفّقوا.

إنّها ساعة الافتراق،

ساعة الرعب،

ساعة أن نكون أو لا نكون[12]

إنه السديم الغامض، والمفتوح على اللانهائي، المسكون بالمجهول. ولعل رسم الوضع بهذه الصورة هو عبارة عن وجود يكفل للشاعر البحث عن الخلاص من الشقاء الذي رسمه هيراقليطس Heraclitus  منذ فجر التاريخ بأنه "يأتي الناس حين لا يعيشون العالم بل في عالمهم"، وربطه بسطع مجده في كل أجوائه الرحبة، التي تسعى إلى التطلع نحو الأفق المسيجة بالأغلال الداخلية، والخروج عن الذاكرة الاجتماعية؛ الأمر الذي من شأنه أن يفضي إلى حجب الدور الحقيقي للأفق الدلالي؛ من منظور أن كل محاولة لفهم معنى الحقيقة ـ في هذا الزمان ـ هي محاولة فهم الصورة اللامحدودة، وفي كل اجتهاد للفهم يعد ضربا من تعميق المجهول في الوجود، على نحو من الحدس الذي يضع الحرف(النقطة)  موضع سؤال، نتيجة لعبة تموقع الحرف في فضاء النص الدامس، من وراء قصد السبيل الذي يحاول الواقع  إظهاره بطرق يغلب عليها المعنى المضلل بالتنابذ في الغاية، وغياب التجلي المشرئب إليه الطموح:

الأسئلةُ تلدُ الأسئلة.

تلكَ حقيقة الأسئلة.

لكنّني لا أبحثُ عن حقيقةِ الأسئلة

أنا أبحثُ عن حقيقةِ النقطة.

          ولكن، أنّى للنطقة/المركز ذلك، إذا لم تكن تستند إلى إشعاعات الكلمة/المحور ـ بوصفه خطا مستقيما يصل بين قطبي الحقيقة ـ ولا إلى الإسهام في استرجاع المعنى، المبثوث في تضاعيف المفاهيم الشاردة. لقد جاءت النقطة، هنا، لتكشف المضمر عن الوعي الشقي بالوجود، ولترفض الزمن في ارتباطه بفقدان القيمة، على النحو الذي صنّفه ابن خلدون في ضوء المفردات التي استخدمها مثل (الوتيرة)، و(الحال)، و(الآفاق)[13]، كما جاءت الرؤيا لتمثيل روح الشاعر في الغياهب، ولتستولد معناه من مبناه، ولتحرره من أغلاله، وشدّة عطشه الذي يروي ظمأ الروح إلى الحق من لهيب السلب، والقمع، على نحو ما نجده في " وصيّة حروفيّة": 

حينَ يجلس الحرفُ قبالتك

لا تتكلمْ قبلَ أنْ يبدأ الكلام.

اصغِ إليه حينَ ينطق

وابكِ حينَ يئنّ

وقبّلْه في جبينه المضيء

حينَ يقبّلك

في جبينكَ الذي أكله التراب .

وحينَ يغنّي

قمْ فارقصْ

فسيكون الحرفُ نايك

بل سيكون طائركَ الأبيض

محلّقاً في السماءِ الزرقاء.

وحينَ يشتعلُ الحرف 

من الموتِ والحُبّ

(وكثيرًا ما يشتعلُ الحرف

من الموتِ والحُبّ)

ضعْ إصبعكَ على شفتيكَ علامةَ السكوت

وابدأْ كتابةَ القصيدةِ فوقَ الماء![14]

وانطلاقا من أن للحرف في شعر الحروفي معاني عديدة، فإنه هنا يمثل صورة الممانع للمألوف، والداعي إلى الوجهة الأخرى المتربصة كالعنقاء، أو الشفرة، في حدها على ربقة الناس، وذلك حين يبدو عليه مخاطبة الآخر بلهجة آمرة ومستبدة، وهو ما عبرت عنه صورتا النهي والأمر ضمن سياق النص: (لا تتكلمْ، اصغِ، ابكِ، قبِّلْ، قمْ فارقص، ضعْ، ابدأ)، طاعة لإرادته، حتى يكون شفيعا لك (حين يقبّلك/ في جبينكَ الذي أكله التراب) دلالة على العلامة التي يحدثها السجود في الجبهة، تذرعا بالدعاء بعد الاستسلام لأمره؛ لأنه (سيكون طائرك الأبيض) حلمك الوسن الذي بات يدعوك لإعادة تشكيل وعيك في اتجاه الإرادة المانعة؛ لتجد نفسك أنك حققت شيئا يتماهى مع العهد الذي استوثق به أدونيس:[15]

أقسَمْتُ أن أكتبَ فوق الماءْ

... قصيدة الغبار

أو حين يكون:

لونكَ لونُ الماء

يا جَسَدَ الكَلامْ

وَلْيكنِ الكلامْ 
قصيدةً تلبَس وجهَ البَحْر.

بهذا المعنى تبدو الصورة الدالة في شعر الحروفي محاكاة لواقع تراجيدي يستنطق الحالة التجريدية المتوغلة في الغرابة، الماثلة في الحياة اليومية. ولم يكن التجريد، هنا، إشارة إلى الواقع الغامض إلّا فيما يدل على تناثر الوعي الاجتماعي المؤدي إلى التغير الغامض، والمنظور الملتبس، والحياة المتعفّرة في الفوضى، أو على حد ما عبر عنه ميشال فوكو  Michel Foucault حين وصف واقع الحال على أنه قائم على التوالد، والتجاوز، والتقطيع، وعبر تفضيل ما هو وضعي ومتعدد، وتفضيل الاختلاف على التجانس، والمتحرر على الموحد، والمتنقل المتفلت على النظام... وأخيرا يجب أن تؤمن أن المنتج ليس المقيم بل الهائم على وجهه[16]

          عالم الحرف في شعر الحروفي، عالم، يعكس لعبة المتناقضات والموارَبَة، لا يماثلة ـ البتة ـ عوالم الكلمة، الممتدة بلا قيد في رسالتها عبر المخيلة الخصبة لإنتاج معنى ما، من خلال البحث عن الحقيقة المضمرة بين تضاعيف الحرف، المذعن بالتنميط في دلالة اللامقول، عالم الحرف في شعر أديب كمال الدين عالم متمرد على كل حدٍّ، غير أنه متطلع إلى كل مدٍّ في اتساع آفاقه، إنه عالم يتنامى فيه الاختلاف مقابل الائتلاف، يضمر فيه العقلاني مقابل اللاعقلاني، عالم يحاكي زمنا يتجسد فيه غياب المعنى؛ الأمر الذي حيّر معه دور الكلمة، وركنها إلى كل ما هو مبهر ومدهش، عالم فيه ضلّ الشاعر مع حروفه، وظلّ هائما حين صار كل حرف يحمل شحنة من الدلالة، هي في علاقة اضطراب مع واقع الشاعر الناتج من انفصام معناه عن مبناه، وبعد أن توارى بالقناع في اغترابه: وهو ما تعكسه قصيدة "ما اسمك أيها الحرف؟"[17]:

ما اسمك؟
قلتُ للحرفِ في مساءٍ شديد الظلام.
قالَ: بعد هذي السنين الطوال
والانتقال العجيب
من منفى إلى آخر
ومن شظيّةٍ إلى أخرى
بل من زلزلةٍ إلى أخرى،
وأنتَ لا تعرفني؟
قلتُ، كَمَن يتصنّعُ الهدوء،
لا.
قال: كيف؟
ألم تكتب المئات من القصائد
لتصف الحرفَ وعرشه
وأساطيره وشموسه وفراته؟
ألستَ الذي يُدعى بالحُروفيّ
أو ملك الحُروف
أو النُقطويّ أو الطلسميّ؟
قلتُ: لا أدري.
قال: إذنْ خذْها منّي،
يا شبيهي المُعذّب بالموتِ والارتباك،

أنا الحاء
حلمكَ الباذخ بالحُبّ
أيّها المحروم حدّ اللعنة،
حلمكَ المُتشظّي بالحرّيّة
أيّها المنفيّ إلى الأبد،

...
قلتُ: وماذا بعد؟
قال: أنا الألِف:
جرحكَ الممهور بالدمِ والندم
وأنا النقطة:
نبضُكَ الذي يولدُ كلّ يوم
في ثوبٍ جديد
ورقصٍ جديد
وعُري جديد
وموتٍ  جديد
حيّرَ الأوّلين والآخِرين!

          وبذلك يصبح الحرف هنا غير منفصل عن ذات الشاعر، بل هو مفوض عنه بالكفالة، وليكون بديلا للكلمة، وشبيهه (المُعذّب بالموتِ والارتباك)، إنه بمثابة الصورة الدالة في مضامينها بحمولة من الفضاءات الواعدة بالانكسارات من قراصنة الضمائر الحية.

عندما تقرأ للحروفي تجد نفسك في فضاء افتراضي، وفي متاهات "النرد الشعري"، متماهيا مع  "طاولة الزهر"؛ بعد أن حُمِّلَ الحرف على التغريب في اتجاه مجهول المراد. ومن ثم  يعد تكوين صورة الحال بالحرف، انفلاتا من التنميط المحكوم بالمعلوم، أو المذعن لطاعة النسق المعلوم. ولعل وجود الحرف بهذه الصورة المنفلتة هو تعبير عن احتجاج تحول الزمان على هذا التنميط الموجود  في تراتبه وانسيابه في وعينا، والبحث عن إرادة جديدة داخل ساحة الأفكار الجديدة، بغض النظر عن مستوى قيمها. 

يحاول الحروفي أن يجعل من حروفه نصّا مواربا باحتمال معانيه، وفق ما يسوغه الاختلاف المطلق، بحجة مسايرة الواقع المطلق في دلالاته الظنية التي شاعت فيها الاختلافات، والخلافات، سواء ما كان منها من وقع تضليلي، أو تحريفي، ولعلّ تفشي هذه المتناقضات ما يعكس استحضار التماهي مع شقاء الشاعر المؤدي إلى الاغتراب والتيه:

عجبَ الحُروفيّ من هذه الحاء

فلقد رآها مرّةً راقصةً أسطوريّة

ومرّةً رآها توابيت عارية

ومرّةً رآها ذهباً، وجمراً، ودموعاً، وسكاكين.

فاحتار.

 

 

 

المبحث الثاني

الهوية وسؤال المعنى

 

 

1.   مرايا الهوية

أ ـ الهوية المتأرجحة

إذا كانت ثقافة أيّ عصر تميل باستمرار إلى خلق نمط حياة جديدة، وتنتج معارف وسلوكيات مخالفة لما كان سائدا عبر توالي العصور، فلأن مرد ذلك اهتمام الفرد بما يخدم مصلحته الذاتية، وإذا كان الأمر كذلك مع راهن الثقافة الجديدة، أو ما أصبح يطلق عليه بالبارديغم Paradigm ، فإن مصطلح الهوية "التقليدية" كانت دوما متماسكة في اختياراتها، داخل النسق المتعارف عليه، حيث يصاغ كل شيء داخل المجتمع، أو شريحة اجتماعية ما، في تبنيها المعاني والقيم المشتركة المتعارف عليها، وبالنظر إلى هذه الحدود الفاصلة، فإن نسق البراديغمParadigm  متغير باستمرار، في حين تبدو الهوية محافظة على سرِّ الاستمرارية ـ مع التحفظ وبشدة على نسبة التحولات وإمكانية التغييرات ـ في توجيهها لمعاني القيم المشتركة بين الناس؛ الأمر الذي تبدو معه العلاقات المترابطة منفلتة في المدة الأخيرة، ومنزاحة عن الثوابت ذات المضامين المتفق عليها، وخالية من أيِّ فائدة منوطة بالمعايير والتصورات التي ينبغي لهيئة الوضع أن يكون عليه.

وفي أدبيات الهوية "التقليدية" كانت يقينيات القيم تعد شرطا مسبقا للخوض في أيِّ تجربة؛ والسبيل الوحيد لضمان التقدير والالتزام ـ غالبا ما ـ يصدر من قيم المجتمع في إيديولوجياته بجميع مكوناتها، وبالنظر إلى ذلك تكون النتيجة احترام السائد شرطا مقدسا، حين يعم الالتزام بضوابطه، وبوساطة هذا السائد ترسم الأسس لأنماط الحياة، وفاعلية الوصول إلى السبيل، وليس من الغريب أن يكون من خرج عن هذا النظام هو كمن خرج عن القاعدة، ومن ثم فإن الهوية "التقليدية" هي ما يملي على الناس القيم والمعايير الضابطة للمجتمع، وتمارس تأثيرها عليه. أما نسق البراديغم فهو ـ في نظر ذويه ـ صانع الذوق الجديد، وهو دائما في مسعى إلى البحث عن أنماط متميزة؛ لإنعاش أسلوب الحياة الجديدة، لذلك أصبح الاهتمام المتزايد بالثقافات الجديدة المنضوية تحت البراديغم ـ الذي علا شأنه مع جيل الألفية الثالثة ـ مقابل الانكفاء تدريجيا عن الالتزام بأيقونة الهوية التي بدأت تخسر رصيدها من وظيفتها المتوارثة، بعد أن أخْلت معايير ثوابتها السبيل إلى معايير استقلالية الإنتاج الذاتي، من خلال سند نسق التكوين الذاتي  Autopoiesisالذي أشار إليه نيكولاس لمان Niklas Luhmann  حيث تشكل مبررات الذهول والاضطراب قلب ثقافة الحيرة "ما يعني أن سؤال الهوية لنسق ما، يجب طرحه والإجابة عنه من داخل النسق نفسه، وليس عبر مراقب خارجي. يجب أن يَستخلص النسق قراره بذاته، فيما إذا كان قد تغيّر أثناء المسار التاريخي من خلال تغيّر البنى إلى درجة أنه لم يعد هو نفسه"[18]

إن الإفاضة في الحديث عن الهوية قد يميلنا عن جادة الصواب الذي رسمناه لبحثنا، وقد لا يجدى الإسهاب فيه نفعا، والبحث عن الإجابة الشافية لما يتضمنه سؤال المعنى المرتهن بنسق الثقافة الجديدة "الباراديغم" والمتخفي بتلاوين وصراعات جمّة، لا يعني بالضرورة العودة إلى استكشاف معنى الهوية وطلب توضيح مقاصدها، اعتقادًا منا أن الهوية لم تعد مقيدة بالثوابت المنطقية المتعارف عليها، بعد انهيار المعنى، وتنامي إنتاج السطح، وتعاظم الزيف، نتيجة تفشي الثقافة الاتباعية في مقابل الثقافة الإبداعية.

أضف إلى ذلك أن حديثنا عن الهوية في الإبداع لا يعني بالضرورة العودة إلى الهيكل الموروث في مصادراته الممكنات من الأشكال والرؤى، أو حاجتنا بالعودة إلى الانتماء، أو الاستناد إلى النماذج الأولية بوصفها مسلمات لمبادئ واقع الحال، أو بالطريقة التي فرضها التفكير التقليدي؛ كي نعي بها مرجعية هويتنا. إن الحالة الراهنة تستوجب من الأجيال على توالي العصور التأمل في الهوية بوصفها مفصلَ تحول، ومقامَ انفتاح على ممارسات مستجدات العصر التي من شأنها أن تخلق بدائل مناسبة من دون إفراغ ثوابت مرجعية الهوية من محتواها التليد.

والمبدع في تمثل هذا التصور، واقتفائه هذا المسعى، معنيٌ ـ حتما ـ بالإسهام في تمكين وعي الوجود الذاتي من مَنَاعَةٍ تجعل المرء غير قابل للانجراف مع التيار الذي تختلط فيه الاتجاهات، والميول، والأهواء، كما أنه مقصود به تنوير المجتمع بتعزيز التواصل الإنساني الذي ينتصر للقيم الكونية النبيلة، وبوصفه أيضا حريصا ـ أكثر من غيره ـ على ربط العلاقات المحترمة، وتطلع الذات إلى تجسيد ما هو كامن في الذات الإنسانية من فعل تواصلي يقوم بالأساس على قيم التداولية في كل شيء، سعيا إلى تحقيق شروط الإنجاز، وبناء الفعل الحضاري.

ولا أحد، في اعتقادنا، ينكر بوادر تمثل الهوية في شكل منفصل عن الجماعات، نتيجة تفاقم معايير نسق البراديغم للحياة اليومية الجديدة، على نحو ينتج فيه نسقه بتصورات يعمل على أساسها الواقع، وهذا يعني أن هناك عشوائية في الخلق والإنتاج. كما أنه لا أحد ينفي أن الهوية ـ مع بداية الألفية الثالثة تحديدا ـ  لم تعد سوية في المؤتلف، بقدر ما أصبحت تميل إلى الانزياح نحو الإمكان الذي يشكله النسق اليومي، والدخول في سديم وهْم السهو إلى وجود بديل عن الوجود الأصلي؛ الأمر الذي خلق معه استبدال الهوية المضادة المنفلتة (البراديغم) بالهوية المعيارية اليقينية، أو تحول "الهوية المركبة والمتحولة في وجه الهوية المغلقة والنهائية" حسب تعبير أمين معلوف الذي بيَّن وَهَنَ هوية الجذور مقابل "الهوية المتأرجحة"، أو هوية الجذمور rhizoma المنتشرة عشوائيا من دون هدف.

