أ. د. مصطفى الكيلاني

 

الحَرْف والطيف:

عالم أديب كمال الدّين الشِعريّ

(مُقاربة تأويليّة)

 

  

 

 

 

“وفي أعماقِ الصبيّ قلب

وفي أعماقِ القلبِ قصيدة

وفي أعماقِ القصيدةِ حَرْف

وفي أعماقِ الحرفِ نُقطة

وفي أعماقِ النُقطةِ مُتصوّف

وفي أعماقِ المتصوّفِ إله

إله ينظرُ إلى طائري المذبوح بِعينيْن دامعَتَيْن”.

- أديب كمال الدين -

 

 

تصدير

 

   تُعْتبر الكتابة عن مجموع أعمال أديب كمال الدّين الشعريّة، من مجموعته الأولى “تفاصيل”(1976) إلى “أربعون قصيدة عن الحرف”(2009)  ومرورًا بمجموعاته الشعريّة الأخرى، وَجْهًا للمُغامرة، لأنّ هذه التجربة عند قراءتها المتأنّية تبدو مُخاتِلةً حينًا دورانيّة أحيانا، إذْ تتكرّر لتختلف في الأثناء. وإذا حاولنا تثبيتها بمجموع علامات مرجعيّة فرَّت من الثابت إلى المختلف ومن المختلف إلى الثابت، بالشكل الدائريّ المستعاد الّذي يوهم الناظر أنّ الحركة هي ذاتها، غير أنّ دورة الفصول في الواقع الكينونيّ، رغم ظاهر تكرارها، لا تنفي اختلاف مذاق الثمرة الحادثة عن مذاق الثمرة اللاّحقة     وتغايُر الأوضاع والوُجوه والحيوات إجْمَالاً.

   ولأنّ الحرف، حسب التمثُّل العلاميّ والعِرفانيّ العربيّ الإسلاميّ له غَير مُكتَفٍ بظاهر تشكُّله لاندماجه في ما يتخطّى دائرة المرئيّ وتعالُقه مع أبعد الأوساع الكونيّة وانغراسه في أدقّ حالات الموجود فقد اندفع أديب كمال الدّين في مغامرة تمثُله شعرًا بتحويل أبعاده الدلاليّة والتِدلاليّة إلى نظر جُوانيّ يصل بين الداخل والخارج، بين المتذكَّر والمتخيَّل، بين حُلم الكتابة الحينيّ والزمن الأسطوريّ، بين تجربة الوُجود الفرديّ وتُراث التجربة الوُجوديّة الجمْعيّة بثقافة الإبْطان الّذي يُعيدُ تركيب الواقع عن طريق الرؤيا كي تفيض الأشياء بحالاتها ورموزها عند الارتكاز في لحظة الكتابة أو لحظاتها على جسدانيّة حالمة تستثمر أطياف الروح وتَسْتَوْحي من الكيان قوّة المعنى العرفانيّ الّذي يُكسِب البيان حكمة الخفايا والطوايا دُون التورّط في الاكتفاء بظاهر الأشياء وساكن العقل (البرهان).

ولأنّ الشعر، حسب ماهيّته الّتي بها كان  يكون، هو ضرب من التصوُّف الخاصّ الّذي يدعو بضرورة الأداء الجُوانيّ إلى النظر في الداخل وتعقُّب ما هو غامض و”شبحيّ”، على حَدّ عبارة جبرا إبراهيم جَبْرَا(1)، واستقراء بعيد الأزمنة وعميق الحالات والمواقف فقد نزعت الكتابة لدى أديب كمال الدّين إلى الخوض في تجربة المحبّة للحرف وبالحرف، حتّى لكأنّنا بذلك نشهد سبيلا آخر مختلفا في دُنيا التصوُّف الطبيعيّ الّذي يُوسّع مجال التمثُّل العِرفانيّ بثقافة أنتربولوجيّة تستفيد من الاعتقاد والأسطورة والتاريخ السالف والحادث وميتولوجيا اللّغة وأسرار الحروفيّة عامَّةً لتجسيد حال عِشقيّة حَقًّا، كأن يستحيل جسد العالم، هُنا، ورُوحه الدالّة عليه إلى مجال واسع عميق للكتابة بما يُقارب أفعال الوشم أو الرشم عند مُمَارسة لعبة الإبداء والإخْفاء، كإنشاء العلامات وفسخها ثمّ إعادة إنشائها، وكالمُراوحة بين التصوير الاستعاريّ الحروفيّ والاستخدام الكنائيّ دون التوغُّل في مهامِه السرياليّة ومتاهات العبث، لأنّ الحداثة الشعريّة، كما يرتئيها أديب كمال الدين، مَشْروعٌ طموح لإعادة قراءة التُراث الحروفيّ العربيّ ضمن سياقه/سياقاته المعرفيّة والعرفانيّة الخاصّة، وبعيدًا عن مفهوم الحَداثة المسقطة على الذات الفرديّة والجمعيّة بمختلف وقائعها الوجوديّة ومخصوص حَالاتها ومواقفها، ومُحصّل ذاكرتها وقواها التخْيِيليّة وأحلامها ورغباتها وطموحاتها في منظومة تمثُّل الوجود والموجود.

لئن اتّجه اهتمام أدونيس (علي أحمد سعيد) إلى الحروف ضمن سياق عارض، كأن نُشير على وجه الخُصوص إلى مجموعته الشعريّة “المسرح والمرايا” لاعتقاده الراسخ في الأبعاد الخفيّة الكامنة وراء الحروف العربيّة(2) فقد تحوّل العارض لدى أديب كمال الدّين إلى ثابت مُتكرّر مُختلف، إن استثنينا بدايات تجربته الشعريّة “تفاصيل”(1976).

إلاّ أنّ الاشتغال على الحروف سُرعان ما تحوَّل إلى إدمان، إلى عشقٍ حَدّ الهوس، إلى رغبة تتجدّد باستمرار ولا ترتوي بما تُحقّقه من “لعب” كاتب. لذلك نراها تُعيد الفعل مرارًا  وتكرارا كي تتجدّد في الأثناء، بمزيد من الرغبة، بمزيد من الظمأ.

أمّا الدافع إلى هذا التشبُّث بالنهج الحُروفيّ المذكور فهو مجموع قُوى حافزة، بَعْضُهَا مُنْكشِف وبعضُها الآخر خفيّ، بل غارق في الاختفاء، كأنْ يُحيل هذا الشغف على تاريخ الذات الشاعرة بمُحصّل ثقافتها العقديّة، والعِرفانيّة تحديدًا، بأدّق تفاصيل الانتماء إلى ثقافة العائلة والسُلالة والأمّة جمعاء، كأن يختصر الحرف أو يختزل تاريخ الرغبة والقهر مَعًا، تاريخ المحبّة والموت حَدّ الاستشهاد أحيانا كثيرة. مِثلما يُحيل على ثقافة وطنيّة حديثة أمْكن لها في العراق تحديدًا الاحتفاء بالحروف عن طريق أنظمة علاميّة مختلفة، كالرسم والوشم أو الرشم والنَمْنَمة بالعمارة السالفة والحادثة وحلم الأبعاد الواصلة بين انفتاح الخارج وانفتاح الداخل، لحظةَ يصل الحرف بين الموجود والوُجود، بين الباطن بمراياه المختلفة والفضاء الخارجيّ كما يصطبغ برموز الداخل وخيالاته ومتعدّد رؤاه الطيْفيّة.