لقد أدت مستلزمات تعقيد الحياة الاجتماعية، من قبيل الفوضى المنظمة، إلى خلق نمط حياة يتطابق خاصة مع مستجدات التجربة الذاتية بخلق ميثولوجية جديدة، تعنى بإبراز المظاهر المتعالية التي شملت كل مجالات الحياة، بتغذيةٍ من وسائل تكنولوجية المعلومات المعقدة ـ على وجه التحديد ـ وهو ما تدرسه الدراسات الابستيمولوجية، والدراسات الأنثروبولوجية الثقافية في البحث عن المقاصد الغائية اللانهائية للمبادرات الفردية التي أصبحت تتعارض مع البنية الذهنية التقليدية الداعية ـ دوما ـ إلى البحث عن الحقيقة وفق أنساق متعارف عليها، وبقيم أحادية التصور في مقابل المنْفلتٍ لذاته، الذي قد لا يعنيه غيره.

والحال هذه، كيف يمكن وقاية الهوية بالعملية الإبداعية، والشعر على وجه التحديد، وفق نسق البراديغم؟ وهل يمكن شعريا حفظ ما تبقى من الهوية؟ وهل باستطاعة الشاعر رسم حدود الذات التي يُستدل بها على  كَبِد الحقيقة؟ وما الذي يمكن أن يضيفه المبدع في ظل متغيرات الحياة؟ وكيف يكون الإبداع حول مسألة الهوية ـ في منظورها الجديد/ البراديغم متجاوبا مع أزمات واقع الحال؟ وبصورة أدق، كيف يمكن للشاعر تحديد رؤية الوجود أمام تنامي صدمة المستقبل؟ وكيف يتأطر المعنى المنفلت في الإبداع مع غياب اليقين؟

هذه الأسئلة وغيرها ـ كثيرـ  ستأخذ موضوع "الهوية وسؤال المعنى في شعر أديب كمال الدين" بالدراسة والتحليل والخوض في استيفاء صورة الهوية في شعره.

إن مجمل ما عَمِيَ من صور الشعر الحديث، وخفي، نابع من مركبات نمط حياة "فوق واقعي" مبطن بالعجائبي والغرائبي في تجريده الصور، بعد أن تذرذر الدائم/الثابت قسريا، وتناثرت مفاهيمُه، سواء في سلوكيات الحياة اليومية أو من خلال إيقاع الصور الشعرية، وانسياب الكلمات، ومرونة الأسلوب، وهو علامة دالة على السطحية المصطنعة، والانسيابية المعتمدة الموازية لفقدان العمق في حياتنا اليومية. وإذا كان الأمر على هذا النحو  فإن أديب كمال الدين يحاول إعادة تشكيل الصورة في منظوره الخاص؛ ليضع القارئ أمام تحديد موقفه لمقاومة ما اعترى مسالك هويتنا من شوائب، وجعْلِه يختار ما يربط سؤاله بالبحث عن حقيقة وجوده، ويفكر فيما ينبغي التفكير فيه؛ لأن الحياة التي لا تدعو المرء للتأمل في نظره ليست قابلة للعيش بأي حال.

 

 

بـ ـ ما تبقى من أرومة المنبع:

يتسع مجال الارتبط بالأصالة في شعر أديب كمال الدين، وتتنوع مستويات الهوية في دلالاتها، بعد أن أدرك أن الحياة لم تعد قابلة للعيش كما كانت، ولم يعد ثمة مجال للتأقلم معها؛ الأمر الذي أفقده سيادته على نفسه قبل فهمه حقيقة ما يجري في هذه الحياة التي أصبحت مترعة باليأس، والضيم، والإذلال.

وتتنوع أعمال أديب كمال الدين ـ  بخاصة مع "الحرف" ـ بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، أو بين الواقع المعمول، والواقع المأمول، وبين الذات والآخر، وبين التعبير عن تفكيك القيم وما يعتري الإنسان من تجاذب في مساعيه، اليائسة، إلى سبل للخلاص يرى فيها آفاقه، وتعيد فيه "أناه" المتعالية بعد أن أصابها الوهن، واحتواها الحضور المغيّب، أو المهمّش، وامتصاص مرارة الألم التي باتت تلازمه لزوم من يمشي مع ظله، مسلوب الإرادة، هائما بين سؤال الهوية واستجداء الطريق الذلول كابن السبيل الذي تقطعت به السبل، وضاقت به الحال والمآل، فلم يجد ما يتبلّغ به، حتى أنه لم يعد يعرف هويته إلا وهي متناثرة في هباء الزوبعة، أو كمن يحاول القبض على السمك الأزرق، حين يجيب عن أسئلة عائقة، وكأنه يستحضر مقولة هيدغر" الوجود سؤال، ولكنه ليس من الوجود في شيء":

..... 

* ما اسمكَ أيّها الشاعر؟

- اسمي الطائر.

* وبعد؟

- السمكة.

* السمكة؟                                                     

- نعم.

* ذلك ممتع!

 ....

 * والنقطة، كيفَ تصفُ النقطة؟

- النقطة أمّي وأبي.

* وإذنْ، قضّيتَ طفولتكَ معها؟

- وقضّيتُ صباي وشبابي ودهري الأعمى.

* هل كنتَ سعيداً؟

- نعم،

 إذ عشتُ وسطَ النقطةِ كالسمكة.

وكانت النقطةُ بحراً يمتدُّ ويمتدّ

إلى ما شاءَ الله.[19]

ولعل الجمع بين "الطائر" و"السمكة" و"النقطة" يضع القارئ في متاهة؛ لصعوبة الربط بين المعاني، حيث تبدو العلاقة متنافرة، غير أن تشخيصها في استعارتها المكنية يعطي مفاتيح تخفف من آلية التحقق الدلالي لكُنْهِ عالم الشاعر، وغايته، في الرسالة التي أراد من خلالها إنتاج معنى آخر يستجيب للرغبة في خلق واقع آخر، حتى لو كان خياليًا يجعل الذات الشاعرة تحمل في داخلها روح الطائر، وتبني وجودها في مقام فضائه الذي يرمز إلى اللامتناهي، المقترن بالحلم في تحقيق الحرية المنشودة، غير أن زئبقية الوصول إلى ذلك الحلم في صورة السمكة جعل الشاعر يتجرّع حلمه، ويكظمه، وكأن تشخيص صورة السمكة في فضاء حركيتها هي في حد ذاتها حالة منفلتة، ومحاولة القبض عليها يصبح ضربا من الجَهد المضني، والتيه في عمق لا متنفس فيه؛ الأمر الذي يبعده عن الوصول إلى الحقيقة التي تمثل النقطة غايتها "نقطة الوحدة". ونقطة الشاعر في مركزية هويته هي أصل دائرة وجود الحضاري، وإنزال السكينة في قلبه، ومرآة لثقافته، حيث كل شيء في وجوده يربطه بمحور هذه الهوية التي تدور حولها ثقافته، وكل شيء منجذب إليها.

وفي مثل هذه الحال، تكمن روحية التصوير الكشفي في طبيعة ما يحاول الشاعر معالجته بخصوصية تجربته المريرة، المرتبطة بمرجعية الانتماء والتأمل الحدسي، اعتقادا منه أن تصوره القائم على الحدس لا يمكن أن يتجرد من إدراك معرفة ما يصدُق عليه، ومن صورة الواقع الذي يستمد منه حُلمه؛ لأن تصور الواقع المفترض "لا يمكن أن يقوم إلا على أساس مكين من مفهوم متماسك للخيال ... فالصورة هي أداة الخيال، ووسيلته، ومادته الهامة التي يمارس بها، ومن خلالها فاعليته ونشاطه"[20]

 أما إذا حاولنا ربط النقطة بنزعة الشاعر الصوفية، فإنها من الاصطلاحات التي استقر عليها معظم المتصوفة الذين نظروا إلى الوجود بوصفه متَأَملاً في نقطة البداية، كما هو الشأن عند الحلّاج الذي أعطى للحروف رمزا، و"طاسين النقطة" مكانة تشير إلى أصل كل خط يربط الإنسان بتجلي الحق، كونها محور "وصل العاشق بمعشوقه" وغير قابلة للتجزئة؛ لذلك أصبحت النقطة في نظر المتصوفة مركز الوجود وأصل دائرته، والتي تعكس صورة الاتحاد والتمام والكمال، وبيان ذلك أن الوجود بعينه نابع من جوهر نقطة التوحد في ذاته جلّ شأنه.

ويجعلنا الشاعر مدركين أن هويتنا مرهونة بإيجاد ما يضمن لها الاستمرار، بتماثلها في حياتنا، اعتقادا منه أن الهوية في تشكّل دائم، وخسارتها يعني خسارة مكونات استمرارها، وعندئذ يتم التماهي مع قابلية الخسارة التي تفضي بنا إلى فقد الكينونة الفعّالة، و"في هذا المستوى لا يعود للماثلة والتطابق أيّ دور معرفي أو جمالي، بل إن المماثلة تصبح مستحيلة، وتصبح الهوية قائمة لا في التطابق والتماهي، بل في التباين والاختلاف. لا في المكوّن، بل في ما لم يتكون بعد. لا في المنتهى، بل في ما لم ينته بعد"[21]، على ألا يكون ذلك سببا في تضييع الرؤيا بـ "كَرَّ‌ة خَاسِرَ‌ة" [22]

خساراتي لم تعدْ تُحْتَمل

فأنا أخرجُ من خسارةٍ لأقع في أخرى.

فأنا – على سبيلِ المثالِ – متّ،

متُّ منذ زمن طويل

وشبعتُ موتاً.

...

الأمد

 

ولعل عزاء الشاعر ـ المحترق بكلِّ المآسي، وخساراته المتوالية ـ في شفاعته بالموت في معناه الدال على نومه المستثقل، وسكون توهجه، وهموده، وهي صورة تراجيدية معبرة عن ضَلاله، وتشرّده من منفى الوطن، والانتماء، ومن الشأو، والهوية، ومن كل ما هو مكين، وحميم، ولم يعد يصابر على فعل شيء أمام مثبطات عزيمته، كما أنه لم يعد يواجه غير الموت، حيث احتضاره ﴿ يَتَجَرَّ‌عُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [23]، تتقاذفه الأمواج بالتتابع على شواطئ بلا بَرٍّ، وتذروه الأقدار هباء منثورا، على حد قول البياتي:

                   قبرك في المنفى

                   وفي الوطن

                   قبرك في كل مكان

                   شيع فيه الضوء والكفن

وتكمن روحية التصوير الدرامي في طبيعة ما يحاول الشاعر معالجته، وفي خصوصية التجربة المريرة، المرتبطة بمرجعية الانتماء والتأمل الحدسي، اعتقادا منه أن كل تأمل لا يمكن أن يتجرد من صورة واقعه الذي يستمد منه حلمه.

خساراتي لم تعدْ تُحْـتَمل.

دخلتُ في النارِ واحترقتُ كما ينبغي

وحين قمتُ من رمادي

وجمعتُ رمادي

وذَرّيتُه في دمي كي لا أموت من جديد،

صُدِمتُ حين عرفت

أنّ مَنْ ألقاني في النار:

أصدقائي الذين أعطيتُهم نورَ الأخضر

وأحبّتي الذين منحتُهم شمسَ الغيمة.

فارتبكتُ لأنني لم أهيّئ نفْسي لدورِ الفادي

ولم أكنْ أتصوّر أنّ دور يهوذا

سَيُعادُ عرضه في كل مكانٍ بنجاحٍ ساحق.

 

الفقد

 

 

 

تواصل الذات الشعرية ـ الراوية ـ سرد مآسيها، وتحاول تفعيل إمكاناتها لتحقيق مساعيها، ولكن من دون جدوى، فلم يكن له مناص من استدعاء أشق ما يمكن الاحتماء به" لهب النار وسعيرها"، يستعين بها عنوة وقهرًا من شر الواقع وإكراهاته، على النحو الذي عبرت عنه صيغ الأفعال؛ لتدل على الحال في سياقها من وجهة الظرف الذي يفرض نفسه على الشاعر، ومن خلال القرائن السياقية التي وحّدت من دلالة أزمنة هذه الأفعال.

الزمن النحوي الماضي

الزمن النحوي للمضارع

الدلالة الزمنية للمصدر

دخلتُ

تعدْ

خساراتي (لم تعد)

احترقتُ

تُحْتَمل

 

قمتُ

ينبغي

 

جمعتُ

أموت

 

ذرّيته

أهيّئ

 

صُدِمتُ

أكنْ

 

عرفتُ

أتصوّر

 

ألقى

سَيُعادُ

 

أعطيتُ

 

 

منحتُ

 

 

ارتبكتُ

 

 

 

والمتأمل في الزمن النحوي في توزيع هذه الأفعال، بما في ذلك إلحاق مصدر (خسارتي) بالفعل (لم تعد)، يستنتج أن وظيفتها تتعدى صفتها التي تفيد الموصوف بالحدث، كما تتعدى وظيفتها المجردة من السياق إلى "مطلق الزمن" الدال على الخوف والقلق في صيغة الماضي، ودوام الحال من هذا الخوف في صيغة النفي في المضارع (لم تعد تحتمل) و (لا أموت) و (لم أهيّئ) و (لم أكن أتصور)، بالنظر إلى القرينة الجامعة بينها التي أعطت صفة وقوع الفعل في "مطلق الزمن"؛ ما يعني أن  الذات الشاعرة تعيش واقعًا منهارًا، ونبوءةً قاتمةً بعد أن سُدّت في وجهه الآفاق، وعمّ المجتمعَ العتمةُ، وانتشر الفساد؛ الأمر الذي لم يعد قابلا للاحتمال، سواء كان محترَقًا أو خامدًا، أو معافىً، وكأن الشاعر يصوّر الهم الإنساني الذي بدا ينكأ قَرحة ضمير الأمة المتورّم منذ الأمد، بكل ما فيه من تناقضات وتشيّؤ، فلم يجد بدّا من رسم هذا الوجود المغلق، وهو في حالة من الذهول والدهشة.

وأمام مظاهر الدهشة ـ هذه ـ المشحونة بالحيرة وجد الشاعر نفسه ـ بوصفه معادلا موضوعيا للمعايير التي تعمل على أساسها هويته ـ مغيّبا ذاتيا، مرتهنا في كرامته وحريته، منزويا، كما تنزوي الجلدة في النار:" دخلت في النار" فاتخذ مذرورها ترياقا": ذررته في دمي"، وكأنه بذلك يشير إلى انصهار ذات الشاعر في لهيب الجذوة، نظير الطبيعة الوحشية للمعاملة الإنسانية المزدرية بـ "ما تبقى من أرومة المنبع". وإساءة تقدير لما تعنيه القيمة الإنسانية، نظرا إلى تفشي ظواهر الاستلاب التي اكتسحت الذات الإنسانية، وجعلت هويتها مغنما لتدميرها، أو تحييدها عن مسارها الطبيعي، وبددت الوعي، وكل ما في إمكانية الإنسان من مشيئة، وقوّضت كل ما يحيط به من صحو، وتشتيت الطوية، وهدر الشعور بالوعي الأخلاقي، وكأن الإنسان في مثل هذه الحال أصبح مشطور الحضور، مستهجنا في دوره المنوط به، نظير تشويه وجه الحقيقة، وتعريض القيم للامتهان، على النحو الذي عبر عنه نيتشه Friedrich Nietzsche في كتابه "إرادة القوة" بالعدمية، حيث أرفع القيم تقوم بتدمير ذاتها[24]

 

جـ ـ ما يسلب من رغبة الإمكان

عندما يتأنّى المتلقي، بحصافة التدبّر، في قراءة شعر أديب كمال الدين، ويتمعّن في فحواه، يجده نابضا بالحركية، مألوف التوظيف في مبناه، لكنه مستغرب الاستعارات بمجازاتها، على الرغم من اقتباسها، من الواقع، أو مما لا يدركه عامة الناس على النحو الذي وصفه أمبرتو إيكو بـ "المحسوس الغفل"[25] من صور دالة، تمر عليهم من دون التفطن لها؛ "لأن الشعر يفعل بالوعي ما يفعله الفكر البدائي بدون وعي، وهذه إشارة واضحة إلى الاستخدام ما قبل العقلاني للغة؛ لربط الأشياء لتكون بمثابة "أفكار موحدة"... ومن مسئولية الشعراء والمفكرين اكتشاف الاستعارات الخفية التي تربط الكلمات بالطبيعة، والإبقاء عليها حية في اللغة التي استخدموها".[26] وهو ما أطلق عليه الجرجاني بـ "الاستعارة التخيليّة" بوصفها تستند إلى عنصر الخيال. "ولعل أهم ما في دراسة عبد القاهر الجمالية للصورة الاستعارية بيانه الدور الذي يقوم به الخيال في عملية خلقها، والخيال عنده أداة ضرورية لإيضاح ما لم يستطع التعبير العادي أن يؤديه أو يوضحه"[27].

وإذا كانت نصوص الشاعر تبدو غريبة، نسبيا في نظر الكثير من القراء، فإنها بالمقابل تبرز بصور محكمة، سواء من حيث دوالها في تنظيم مفرداتها، أو من حيث المدلول الإيحائي؛ لما فيها من مفارقة الجمع بين التجاذب والانشطار، تجاذب الأفكار السوداوية، وانشطار الصور بين ما هو سردي، يبدو واقعيا في ظاهره، مصاحبا للتعبير المعياري، وما هو إشاري في سننه الأيقونية، وقوانينها، "وإذا كان الإنسان العادي يستبطن قواعد السنن وقوانينها بالحدس والمشاركة الاجتماعية العفوية، فإن مهمة السيميائيات هي نقل هذه المعرفة اللاشعورية من الخفاء إلى التجلي، والكشف عن (الثقافة) حيث لا تبدو سوى (الطبيعة) "[28] التي تجمع بين هاتين الصورتين ضمن السياق المقامي لرسالة النصّ المنثنية في تضاعيف ما لا يدرك من هذه الرسالة، سواء أكان ذلك عن قصد من الشاعر أم عن غير قصد، بدافع المسوِّغ الإبداعي المرتهن باللاشعور، وفي كلتا الحالين تبدو ذائقة الصورة الشعرية جالبة معها ذائقة المتلقي على حد تعبير بورخيس   Jorge Luis Borges:" إن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها، ولا في فم من يأكلها، وإنما هي في التواصل"[29]؛ لأن في كل صورة، أو عبارة، شعرية وشْمًا يميزها في وعي المتلقي، بالنظر إلى ما تتركه من أثر متنوع الدلالات، ومتسع الفضاءات، من دون أن يحُول ذلك بين المتلقي والقبض على جوهر الصورة الشعرية التي تحمل في مضامينها احتواء الواقع، وشمولية القيم الإنسانية، بخاصة ما يتعلق بالمبدأ الفاعل لهويتنا العربية الإسلامية، أو ما يمكن تسميته بـ "هوية المصير" في اتساع مداها الحضاري، وتفاعل الإنسان معها، بوصفه جزءا من كينونتها.

 وإذا كان الشاعر قد توصل إلى هذا التصور، أو إلى قليل منه، فكيف شكل هويته شعريا؛ لكي يحقق كينونته في ظل هذا الوجود الموبوء؟ وما الذي وجده في هذه الهوية؟ وكيف استطاع أن ينظر إلى مرجعيتها في ظل مجريات ما يحاك حولها من انعكاسات؟ وكيف له أن يحمي بالشعر قيم، ومثل، وغايات هذه الهوية؟ قد تلتبس علينا الإجابة عن هذه الأسئلة ـ في ظل ما يجري من حولنا ـ متى ما أدركنا أن الشاعر نفسه في حيرة من أمره، بخاصة إذا تبين لنا أنه لم يعد يعرف ماذا يريد من هذه الهوية، بعدما بدأت تنقطع بها السبل، حتى يمكن له أن يحتمي بثوابتها، ويتلحَّف بلحافها؛ لذلك تساءل بما يدعو إلى الارتياب والحيرة بإلقاء نظرة تبعث على الالتباس والدهشة:

          حينَ نظرتُ إلى ساعتي

لم أجدْ فيها أيّاماً ولا سنوات

بل وجدتُ فيها أنهاراً من الحلمِ والموسيقى والكلمات.

فحلمتُ ولعبتُ وكتبت

حتّى كدتُ أموت من الحلمِ والموسيقى والكلمات،

حتّى كدتُ أموت من الغرق.[30]

 

يمثل الفعل "نظرت" محورا بارزا في عملية حركة الكشف عن تحول الزمن من الحاضر إلى الماضي، عبر تيار من الذكريات يعيدنا إلى الوراء بتوظيف "الساعة" التي تجاوزت صورتها البعد الكرونولوجي في تقسيم الزمن، وترتيب أحداثه، وفق القياس المرجعي لتدفق المعلومات والأحداث في وعي الذاكرة. وتشير الاستعارة المكنية في دلالة الساعة إلى الإسقاطات الاستبطانية للمتغيرات التي تحرك ضمير الشاعر، وتربطه بحياته الحميمية، وتستحضر فيه الذكريات داخل الذهن.

ولعل اقتران "الساعة" بـ " أيّاما" و "سنوات" في: (لم أجدْ فيها أيّامًا ولا سنوات) بوصفهما ظرفي زمان، وردا في مقدار غير محدود من الزمن، يسوغ وعاء مفتوحا لتاريخ هوية الشاعر القائمة على التفاعل الدلالي لما مرت به أحداث مشتركة بين جهتي الحاضر والماضي، وكأن الشاعر يريد أن يرهن الماضي بالحاضر في مأساتهما بزمن إشاري مطلق، فكان ما يسمى "بالتداخل الدلالي أو البنيوي بين الزمن والجهة، ذلك أن اشتقاق التفاعل القائم بينمهما يحتم علينا تناولهما بنفس الآليات النظرية تركيبا ودلالة؛ وهذا يمكّننا، من جانب آخر، من رسم نوع من التوازي الصارم بين دلالة الزمن والجهة، وبين تركيب كل منهما، كما يمكننا من رصد بعض أوجه الالتباس بين التأويل الجهي والتأويل الزمني"[31]

          لقد عاد بنا الشاعر إلى حيز الماضي بنظرته إلى "الساعة"، ترافقه الغرابة عندما لم يجد ما يوحي بفعل الزمان ومسوغات وجوده، وإنجازاته، ولم يجد غير فيوض من الأحلام في صورة حالكة خارج الصيرورة الزمنية. وعدم وجود الأيام والسنوات في (لم أجدْ فيها أيّامًا ولا سنوات) يشير إلى عدم وجود ما يبرر الإسهام في المكون الحضاري، وكأن الشاعر يلقي باللائمة على الذات، في ضميرها الجمعي، التي تسببت في تهتك هويتها وابتذالها؛ لتقاعسها عن القيام بالدور المسند إليها، والعهد الأخلاقي الموكلة به، وكأنها تجسد مقولة عائشة الحرة لابنها عبد الله حين قالت له: "ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال"، فصورة عبد الله في اللامقول عند الشاعر تتكرر في كل آن، وفي كل مدة تكون سببا في ضياع فكرة الانتماء، وفي ضياع الهوية، وانحرافها عن مسار المكونات الحضارية، وانعزالها عن سياق البناء والتطوير على رأي قاسم حداد:

فعل ناقص

          ونحاة الكوفة

يستبسلون

الشاعر يقصد من وراء ( فعل ناقص)  أن رسالة الحضارة العربية لا تخرج عن نطاق اللغة. ودلالة "لغة" تتوارى خلف ما اصطلح عليه أن العرب أمة لغوية، ينبني عليها فهم كل المتغيرات، عبر كل الأزمنة، وحتى في حال الإقدام على المبادرة فإنها تنطلق بالتفكير الاسترجاعي، أو تداعي الوعي، مادام الفعل لا يفضي إلى أي رؤيا، واللغة هنا كونها فعلا ناقصا ـ في نظر الشاعر ـ  لا تحمل أيَّ رسالة إلا داخل اللغة، رسالة مغلقة على ما لم ينجز بعد، أو عليه أن ينجز بشكل مغاير، وببشريات ما يُنتظر من فضائها المفتوح على البياض، وإذا كانت "لغة" مغلقة بسياقها اللغوي في المكتوب، فلا انغلاق في الفضاء الرديف لها، ما يعني أننا أمام نصين، نص مغلق في "لغة" ، ونص مفتوح في "البياض" يجسد فعل  الهوية/ الاغتراب/ الهجاء/ التمرد، بين المعمول والمأمول.[32]

إن صور (الحلم، والموسيقى، والكلمات) عند أديب كمال الدين في صورة (بل وجدتُ فيها أنهاراً من الحلمِ والموسيقى والكلمات) لا تختلف عن صورة (الفعل الناقص) التي يقصد بها أن ما قام به السابقون لا يخرج عن نطاق التفكير بالاسترجاع، أو تداعي الوعي المرجعي بالصَّبَابة، مما تبقى من القليل، مادام الفعل لا يفضي إلى أي رؤية، كونه يعيش خارج الزمن، على حد تعبير صلاح عبد الصبور:

هل تدري في أيّ الأيام نعيشْ؟
هذا اليوم الموبوء هو اليوم الثامنْ
من أيام الأسبوع الخامسْ
في الشهر الثالث عشرْ 

ولعل مثل هذه الصور ـ وما أكثرها في الإبداع العربي ـ  تنطلق من العتمة التي غشت فضاء الذات الشاعرة، المخولة بالإنابة عن الضمير الجمعي، وحجبت عنه نور اليقين؛ لذا كان على من له الحميَّة على هويته أن يدرك معنى التبصر، رغبة في تجاوز تمثل القنوط، والحياة المغرَّبة، والإحساس بالوجود المنحدر الذي أدخل الإنسان في دوامة التساؤل الملغز على النحو الذي راود فرانز فانون Frantz Omar Fanon في كتابه (بشرة سوداء، أقنعة بيضاء)": "ما الذي يريده إنسان ما؟"[33]

وإذا كانت كل رغبة تسعى إلى تحقيق عمل ما، فإنها بحاجة إلى قدر من الانعتاق؛ لجني مُتصَوَّر الخيال، غير أن الأمر يبدو على خلاف ذلك مع الشاعر أديب كمال الدين،  حيث لا شيء غير الويل والهلاك، ولا شيء غير الدمار:

حينَ نظرتُ إلى ساعتي

لم أجدْ فيها أيّاماً ولا سنوات

بل وجدتُ فيها أنهاراً من ميماتِ الموت

وواواتِ الموت

وتاءاتِ الموت.

فبكيتُ شبابي وشموخي وشروخي

وبكيتُ شكوكي.

إن الموت في هذه الصورة هو المكافئ النفسي لانهيار الهوية على نحو قسري، ولا سبيل إلى الخلاص إلا بالبكاء على ريعان مجدها، ونضارة شموخها، وأصالتها، في نسبة الضمير المتصل في (فبكيتُ شبابي وشموخي وشروخي) إلى مجد الهوية المتأصلة في عمق مشاعره، وهو ما أثار شكوكه فيما يجري لها، حيث الخوف عليها مصدر تلك الشكوك، حتى لم يعد للعقل مجال يمتلك من خلاله الحد الأدنى من التعقل الذي من شأنه  رفع جوهر حقيقة الهوية، ورفع درجة الحضور العقلي لحماية نشاطها الإبداعي بدل نشاطها الاتباعي، لذلك يقع الالتباس بين العقل الحامي/ الحافظ الأمين، المنفتح الإبداعي، والعقل الواهن، والمنغلق، والاتباعي، وكأن العقل بَراء مما يتبصّر، وملتبِس فيما ينظر، يتضح ذلك في قول المعري:

أُمورٌ  يَلْتَبِسْنَ  على  البرايا       كأنَّ العَقْلَ منها في عِقَـالِ

 

 

 

 

 

 

2.    الواقع المُبَايَنُ/ سؤال الهوية

أ ـ الواقع المتأبَّى

ما من شك في أن الواقع الماثل في العيان والذي نعيشه على أكمل وجه قابل للتغير والتحول من حال إلى أخرى، وفي تغير دائم، وإذا كانت الديمومة تكمن في التطور المستمر، فإن هناك عارضا قد يحول دون هذا التطور الذي يريده أن يظل على حاله، وهو ما لا يؤدي مطلقا إلى الاستمرارية الطبيعية. وفي هذا إجحاف في حق قوة الإرادة بفعل المناعة الموجِهة توجيها إيديولوجيا، وبالصورة التي تريدها المشيئة الفاعلة، والصلابة المرغِمة بقصد، والآمرة لرسم واقع واحد وحيد، وهو ما يتنافى مع سنن الخلق في وجوده، ومع وثبة الحياة في معناها المتجدد.

وأن تحاول خلق عالم آخر يعني أن تجرد من العالم المعمول خاصية رؤية العالم المأمول، يجد فيها المرء نفسه بما يعزز دوره، وقد يكون الفارق بين الواقعين قائما على اختلاف في المواقف التي تثير ـ في الغالب ـ الحيرة في هذا التحول، ولم يكن الأمر بهذه الصورة واردًا ما لم يكن توجيه مدار هذا الواقع إلى متاهِ اللاَّحد من المغالق والغموضسان في نسق مغلول، من جهة ضالعة، وبضوابط مقيِّدة.

في ظل هذا التصور كيف صاغ أديب كمال الدين خطابه الشعري المتعلق بالهوية الاجتماعية؟ وهل يوجد في شعره ما يربط الذات الواعدة بالواقع المأزوم، فاقد العزم والعزيمة؟ قبل ذلك هل باستطاعة الشعر إعادة تكوين الواقع؟

إن المتمعن في دواوين الشاعر يصاب بالإحساس الدرامي الذي يعتري مضامينه الشعرية المشحونة برسم صورة الهوية الملتبسة، كلما تعمق في الدلالات الضمنية، والمفضية إلى النفور من الواقع المترع بالإخفاقات القسرية التي عمّت مشاعر الذات العربية المنخرطة في توظيف العقل الأداتي السلبي، والمتسم باللامبالاة؛ الأمر الذي أسهم في خلق حس تراجيدي في وعي كل إنسان، وتقويض المطالب، وتشتيت المساعي، وتبديد الأحلام، وهو ما جعل الشاعر يُبعد عن مساره كل ما يحيط به، بعد أن استعصى عليه معرفة نفسه قبل معرفته الآخر:

أزلتُ عن قصيدتي الهوامش

ثمَّ أزلتُ الفوارز وعلاماتِ الاستفهام

والتعجّب والارتباك.

ثمَّ صرتُ أكثر شجاعةً

فأزلتُ المعنى عن قصيدتي

بعدَ أن أزلتُ النقاطَ عن الحروف بالطبع.

حينها

بدأتْ حروفي تتماسك

لتشكّل دائرةً تحيطُ بي

وأنا في وسطها.

وبدأت الحروفُ عاريةً تماماً

ترقصُ وترقصُ وترقص

رقصةً وحشيّة

وأنا لا أعرف مَن أنا

ويظل الصراع بين المثال في صورة (قصيدتي) والواقع في صورة (الهامش) يلازم الشاعر، ويلاحقه، بعد أن أدرك أنه أصبح طريدة لمصائب الواقع المأزوم. وليس غريبا أن يشغل الشاعر نفسه بالحديث عن واقعه وهو من ابتلى بفقد كينونته، وهويته، ووطنه، ورفاقه، ومحيطه الذي تربى فيه؛ الأمر الذي أثر سلبا على حياته، وترك جرحا عميقا لا يندمل، واسودَّت الدنيا في عينيه، وتجلى له الردى، فلم يكن له بد ـ  والحال هذه ـ من إزالة كل ما يفسد عليه مشاعر السعادة، ويغيب الذات، ويعمق فيه الإحباط.

ولعل سياق الفعل (أزلت) بقرائنه الدلالية، في جميع مواضعه، يحيل إلى تجاوز السياق الزمني بصيغته الصرفية الدالة على الماضي المطلق إلى ما يسمى بالزمن السياقي التركيبي لدلالة الاستقبال؛ لأن القرينة الدالة السياقية في صورة (حينها) وربطها بما ورد بعدها من صور شعرية تشير إلى التحول الحاصل بين ما وقع للشاعر وما يقع له في الحاضر، فالقرينة السياقية تؤكد ما ورد في (حينها)، وكأن المقصود أن يعيش الشاعر الحلم الوسِن، والإحساس بالفقد، والتضييع في المطابقة الزمنية بين الفعل الماضي في (أزلت) والفعل المضارع في: (تتماسك/ تشكّل/ تحيط/ ترقص). أضف إلى ذلك أن تكرار صيغة الماضي في (أزلت) وربطها بصيغ المضارع المتتالية مؤشر على دلالة الحدث في الحال والاستقبال، بعد استحضار صورة الماضي المرتبط بالحاضر، على نحو ما عبر عن ابن الأثير في قوله "واعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل، كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذلك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي"[34]، والحال هذه أن الشاعر يربط بين الفعلين في آنٍ؛ ليعبر عن ضياعه في فضاء الحضور المؤسَّس من حالة الغيبة المسلطة عليه، والمتوارَى به عن إمكانية تأكيد الذات، أو إعمال النظر إلى ماهية الواقع الفارق في دهشة السؤال، بحثا عن هويته، خاصة بعد أن حاد هذا الواقع عن جادة الصواب حين ربط العلاقات المادية والمعنوية بالتشيؤ  Chosification في مقابل علاقات التكافؤ في الاعتراف بحق الذات، كما في صورة:

وأنا لا أعرف من أنا.