إنّ اشتغالنا على التأويل، بمُحصّل ثقافة تأويليّة  (hιrmιneutique)  تنشد حداثة الراهن دُون القطع مع حداثة تراثنا، بل تُراثاتنا العربيّة الإسلاميّة(3) يَقْضى الاهتمام بتجربة أديب كمال الدّين الشعريّة الّتي نراها تُمثّل في واقع الكتابة الشعريّة العربيّة الراهنة وجْهًا للاختلاف المبدع المُؤسِّس.

فبِمَ تتفرّد وتختلف، أو كيف تتكرّر لتختلف؟ هل مسارّها العامّ يُحَدّ بالتمدُّد الواضح أم بالتمدُّد الدورانيّ؟

ما هي أبرز معانيها الحادثة والمُمكنة في منظومة اشتغال المعنى الحُروفيّ العامّ المرجعيّ؟

بهذه القراءة الّتي هي قراءة (بالتنكير) المُتعَمَّد تأكيدًا على مبدأ الاقتراح تنفتح ذاتنا القارئة على ذات النصّ الواحد والمرجعيّ افتراضا والمُتكثِّر واقِعًا كِتابيّا تبعا لمُقاربة تأويليّة، كما أسلفنا، لا تسعى إلى توصيف الأساليب الباهت، كالّذي تحرص عليه الكثير من الأعمال النقديّة الشكلانيّة والبنيويّة، بل تَتّجه إلى استكناه الدلالات، احتفاءً بالمتن (المعنى) دون التغافُل عن الهامش (الشكل والأسلوب). ذلك أنّ النصّ منظومة توالُد مَعَانٍ لحظةَ تتعانق وتتعالق ذات القارئ المحلّل المُتأوّل وذات النصّ المسكونة بذات صاحبها الإبداعيّة.

بقِي في خاتمة هذا التصدير أن نُشير إلى أنّ المقاربة مهما كانت مراجعها المفاهيميّة والمنهجيّة هي البعض القليل من المُسبق النظريّ الّذي يبحث له عن وجود في وقائع النصوص المكتوبة الّتي استحالت إلى مقروءة، وهي البعض الكثير من عفويّة الاكتشاف آنَ القراءة ذاتها.

إنّ قراءة ما كُتب عن تجربة أديب كمال الدّين الشعريّة يُفيد، لا محالةَ، هذه المُقاربة، لتنوّع اللحظات القارئة واتّفاقها واختلافها في التأويل قبل التحليل(4). وما جَهْدنا القِرائيّ هذا إلاّ محاولة أُخرى تُضاف إلى مجموع المحاولات المنجزة المُشار إليها توازيًا مع تراكمات التجربة وابدالاتها أو تَبَعًا لوُجود اللاّحق المُسْتمِع لِسابقِهِ، كَصِلة القراءة بالكتابة تَزَمُنا و تقاطُعًا أو انقطاعًا واسْترسالا.

فكيف لنا أن نستضيء على النصوص بما نعلم؟ وكيف التحرُّر من المُسْبق النظريّ المُهْلك لحيويّة النصّ المكتوب وحرّيّة الذات القارئة كي تستثري القراءة من المكتوب ويستثري المكتوب  من القراءة، كتعالق زوجيْن ينتج عنه إحبال، فَوِلاَدة، فوُجود؟

 

 

* الهوامش

1- جبرا إبراهيم جبرا، “الفنّ والحلم والفعل”، لبنان: المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط1، 1986.

2- مصطفى الكيلاني، “أدونيس وشاعريّة الأصول، مُقاربة تأويليّة”، تونس: دار المعارف للطباعة والنشر، 2009.

3- نُشير إلى بعض بحوثنا في هذا المجال كـ:

* ثقافة المعنى الأدبيّ، تونس: دار المعارف، 2002.

* مرايا العتمة، قصيدة النثر ومستقبل الشعر العربيّ، تونس: دار نقوش عربيّة، 2009.

* رحيل المعاني، قراءات في الشعر العربيّ المعاصر، لبنان: الدار العربيّة للعلوم– ناشرون           والجزائر: دار الاختلاف، 2010.

4- تأليف جماعيّ، “الحُروفيّ : 33  ناقِدًا يكتبون عن تجربة أديب كمال الدّين الشعريّة”، إعداد وتقديم الدكتور مقداد رحيم، لبنان- الأردنّ: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2007.

 

 

 

  

الفصل الأوّل:

“تفاصيل” (*)، شاعريّة الطفل الّذي كانَ

 

(*) أديب كمال الدين، “تفاصيل”، النجف : مطبعة الغرّي الحديثة، 1976.

 

1- الالتفات إلى أقدم اللحظات.

جرت عادة الكتابة الشعريّة أن تتّجه إلى غَير التفاصيل، إلى المُطلق أو المجرّد، لمدى حاجة الذات الشاعرة إلى الخروج من دائرة الأشياء المعتادة إلى مواطن الحلم وكثيف الرغْبة داخل العوالم الجُوانيّة المكتظّة بالرموز والأسرار. غير أنّ التفاصيل، هنا، عند قراءة الديوان الأوّل في حياة أديب كمال الدّين الشعريّة لا يُراد بها أداء الأشياء الحسّيّة بالمباشر العلاميّ، بل هي أشبه ما يكون بالجهد التذكّريّ يعود ليتنصّت أبعد الأنْباض في تاريخ الوجود الفرديّ ويتعقّب أقدم الصُوَر، عَوْدًا إلى الحبّ البدائيّ، إلى زمن المشيمة، إلى ذكرى الماء ببَهجة الوعي البدائيّ الّذي سُرعان ما استحال بمُرور أوقات العمر إلى لا وعي.

ففي “قصيدة حبّ” تنكشف بعض ملامح هذا الزمن البَدْئيّ، كأنْ تتضمّن كتابة الاستذكار بمجمع قُوى الروح الكاتبة المدفوعة بالالتفات إلى أقدم اللحظات بعضا من الحنين إلى زمن كان ولا تزال آثاره عالقة بصميم الذاكرة البدائيّة: “الجسد البلّور والثدي وتلال الماء والصحو الرمليّ والثلج والبحّار الضائع وأردية امرأة والأزهار والأحلام والأشجار وغابات الكلمات...”.

هي، إذن، لحظة البَدْء أو دهشته ينجَلي بعض سمائها في “قصيدة حُبّ” لتُعلن ابتداء تجربة شعريّة تُؤالف بين الحنين إلى البدايات الأولى وفعل الاستذكار عَوْدًا إلى زمن المشيمة فالرضاع وهوس الحرف ينشأ عشقه تزامُنا مَعَ عشق الكتابة أو تنائها الجميل:

“حبيّ !

من أجلك قد غنّيتُ حروفًا لا توصف

وحروفًا تشكو لونَ الليلِ وتمشي (...)

وحروفًا تهمس للصيف...”  

وكأنّ “قصيدة حبّ” ابتداء الوشم الّذي استحال في اللاّحق إلى حرف، ابتداء الكتابة برغبة البوْح عن المُخّبأ الدفين، عن الحُبّ البدائيّ، مرجع كُلّ الأحداث والوقائع في حياة الذات الشاعرة، استباق لما يكون عبر مختلف أطوار الوُجود ووجود الكتابة.

2- فعل السؤال كلّما استحال الإثبات أو تَعَسَرَ .