إلّا بوصفه موزّعا بين هويات مختلفة، بعد أن ارتمت به الأقدار، وطوّحت به الشطآن، وألقت به بعيدا في حضن هويات أخرى قسرًا:

أأنا المصلوب في أورشليم الذي وشى به يهوذا؟

أم أنا طوطمٌ أفريقي

أم أنا مجرّد حرف ضالّ

حرف خارج القطيع

يشعرنا الحروفي الكليم بالعدم كما يعيشه من خلال مداليل سايق الأفعال في مقاصدها للمعنى المسوق له، بحسب مقتضى تطابق الفعل المعبر عن الماضي لمقتضى الحال في الفعل المضارع، ومن أجل ذلك يدعوك الشاعر لمحاولة التعرف إلى الذات العربية الغائرة في التيه، والسابحة في الوهم، والتي أريد لها أن تطفو على سطح ضحالة التدبر، بعد أن تجردت هويتها من كل حضور، ورفع عنها الدِّثار في الأونة الأخيرة ، في إشارة إلى تغييب الفعل الحضاري للهوية العربية الإسلامية التي كانت لها المقدرة على التوسع شرقا (الشمس بيمينه) وغربا (القمر بشماله) في صورة الحرف الممسوس:

حرف ممسوس

أمسكَ الشمسَ بيمينه

والقمرَ بشماله،

فكرهته الحروفُ جميعاً

وقرّرتْ أنْ تعاقبه بالسجنِ المؤبّد

عبر رقصها الوحشيّ المؤبّد

حول صليبه العجيب؟

 

 

 

بـ ـ الغربة المستديمة

 

          تُعد رؤية الشاعر التشاؤمية وليدة الإرث العربي في شقه المأزوم، المنفصل عن روابط التواصل الحضاري، والمكون الفكري، والمطوق بالعقل الأداتي، سواء بميله إلى منحى الثابت المشفوع بالنسيج الثقافي المكرور الذي كان يرزح تحت طائلة "عقل الفقه" في غياب " فقه العقل، أو بانحنائه إلى منحى التبعية التي دحضت ظاهرة بناء المشترك الإنساني بوصفه أساس النمو الحضاري، في مقابل الوهن الحضاري الذي أذعنت له مجتمعاتنا، وتغييب النبع المولد، بعد أن "أخفى التقدم حقيقة الأصل، وظن أن الأصل لم يكن إلا تخلفا وبدائية، ولم ير الحقيقة البشربة إلا في حركة التاريخ التصاعدية... ونحن في زمن للعصر الكوني يتيح لنا الاهتداء إلى الأصل المشترك؛ ولتحقيق الإنسانية ينبغي لنا، الآن، أن ننهل من هذا الأصل المشترك".[35]

          وبالنظر إلى ذلك يعد معيار الهوية متجسدا في العقل الأداتي في علاقته بالهيمنة المفرطة للقوة المستبدة التي تتحكم في ربقة الإرادة؛ الأمر الذي أرجع كل معلوم فينا إلى مجهول، وبعد أن أفقد فينا هوية وعي الضمير، وأدخلنا في حيز الاستسلام، والجري وراء السراب ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً [36]، ومن ثم باعدت الهوية في نظر الشاعر مسار لملمة تصور الآفاق، مقابل الاهتمام بالشكل الذي من شأنه أن يؤدي إلى التشيؤ والاغتراب:

توقّفَ الغريبُ، عندَ النبع، وقت الغروب

توقّفَ ليشرب وحصانه الماء

...

تأمّلَ الغريبُ طويلاً في ماءِ النبع

..

أنا الغريب،

لا أرض لي ولا هدف،

لا وجهة ولا رغبة ولا قرار.

جرّبتُ الحكمةَ والغيبَ والنساء

واللهو والغنى والحروب.

فلم أجدْ أيّ شيء يعينني

على عذابي المقيمِ وضياعي المكتوب.

ثمَّ صمتَ الغريبُ طويلاً وقال:

أيّها النبع،

هل عندكَ دواء للسأم؟

* قالَ النبع: لا.

وهل عندكَ دواء للغربة؟

* قالَ النبع: لا.

وهل عندكَ دواء للموت؟

* قالَ النبع: لا.

فضحكَ الغريبُ ثانيةً

حتّى اغرورقتْ عيناه بالدموع.[37]

 

          إنه شاعر الغربة بشجن همومه الحضارية، بعد أن رماه الموج من كل أوْبٍ وصوبٍ، وبعد أن هيمن عليه جمع المتناقضات في جدلية مركبة قائمة على محنة الذات والكون معًا، وهذا التكوين يقتضي بدوره موقفا معرفيا... ومعرفة الذات والكون أمر أساسي، اعتقادا منا أن الذات التي ينبغي معرفتها إنما تمثِّل العالم بأسره. فالذات هي "الكون الأصغر"microcosme  الذي يعكس "الكون الأكبر"  macrocosme وإدراك كُنْهِ الأول هو إدراكٌ لكُنْهِ الثاني أيضاً. ومهمة الشاعر أن يسبر غور هذين الكونين من خلال تأويلهما. فالشعر تأويل للذات وللموضوع، ولا وجود لأيٍّ منهما خارج هذا التأويل"[38]

 

          تأخذنا صور الشاعر في قصيدة " الغريب" ـ وغيرها من القصائد ـ إلى تبديد الذات في تضاعيف الشجا الذي ألهب أحزانَه، وأثار حنيه إلى مجد نبعه الأصيل، وكأن تعيين الإنسان ـ في نظر الشاعر ـ على هذا النحو يعكس صورة الاغتراب الذي ينخر تخوم الأصول، ويُتلف مرام الهوية من سلطة حق الآخر على الذات، وفرض الواجب عليها، وتقويض صلاحيتها، وتجريدها من دورها؛ الأمر الذي أدخل الواقع في حالة ارتياب في الصلاحيات المشروعة بين الذات والآخر بفعل قوته العليا التي أسهمت في شرذمة تعيين الهوية وخلق مسافة بينية، مكونةً بذلك اضطرابا واختلالا في العلاقات، وتباينًا في المواقف.

 

          يستخدم الشاعر في قصيدة "الغريب" العبارات الدالة عن القهر من خلال توظيف اللامقول ـ غير المباشرـ  في الحوار الدائر بين "الغريب والنبع" ليظهر موقفه من الحياة التي أجبرته على أن يتخذ منها موقفا يميزه من غيره، ويعتقد من خلاله أنه متنزه عن الأوهام السائدة بضحكته الساخرة، اللاهفة:

فضحكَ الغريبُ ثانيةً

حتّى اغرورقتْ عيناه بالدموع

 وهو ما دعاه إلى التأبه عن نقائص سوءاتها في مزاولة تجربة الحياة الطبيعية التي أصبحت عصيّة على التحديد، لذلك حاول تعويض التأوه والمكابدة بالحرف ـ الذي اشتهرت به معظم قصائده، حتى سُمّي به ـ واللجوء إلى الخلاص بالكلمة ضمن سياق الاصطلاح المتواضع في استعمالات الصورة الشعرية التي ما انفكت تسعى إلى التغيير، وتتساوق مع طبيعة الحياة اليومية. ومن هنا، نعتقد أن كل محاولة تعترض سبيل الشاعر، وتقوض مشيئته بالصورة التي تحجمه ـ خوفا، أو رهبة، أو نفيًا، أو إقصاء ـ عن  دوره في التعمير، وبما ينبغي أن يكون عليه، لا تكرس إلا امتدادا للانفلات من قبضة الانكسار في مقابل الانضواء إلى الكلمة التي رأى فيها ـ على حد تعبير إريك فروم Erich Seligmann Fromm  أنها "تجعل من نفسها بديلا عن التجربة المعاشة"[39]، ورغبة في التطلع إلى السمو، ولكن من دون جدوى، كما في قوله:

فلم أجدْ أيّ شيء يعينني

على عذابي المقيمِ وضياعي المكتوب.

          إنها حالة من الحضور المغيّب  في اختفاء أي دور للإنسان في هذا الواقع المكلوم، وكأنه يطرح سؤالا أنطولوجيا عن كينونة هذا الإنسان، وما يحيط به من دوافع تسهم في اغترابه. ومثل هذا الطرح ـ عند الشاعر ـ  يعكس حالة مساءلة الإنسان عن قيمة الحياة من دون تفاعل اجتماعي، وتأثير ثقافي، وتبادل الأدوار، وكأن الشاعر يثير مسألة التغييب القسري بأشد ما تصل إليه الذروة، بعد أن جرّب كل شيء:

          جرّبتُ الحكمةَ والغيبَ والنساء

واللهو والغنى والحروب.

          في إشارة منه إلى أنه يعيش حالة من الانقضاض، تنهشه مخالب "الأمر الجائر"، والرأي المستبِد، وذلك يتنافى مع قدَر الطبيعة التي منحت الإنسان معنى التلاحم، والتعاضد، والتفاعل، وغيرها من حالات تكاثف الجهود العملية لخدمة المجتمع، وقيمه الحضارية، والتي من شأنها أن تضفي على الوجود صبغة إنسانية، بحكم سجية التواصل الاجتماعي النيِّر، وقريحة السلوك الحضاري المشرق للإنسان.

ولعل الصورة الشعرية في هذا المقطع ـ كما في جميع قصائده بِلُغتها الممانِعة ـ تتجاوز كونها صورة مدركة، أو نسخة مقيّدة بها، وإنما هي صورة دالة، أو رؤيا منفتحة بلغتها الحدسية التي تجعل من التأويل وسيلة للوقوف على حقائق افتراضية، أو نسبية؛ لذلك نرى في شعر أديب كمال الدين سمة الجاذبية؛ لأنها تأسرنا بلغز استعاراتها؛ لتَنَابُذِ المباينة بين وعْي الحُلْم ووعي الرعونة، والواقع والممكن، بقرائن تدل على دقة معانيها المتداعية، وبسبك عباراتها التي تجمع في تضاعيفها منهلا لفاعلية نبر اللغة بكمدها المؤثر، وتمثيلا دقيقا للواقع غير المقنع، والمفترَى عليه، والمرتَهن بالاصطناع؛ لأنه "واقع فوق واقعي"؛ أي واقع بلا أصل، حسب تعبير بودريارJean Baudrillard، أو واقع نيتشه  Nietzsche الباعث على "شذر المثبت"، وانهيار القيم، أو "الواقع المتشظي" الذي خلق مجتمع "رمي كل شيء" كما عند دافيد هارفي David Harvey، وكأن هذه الصور الشعرية تنكأ جراح كل إنسان غيور على هويته، وضميره الجمعي؛ لتكون النتيجة قنوطا ويأسا، بعد أن أصبح المشهد يصنع هوية ـ بلا هويات ـ جديدة، قوامها تشظي الذات، بعد أن فقد العالم آنئذ عمقه، وبات عرضة لأن يكون سطحا رقيقًا، أو مجرد تتابع لصور فيلم من دون معنى. من منظور أن الطابع الحسي للمَشاهد هي المادة الخام التي يتشكل منها الوعي[40]، بالنظر إلى ما وصل إليه واقع الحال من تشيُّؤ، أفسد نكهة الحياة، والإحساس بهشاشة الوجود، ومأساة المصير المؤدي إلى الاغتراب، وهذا يعني أن الواقع لم يعد نتيجة إنتاج قيم، بل أصبح مرتهنا بنتيجة التشيؤ، وغير قابل للفهم، بحكم فرض سلطة "الإنسان أمام غياب اليقين" حسب رأي إيليا بريغوجين (Ilya Prigogine) . وهو ما نستشفه في قصائد أديب كمال الدين التي توحي بانهيار المعنى، وغياب جوهر الفكرة، في مقابل انفتاحها على المغامرة في ارتكانها إلى إنتاج السطح، ونشر الزيف.

جـ ـ رحلة المنفى/ مستودع البلاء

تركّز رحلة المنفي في شعر أديب كمال الدين على القوة المؤثرة في حياتنا اليومية بوصفها قوة مستبدة تشده بالربقة؛ أي بقيد الغُلِّ في العنق لتلجيم مشيئتة، وكفه عن إرادته؛ الأمر الذي أرجع كل معلوم إلى مجهول، وهو ما أفقد في ضمير الوعي الجمعي البصيرة النافذة في مقابل الشعور بالضياع والاستلاب كما في هذا المقطع من قصيدة " لِمَ أنت؟" [41]

يا شاعرَ الحروفِ المريرة

رأيتُكَ البارحة

تحملُ حقيبتكَ السوداء من جديد

حزيناً كقاربٍ مُحطّمٍ على ساحلٍ مهجور.

خفتُ أنْ أسالك

عن اتجاهِكَ الجديد،

أعني عن منفاكَ الجديد.

خفتُ أنْ أسألك

فقد كنتَ تتعكّز على ضياعِكَ الأبديّ

وعلى صمتِكَ الذي لا يطيقُه الجبل

وعلى وحدتِكَ ذات السياط السبعة.

          وكأن الشاعر في هذا المقطع يريد أن يمتثل نهج ما قاله R.D.Laing في كتابه سياسة الخبرة، The Politics of Experience: "لقد ولجنا في عالم ينتظرنا فيه الاغتراب"[42] وهو ما يشير ضمنيا إلى أن أديب كمال الدين لم يختر الكتابة عن المنفى بصريمة الإرادة، بقدر ما كانت حاجةً فرضتها حالة التشيؤ، ولزوما موجبا اقتضته ضرورة تمزق الواقع، فضلا عن سلب الإرادة، وضياع البوصلة في الاتجاه الآمن، على نحو ما نستشفه في مضامين شعره المصبوغ بدلالات التشريد، والتهجير، وكل ما يمت بصلة إلى صفات السلب والنفي، وكأنه في هذه الحالة منقاد إلى النبذ، والإبعاد؛ وكأنه بذلك يجسد صورة "شاعر النفي" بعد أن ذاق مرارة " اللامأوى" الذي أصبح مصير العالم ـ حسب تعبير هيدجر ـ  حين أصبح الإنسان بلا جذور" والمتجول هو التجسيد الخالص للغريب الذي لم يفقد مأواه فحسب، بل فقد أيضا وضعه في الزمان على السواء"[43]. 

          وتعد تجربة الشاعر هنا حقلا لتغذية مشاعر الذات المغايرة لذاتها؛ أي الانتقال من حقيقة الواقع إلى الولوج في وهم الواقع، وفي هذه الحال تصبح التجربة منفلتة من الواقع الذي لفظ الشاعر؛ للبحث عن هويته، وليس الشعر هنا سوى ذلك الحلم الذي يروض أفقه كما يروض الغيث الأرض.   