كذا تتّضح بدايات الكتابة الشعريّة لأديب كمال الدّين على شاكلة استذكار ينتهج سبيل الالتفات فعلا استبطانيّا يستقرئ أدقّ تفاصيل تاريخ الروح بجهد الاسترجاع الّذي يسعى إلى إعادة تجميع أصداء المنتثر وتوحيد شتاته في هدير الزمن المنقضي بفِعل السؤال كُلّما استحال الإثبات أو تعسّر:

“أأنا صوتٌ ودعاء أبيض

حلمٌ وزياراتٌ صيغتْ من أعماقِ الوردة ؟

أأنا مطرٌ ...؟

أأنا حضنُ امرأة ...؟ ”  

وحينما تسعى الذات الشاعرة إلى الإجابة بمُحاولة الكشف عن الغارق في البُهمة ينجلي بعضٌ من المعنى مُتردِّدًا بين شتات الأصوات/الأصداء:

“يدعوني القاتل...

الخاطئ...

العاشق... الشاعر... يدعوني الطفل ..!!

فيطفو صوت الطفل أو صَدَاه في زحمة هذه الأصوات/الأصداء، كأن تنتصر لحظة البدايات بلحظة قصيدة “طفولة” تكرارًا في الدلالة المرجعيّة “لقصيدة حُبّ” وتتجاوزها في الآن ذاته بحادث اللّحظة وراهن الحال المُفردة المُختلفة عن سابقتها.

3 -  حقيقة النُقصان.

تدرك الذات الشاعرة حقيقة النُقصان منذ البدايات الأولى إذ “اللقاء... وداع” لحظة شعريّة أخرى تعقب اللحظتيْن السابقتيْن.

إلاّ أنّها تختزل بوعي كارثيّ بدائيّ ما يصل بين الحياة والموت، بين الحدوث والانقطاع أو الانقضاء حتّى لكأنّها لحظة استقراء الموت في الحياة على شاكلة بدْئيّة تتّخذ لها الحُبّ دلالةً أولى مرجعيّة والطفولة مجالا لاستقدام الغامض من الرموز وتوليد المُمْكن الحادث منها.

فيتعالق الحلم وكابوس اليقظة، رومنسيّة فعل الاستذكار وما يُشبه واقعيّة الزمن الراهن في لحظة القصيدة، إمكان تمعين (من المعنى) ما حدث ويحدث وما سيحدث أو قد يحدث والعبث أو اللاّ-معنى الجاثم بكلْكله على صدر اللّغة كما يتمثّلها الشاعر إعادةَ إنشاء للّغة. لذلك يرتبك حلم “النرجس” لارتباك الذاكرة كي يظلّ هذا الزهر علامة تيقُّظ في صميم الروح، كأن يدفع إلى حياة قادمة من غير أن يذبل:

“النرجسُ ذكرى

عطر امرأة فارقت البحر (...)

النرجسُ زمنٌ آخر

لا جدوى فيه إلى الكلمات...”

وإذا “النرجس” لغة أخرى لا تحتاج إلى ألفاظ، بل هو فيض حال ينزع إلى مقاربة ماهو أبعد من الكلمات.

فيلتقي الحدث ونقيضه، الرغبة والوجع كي تزداد دلالة “النرجس” لبسا في الأثناء بمُخْتلف أفعال توصيفه، وبالضمير المستَتِر الّذي يكتفي بالإلماح إلى غامض المعنى ائتلافا واختلافا بين “اللقاء”        و”الوداع”:  

قالتْ ذلك

وبكتْ مثل النرجس”.

4- “ما نفع الأشعار، إنْ لم تأخذ بيدي؟”

تنشأ الكتابة الشعريّة، إذن، لدى أديب كمال الدّين في الحيرة وبالحيرة، برُؤيا الجسد أو جسد الرؤيا لما يدلّ عليه فعل الاستذكار مِن إحياء لقُوى روحيّة بدائيّة كامنة في الجسد حينما تسعى ذاكرة الكتابة إلى الحفر في عميق هذا الجسد المُكتسي بقديم خيالاته وحادث رغباته وأحلامه كي يُثار سُؤال قَصْديّة الشعر في “قصائد قصيرة”:

“ما نَفْع الأشعار

إنْ لم تأخذ بيدي؟”

ويستمرّ السُؤال ماثلا في الطوايا والخفايا: كيف للّغة أن تتجاوز ذاتها إلى لُغة أخرى هي من الشعر واليه؟ فتُمسي الكتابة، هُنا، ضرورةً لاستقراء الأزمنة، كُلّ الأزمنة بمُحاولة الاستذكار أو احياء ما طواه النسيان الأبديّ، نبوّة من نوع خاصّ هي نُبُوّة الشاعر، ذلك “النبيّ الصغير” ينفتح بأقصى الجهد على المواطن المشتركة بين الحياة  والموت عند التفكير الحدسيّ شعرا في “الشتاء” بمختلف رموزه، ما أدركتْه الذات الشاعرة الطِفليّة وما لم تُدْركه بعد، برومنسيّة الدهشة ووُجوديّة اللحظة تستحيل إلى إمكانات رموز، بل مواقف ومقامات شتّى للرغبة بالوجود والكتابة:

“الشتاءُ نبيٌّ صغير

ملعبٌ للزمانِ القديم...”

فتستعين الذات الشاعرة باللّغة حينا كي تُعلن عن عجزها أحيانا عن أداء شاعريّة البدايات. لذلك نراها تلوذ بالحرف والصمت أيضا، كـ “لا القصيدة“:

 

“ لا

أصمتُ الآن

صامتاً قد يجيء الفراتُ البليغ

صامتاً قد يجيء الفراتُ العميق...”

كما تتوسّل هذه الذات بعناصر الطبيعة على غرار ما انتهجت سبيله الرومنسيّة عند النفاذ إلى ما وراء الطبيعة لأداء المشترك بين دهشة الروح ولغة العناصر، بين طفولة الكائن وأصالة الكيان بما تكشفه مرايا الذات والوجود وما تحجبه، وبرمزيّة اللحظة- الطفلة، تلك الرغبة العارضة في “القُبلة           والنهر”:

“إنّني عُشبَةٌ فارقتْ صوتَ أطفالها

ربّما لحظة تهتدي ذاتَ قرنِ المساء

طفلة كحّلتْ قلبها

في المرايا بصمتٍ وليلٍ وموج ...”

5-   الموت مُرادف السلب الفاعل إبْدَاعًا شعريّا.

تخوض الذات الشاعرة في “تفاصيل” تجربة الاستذكار عَوْدًا إلى طفولة الاسم وطفولة الحرف،         وتُغامر في استقراء البدايات لتبحث لها ومن خلالها عن معنى مّا للحياة والموت.

وإذا الحقائق، كُلّ الحقائق الممكنة، تصطدم باللاّ-وثوق، بالنفي حينما تُدرك الذات الشاعرة أنّ السلب هو أصل وجود المعنى ومرجعه، وأنّ الصمت أساس اللّغة، وبها تكون فِعْلاً ناطقًا، إذْ في قصيدة       “لم” تدْرك الذات الشاعرة أنّ البداية لم تحدث بعد:

“لم تبدأ بعد. الشاعرُ قال (...)

لم تبدأ بعد. الشاعرُ قال.

فأتاه الموت! ”

فليس الموت انقضاءً، بل ابتداءً غير مُؤكَّدّ لنهاية مؤجَّلّة. وما الكتابة الشعريّة عند استقراء البدايات بِفِعل الاستذكار إلاّ إعلانٌ عن ولادة شعريّة تنشأ داخل رحم اللاّ-معنى، السلب، النفي، العدم، الموت.

كذا تنشأ القصيدة بمختصر “قصيدة”، آخر نصوص “تفاصيل”:

“ يا أرحبَ لحدٍ مُعشب

يا أرحبَ مَنْأى !“

فما سعت الذات الشاعرة إلى استذكاره تلاشى وُجودًا، وإنْ ظلّ ماثلا ببقايا أصدائه في المُشتَرَك القائم بين اللّغة والصمت، بين الحرف وما وراء الحرف.