وتقوم عناية الشاعر بقضايا أزمات الواقع، وضياع الحلم، على تباعد "المسافة البينيية المولدة لاضطراب الهوية"؛ لأن مسألة تعيين الهوية ليست أبدا مسألة تأكيد على هوية متعينة مسبقا، ولا هي نبوءة تحقق ذاتها، إنها على الدوام إنتاج صورة للهوية وتغييرٌ للذات باتجاه اتخاذها تلك الصورة، والحاجة إلى تعيين الهوية، أضف إلى ذلك أن تعيين الهوية التي يبحث عنها الشاعر هو على الدوام عودة صورة للهوية تحمل علامة الانشطار في المكان الآخر الذي منه تأتي[44]، من دون أن يعرف المرء في نظر الشاعر إلى أين ترمي به المغبَّة، وإلى أيٍّ من شطآن النجاة من الخطر يجد فيه ظل ذاته، بوصفها حقلا لتحقيق الإحساس بالانتماء؛ لذا أصبحت ممارسة البحث عن الذات محورا أساسًا في ظل جور التباين، وتناقض اليومي الذي أزاح حقيقة المعنى من السياق الذي يبحث عنه الإنسان، في ظل الوجود القلق، وضياع فرصة الانتماء:

          ففي النهاية

لن تكون أنت

سوى حرف أضاعَ نقطته،

سوى حرف يحتضنُ نفْسه

وينامُ وحيداً

مثل يتيم طُرِدَ من الملجأ[45]

كل شيء يوحي بالتفكك والذرذرة مع (الضياع، وانقباض النفس، والوحدة، واليتم) حيث كل شيء يرمي بالشاعر، لسان المجتمع، إلى العزلة النفسية قبل العزلة الاجتماعية، والتحلل من الارتباط بالقيم، والثقافة، وعدم الانتماء إلى الوطن، ولنستمع إليه حين أجاب سائله في إحدى محاوراته عما إذا  كان راضيا عن استبدال جنون المجهول بجنون الوطن، فقال: 

* بالتأكيد لا! لكنّه قدري المكتوب وخياري الذي لم أختره! هكذا بادلتُ الوطن بالمنفى، وجنون الوطن بجنون المنفى، وجنون المعلوم بجنون المجهول،[46] فيما يشبه صورة الانعزال القسري للإنسان في هذا الزمن الموبوء، من خلال الشعور بالوحشة، وفقدان الاتجاه، بوصفه أحد أهم النماذج المتحققَة "لانهيار الهيكل الثقافي للمجتمع الذي يحدث بصفة خاصة حينما يطرأ انقطاع حاد في التواصل بين الأهداف الثقافية وقدرات أفراد الجماعة، تلك القدرات التي حددت بما يتفق والهيكل الاجتماعي، وبحيث يتم إعمالها وفقا لهذا الهيكل"[47]

د ـ اللغة مأوى الشاعر/ كسر القاعدة:

        إذا كان للإبداع قواعد فنية ينطلق منها، فإن للمتلقي أحاسيس ذوقية يتأمل من خلالها ما تريد الصورة قوله في بيان الحدس والسعي إلى تشفيره، ولعل هذا ما يعطي العملية الإبداعية بعدا آخر، منظورا إليه بوصفه تصويرا حدسيا يمتح خصبه من بين ما هو متاح من تجارب الواقع، وتمثيل مدلولاته. وقد لا يختلف اثنان على اللغة السردية التي أضفى عليها الشاعر خياله الجامح، فأنتج منها لغةً تجمع بين الرؤيا النافذة والشاعرية الفذّة، من خلال عبارات انزياحية ثرية طافحة بالأنسنة والتشخيص، وهي سمة غالبة على شعره التي تستند في صورها إلى عاطفة مثيرة ماتعة بالأحاسيس والمشاعر يتداخل فيها الذهني والبصري بما هو حسي ومعنوي في سطر واحد، وهو ما يدل على تجربة شاعرية فريدة لدى أديب كمال الدين[48]، ولكن هل استطاعت لغة الشعر في القصيدة المعاصرة بسياقاتها المرنة تشخيص الصورة الحدسية ؟ وإلى أي درجة يمكن لهذه اللغة أن تكوِّن انتماء لدى الشاعر يستند إليه لتعزيز مكانته؟

       لا أحد يتنكر لفعل الإبداع بتنوع وسائل أدائه ـ واللغة من أهمهاـ لتحقيق أثر هذا الفعل، وتنوع منجزات رؤاه، ونقل معناه بسبل متنوعة، بخاصة إذا استوجب توظيف لغة الواقع؛ "لتوليد المشاعر عن طريق الإدراك الموضوعي، واكتشاف أن لا أفكار إلا في الأشياء... وأن الصورة الشعرية لا تكمن في نسخ التجربة، وإنما في إعادة خلق مثالي لها وواسطة لرؤية ما وراء الإدراك، إلى داخل الأشياء؛ أي قوة إدراك خاص وجمالية جديدة"[49]

       وتأخذنا لغة الشاعر في صورها الدالة إلى تبديد الذات في تضاعيف رسم الحروف ـ على وجه التحديد ـ وتوزيع مواقعها، وهو طرح لا يخلو من صعوبة في الفهم الشمولي من المتلقين؛ لأن لبناء الصورة في شعر أديب كمال الدين دلالة خاصة في ارتباطها برسم الواقع وتمثيله مزية الرؤيا الاستشرافية. ومن هنا كانت لغة الشاعر محررة من عوائق المضمون، ومتمردة على المرجعية الموجهة، وكأننا به يفكر بالحواس، ويخترق الواقع بالرؤيا الكشفية، حيث يكون كل شيء عنده مهيئا للتبصر.

  لقد كان الشاعر أديب كمال الدين يستقي من اللغة اليومية صورا مجازية يتفاوت فهمها بين متلق وآخر؛ لاكتنازها بالتصوير المجازي، شأن السرياليين الذين حرروا اللغة من القيود المتراكمة وإعادتها إلى واقع الحال بما هو عليه الوضع في السياق الاجتماعي بأشكاله التنظيمية المرنة بحسب مستجدات العصر ووسائله التكنولوجية التي أسهمت في تسطيح كل شيء، وليس الفن، والشعر منه على وجه الخصوص بمعزل عن هذه المرونة التي وطنت الهوادة في اللغة، وإذا كانت لغة الشاعر عملا فنيا يستشرف الحقيقة بعد أن يصفها، فإن اللغة بهذا المعنى قصيد أولي، سابق على الشعر كشكل متحقق في القصيدة، وذلك أن "الكلام في مادته الخام هو القصيد" والشعر الحقيقي"ليس أبدا مجرد نمط من القول متميز عن الكلام الذي نتداوله يوميا، مادام هذا الأخير هو الذي يشكل على العكس من ذلك تماما قصيدا منفلتا ، أي منسيا كحقيقة الوجود، ومن ثم قصيدا منهكا من فرط الاستعمال اليومي[50] 

ولعل ما يميز شعر أديب كمال الدين هو اتخاذه مسلك الإبداع الكشفي الذي يستند في معظمه إلى التلقائية التعبيرية المفعمة بالحدس، والفِراسة، وليس غريبا أن يكون الأمر كذلك كما هو الحال في هذا المقطع:

حينَ طردتُ الموتَ من النافذة

دخلَ من الشبّاك،

وحينَ طردته من الشبّاك

دخلَ من النافذة.

هكذا خرجتُ من الباب

لأجد الموت

يحملُ سيفاً ودرعين،

مسدساً وثلاثَ بنادق

ومدفعاً من النوعِ الثقيل.[51]

تبدو لغة الشاعر هنا خرقا لتركيبة الصورة في نسيجها الفكري يحدوها عالم منجرف تحت وطأة المحاذير الجارحة، ولكن بقدر كبير من التمعن نجد في ترابط السياق اللغوي ما يشفع للشاعر بالكتابة على هذا النمط المجازي لتقريب صورة انفكاك الترابط بين الذات ومحيطها، لذلك جاءت لغته بينة التفصيل من حيث التركيب وفي الوقت ذاته تبدو مغرقة في الغموض الدلالي، وهو يعطيها صبغة الانفتاح على أكثر التمحيص. ولعل مرد ذلك إلى عدم التقيد بمعايير لغة الشعر المألوفة، بالنظر إلى ميل نسق الكتابة عند أديب كمال الدين إلى التلقائية الإبداعية التي استطاعت أن تمكنه من خلق مساحات واسعة من الاحتمالات والارتقاء بها إلى ما فوق الواقع Hyperspace لذلك بدأت قصائد الشاعر في تركيباتها غير مألوفة ، كونها تستند إلى رموز ملتبسة ، دون أن تعيق القارئ الضمني المتفرس عن الوصول إلى المعنى المراد، واستخراج ما فيها من صور تعبر عن عالم اللامعقول الذي عرفه مارينتي Marinetti, Zang بوصفه " تضمينا للقياس المستقبلي، بأنه في عالم اللامعقول، ليس من شيء لا معقول، بحيث ليس له معنى، وبذلك تتناغم الصور المجازية الجنونية تناغما تاما مع الاتجاهات الحديثة المعقلنة بصورة متعددة لربط المتنافرات[52].

وإذا كان الشاعر يميل إلى استخدام التعابير العادية بسهولتها الممتنعة، فإننا يمكن أن نطلق على هذه الصورة بـ" استغلال الذكاء المسلَّل" للوصول إلى المراد  الذي لم بعد يبلغه إلا الكلمات السائغة بتعبيرها السلسس، والتي من شأنها أن تمكن قدرة المتلقي على الاستنتاج بقوة ذكائه الذي لا يكتسب دلالة ما تنتجه إلا من جراء ماهية الدال القرائي indexical signifier المدعوم بالدال المرآوي the specular signifier، وكأن الشاعر يتأمل رؤيا وراء لغة، بوصفها أداء في مجازاتها، فهي من جهة صعبة المنال، عسيرة الترابط، متعذرة على الآخر، وبالمقابل فهي شديدة التماسك، سهلة المرام في فهمها بعد تجريدها من الصور المجازية، بينة في سياقاتها، طيعة في تذوقها، وفي اعتقادنا أن اللغة الشعرية في القصيدة المعاصرة خطت لنفسها هذا السبيل دون التخلي عن قيمة المجاز حتى تحقق معادلة ربط الحدس بالواقع الممكن، أو علاقة الحاضر بالمستقبل، من خلال اللغة بوصها ووسيلة تواصل، وبوصفها أيضا أوعية للمعاني على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني: "واعلَم أنَّ ما ترى أنَّه لا بُدَّ منه ترتيب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص، ليس هو الذي طلبتَه بالفكر، ولكنَّه شيءٌ يقع بسبب الأوَّل ضرورة، من حيث إنَّ الألفاظ إذا كانت أوعِيَةً للمعاني فإنها لا محالةَ تَتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجَب لمعنى أنْ يكون أولاً في النفس، وجَب اللفظ الدال عليه أنْ يكون مثله أولاً في النطق"[53].

والحال بالنسبة إلى الشاعر أديب كمال الدين أن تعزيز المعنى الدلالي لديه يكمن في الدلالة اللفظية من خلال إدخاله الجملة الكلامية في سياقها التعبيري المألوف، ضمن سياق المجاز بانحرافها من المواضعة إلى التأويل، أو من الحقيقة إلى المجاز. ويبقى السؤال المطروح في لغة الشاعر لمن المزية لنظم التعبيرأم لدلالة المعنى، لجودة السبك، أم لجوهر الدلالة. ويبقى السؤال مطروحا منذ مقولة الجاحظ[54]"، وتبعه في ذلك الجرجاني الذي أشبع موضوع اللفظ والمعنى تحليلا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 المبحث الثالث

رؤيا الإشارة بدلائل العبارة / مقاربة تأويلية صوفية

 

 

أولا ـ مبلغ المطلوب في سمت النص

1.     تباريق تجلّي المطلوب

تبدو القصيدة المعاصرة في تحديها الواقع، عبارة عن إشارات دالة، بوصفها علامة تدفع بالمتلقي إلى خلق دلالات متجددة بتجدد مؤولها؛ لأن من أحد مكونات الشعر العاصر استبدال الرؤيا بالصور البيانية؛ بالنظر إلى أن رؤيا الخلق الإبداعي تستمد طاقتها من اكتناه عالم اللغة والفكر، رغبة في اكتشاف جوهر العالم بعد استبطان مضمرات جزئياته وكلياته، بعيدا عن النسق الدارج بمرجعياته المستنفدة.

وإذا كانت الرؤيا الشعرية المعاصرة تتجاوز التصوير بالمجاز والاستعارات؛ فلأن عالم اليوم بات يتخفى وراء الكلمات إلى أن أصبح المعنى فيه ملغزا، وإسقاطه من دائرة المنطق، بعد أن تفككت المفاهيم والقيم؛ الأمر الذي غيَّب المعنى الحقيقي؛ وجعل الوعي ـ برمته بما فيه الإبداع ـ غير قادر على الفهم، وهو ما أطلقنا عليه في كتابنا "دلائلية النص الأدبي"[55]  بـ "القصيدة السمة"؛ أي بتحويل الرؤيا الشعرية من "الصورة" إلى "السمة"؛ حين انتقلت القصيدة ـ في نظرنا ـ من النمطية المشار إليها في المرجعية الإبداعية في قصيدة الصورة، بمحمولاتها الدلالية، إلى القصيدة السمة التي تقوم بالكشف عن أنظمة العلامات، وهي أنظمة قوامها الإبانة عن الجنوح الذي تمارسه الذات، وتسهم في تشكيل المعنى عبر القيمة الدلالية المرتبطة بالكلمة التي تستمد شرعية سماتها من العبارة اللغوية، أو البياض الباني.

ولقد أصبح الفكر البشري ـ مع بداية الألفية الثالة ـ يتيح لحركيته أن يتفرد بالنزعة الذاتية في تنظيم عالمه المستقل، ولعل الاستقلالية المقصودة هنا "هو توسع النشاط غير المشروط في حدوده اللامتناهية والمرنة لرؤيته المعرفية والسلوكية". ومن هنا سادت السمة الأساسية التي تميز الفكر الإنساني في توجه الممارسة التلقائية، ضمن توحدها مع جميع حساسية المناهج، وهو ما يتيح للنص الأدبي ـ كغيره من المعارف الأخرى ـ أن يتشعب، انطلاقا من فكرة "خلية النص الرحمية".

ولذلك فإن هوى حلم الإنسان المعاصر تقمص محاولة الهرب من المشهد الخارجي البهيج، والدخول في عالم ملكوت الفيض الداخلي، إلى حيث عالم الممكن في لا محدودية رغباته، والتطلع إلى ما وراء حدوده المعرفية بتكسير كل المنهجيات في إجراءاتها الرتيبة، والتي كان من شأنها أن غربت كيان الذات المستشرفة على ما تتوق إليه في عالمها المثالي الذي أقصيت منه.

والنص ـ  في مكوناته ـ  كانت تحكمه روابط سببية وفق نظام اجتماعي ينبغي احترامه، وشيء طبيعي أن يكون التفكير عموما يصبّ في صيرورة الموضوعات الخارجية في صورتها الشكلية، مادام القانون العرفي ثابتا، لذلك كانت حدوده ضاربة في مسار نمط القواعد التقليدية.

غير أن مدلولات واقع سيمياء النص ترفض هذه الرؤية الخارجية بحكم اعتمادها التصور المتحزب للفكر. وهو ما تؤكده بنية تطور الطبيعة البشرية التي خولت للإنسان دوره الفعال في الإبداع الذي يشترط فيه توافر حرية التخيل، بالقدر الذي تنتج من خلاله أساليب تتعارض مع السائد المقيد بقانون السبب والنتيجة؛ لذلك لم يعد للدراسات الأدبية بمفاهيمها القديمة تلك الرؤية المرشدة في صياغة التراكيب الأسلوبية؛ لأن الأمر على النحو الذي بقيت عليه القصيدة الصورة شأوا بعيدا أظهر عجزه في حقل المناحي المعرفية التي تأثرت هي الأخرى بالدورات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية. وهو ما جعل هذه المفاهيم آخذة في الزوال، أو في تطور مستمر، تبعا لتعقيدات روح العصر، من منظور أن المجتمع اليوم كيان متشابك العلاقات ومتداخل الأجزاء، ولعل هذا ما جعل نسيج المجتمعات الحديثة تفقد الروابط والقيم الانضباطية، وحتى مركز الجماعة الذي كان يُسيِّر الضمير الجمعي لم يعد له ذلك التوجه الرقيب على سلوك الناس في واقعنا المعاصر، وهو المآل الذي أدى إلى تنوع في العضوية التي ينتمي إليها كل فرد تبعا للتغيرات الطارئة على المجتمعات. 

ولذلك، تزايدت حرية الإنسان من خلال إثبات شخصيته، التي كانت في يوم ما تسير نحو ضغط معين، وفي ذلك انعكاس لطبيعة الرؤية الموضوعية في الشئون الفكرية التي تحدد البناء التصوري في خيالات الناس المرتبطة أساسًا ـ  في افتراضاتنا على الأقل ـ  بالمعرفة السوقية التي تتخذ عنوانًا لها تباعا في المعرفة الفكرية. ولكن، فوق ذلك كله، فإن استرداد المسؤولية على عاتق الفرد ـ لتحديد شخصيته ـ قائمة على الأخذ بالمنافسة التي تؤهل صاحبها في استخدامها الى التعامل مع مقاييس حرة جديدة، في كل مرة تتناسب واختياراته في أوسع مجالاتها.

ضمن هذا الإطار، ومن هذا التوجه، يمكن عدّ السمة في صورتها السيميائية التي نطرحها بديلا للصورة على أنها أداة متحررة في حركة تفاعلها مع النص الأدبي، بفعل تمركزها على معطى الظاهر والباطن، من حيث كونها تشغل كل فضاءات النص الحاصل، وإعادة بنائه، وفق ما يرتبط بفاعلية الاستنباط الذي يعتمد على واقع القراءة في إجراءاتها غير المشروطة للفهم التأويلي. ومن هنا، يمكن تقدير "القصيدة السمة" على أنها لا تملك الصفة المطلقة في أدواتها الإجرائية لتأكيد الغاية، أو إظهار الحقيقة التي يبرزها النص في معطاه الخارجي، وإنما ابتعادها عن المعنى المطابق صفة مميزة لها، سواء تعلق الأمر بمظاهرها الدلالية، أو بخطاطاتها البيانية، ضمن علاقات تجمع بعضها ببعض وحدات متمايزة مستقلة.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن الحلم المشرئب لكل فنان يعدُّ صورة يانعة في حقل خواطر الذهنية الإبداعية في مراهناتها على استشراف المستقبل، فمن باب أولى أن تكون الدراسات النقدية فاتحة على الفرضيات، من منظور أن كل فرضية احتمالية نزعة لوجود الذات، أو للتعبير عن الذات، ومن هنا، تتعزز فكرة القصيدة السمة، بوصفها تستند إلى مبادئ فضِّ التجربة الذاتية في واقعها الافتراضي، وفي ملابساتها التي تكتنفها، لذلك تستأهل الفحص الدقيق للتصورات المرتقبة.

وهذا يجعل من الميسور التسليم بأن الأمر على هذا النحو إنما يدفعنا إلى ترجيح استعمال مصطلح السمة بديلا للصورة، ظنا منا أن النص بدأ ينحو في اتجاه اللامحور، أو قل في ذلك أنه وُجِّه توجها حرا على غير الوجهة القصدية التي وسمته عبر مراحل تطوره.

ومن هنا، فالمبدأ الذي بمقتضاه تلوح القصيدة السمة، أنها تتوازى مع القصيدة الصورة في توافقها الخفي بين ظاهر الشيء وشعور الفنان، غير أن القصيدة الصورة تتعامل مع المجاز من حيث كونه مجموعة علائق، توجه الأخيلة الشعورية، بفضل قوة إدراك الرؤية المتغذية من المناحي العاطفية التي يجلوها تأمل الفنان، في حين أن الأمر يختلف نسبيًا مع القصيدة السمة التي تتجاوز حدود التصور الخيالي في قوته الإدراكية إلى براديجم جديد، بسياقات مستحدثة بصفتها علامات في آلية نزوات لا واعية... تفسر النص على أنه ممارسة متغايرة جذريًا مع كل ما سبقها، وكل ما سوف يلحق بها، إنه اختزال جمالي لنزوات بيولوجية أو بيو– كيمائية، وممارسة ثورية تكسر القواسم التي تساوم عليها السلطة السياسية؛ أي اللغة.

وكل هذه المنظومة من التضادات تتعلق بهاجس تجاوز البنية الرمزية "اللغة، الشفرة، الشرائع" عبر سياقات معقدة، ونفي منهجي قادر على تأمين احتمالات لحرية الكاتب أو القارئ.[56]

وهنا، ينبغي أن نبذل كل ما في وسعنا لتوظيف مؤهلاتنا وخبراتنا الثقافية في تلقيحاتها المتساوقة، حتى نقترب من ذات مستوى المبدع، المفتِّت للانفعالات الباطنية التي تغيب عن تصوراتنا نحن في كيفياتها المعرفية.

ومن ثمّ، فإن استعمال السمة في استخراج ملامح الرؤية الشعرية لا تبرهن بأدواتها الإجرائيةـ المستخدمة في تحليل النص ـ على استدعاء النتيجة، أو الاحتكام إلى الرأي الفصل، بقدر ما توضح سبل الملابسات، وطرح الإشكالات؛ ضمن طرائق معرفية متداخلة، وفق ما يسطره منهجها الحر للتوغل في البنيات الإشارية للمكونات الحضارية، ووفق ما يرتبط بعلامات النص وشفراته المفتوحة في إسقاطاته المتعددة. ومن هنا، يكون التركيز "على صوغ علم علامات تحليلي، أو التحليل الدلالي (La sémanalyse) الذي لا يتمحور فقط حول استنطاق مدلول اللغة، إنما يتوكأ على معطيات نستقيها من علم النفس التحليلي والرياضات، ومجمل المفاهيم الضرورية للقبض على النص كممارسة ذات تعبيرية هادفة "[57]. ولذلك ليس من غرض القصيدة السمة الانشغال بمعرفة الحقيقة، أو الاحتفاظ بالمرجعية، وإنما تكسير المنهجيات، واعتماد الرغبة في نشوة التقبل من الشروط الضرورية لاستكشاف المفاهيم الجمالية، اعتقادا منا أن هذه المفاهيم الجمالية تسير في خطوط متوازية في تعاملها مع القصيدة السمة، وليس بالضرورة أن تكون متقاربة أو متساوية الفهم، بقدر ما ينبغي أن تكون صورة الفهم الجمالي في مضمونها الدلالي قائمة على الذائقة اللامتناهية بالدخول في نص لاحق مفتوح. ومن ثم يمكن تعداد القصيدة السمة أنها تحاول التسلط على المعنى من حيث هو في جميع مجالاته، التشاكلي، والتبايني، والانزياحي، والتقايني، والرمزي، أو نحو ذلك من المصطلحات التي تأخذ حيزها في القصيدة من سلطة اللغة.

وإذا كان فهم النص باللغة قاد ـ إلى ما أسماه بعض النقاد[58] بـ "إيديولوجيا اللغة؛ من منظور أن مذهب اللغة، لا اللغة نفسها، استطاع عبر صياغته المتماسكة أن يجعل العالم قاطرة تجرها أحصنة اللغة،... فتحول النص، وتاليا العالم، إلى بحيرة من الوحدات الصغرى والكبرى... وتحول الخطاب حول اللغة إلى أن يكون هو اللغة نفسها...إذا كان الأمر كذلك مع من تبنى إيديولوجية اللغة، فإن هيدغر عدَّ اللغة بيت الوجود، ما يعني عزل اللغة عن إيديولجيتها. وما ربط هيدغر اللغة بالشعر سوى دليل على أن معنى اللغة لديه هو معنى الإنشاء الكتابي للوجود، وليس معنى حلولها محل الوجود[59] في رؤاه التي تخطاب القوة المفكرة والقوة المتخيلة. وفي اعتقادنا أن القصيدة المعاصرة هي نسيج بين هاتين القوتين في ضوء نسيج من السبك تحكمه الرؤيا وسكب الإشارات باللغة؛ لأن كلا من الرؤيا والإشارة يصدران عن التأمل. وفي ضوء هذا التصور تكتسب القصيدة السمة صفة التضايف مع منزع الكشف الصوفي، وحالة التجاور بين الشاعر والمتصوف في ضفيرة النسيج المشترك بالحدس عن أسئلة الكون، رغبة في احتواء سمة الوجود أمام غياب اليقين، بمناقبه ومثالبه بدلائل العبارة.

ولعل نبض اللغة في بنية النص، يتشوف كينونة الرؤيا التي تنهل من المعين الفكري والنبع الوجداني، ومن الرؤية الفنية والإشراق الصوفي،  حيث اجتماع العقل والحس/ اليقين والتطلع، في كل ما يكتب من رؤيا كشفية تشكل المنحى الباطني سِمَتَه الأساس، ولا يقف على معناه إلا من وقف على أسرار الإشارات الدالة بمنظور السِّمَةِ  التي اقترحانها بديلا للصورة.

ولعل استنادنا إلى وظيفة السمة نابع من كونها وسيطا دلاليا لإنتاج معان دالة من إسنادات الصورة المجازية التي من شأنها أن تسهم في استثارة المتلقي، وحمله على التروي في التأمل باستنتاج أنواع الدلالات المستنبطة، وليس أدل على ذلك من روائع كتابات المتصوفة، أو من سار في فلكهم من الشعراء المعاصرين الذين يسبحون في دلالاتهم داخل اللغة، ومن خلال ابتداع العبارة الموحية ببهاء الإشارة التي تستهوي رغائب المتلقي؛ بالنظر إلى ما نجده من انزياح displacement وتكاثف condensation، بعمق دلالاتها، وفيض معانيها، من منظور أن الرؤيا الشعرية جاءت لتصوير حس الفجيعة والمحتوى المأساوي لجدلية الذات في صراعها المحتوم مع الكون، وتعبيرًا عن صرخة القلب، وأنَّة الروح، في مواجهة مشكلاتها المصيرية، وقلقها الوجودي في ثنائية تقابلية تتأرجح بين الطموح والانكسار.

والحال، أن مورد فيض السِّمة الشعرية، وبديعها، لدى بعض الشعراء المعاصرين هو من قبيل تجاوز الصيغة الصورية النهائية التي رسمها الواقع بوصفه نمط حياة، في السكون النهائي بالاغتراب، إلى مضرب اعتناق اللانهائي في المطلق، حيث الانجذاب إلى الأنس بالروح، فيما تعبر عنه رؤى الشاعر من عناصر متكافئة بين تحسس حقائق القيم المغيَّبة والرغبة في السمو بإنسانيته الرفيعة، وما بين محاولة التبرير لغياب اليقين والبحث عن جوهر الحقيقة، يكتنه الشاعر المتصوف عالم الرؤيا الكشفية، بوصفها الوامض المتوهج لاستجلاء علاقته بالكون.

وقد وجدنا في شعر أديب كمال الدين ما يسوغ لهذا التصور الذي أسس فيه إجادة إبداعه على قطب الرؤيا الوجدانية التي يكون المدار عليها البحث عن المقام الأسمى في الأفق المبين، والمدى الأبلغ. وقد عبر الشاعر عن ارتباطه بالشعر الصوفي صراحة في قوله: أنا في داخلي متصوّف وملتزم بهذا التصوّف وسلوكه الصارم على مدار الساعة. والتصوّف عراقي عربي إسلامي! وهكذا تحت قميص الجينز الذي أرتديه ستجد خرقة الصوفيّ! وخرقة الصوفيّة (صناعة) بغدادية عراقية عربية إسلامية، هي بعبارة أخرى: (صناعة) حلّاجية، جُنيدية، نُفّريّة، وهي قبل ذلك بالطبع (صناعة) محمدية علوية حسينية.[60]

أمام هذا الاعتراف سنقف مع من وقف مع الحرف، بوصفه حقيقة وقناعا، ورمزا وصورة، يمارس لعبة باطنية Esotorique ليس من السهل إدراك مراميها، ولا الوقوف على تخوم النوع المعرفي الذي يؤسسه منطقه كدالٍّ ومَدلولٍ في الوقت نفسه، أو يؤشر عليه، غير أننا نستطيع الاقترابَ منه والحديث عنه كشبكة رموز تكمن وراءها سلاسلُ من المعاني، تُلقّحُنا ضد الإدهاش الذي يزرعه فينا لأول وهلة: في العين والذاكرة والوجدان والمخيال. فهو رمزSymbole  مختلف في معناه، تماما عما في علم الدلالة Sémioligie؛ لأن أنظمته تحفر في القول، والحلم، والأسطورة، والتصوف، والوجود، وفي الماورائي[61]، الملتحم بالحقيقة العليا التي تلامسه المدركات الباطنية، كما نتوق إلى معرفة مقاصد حروفية أديب كمال الدين التي نسب إليها بالملازمة، في الأحوال والمقامات، حتى بات يعرف بالشاعر الحروفي، الواقف في مقام مواجهة ضياع الحقيقة المنفلة من اللحظات الهاربة على الدوام. على هذا النحو يتشكل تصورنا لهذا البحث الذي يسعى إلى تقرُّبنا من صدى الشاعر، ومحاولة معرفة صوت هاجسه الذي يستحضر فيه ما أطلق عليه المتصوفة بـ "نقر الخطار" الباعث على الإلهام، بما تطمئن له الذات، وفي ذلك سمة من سمات سمو الروح ضد كل كبحٍ.

2.     نور الكشف وصفاء الحال:

ما من شك في أن تجربة أديب كمال الدين تُطل علينا في رؤاها الكشفية ـ في جانب كبير منها ـ من شرفة جهة الاغتراب الوجودي، المتأثر باغتراب الوطن، بخاصة "أن الوطن المادي لا معنى له إذا قيس بالوطن الروحي الذي تقطنه تلك النفوس الشاردة"[62]، أو على حد رأي أبي حيان التوحيدي: "وأين أنت عن غريب ليس له سبيل إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان؟"[63]، أو كما جاء في قول ابن عربي المتطابق نسبيا مع غربة الشاعر حين قال:" فعلامة صدق المريد في غربته عن وطنه حصول مقصوده... فمن يتعلق قلبه بوطنه في حال غربته فما اغترب الغربة المطلوبة"[64]، هكذا هي الغربة عن الحال مع أديب كمال الدين، يكتب جذوره في الهجر بجفاء، ويواصل الزمن بين تلاطم الأمواج، بلا مرافئ، وهو النورس المهاجر الذي عانق المستحيل، بعد أن بخل عليه الوطن بعطاء ثمره المسلوب، وفَشَتْ عليه قوارعه، وزمانه المكرور، وتغطى بفضاء حلم الليل وتيه النهار. هو ذا في سيرته داخل مداره الأضَلِّ، الذي تحول من مجهول المأوى المستقر إلى معلوم الوجدان المشرئب، والمتلألئ بأسانيد الوعي الكامل، وبمعايير القيم؛ ينازل الزمان في دروب المفازة "وهو الحامل الذي لا محمول له سوى القيمة... وهذا يعني أنه علو لا يعلى عليه إلا بإيجابه الخاص؛ أي إلا بتجاوزه لذاته باتجاه ذروة كماله، أو صوب روحانيته البحتة التي هي علو فوق المادة، وثقلها، وجلافتها، وعجمتها، وافتقارها إلى أي تسويغ ممكن"[65]

وكيف يأتي الشاعر صفاء الحال وهو من فقد ما صنعته حيوية الإنسان، أو كل ما يرضي وجوده، أو يكون مددا للاستمتاع بلذة الوصال، وكأن الشاعر في مساعيه الوجدانية  يبحث عن المرام فيما وراء العالم الحسي، رغبة في الوصول إلى الجمال المثالي/ المطلق، من خلال التطلع إلى رؤية الذات، وكل ما يتجلى فيها من عمق الرؤيا في صلتها بالتجربة الحية، والانتقال مما هو طبيعي مجرد إلى متأمَّل جمالي، أو بوجه أعم، الارتحال بالخيال الممعن ـ عن الدارج المألوف في حياتنا العادية ـ إلى الطهارة الروحية التي من شأنها أن ترفع من ذات المبدع إلى صفاء الروح، في صورة الجمال المطلق، المتعدد المظاهر.

إن تصوير الحياة الروحية، بما تستوجبه الملامح الجمالية في مداراتها الدلالية، مودع في ذخائر أسرار حياة الشاعر؛ بما وَقَرَ في مضامين عباراته، ولطائف إشاراته، الدالة على القطيعة مع جوهر الواقع، والانكفاء عليه، نظير تعقيدات الحياة، وتعويضها بتسامي الروح التي تعطي الحقيقة معنى آخر؛ الأمر الذي أدى بالشاعر إلى استبدال التسامي الروحي ـ بوصفه واقعا مثاليا ـ بالتنزه عن الواقع المترع بالكدر، والميل إلى التواري خلف فضائل الأسرار، بوصفها السر المصون؛ لصفاء الإخلاص، وتزكية النفس، وتقوية الصدق في المعاملة بالقدر الذي تستدعية الرؤيا بالتجلي، وتحقيق القصد نحو الإلهام من رؤى، تعوض له ما فقده من واقع (مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ[66])؛ لا لأنه يغيب عن الرفعة والسناء، بل لأنه مرتهن بالإذعان، والاتضاع، والامتهان؛ لذلك ينذر الشاعر غيره بما قد يحدث فيه من خطأ الاكتواء بنار المظلوم الواقف على الظفر بالمطلوب، والدفع به إلى مكابدة مشاق الحياة، حيث الشعور بالاغتراب عن العالم الحقيقي، كما في قول الشاعر في قصيدة إنّي أنا الحلّاج:

لا تقتربْ من ناري!

من نارِ قلبي وسرّي،

فإنّي أخافُ عليكَ من النار:

من دمِها ولوعتِها وضوضائها،

فكنْ على حذرٍ

أيّهذا المُعذّب بالشوقِ والليلِ والأهلّة،

أيّهذا الغريب الذي يجدّدُ غربته

بدمعتين اثنتين

في كلِّ فجرٍ

وليس العالم الحقيقي المنشود إلا باستناده إلى الانعتاق من التبعية واكتساب حق الإرادة في تناسق مع طبيعة الحياة؛ لأن من خلال تجربة الاغتراب يدرك الإنسان أنه مسلوب المشيئة، وهو ما يحد عن استقلال الذات، والوقوف ضد إرادة تأكيد وجودها، ومعنى ذلك أن صفاء الحال في ذات الشاعر يتعزز من بريق التطلع إلى أفق تحقيق الرغبة، بوصفها فعلا مساعدا لاستقلالية الذات بعد تكوين وعيها وفق معايير القيم الإنسانية. وإذا كان الشاعر ينصح الغريب بعدم الاقتراب من نار الاكتواء؛ فإن اللامقول في هذا النصح يدعو إلى التحرر من كل قيد؛ لأن التوق هو المفتاح لجلاء الرؤيا والوضوح للفهم من أجل مكاشفة الحقيقة، حتى يبلغ الإنسان مبلغه في المرام، بعد تجاوز الحقيقة المعطاة، كما في قوله: 

يا عبدي

حرّرْ نَفْسَكَ بمحبّتي

فلا حرّيّة لكَ إلّا معي

ولا حرّيّة لكَ إلّا في مملكةِ العارفين[67].