إنّ الوعي الناشئ القائم على إدراك الحقيقة الّتي مفادها أنّ الثابت وُجودًا بعد تلاشي الحبّ، الطفولة، بكارة المعنى هوالموت، لأنّه الحاضر بكثافة حيّة في الوجود، باعتباره أساسًا مرجعيّا وموَلّدًا للمعاني، حادثها ومُمكنها، وهوالشيء ونقيضه، والنهج الدلاليّ المتبقّى في ليل الوُجود، والأفق الّذي سيفتح على جديد المعاني مادام حاضرًا بإمكان معناه في الوُجود وبالوُجود.

 

 

 

الفصل الثاني:

 

“ديوان عربيّ”(*)، بَدْءُ الانتقال الحاسِم من شاعريّة الطيف إلى شاعريّة الحرف.

 

 

    

·        أديب كمال الدّين، “ديوان عربيّ”، بغداد : دار الشؤون الثقافيّة العامّة، 1981

 

 

 

  

1-  مُواصلة نهْج السؤال لِمُقاربَة زمن البدايات .

الاستذكار نهْج لا يتوقّف عند “تفاصيل” بل يستمرّ بقصائد “ديوان عربيّ”، كأنْ تحرص الذات الشاعرة على مُواصلة نهج السؤال لمقاربة زمن البدايات. كذا تجربة الكتابة الشعريّة عند أديب كمال الدّين آنَ الابتداء هي فعل تذكُّر، محاولة استرجاع لما كان سَعْيًا إلى استقراء البدء، طفولة الاسم، طفولة المعنى، كـ”رؤيا” في “ديوان الأسئلة” من “ديوان عربيّ”:

“ إذْ رَأى خفقةً

تهبطُ الآن في الريحِ تستنفرُ الذاكرهْ

خفقةً ناحلهْ

تسكنُ الصمتَ والتمْتمَهْ،

أسأُلُ الفجرَ هذا الصديق العتيق:

ما الّذي يعرفُ الطفلُ عن أمّه أو أبيه؟ ”

إلاّ أنّ فعل الاستذكار، هنا، يتحوّل من علامة دلاليّة إلى أخرى، من “الخفقة” إلى “القُبلة” ومنها إلى “الكلمة” للتنقيب عن الأثر المُتبقّي من زمن البدايات الّذي يُساعد على استعادة البعض من الوهج القديم الهارب إلى التخوم البعيدة للذاكرة حيث الحدود الفارقة بين إمكان المعنى والبُهمة، بين الذاكرة والنسيان الأبديّ.

وكأنّ فعل الكتابة، هنا، مُغالبة للنسيان بإمكان الصُوَر الطيْفيّة، بخيالات المواقف والحالات، ببقايا طفولة بدائيّة لتتقابل في الأثناء إرادة التذكّر وواقع الاستحالة بما حَدَث من انقضاء، من تلاشٍ، من اندثار، كأن تتغنّى الذات الشاعرة بهذا التقابُل عند تكرار “الجهد”: “كم مِن جَهد يلزمني؟ وبوفرة الأفعال الدالّة عليه : “أمسكُ، أغنّي، أذكر، أنسى، أبكي أو أضحك، أُمْسِك، أُحرق، أخطو...”

ولئن تعدّدت الأفعال والسياقات الدالّة على هذا الجهد المتكرّر فإنّ النتيجةَ واحدة هي تأكيد واقع استحالة إحياء المُنقضي، “كالأيّام الراحلة” تمضي دون رجعة، والفرح البدائي يضمحلّ بعيدا، وطفولة الفرد والجماعة مَعًا يتلاشى وُجودها في غمرة السواد الزاحف حيث لا إمكان لاستعادة المُنقضي والاستمرار في فعل التذكُّر، لما يُمثّله النسيان من ثِقَل يستحيل به تبديد الكثافة واسترجاع البعض القليل من فرح طفوليّ كَان.

2- محاولة اختراق سبيل في كثافة هذا العدم

ولئن تعذّر اختراق السواد الجاثم على الذاكرة وإمكان المعنى في “ديوان الأسئلة” من  “ديوان عربيّ” فإنّ قصائد “ديوان المقابلات” مثّلتْ مجالاً لتحقيق بعض التواصُل، إذْ قاربت الاستعارة الشعريّة لغةً تُساعِد على تجاوز عجز اللّغة المتدَاوَلة:

“لا شيء، إذن، غَير الأشعار تجيء

 كي توقظني مِن نومي الأسود

وبكائي الأسود

ودمي”.

كذا يستحيل العدم إلى إمْكان لوجود، والبُهمة إلى ما يتركّب عبارةً  ولو على شاكلة عارضة في السعي إلى أداء دلالةٍ مّا.

غير أنّ محاولة اختراق سبيل في كثافة هذا العدم المعتم لتحويل النسيان المحض إلى إمكان ذاكرة يستدعي التفكير بَدْءًا في اللّغة ذاتها بِثنائيّة الصوت والصدى، هذه اللحظة شبه المفصليّة في مسارّ الكتابة لدى أديب كمال الدين ستدفع الذات الشاعرة إلى توسيع النظر بعيدًا خارج دائرة اللّغة المتداولة، إلى ما وراء الحرف، لتنشأ بوادر الكتابة الحروفيّة بناءً على مُغامرة التفكيك بين الصوت والصدى، بين الحرف والمعنى، بين الأيقونة والمرجع بإعادة التفكير في الإشارة ضمن البنية العلاميّة الموروثة المُسْتخدَمَة تداوُلا عَبْر الأزمنة ووصولا إلى سياق الاستخدام الحادث.

فكيف للغموض أن يشي ببعض أسراره؟ وكيف “للسواد” أن يُسفر عن بصيص نورٍ به تستدلّ الذات الشاعرة على ليل الوُجود؟

وإذا “الصوت” يعلن إمْكان حصر الإشارة في المعنى:

“ في الليلِ الأسود

يتحدّثُ هذا القلبُ الغامض”.

غير أنّ “الصدى” لا يقبل استعادة صوته القديم، بل يستمرّ صدى مُنفلتًا من أيّ أصل، رافضا لأيّ حَدّ أوْ قَيْد باللّغة استعارةً سالفةً وحادثةً على حدّ سواء.

لذلك نراه يندفع بعيدًا عن بدئه الأوّل، عن الصوت- الرحم  الذي أنشأه:

“من أيّ بِحَارٍ أو وِديان أو أشجار

يأتي هذا الصوتُ البشريّ الغامض،

يأتي هذا الحُلمُ الأسود

كي يوقظنِي مِن صحوي أوْ نَوْمِي؟”

فهذا السؤال هو بعضٌ من حيرة السبيل في بَدْء تجربة الكتابة لأديب كمال الدّين ممثلّةً في التردُّد بين مُقاربة الصوت بالبقاء في دائرة المعنى المتداوَل رغم كُلّ االجهود الساعية إلى توسيع مجال الاستعارة اللّغوية شعرا أو مُغامرة الصدى بحثا عن جديد المعاني أو غامضها بمُغامرة القطع مع إرث القصيدة العربيّة وليس مع تُراثها/تُراثاتها.