والمطالبة بتحرير النفس بعد التحذير من عدم الاقتراب ممن لفحته نار الهَمِّ، وسُعار التبرم، سند إلى أن انعتاق الذات بمحبة المطلق، وبقدر ما تُبين الذات عن صفاء روحها، بالقدر نفسه الذي يقوي إثبات مبدأ الحقيقة المطلقة، المحايثة لاستعادة الإنسان قيمته في الحياة، وفق ما تمليه طبيعة العمل الإنساني في مسعاه للوصول إلى الفعل الذي يرضي الرغبة. والتناهي بالوصل إلى صفات الحق، روحا، ونمط حياة، كما دعت إلى ذلك، أيضا، الفلسفة: "أن نعمل طبقًا للحق"[68]. وما صفات الحق هنا إلا بوصفها قرينة بالحرية، وبيِّنة للكرامة، ودلالة على أقصى المنال؛ لاستعادة تجربة الحق المسلوبة؛" لأن تغييب الحق عن تجربة الحياة يعني جعل الطبيعة الإنسانية مفرغة من القوى الإيجابية، التي تجعل من العمل ذاته لا واجبا، وإنما قدرة إبداعية تتحرر من الضرورة الإكراهية، وتعاود معانقة الحرية"[69]

ولعل الحرمان من نور الكشف هو حرمان ما يبدو في القلب من نور التجلّي في تجربة الشاعر الوجدانية والوجودية معا، وحين يكون الوجود غير قابل للتعايش يعم الاشتطاط على الحق بالحرمان، وبدوره يكون مدعاة للاغتراب والانفصال عن الحياة بالإكراه، والاغتراب عن الخليقة للوصول إلى الحقيقة، وهو ما يطلق عليه في المصطلحات الصوفية بـ "اغتراب الهمَّة" في موصولها إلى استبدال الحق بالخلق، وهي غربة العارف بوجود الموجود في الوجود المشفوع بعدم الممكن، حيث يبدو العالم مكتسحا وعي الذات، وفي ذلك استحالة، مادام الوعي المحض قادرًا على تخطّي "كأس الندم":

حياتكَ ندمٌ فتبصّرْ

أمسكْها وقدْها

لا تتركْها تمسك بكَ لتقودك

فإنْ فَعَلتْ قادتكَ إلى بئرِ الندم[70]

 في مقابل معايشة تجربة السعادة بالوجدان، ومكاشفة الحق بالحق للحق في حقائق الممكنات، أو ما يظهر في أعيان الممكنات في سيرورتها، ولن يكون ذلك كذلك إلا بالتدبر، والإحاطة بالوعي الروحي، والدراية بالنفس التي تتدرج من الفاقة إلى القوة بالسعادة، أو التدرج من الستر إلى التوسل بالمكاشفة والمعاينة؛ لكي ينال السعادة التي لا حجب بعدها، كما في موقف الحاجب عند الشاعر:

أوقَفَني في موقفِ الحاجب

وقال: ما أسعدكَ اليومَ يا عبدي،

لا حاجب اليومَ لك

عن نوري وظلِّي.

دمعتُكَ ستقودكَ إليّ

وهي تغسلُ غربتَكَ وَيُتمَك

وتطلقُ طيورَ سعْدِك.

دمعتُكَ ستكشفُ لكَ عن لوعتِك

وتطهّرُكَ من عنكبوتِ ذنبِك

وأبابيل خوفِكَ وطلاسم دهرك.

دمعتُكَ ستكتبُ لك

شِعْراً بابه لي،

وممرّه لي،

وعنوانه لي،

ومدائنه لي،

ومواقفه لي،

وخلاصته: أنّكَ قد عَرفت،

ولم تعدْ جاهلاً أو ضائعاً

حتّى صارَ اسمُكَ العارف بي:

أنا عنوان سرّك.

معنى ذلك أن حد الكمال في صفاء حال الشاعر مرهون بتزكية النفس من أجل الوصول إلى مرتبة الكشف، ولم يجد سبيلا إلى ذلك غير اللغة بوصفها المؤسسة للحركة الدرامية في مثل هذه الحال، حيث اللغةـ في القصيدة السمةـ ملاذ الشاعر الوحيد يتوارى من خلفها في مواجهة خطيئة الحياة التي أصبحت في نظره تحد من قيمة الأفق المثالي؛ والحد من هذا الأفق يؤدي إلى ولادة ألم يكون الندم فيه بمثابة الخلاص السلبي في مواجهة الحسرة، ولكن سرعان ما تعيده ـ  فكرة الخلاص هذه ـ إلى "التبصّر" للإفصاح عما يتخالج في الذات، ويتوارد فيها من خواطر، تجعل التأمل يتخطى حدود المستحيل، ويجوب كل الدروب التي تقع تحت تأثير التأمل، حيث تتلاشى المعوقات، وتتعاظم الروح المطلقة في اتجاه التفكير الأسمى:

هو ذا سرك الأعظم يا عبدي[71] 

وإذا سلمنا بهذه الحقيقة، فإن هذه الذات المبدعة تعيش في صمتها الصارخ، ولجَّة موجها الهادئ، نقيض ما في واقعها، وعكس ما يحيط بها، فتحاول الانفكاك والانفلات من إسار جحيمها الأرضي، أملاً بالتحليق في فضاءات أنقى؛ لتجد نفسها في مواجهة مصيرية مع ذاتها ومع الآخرين باستثارة المشاعر.[72]

ثانيا ـ وقفة السالك في الحرف

1.     الحرف مقام الحيرة

يتقاسم الشاعر أديب كمال الدين مع حروفه مصير وجوب الوجود، ومصير مواجهة الواقع المحتوم، حيث يجد نفسه موزعا بين تعمية العدم في التباسه، ومشارف التأملات الشاردة في السعادة المغيبة؛ أي بين التيه في ضلال المجهول والاهتداء بأحلام تباريق تجلي الروح.

وإذا كان أديب كمال الدين قد رهن مصيره بالحرف في مساره الصوفي؛ فلأنه يرى فيه ـ مع النقطة ـ التربة الخصبة التي تنقدح منها رؤاه، ومدار أصل معرفته بالعلم، والعالم، والمعلوم. وبثنائية الحرف والنقطة يجتاز الشاعر مرتبة الوجود الأضلّ، بحثا عن الأفق المُظِل، خلف رمز الحرف وإشارة النقطة في سفره معهما، وهو سفر غير متناهٍ، يجنح به إلى تحولات الذات داخل سياقها الروحي، الذي جاء بديلا عن سياق الواقع الأصلي المأزوم، والمصاب بقدره الميئوس، والمسكون بالفقد. والشاعر إذ يميل إلى الحرف بطريق المشاهدة؛ فلأنه ـ أيضا ـ أراد أن يبيِّن ما نُفث في قلبه من صبر لمواجهة المحن ببدائل العبارة التي تتيحها لغة الحروف، وحين يتكلم الشاعر من خلال الحرف؛ فهو بذلك يربط علاقة امتلاك بينهما، وبينه وبين النقطة؛ وبذا تعتمد قدرة الشاعر على التعبير عن التجلي بالاستعارة المطلقة للحرف والنقطة، وأن الصورة الحقيقية ـ في نظرنا ـ لرؤيا الشاعر تكمن فيما وراء دلالة الحرف. وبحسب هذا المنظور "تستقيم البنية الدّلاليّة لعبارة "حرف" انعكاسا لبنية العالَم وتوضيبا له، وفق رؤية معرفيّة  تحاكي تمثّلنا للأشياء، وما تقيمه من علاقات تترادف حينا وتتباين حينا آخر. هذا ما أشار إليه " مشيل فوكو Michel Foucault" في ترتيبه للعلاقات العِلّيّة القصديّة القائمة بين "الكلمات والأشياء" "فالبنية بحصرها للمرئيّ وبغربلتها له، تمكّنه من أن ينتقل إلى اللّغة ويترجم فيها. وبفضل البنية، تنتقل قابليّة رؤية الوجود بكامله إلى الخطاب الذي يأويها ويحتضنها. "على هذا النّحو يكفّ الحرف عن كونه مجرّد علامة "اعتباطيّة" في نظامنا اللّغويّ؛ ليصبح رمزًا بكلّ ما تحمله الكلمة من معاني الاختزال والالتباس، أوهو شكل من أشكال "الإبراخيليا" (Brachylogie)، ينطبق عليه التعريف ذاته، فكلّ حرف من الحروف الأبجديّة من حيث حمولته الرّمزيّة هو "عبارة تعرف القصر في الخطاب والصّغر في الأحجام الخطابية."[73]

وما الحرف في هذه الحال إلا استنتاج مضاف للحقية الكشفية التي يجد الشاعر فيها ضالته، بخاصة حين تتداعى الصورة الكشفية عبر ربط العباراة بالحرف المصون بالإشارة، وكأننا بالشاعر يريد أن يبحث عن الخلاص بالحرف، بوصفه المعبر عن الأعيان الثابتة، والحقائق المتميزة في علم الحق، كما في نظر المتصوفة في مقام حيرتهم من آثار القلق، المورث للانفصال؛ لذلك قال الشاعر: 

لكلّ مَن لا يفهم في الحرفِ أقول:

النونُ شيءٌ عظيم

والنونُ شيءٌ صعبُ المنال.

إنّه مِن بقايا حبيبتي الإمبراطورة

ومِن بقايا ذاكرتي التي نسيتُها ذاتَ مَرّة

في حادثٍ نونيّ عارٍ تمامًا عن الحقيقة

ومقلوبٍ، حقّاً، عن لُبّ الحقيقة.

وهكذا اتضحَ لكم كلّ شيء

فلا تسألوا، بعدها، في بلاهةٍ عظيمة

عن معنى النون![74]

          وترتكز دلالة الحرف في "سِمَة" قصيدة الشاعر على تجريد اللغة من دلالاتها الاعتيادية، والانحراف عن المعنى الذي استنفدته "الصورة الشعرية" في ممارستها التحليل الدارج، منذ بداية القرن العشرين، والفرق ـ في نظرنا ـ بين التحليل بالصورة والتحليل بالسمة ـ كما مر بنا ـ هو كالفرق بين معلوم الدلالة ومستور العبارة، أو بين مُبين الصورة، والمعنى الخفي في سر الإشارة إلى الحد الذي تنطمس فيه العبارة الشعرية بالرؤيا، حيث "كُلُّ إِشارةِ دقيقة المعنى تلوح للفهم لا تَسَعُها العبارة"[75]

 

          والشاعر في أثناء مجاهدته الحرف بمقاماته الوجدانية، يحاول أن يسمو عن درء الواقع، واعوجاجه، انطلاقا من القاعدة الشرعية التي تنص على "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة"، رغبة في الوصول إلى سلطان الحقيقة، ولعل في توظيف "النون" ما يشير إلى قسط وافر من هذا التصور؛ لأن هذا الحرف في نسق مكاشفة المتصوفة يعد حرفًا نورانيًا، وسر ديمومة التواصل نحو الشفق الأعلى، وإذا أضيف إلى ذلك استمداد قوة المعنى من ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾[76] تبين أن الشاعر يستند ـ في هذا التوظيف ـ إلى معنى القسم بالتعظيم في حقه، كون القسم في الآية ـ مع اختلاف أهل التأويل ـ  يأتي في مقام تعزيز الذمة، وتبرئة العهد، وتوثيق اليمين بالعلم والمعرفة، وكأن الشاعر ضمن هذا السياق ينأى بذات الواقع المكلوم، ويلجأ إلى ذات الصدور، والقرب بمجاورة معالم اكتشاف ذات الضمير؛ لتحقيق التواصل مع الحقيقة المنشودة، وتحقيق الانسجام مع المطلوب، كما في مطلوب النون: ((يا نوني)) بوصفه من "الحرف النوّاح"[77] الذي استأثرت به قصائد المتصوفة، بالنظر إلى قيمته الدلالية في معنى الأسى، وقيمته الإيقاعية من حيث كونه صوتًا مجهورًا متوسطًا بين الشدّة والرخاوة، وإذا أضفنا إلى هاتين القيمتن قيمة سمة أيقونة رسمه، تبين لنا أنه "مكوَّن من النصف السفلي لدائرة تتوسَّطه نقطة هي مركز هذه الدائرة، وأن نصف الدائرة السفلي هو أيضًا على هيئة الفُلْك السابحة فوق المياه، والنقطة الموجودة في باطنها تمثِّل بذرة الحياة المحتواة في الفُلْك، أو المغلَّفة به؛ وموقع هذه النقطة المركزي يبيِّن، إلى جانب ذلك، أنها في الواقع "رُشَيْم الخلود" أو "النواة" الثابتة التي لا تطالها كافة التحلُّلات الخارجية، أضف إلى ذلك أنه يتألَّف من نصف دائرة ونقطة؛ لكن التحدُّب هنا متَّجه إلى الأعلى، بما يجعل منه نصف الدائرة العلوي، وليس النصف السفلي... وكما أن نصف الدائرة السفلي يرمز إلى الفُلْك، فإن النصف العلوي يرمز إلى قوس قزح الذي "يناظِره"، بالمعنى الأدق للكلمة؛ أي بتطبيق "الاتجاه المعكوس". وهما أيضًا نصفا "بيضة العالم"، نصفها الأول "الأرضي" في "المياه الدنيا"، والآخر "السماوي" في "المياه العليا"[78]، وهو ما يبحث عنه أديب كمال الدين، ويسعى إلى القبض عليه من خلال "المياه العيا" بالمجاهدات والمطالب:

        يا نوني

ها أنت كبرتِ وتعبتِ

وبدأت الأحلامُ تركضُ بعيداً عنكِ.

يا نقطتي وهلالي 

لا مستقبل لكِ إلّا مع طفولة الصعلوك

وجنون الشاعر

ورؤية الصوفي

ووميض الرائي.[79]

 

ويبدو أن اختلاف أديب كمال الدين مع المتصوفة في توظيف الحرف مبني على المعنى وليس على الرتبة أو المقام، فإذا كان المتصوفة قد ربطوا الحرف بذاته، وصفاته، تعالى، وآلائه بنعمائه، امتثالا لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّـهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[80]، فإن أديب كمال الدين ربط الحرف بمعالم الوجود الذي يحدد علاقته بالكون، مقابل تجرده من الآخر الدنيوي، رغبة في طلب النجدة بالمرتبة العليا، بوصفها خلاصا من العالم الأدنى، وفي كلتا الحالين يقوم الفرق على ثنائية الظاهر والباطن. فبينما جاء الحرف عند المتصوفة رمزا لوجود الذات الإلهية على كمالها، جاء عند الشاعر أديب كمال الدين دلالة على رؤيته للوجود الأسمى والأعظم، مقابل الوجود الأدنى والأردأ، وكأنه بذلك يريد استبدال الأمجد بالأحطِّ، لما في الدلالتين من انعكاس في الواقع الذي كان وعاء لاستنفاد قدرات الإنسان، واستنزاف طاقاته. ولما كانت مظاهر الوجود المحسوسة عبئًا على انعتاق الذات جاء سعي الشاعر إلى انكشاف عالم الحقيقة في الباطن، "ومن نظر إلى الحقائق من الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ وتخيل كثرة المعاني. والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تابعا"[81]، ما يعني انفتاح الحرف على المطلق مقابل انصداع الذات، وما بين انفغار دلالة الحرف والانغلاق على الذات قهرا، يحصل الارتباك والحيرة في حياة الشاعر؛ الأمر الذي استدعى منه طلب الوصول صوفيا إلى المطلق، أملا في الخلاص الأبدي؛ لأنّ المشكلة الحقيقية التي يعاني منها الشاعر تكمن في اغترابه من الظاهر الآني في دلالاته العميقة المرتبطة بالباطن الكوني، لذلك يحاور الشاعر حرفه ـ على الدوام ـ فيما توارثه من فناء سرمدي، التماسا من المطلق إدراك ما فوق واقعي، وتوقًا إلى محاولة كشف الذات على حقيقة مجدها الأثيل، ورجاءً بالتخلص من طوفان الواقع المأزوم الذي أخذ الإنسان إلى الشطط والجور عنوة وقهرًا، لذلك نجد الشاعر يميل إلى خصيصة طلب النجدة في إدامة الحياة، وبغيةً في تمكين الإرادة عبر توظيف دلالة سفينة نوح؛ في إشارة إلى ما تعنيه دلالة الحرف بالعبارة المقلقة، رثاء لحاله بلطافة معناه:

ستموت الآن.

أعرفُ، يا صديقي الحرف، أنكَ ستموت الآن.

لم تعدْ نقطتكَ الأنقى من ندى الوردة

تتحمّل كلّ هذا العذاب السحريّ

والكمائن وسط الظلام

والوحدة ذات السياط السبعة.

لم تعدْ، أيّها البسيط مثلي

والضائع مثلي

والساذج مثلي،

تتحمل وحشةَ هذه الرحلة التي لم نهيّئْ

لها أيّ شيء

ولم يخبرنا أحد

عن مصائبها التي لا تنتهي.

انتظرنا – أنا وأنتَ – طويلاً سفينةَ نوح.

جاءَ نوح ومضى!

لوحّنا له طويلاً

بأيدينا

وقمصاننا

وملابسنا

ودموعنا الحرّى.

لوحّنا له بيتمنا الأبديّ

وبضياعنا الأزليّ.