فكيف الانطلاق، إذن، في نهج الكتابة الشعريّة العامّ؟ هل بِفتْح اللّغة المتداوَلَة على الطبيعة عند استقراء ذاكرة الأشجار، الجسد، إغماضة العينيْن، الفرح الأسطوريّ، تداعيات اللّغة شبه الهذيانيّة، كالوارد في “المقابلة الثالثة” من مُجمل الديوان الشعريّ.

وإنْ تعسّر التواصُل مع اللّغة والطبيعة فقد يُحقّق “الصدى” داخل قيعان الذاكرة للذّات بعضا من التواصُل. إلاّ أنّ التفكير بالحدْس الشعريّ في المُنقضي يشي بالقطيعة الزمنيّة بين ما كان ويكون        ويُوقظ في النفس حزنا قديما يشتدّ بواقع التكرار الخاصّ بأشياء الوجود وسرعة الحركة نحوالانقضاء، إنْ تعلّق التفكير بالموجود، تحديدًا:

“ فلأغَنّ بصوتٍ خفيضٍ لأسأل

كُلّ شيء يمرّ:

هل تراني أعود؟ لماذا؟ لمن؟”

3- حيرة الكتابة بين جاهز المعنى ومختلفه

إلاّ أنّ حيرة الكتابة بين جاهز المعنى ومختلفِه وبين اللّغة وما وراء اللّغة يدفع الذات الشاعرة إلى توسيع دائرة الموصوف الشعريّ من طفولة الذات وتاريخ الاسم بالالتفات ومحاولة الاستذكار إلى موصوف الوطن، الأمّة في “ديوان عربيّ”، البعض من “ديوان عربيّ” (العنوان الرئيسيّ). فهذا الموصوف سُرعان ما اصطدم بالفاجعة مُمَثّلَةً في علامات “الأنين والدم والخوف وعذاب الأرض”:

“ الساعة يأتِي

وطنٌ وأنين

وطنٌ مُرْتجفٌ كأنينْ..”

ونتيجةً لهذا الوضع الانحباسيّ يحدث الانتقال إلى “الأشياء”، البعض الآخر من “ديوان عربيّ”  (العنوان الرئيسيّ)، وهي أشياء قديمة دالّة بسياق آخر حادث على طفولة الذات وطفولة المعنى، إذْ يستذكر الشاعر “البيوت القديمة” و"انتظار اللّيالي الّتي لا تجيء” و“المشاهد المحيطة بالجبل ..،” كما تشتمل دائرة الاستذكار على فضاء الغرفة والعزلة والمساء والحرمان والزقاق أو الشارع المُجاوِر لتلك الغرفة:

“غرفةٌ فرشتْ ثوبها

للأغاني الّتي تبتدي بعد أن ينتهي البائعون

من صراخِ النهارِ المُمِلّ ...”

فتستمرّ الذات الشاعرة في خوض تجربة الاستذكار بمعنى طفولة الاسم الّذي سُرعان ما توالدت صُوَرًا تنزاح عن نظامها الأيقونيّ لتصطدم بفقدان مرجعها الأوّل وتغرق في رمزيّة الطيف الحادث نتيجةَ المسافة الدلاليّة الفارقة بين ما كان ويكون في وعي الزمن والعالم والوُجود. لقد أدرك أديب كمال الدّين مدى الحاجة إلى استقراء الماضي فِرَارًا من نُقصان الوضعيّة إلى اكتمال استيهاميّ بُغيةَ التدليل على إمكان إكساب العبث الحادث معنى مّا بهذا الوُجود السالف كي تنشأ في الأثناء كتابة الطيف وتترسّخ عبر مُتراكم نصوص تختلف لحظاتها المُوَلّدة لتتّفق بالهاجس أو الرغبة ذاتها في اعتماد الالتفات الّذي يُرادُ به تأثيث البعض الكثير من مواطن الفراغ الحادثة. لذلك يلتقي عند الاستذكار الوارد في كُلّ من “تفاصيل” و“ديوان عربيّ” ذلك النزوع الجارف إلى استعادة بَعْضٍ من المنقضي، كأن يستمرّ الشاعر في المحافظة على منطق اللّغة المعتاد مع إدخال البعض الكثير من الحادث الدلاليّ المختلف عند إنشاء استعارات جديدة تستضيء بسالف التجارب الشعريّة الحداثيّة العربيّة كالرومنسيّة  والرمزيّة، وبتجريب أداء المعنى الشعريّ المُختلف في كتابة “قصيدة النثر” عبْر متراكمها النصوصيّ ومختلف أطوارها الكِتابيّة. لذلك يبحث له عبر سبيل أداء المعنى الشعريّ عن نصّ مختلف ومنطق مُفرَد يخترق بنيةَ منطق اللّغة الشعريّة الموروث المتدَاول برغبة الاختلاف، الإضافة، التجاوُز.

وإذا “دواوين” و“الرقصات” و“الأغاني” و“المراثي” من مُجْمل “ديوان عربيّ” اندفاع بأقصى الجهد في مسارّ تراكُم تجربة أديب كمال الدّين خلال طوْرها الأوّل بتناصّ كتابيّ مُنفتح يصل بين سالف وحادث، بين طفولة الاسم وطفولة الكتابة أيضا وحادث التجربة، كأن بدأت كتابة الطيف تشهد في الداخل، وفي آخر “ديوان عربيّ” النزوع إلى كتابة الحرف، كأن يظهر في “الرقصات” اتّجاه حادث إلى تجريب اللّغة:

“اهبطي

مثل حرف بليغ يرومُ المثول

بين أيدي السطور

مثل سجن يرومُ الهروب

مثل نهر يُمارسُ ألعابه القاتمة

مثل ميت يُعاد!”

وإذا “الرقص” حركة دورانيّة في الشعر وبالشعر تقطع حبل المعتاد في ممارسة فعل الاستذكار،       وتدفع تجربة الكتابة الشعريّة في مواطن جديدة هي من اللّغة واليها، إذْ أدركت الذات الشاعرة أنّ الإبداع شعرا لا يكون إلاّ بإنشاء لغة شعريّة حادثة، ابتداءً مختلفًا عن سابقه:

“ أشتهي أنْ أكون

إنّني أبتدي بالكلام

عامِرًا بالرؤى والجُموح...!!

كذا يُقارب الشعر الرقص، تكرار الحركة الدورانيّة بالالتفاف حول نواة الروح بعد تمدُّد الالتفات إلى طفولة الاسم الّذي لم يتبقَّ منها إلاّ الصدى واثار باهتة وانطفاء معنى وشيك، إنْ لم تتحرّر اللّغة الشعريّة من منطقها المعتاد وتندفع بأقصى الجهد خارج دائرة التكرار استرجَاعًا كاتبا.

فكيف الانتقال،إذن، من حركة دالّة على تمدُّد الالتفات بالاستذكار إلى حركة جُوانيّة دورانيّة هي أكثر ارتباكا واشدّ تواصلا مع اللّحظة، الآن بمدلول الذات المُتكلِّمة وموضوع الكلام الشعريّ؟

كيف التحرُّرُ من جاهز دلالة الصوت؟ كيف التخلُّص من ثقل ماضي الاسم؟ كيف النزول من علياء الحلم إلى حلم الكتابة ذاته بسياقه المُحايِث؟

4- نحوابتداء مرحلة جديدة في وعي الوجود والكتابة الشعريّة.

وكما يسعى المتصوِّف إلى تحقيق حرّية اللّحظة بالرقص الدورانيّ تحرص “صوفيّة” الكتابة الحروفيّة الناشئة لدى أديب كمال الدّين على انتهاج سبيل الرقص الاستعاريّ سبيلا إلى الانتقال من وضعيّة مستهلَكَة شعرًا إلى أخرى جديدة بمنظور التوليد الّذي ينبثق من نظام التجربة السابق ويسعى إلى تفكيكه والبناء عليه.