لوحّنا له بطفولتنا العارية

وبشمسنا الصغيرة التي تغيّر طعمها

وأصبحتْ بحجمِ ليمونةٍ ذابلة.

....

وكنّا لا نطلب شيئاً سوى النجدة!

النجدة!

نعم، يا صديقي الحرف،

دعنا نصرخ الآن:

ال........ن............ج.............دة!

ربّما سيسمعنا ذلك الرجلُ الطيّب

أو مَن أرسله في مهمته العجيبة.

دعنا نصرخ أيّها الحرف الطيّب

ربّما سينتبه لنا.

لا تمت الآن أرجوك!

انظرْ هذا رغيف خبز لك

وهذه جرعة ماء أيضاً.

انظرْ هذه شمسنا لم تزلْ تشرق

رغم أنها بحجمِ حبّةِ قمح.

لكنّها شمس على أيّة حال!

لا تستسلمْ!

تمسّكْ بحلمكَ وإنْ كانَ خفيفاً كالغبار!

أرجوك

أنا لم أفقد الأمل بعد!

أرجوك

ال........ن............ج.............دة!

ال........ن............ج.............دة!

ال........ن............ج.............دة! [82]

 

2.     مقام الحرف في الحق

 

ويستلهم كمال الدين أديب توجهه الإبداعي من موهبته الفياضة بمصافاته وإخلاصه الديني، وبالتحديد من التجلي الذاتي باستعمال المصطلح الصوفي الذي يوقظ في المتلقي التأمل في الكون، بوصفه وعاء للقلق، الداعي إلى التساؤل. وإذا كانت الكينونة على النحو الذي يضيف إلى حاضنة الرؤيا قلق الشاعر وإثارة المتصوف، فإن الارتفاع بالذات ـ من كليهما ـ إلى أفق الأنا الأعلى، يُحدث حالة من التماهي المدهش بينهما على المستوى الذي تندمج فيه رؤى الشاعر والكشف الصوري لدى المتصوف في "ما هو بلا توسط ولا تعين"[83] وهي صورة تتكون على وجهها أعيان الممكنات. والحال أن هناك ارتبطا وثيقا بين الشعر والتصوف، من حيث إن الوعي الكشفي لدى الشاعر ضمن ما تطرحه العبارة الصوفية في شعره يبين أن هناك اندماجا، واتحادا، بين ما يتأمله الشاعر وما تفيض به سوانح الكشف لدى الصوفي، ومن ثمَّ فإن كليهما يبحث في عمق تركيبة الإنسان في علاقته بالكون، مع اختلاف بسيط في توظيف وسائل وجهات النظر، فإذا كان الشاعر يستند إلى الومضة الكشفية بالحس في إبداعه، فإن الصوفي يتوكل بالإشراق في جمع العزم على الفعل بالاطمئنان الروحي في إدراكاته الكشفية لكُنْهِ الذات، وفي كلتا الحالين يتملك الشاعر والصوفي حقيقة التأملات الشاردة، بوصفها السبيل نحو الكشف فيما يمكن أن تصل إليه الإجابة الممكنة؛ للأسباب التي أدت إلى البحث في هذا الوجود، على نحو ما جاء في قصيدة الحاء والألِف.

قالت حروفُ الحقّ

وهي تناقشُ في الألِفِ الشاب:

هل سَيُكْتَب له أن يعيش؟

بل هل ينبغي أن يعيش

أو ينبغي- ربّما- أن يموت!

قالت حروفُ الحقِّ كلاماً كبيراً

وكلاماً كثيراً.

نصفه غامضٌ ولا تذكره الذاكرة،

ونصفه لا يُفسّره إلّا العارفون.[84]

          تتطابق روح الرؤيا الشعرية مع بغية بلوغ المرام، وما بين حاجة المطلب واستجابة الحق ـ في قصيدة الحاء والألِف ـ يكمن الموقف من الوجود في أنماط حياته بالغربة المستدامة، فإذا استنبأت "حروف الحق" ما هو ظاهر وباطن، وما هو غامض وفي حكم توقعات العارفين، وما هو مُبين ومبهم مع حال الشاعر، فليس لهذا التساؤل، عندئذ، سوى البحث عن الاستقامة المطلقة التي يرغب الشاعر في تحقيقها، بعد هذا الضيم من الغربة الوجودية التي آل إليها، والتي تسكنها اللطيفة الروحانية في مستوى اللاوعي، ناهيك عن نزوع الشاعر إلى العهد الذي بينه وبين الحق، وهو بذلك يعيش حياة موزعة بين ضمير المتكلم بغيبته عن واقعه، وضمير التعظيم في حضوره بالقلب مع الحق، وفي ذلك سر الخفاء والغيبة عن الواقع المجدِب، والعقيم بكل ما يتجلى فيه من متواليات دالة على المشقة، والضنك، والعوز المستدام، وفي هذا ما دفع الشاعر إلى استبدال عالم الحق بالخلق، وهو الميل الأصلي الذي اختار له وصلة الحرف لمخاطبته، والحب الذاتي الذي يطوق سمعه "وإذا أحببته كنت له سمعًا" واستجابة:

وحدهُ الحاء

قال: اتركوه فهو شمسي.

هو مَن سيذكرني كلّما هلَّ اسمي.

وسيكتبُ عن رأسي وقد تناهبه الغبار

وحُمِلَ فوق الرماح

من بلدٍ الى بلد

ومن عطشٍ إلى عطش

ومن واقعةٍ إلى واقعة.

قال: اتركوه.

هل ستناقشون أخطاءَه؟

نعم، سيقعُ في الخطأ

لينجو إلى خطأ آخر

وسيقعُ في الظلام

ليرتحل الى ظلامٍ جديد.

لكنّه مثلي

سيموتُ غريباً

في البلدِ الغريب.

وستطفرُ دمعته

كلّما غابت الشمس

حزناً عليَّ وعلى آلِ سرّي.

قال: اتركوه فأنا منه وهو منّي![85] 

 

من خلال الحقائق الأليفة من الأعيان، لما في الحكمة المنطوق بها "حرف الحاء" في المصطلح الصوفي" بتفصيلاتها الدلالية التي تنحو نحو تعزيز المتجانس من كل ما بدأ بحرف الحاء من (حق، حقيقة "بتفريعاتها"، الحال، الحجاب، حرية، حفظ العهد، الحكمة، حب، عين الحياة...إلخ من المصطلحات والمعاني التي تعزز مدلولاتها نحو ما هو معروف لدى المتصوفة، استنادا إلى منطوق الكناية بهذه المصطلحات، وعرف الاستعارة الصوفية التي تقرب السالك في كشفه الإبداعي من تفصيل ظهورات الحق بالخلق، ومجال تجليات أنوار التوحيد، من خلال الإشراق الصوفي والرؤية الشعرية اللتين سوَّر بهما الشاعر نفسه، بالقدر الذي لا ينتهي إلى حد، وذلك لا يحصل إلا باللغة المنزاحة عن صورتها الأدبية؛ لأن الهاجس الشاغل للمبدع في خلقه المطلق يكمن في استعمال سِمَةِ الكلمة الدالة على الإشارة المؤيدة بالعبارة الصوفية، ولعل "الهم الموحد في كينونته الصوفية هو التجلي الأدبي ـ الأخلاقي والمعرفي لوحدة الذات في سعيها إلى التشبه بالحق، أو ما دعاه الصوفية بالتخلق بأخلاق الله، لكن إذا كان الأمر كذلك، فإنه يتخذ في ميدان الأدب صيغة التجلي العملي للمارسة اليومية، والتي تكشف عن نواياه، ومعالم سره في الطريق. وفي هذه العملية تتجمع، وتذوب، وتنصهر، مكونات الأدب؛ لتتخذ هيئة النفس المتجردة عما سوى الحق. إن أدب الصوفي في مستواه المتفاني هو أدب تقليد الحق (المطلق)، وفي هذا تكمن قيمته النهائية (الثقافية الإنسانية الدائمة)[86]

 

          وليس الحق الذي نقصده في هذا المقام متعلقا بالارتباط فيما يظهر من الأسرار الإلهية؛ أي بارتباط الشاعر بذات الحق كما هو الشأن عند المتصوفة، وإنما الشاعر هنا لا ينفصل عن واقعه، حيث يتخذ موقفه من الوجود من خلال تقديم صورة للتجربة الجمالية في نسقها الوجداني بوصفها حقيقة "ميتافيزيقية حدسية، أو ذاتية، لا تنحل إلى معرفة صارمة وصادقة بشكل تعميمي؛ لأن معناها إنما يكون لأجلي فقط، رغم كونها مستقلة عني، فهي بمثابة نداء، ولكنه نداء يفرض ذاته عليّ، ولذلك فإن مثل هذا النمط من الحقيقة هو ما يمكن أن نلقاه في خبرتنا بالفن"[87]. ومن ثمّ، فإن الحقيقة المتوخاة في نظر الشاعر الرائي هي المدار الجوهري الذي من شأنه أن يتم الكشف عن سمات الذات في تطلعها من واقع مداد الوجود الدني إلى الحق الأبي، حتى تتمكن مما يتقى ويحترز منه في تجنب المحذور، والصرف عن كل ما يثلب النفس، كما في قوله:

 

والكلماتُ الحقّْ

تتوعّدني بالمحذور[88]

أو كما في قوله في قصيدة يا صاحب الوعد:

لبّيك

يا حاء الحق.

لبيكَ يا سين السرّ

وياء السرّ ونون المحبّة.[89]

 

          وعلى الرغم من أن الشاعر يستعمل صورة "الكلمات الحق"، بوصفها تدل على الحق الجامع الذي يتضمن ما تقع فيه الإشارة إلى الكمال في كل شيء من صفاته تعالى، فإننا نعتقد بالإضافة إلى ذلك أن لهذه الصورة إشارة إلى ماهية حقيقة الواجب المتوقع؛ لما يتجلى للسالك من صور الحق، والشاعر في ذلك كأنه يريد أن يؤكد أن الكلمة من دون واجب الالتزام بها معدومة الفائدة. ومن ثم، فإن الكلمة ـ في مثل هذا المقام ـ هي ما بها الفاعلية حقا، وبوساطتها يُرى الحق في كل شيء، في الظاهر والباطن؛ أي كما عبر عنه المتصوفة "معاينة شواهد الوصول في السلوك"، وهو ما تعززه مقامات تربية سلوك الشاعر في اعتزازه بالاستقامة في مقاصد السلوك الحق، ومن إيمانه لدينه، والأنس بالطاعة له. والشاعر في مثل هذه الحال يُعنى بالمعنى السلوكي في نسقه الصوفي، وعمق دلالاته الروحية بكل ما أوتي من مجاهدة؛ للترفع عن النقائص، والمثالب المستشرية في الواقع المزاغ قسرًا، وهو ما دفع الشاعر إلى طلب المعنى الكاشف عن الحقيقة التي تحمل روح التغيير والتسامي على التقليد في تفكر الإيمان، ومعنى الكون، وشكل العلاقة مع الإله، من خلال  نصب خيمته تحت سدرة الإله الجبارة، متسائلا ومستفهما حد المشاكسة وهو يرصد الإشارات الكونية، ليس من قبيل سماء مفارقة، بل من واقع حياتي بشري مرير لتعكسها حروفه المشعّة صوب المطلق من أجل الإمساك بنور الحقيقة واستقبال رجع الحدث، وهذا النهج يحسب للحروفي في صوفيته المعاصرة تلميذا وفيا للسلف الصالح ... ولكنه ابن عصره الذي اعتصر روح الإنسان وأغرقه في بحار الغربة والاستلاب والتعمية ومناهضة العنف والتعذيب أيا كان مصدره[90].

 

          إن الذات الشقية بالوجود، وفيما وصل إليه واقع الحال من تشيؤ، وشعور بالحيرة والقلق، جعل الشاعر يبحث عن الحقيقة البديلة التي تقوم على رسم معاني الحروف في دلالاتها الصوفية، ووفق الإمكانات المتاحة التي تحصنها المقاومة في رفضها الجرح النازف، ومن هنا أصبح الشاعر معنيا بالكشف عن مدى تمام طلب الرحمة، والترفق بالتضرع إلى الحق، بوساطة ذكره الحكيم في آية (كهيعص[91]) في معانيها الدالة على اسم الحق بكل ما تتضمنه معاني الحروف التي تأويها في بياناتها الرمزية حسب تأويل المفسرين. وفي هذا المقطع طلب استغاثة الشاعر بالخشوع؛ لتجاوز الحقيقة الواقعية في مقابل الحقيقة الكونية، أو الوجود الحق الذي يقربه من الممكن، على نحو ما عبر عنه في هذه العبارات من قصيدة "كهيعص":[92]

 في قرون ستأتي مرآةَ قلبي المُضيء

 فيما يصل إليه الإنسان من غاية، والإحاطة بالحقيقة المأمولة؛ ولهذا يلحّ الشاعر على ضرورة التمسك بالأمل المرتقب، والتسليم بنزاهة الحقيقة في الإنصاف، والتحقق في البذل بالميل إلى رضا الله؛ لرفع الهمة بطلب الأنس:

من دمي أورق الياسمين

 رغبة في اللجوء إلى الحق، والوثوق به. وما مساعي الإنسان إلا صفات تقريبة إلا من أجل تعزيز مكانته من قوة الإيمان بحقيقة المشاهدة بالتجلي، وهذا ما عبر عنه في قوله:  

 

على بابه المحتفي كنتُ في حرفه أنحني

أو أقاومُ في جسدي ما أرى من دمٍ نازفٍ

نخلةً في دهاليز غامضة ظلّلتْها السيوفْ:

جذعُها الكاف

جذرُها الهاءُ والياءُ والصاد

سعفُها العينُ. أورقتُ عينْ

وتجاوزتُ ما قاله الحقّ لي

عن ضرورةِ شقِّ الفراغِ إلى قطعتينْ

وقت تقسيم جرحي البليغ على بابهم كي يروا

في قرون ستأتي مرآةَ قلبي المُضيء.

من دمي أورقَ الياسمينْ

 

 

 

 

ثالثا ـ وقفة السالك وأسرار المقام

1.     نور السر في الإشارة والعبارة

 

استوعب الشاعر التجربة الصوفية في رؤاها المتسامية، بعد معاناة شديدة من رفض الحياة الدنيا، وما يحيط بها، فما كان منه إلا دفعَ دواعي الذات إلى البحث عن البديل في أفق آخر، لم يجد له مسوغا في غير نور السر في الإشارة ـ بالتعيين والتضمين ـ بوصفها مركز الكشف ضمن نسق المطلوب عن رؤيا الأحوال، وسياق المقصود في معاملاتها التي تفصح عن مكامن الأجواء النفسية، وترنو إليه الأحوال، فيما تستوجبه الاستعدادات لاحتضان المرتقب المأمول، وبحسب ما يعطيه الأمل من أفق ملائم للحياة المرجوة.

وفي ضوء ذلك يعد شعر أديب كمال الدين تصويرًا تأمليا يتجاوز به الواقع، بحثا عن جوهر اليقين في تجلياته الروحانية، والأنس بما يجلي عنه الشجن، والإيناس فيما احتوته معاني الحروف المتبصرة بأمور الحق في صفاته، ولو بصورة رمزية، قد لا ترقى إلى مطالب حروفية الحلّاج ـ على سبيل المثال ـ والفرق  بين الشاعر والمتصوف في هذا المقام، يكمن في الدلالة الاحتمالية، ففي حين يعتمد أديب كمال الدين على ترميز الحرف الصوفي في صورته التضمينية الداعية إلى القدرة الإيحائية بالتماثل الصوفي، تأتي حروفية المتصوفة بوجه عام لتشكل دلالة ما يخطاب به المتصوف الحق؛ ليصبح مقصود العبارة بينه وبين ذات الحق حقائق ثابتة، وكأنهما معًا "علم الحق"، وهو ما لم تسوغه رؤيا العبارة في شعر أديب كمال الدين الذي ينطلق من وضعية الحيرة المؤدية إلى إماطة اللثام عن المعنى الكامن بطريقة رمزية في حروفه.

ولعل في هذه الرؤية الكشفية؛ للعبارة الصوفية ـ التي نتوخاها في شعر أديب كمال الدين ـ ما يومئ إلى الإشارة المتبصرة بالتوهج المستعر في دواخله، ولم يكن ذلك كذلك لولا مسوغات مشاعر الحرمان من الآخر ـ بجميع تفريعاته ـ الذي قسا عليه، وزرع فيه بواعث الغربة؛ مما خلق لديه غربة الذات وهجر المقام، فلم يكن له من بدٍّ، والحال هذه، إلا أن يسترشد بإشراقاته التنويرية المستقاة من خفايا الحرف في مدلولاته الصوفية؛ ما يعني أن تجربة الشاعر بغربتها المترامية الأطراف أدت إلى انهيار مظاهر كيانه الوجودي، في مقابل أنها أسهمت في بسط صورة الحق بخياله الكشفي، أملا في الخلاص، وبحثًا عن المعادل الوجداني لكيانه المفعم