وإذا “ديوان الأغاني” استمرارٌ في نهج “ديوان الرقصات”، كالحركة تستدعي لها إيقاعًا جديدًا، إنشادًا مُختلِفا، تشكيلا حادثا للصوت والحركة معا، محاولة قطع مع رؤية الأشياء برُؤيا مختلفة تُقِرّ           “اكتشاف السِرّ” (سِرّ الكتابة بالوجود والوجود بالكتابة):

“في ليلةِ رأسِ السنة

أكتشفُ السِرّ:

إنّي طفلٌ في العام السابع والعشرين

في وحشةِ رأسِ السنة

أكتشفُ السِرّ:

إنّي كهلٌ قد أتعبه أَرَقُ الأحفاد...!!

وكأنّ “ديوان المراثي” من مجمل “ديوان عربيّ” اعلان لِموت وابتداء لحياة جديدة أو تصريح بنهاية مرحلة واستعداد لابتداء مرحلة جديدة في وعي الوجود والكتابة الشعريّة.

 فالرثاء هو بمثابة نعيٍ لذاكرة، لتجربة سالفة اتّسمت بالالتفات، بالحنين إلى زمن تَقَضّى، بوهم استعادة ما تلاشى. إلاّ أنّ هذه الذاكرة لا تنحصر في وجود معنى الفرد، بل في المجموعة كاملةً، بالمشترك الدلاليّ القائم بين المعنى الأُنطلوجيّ والدلالة الأنتروبولوجيّة، إذْ ثمَّةَ وعي وُجوديّ مُتقادِم لم يعد يفي بالحاجة إلى فهم ما هو كائن أو ايل إلى الكينونة، ذلك أنّ الرثاء هو نعي لهذا الزمن الغابر وتبشير في الآن ذاته بزمن كتابيّ حادث بدأت علاماته تظهر تدريجا داخل الديوانيْن الأوّليْن المذكوريْن، كأن يشمل الرثاء “النفس” (الذات) والرمز الفرديّ والجمْعيّ، على حدّ سواء.

وكأنّنا بآخر المراثي نشهد أعلى حالات التوتُّر في لحظة الولادة الشعريّة الجديدة انتقالاً من شاعريّة الطيف إلى شاعريّة الحرف بالعلامات الدالّة على الكارثة حيث الكُلّ يتفكّك أجزاءً سرعان ما تتشظّى أجزاء أخرى، والحزن مسكون بالفرح، شأن الفرح الّذي هو مسكون أيضا بالحزن، وأشياء العالم تدّاخل بفوضى تتفاقم تدريجا داخل نظام الكتابة المُتقادم. وما الرثاء هُنا، إلاّ مُنعطف حاسم بين موت مُحَقّق (صمت الكتابة) والاندفاع بأقصى الجهد نحو معنى جديد للوُجود بالكتابة والكتابة بالوُجود. ولئن استبدّت عاصفة الارتباك بالذات الشاعرة في خاتمة “ديوان عربيّ” وضمن هذا الطور الأوّل من مسار تجربة الكتابة فإنّ علامة الحركة أو دلالتها تشي بأفق قادم عَوْدًا إلى رَمْزيّة الرقص في “رقصة”:

“يا لأساي الّذي

هَدَّ بِي الأبواب.

يَا لأساي الّذي يشكو ولا يغتاب.

يَا لأساي الّذي

يَمْشِي كما أمْشِي!”

 

 

 

  

الفصل الثالث:

“جيم”(*)، التوجّه الحاسم إلى كتابة العِرْفان شِعْرًا.

 

 

    (*) أديب كمال الدين، “جيم”، بغداد : دار الشؤون الثقافيّة العامّة، 1989.

 

 

1- “جيم”، من الطيف إلى الحرف أوْ حَال مخاضٍ.

يحدث الإبدال أو ما يُشبه الإبدال عند الانتقال من دائرة الالتفات بحثا عن الأصل/الأصول ليتكثّف حضور الطيف في الأثناء نتيجةَ استحالة إحياء المُنقضي تمامًا وازدحام الصور القديمة إلى مجال كتابيّ حادث بدأت معالمه البدائيّة تظهر في “تفاصيل” و”ديوان عربيّ”. فكان تعقُّب الطيف مُمَثّلاً في طفولة الاسم، طفولة المعنى، وهج البدايات الأولى قد وفّر أرضيّة ملائمة لمخاض كتابيّ حادث، ذلك ما ولّدَ حَركة اندفاع ثانية في مسارّ الكتابة الشعريّة لدى أديب كمال الدّين مُرورًا من تجربة التيه والاستذكار والالتفات ومحاولة إحضار الغائب إلى الحرص على التموْقُع داخل سياق الحرف/الحروف بكتابة كثافة الحضور الّذي يعتمد الاسترهان (من الراهن) عوَضا عن الاسترجاع أو الاستباق بِحُلم الماضي والمستقبل مَعًا.

وكما يحمل كُلّ من “تفاصيل” و”ديوان عربيّ” علامات الاستباق الكتابيّ في مسارّ تجربة الكتابة الشعريّة لدى أديب كمال الدّين يسعى “جيم” إلى الاندفاع والارتداد مَعًا، إذْ يستمرّ احتفاء الشاعر بعناصر الطبيعة والإنصات إلى نداء الذاكرة  وتعقُّب آثار الحنين إلى الزمن المُنقضي ومحاولة تعيين الحلم بأداء كتابة الطيف واستقراء البعض من الأحزان القديمة في حياة الفرد والمجموعة واسترجاع الكثير من تفاصيل الأمكنة واحياء وجوه شتّى من التُراث، كأبي حيّان التوحيدي (إشارات التوحيدي) بضَرْب من التماهي الواصل بين سيرة الذات وسيرة هذا الآخر الماثلة بحضور بارز مُتفرّد في تُراثنا الأدبيّ والفكريّ العربيّ الإسلاميّ لتختصر “الإشارات” تجربة كُلّ من الذاتيْن وتختصر مُحصّل رُؤية العالم والموجود.

2- تجريب الأقْنعة.

لم يقتصر الشاعر على التوحيدي في الاندفاع بأقصى الجهد في كتابة الطيف بالحُلم والحُلم بالطيف قبل خوض تجربة الكتابة الحروفيّة، إذْ يحضُر رَمْز “الشهيد” وتُعاد كتابة الحزن بمُقاربة التخوم القصيّة للحياة والموت عند الوصل بين المحبّة والموت واعادة إنشاء المرثية بوظيفة الأداء المُختلِف عن الغرض الشعريّ القديم (*):

“يبدأ الشِعْرُ من حيث لا تفهمين

أنتِ مرثيّةٌ وأنا

كلْمةٌ بالغتْ في المحبّة ...”

وكأنّ أديب كمال الدّين قبل خروجه من الحيرة بين السُبُل وانتهاج الكتابة الحُروفيّة في الطور الثاني بلغ به الارتباك أقصاه بعد أن أدرك أنّ الطيف لا يُنشئ إلاّ الطيف، وانّ كتابة المعنى بِمنطق اللّغة المعتاد، رغم كُلّ الانزياحات والاستعارات، تُفضِي إلى مَطبّ التكرار. لذلك سعى إلى تجريب الأقنعة الخافتة بالتماهي بين الذات الشاعرة والتوحيدى أو المعرّي، مثلما سعى إلى استخدام الرموز الحيوانيّة، كالهُدهد والنمر والقُنفد، والعناصر الطبيعيّة والتكثيف الرمزيّ حَدّ التعمية لإِحداث معنى شعريّ مختلف داخل منظومة المعنى الموروث المتداوَل. ولم يقتصر على هذا النهْج بل اتّجه إلى النصّ الأسطوريّ باحثا فيه عن إمكان لتوليد معنى حادث. غير أنّ النتيجة التي أفضى إليها البحث عن درب جديد في كتابة الشعر تأكّدت بضرورة اختراق عالم الحرف. ذلك ما تبيَّن في “جيم” و”كهيعص” و”طلسم”.

وإذا “جيم” هو ديوان الفوضى المؤسِّسة نتيجَةَ التجاذُب الدلاليّ الحادّ بين الطيف والحرف، بين مُنفلِت المعنى و تمَوْقُع لحظة الكتابة الحروفيّة.

إلاّ أنّ مشروع الكتابة الحُروفيّة الّذي بدأت ملامحه تتّضح في الأثناء لا يتّجه إلى التعامُل الشكليّ مع الحرف، بل يخترق ظاهر العلامة إلى الرمز المُبْطَن، إلى ما يُكسِب الأيقونة رمزيّتها المُضمَرَة حيث جماليّة الحرف مجال رحب لا يخضع لقيود وحدود، كأنْ يتعالق الاعتقاد والمفهوم الأنتروبولوجيّ          والرغبة في مُقاربة “روح الحياة”.

وإذا تَعَقُّب جماليّة الحرف، بناءً على السابق، هوابعد ما يكون عن التمثُّل الشكلانيّ أو السيميائيّ المُباشر، بل هو التوظيف الجماليّ الشعريّ، تحديدًا، بتناصّ واسع يستقدم التُراث بل التراثات العِرْفانيّة، على وجه الخصوص حيث وجود الحرف رُقية وشفاء للروح واختزال للخلق ووميضٌ لروح الخالق، إنْ تصيّدنا بريق معناه الآخر الغارق في الاحتجاب، وهو ذاك الّذي يتخطّى ظاهر حُروفيّته، دون القطع مع تاريخيّته الأنطلوجيّة والأنتروبولوجيّة كـ”الطاء” في “طلسم” تؤالف وتُفارق بين الانحباس والانعتاق.

3- “الطاء” مثالا على عرفانيّة الحرف وحروفيّة العِرْفان.

طارَ الطائرْ

واشتاقَ إلى تيجان ِالنخلْ،

صبواتِ الزيتون وألحاظ الماءْ.

كانَ الطائرُ مهووساً بجناحيه الطفلين

وبنظرته الخضراء لغصنِ اللذةِ.. لامْ.

حامَ الطائرْ

حط ّعلى قلبي الميّتِ أحياه

من كبوته وخطاياه

فبكيتُ كأفعى تُقسَمُ قسمين

ونظرتُ إلى جسدِ السرّ: إلى سرِّ

الطاءِ، إلى طاءِ اللامِ، إلى لامِ السينْ

وإلى سين الميمْ.

كانَ الساحرُ مشتعلاً في أقصى أركان اللذةِ كالتنّينْ

يحرقُ ذاكرةً لحروفٍ أربعة عمياء يراها الأبكم

ويراها الرائي مبصرةً لزمان يتخثّرُ فوق كفوفِ الشيطان.

ضحكَ الساحرُ إذ أبصرَ حيرةَ

هذا الطائر، قهقه كالمجنونْ

ورماه بتيارٍ من فمه الأدردْ.

فاحترق الطائرُ فحماً حتّى وصل الأرضْ

فتلقّاه الساحرْ

بأعاجيب الميم.

حطَّ الساحرُ فوقَ الطائرْ.

ارتفعَ الطائرُ بالساحرْ،

حلّق في صيحاتِ الغيمةْ،

تيجانِ النخلْ،

صبواتِ الزيتونِ وألحاظِ الماءْ.

حلّق حتّى تاه.

يبدوالسرد عند ملامسة (طلسم)- المنشورة في مجموعة (جيم)، دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1989- فتحةً أولى في كثافة النص المغلق، يتراءى نسيجاً يوهم بمرجعية حكائية تضمن الحد الأدنى من الإفهام. وبين سجن “الطاء” الذي يستقطب الأشياء والحركات والحالات وبين الفضاء الآخر يُومَأ إليه بحركة الانطلاق دون معرفة دقائق الحياة المتولدة تتغمر كثافة وجود نصي وتخترق الكلمة مثل سكين لحم اللغة.

يُعدم أديب كمال الدين جزءاً من ذاته المخادعة ليفجر أجزاء غيبها “سوء نية” فُرِضَتْ على جميع الناس في حضارة المنع والتقبّل. ليس النص تدفقاً عاطفياً أو شحنة انفعال فحسب تصب في قوالب مستعجلة أو تركيباً لغوياً تمارس في حدوده لعبة الانزياح الدلالي والمنطقي، ولكنه الانتقال الواعي من مدار العمل الشعري إلى النص: ذلك البناء المفتوح على الدوام يكتمن آلية تُعدم الرتيب وتفجّر قلقاً يتغلغل في نسيج الذاكرة ويحفر في صور الماضي نفقاً إلى مستقبل ملغّز، فيتراءى نصنا الشعري تماثلي الإيقاع الحسي عند القراءة الأولى وإن سعى الشاعر إلى فكّ حصار الرتابة الإيقاعية بالتخلي عن القافية دون نسف كلي لها .

ويقارب النص بعدم التوافق في أحجام “الأبيات” الحرة التمايز بين الظواهر في تركيب الوجود المتصور. ويبدو تركيب النص المجمل شبيها بالهرم أو الجبل يصّاعد فيه النفس ليصل إلى ذروته عند الأبيات الوسطية كي ينزلق في أسلوب تقريري مقصود – حسب الظاهر- ثم يرتدّ كي يخفت في الأخير ويحصل انفراج حدثي ونفسي معا، ممزوج بلوعة آنية ولّدت النص الشعري واكتمنت حزناً لذيذاً لا ينتهي بحدود ويتقنع الشاعر بنسيج حكاية تذكرنا بأجواء الهند أو ما يشبه بلدا شرقيا من آسيا الأسطورة والسحر، ولكن القناع وعاء يتضمن فاجعة ذاتية تعانق الفضاء القومي والعالمي وتريد أن تنطق بما يمكن الإفصاح عنه وما لا يسمح به. والطريف حقاً أن يلتجيء الشاعر في دوامة الحب الغريب إلى خلق جمالية  خاصة  تنسف لتبني عالماً كأنه السراب يتشكّل.

 إنّ الخط العربي في هذا النص توحّد جمالي حافل بالأسرار، فهو إطار المحنة الشعرية، وتقتضي  القراءة أن لا نتعامل مع هذا الخط تعامل الكتابة  وما في الكتابة  من توظيف نفعي، ولكن الخطوط في تشكلها تلهج  بكوامن ذاتية  وهواجس فكرية هي أصداء واقع معيش مهزوزة صوره وأركانه. ولا ندّعي القدرة على الإلمام بجميع التفاصيل. يبدو حرف الطاء ـ نقطة  البدءـ  في النص الشعري  فضاء ملغزاً يشتمل في الظاهر على عنصرين أو صورتين لجسدين  متنافرين  ينفصلان في اتجاهين مختلفين ويلتقيان، فهو شبيه بالدائرة  تنغلق على ذاتها  لتحمل أسراراً عديدة،  وهي الخط أو العمود يبدو للرائي حداً وهو خارج في أعلى  نقطة  من الامتلاء عن دائرة  الابصار.  ويزخر النص بهذا التشكّل الجمالي الجامع بين وجهين للامحدود، إذ الدائرة شكل مبسط للتوحد المطلق والخط انفتاح رقيق المظهر لا يقف في الجانب الآخر من الرؤية عند بياض، وتدعم الطاء تشكلات خطية قريبة  منها في الظاهر كالصاد والظاء والضاد .

ويخرج بنا الشاعر: الرسام بالحروف من تماثلية الوجه الواحد في القسم الأول من النص فينبجس اللام يعقبه السين ثم الميم وتتوالد الحروف في سلسلة من الألغاز الجميلة “سرّ الطاء”، “طاء اللام”، “لام السين”، “سين الميم”. ولاشك أن هذه اللوحة التشكيلية تستمد جماليتها من عناصر قياسية  مباشرة وأخرى تتجاوز المكان وتأسيساته الهندسية إلى زمن وجودي ينسف في الحروف تماثليتها وينفخ فيها روحاً تحررها من التشكيل الساذج، فلا عجب عند ذلك في انتساب الطاء إلى اللام وإضافة اللام إلى السين إشارة إلى إرتباط الجزء بالكلّ وامتلاك الميم والسين. وتخترق الحروف مرجعيتها الجمالية التشكيلية  لتكشف القناع الأول عن حركات سحرية  لا تدرك في وجه التميمة  غير أنها حينما تحرر من سكونها وتتجاوز قيود الحبر والبياض  تصبح وجوداًً يخاتل أعماق الذات،  وتحتاج انفاق الشعور الباطن.

إنّ (طلسم) حركات لغوية في الظاهر توشي موجداً لتحبله معاني وتتوزع إلى موقعين أساسيين هما (الذات ـ المركز)  ينطق بها الضمير المتكلم، وقد تكون ذاتاً حقيقية صادقة تفصح عن ضائقة وتسعى إلى تحقيق الانفراج أو لعلها الأنا تواري أسرارها وتوهم الرائي (بأسرار كاذبة) خوفاً من (أنا الأعلى) المترصد بها في الجانب الآخر  خلف أسوار الرعب العالية  فتطرز ثوباً من اللغة  تخفي بها  فاجعة الفرد والجماعة معا  و(الذات المحيط)  يعانقها  طائر وساحر هما في أول القصيد (المكان والزمان) لا يلتقيان، وفي الأخير يتّحدان.

 


* لاحظنا هذا الاستخدام الجديد المُختلف في عدد من قصائد عليّ جعفر العلاّق، وهي ظاهرة بارزة في الشعر العراقيّ وخاصّة ما ظهر منذ تسعينات القرن الماضي إلى اليوم.

 

 

 

  

 

الفصل الرابع:

“نون”(*) بين جماليّة الكتابة الشعريّة الحُروفيّة والتمثُّل العِرْفانيّ.

 

 

 

  

(*) أديب كمال الدّين، “نون“، بغداد: مطبعة الجاحظ، 1993

 

 

 

1- “النون شيْء عظيم”.

الحروفيّة في “نون” هي تَمَثُّل جماليّ وأُنْطلوجيّ يُؤالف بين علاميّة الحرف والبُعد الرمزيّ الّذي يخرج بالحرف من دائرة ظاهر التشكُّل إلى ما وراء الصورة، المعنى أو امْكان المعنى، كالتصدير بالآية القرآنية: “ن والقلم وما يسطرون” يفتح الكتابة على مجال أوسع من السياق الكاتب والنصّ الشعريّ المكتوب.

كذا تتملّك أديب كمال الدّين شهوة الكتابة الحروفيّة انتقالاً من “جيم” إلى “طاء” ومنه إلى “نون”. فتنفتح الكتابة الشعريّة، هنا، على عِرفانيّة الحرف كما تتصدّر عديد السُوَر، وعلى الرسم الحروفيّ، كنصّ الإهداء : “إلى نُقطتِي وهلالي بِمُناسبَة استمراري حيّا حتّى الآن”.

وإذا الشعر والتمثُّل العِرفانيّ للحرف العربيّ بمُجمل ثقافة الإبطان التُراثيّة العربيّة يتجاذبان ويتعالقان داخل منظومة تعبيريّة جماليّة مُشترَكة حيث مطابقة الشكل وحركة الانطواء تُعانق الدلالة الماثلة في العلامة البلاغيّة، حتّى لكأنّنا بهذا التآلُف نشهد ميلاد فنّ شعريّ عربيّ حديث يُقارب ليُؤالف بين الحروفيّة والشعر، بين الرسم والحال المُبْطنة، إذْ ساعدت البنية التشكيليّة للحرف العربيّ          وتوظيفه شعْرًا على التأمُّل الإبداعيّ في المُشترك القائم بين الصفة الحُروفيّة والمحتجب الدلاليّ، بين صفة التشكُّل والمعنى المُحايِث لها.

كذا يدفع الحرف إلى التذكّر بواسطة نهج النسيان المُبدع حيث يتجلّى إمكان إنشاء تخييل بالذاكرة، بما يمْثُل في سياق الاستذكار ليتركَّب بصفة شبه عفويّة ويشتغل تبعا للصدفة الكاتبة وتداعياتها الحينيّة عند بيان أهمّيّة الحرف، والنون على وجه الخصوص:

“لكُلّ مَن لا يفهم في الحرفِ أقول:

النونُ شيءٌ عظيم

والنونُ شيءٌ صعبُ المنال

إنّه من بقايا حبيبتي الإمبراطورة

ومن بقايا ذاكرتي الّتي نسيتُها ذات مرّة

في حادثٍ نونيّ عارٍ تمامًا عن الحقيقة”.

2-   “حتّى يكتمل ضياعي ويبدأ موتي السعيد”.

يتحقّق للذات الشاعرة عند انتهاج سبيل الكتابة الحروفيّة بعضٌ من اطمئنان اللحظة الممتلئة بالرغبة           والفرح و“فرط الحُبّ” ودهشة الاكتشاف تُعيد للذات بهجتها الطفوليّة البدائيّة، لما أضاء في عميق النفس من نور ساطع:

“لم أعدْ أستطيع أن أُشير إليها

أو إلى نونها من فرطِ البهجة.

وهكذا يصغرُ لديّ العالمُ شيئا فشيئًا

حتّى يكتمل ضياعي ويبدأ مَوْتِي السعيد!”

فَما أثمرتْه التجربة الحروفيّة بَدْءًا هو “اكتمال الضياع” الذي يعني انقضاء الحيرة بين السُبُل بعد أن أدركت الذات الشاعرة الحقيقة الوُجوديّة عن طريق جماليّة الحرف وانطلوجيّة حضوره الدلاليّ        وابعاده الأنتروبولوجيّة الّتي مفادها أنّ الموت هوالأصل، إذْ به يُمكن إكساب الحياة معنى يكون الالتزام به تمثُّلا فنّيّا وفعْلا وُجوديّا.

كذا تتملَّك الذاتَ الشاعرة حال شبيهة بالحال الصوفيّة نتيجَةَ هذا الإدراك المُزدَوَج لكُلّ من رمزيّة الحرف وعشق الوُجود حَدّ التفاني داخل زمنيّة شبه مُطلقة وانْ تحدّدت في الظاهر بأيقونة الحرف          ورمزيّته الشعريّة وأبعاده الإشاريّة العَقديّة .

ولئن تحوّلت الكتابة الشعريّة من ظاهر الطيف إلى عميق الحرف فإنّ للحرف طيفيّته أيضا الّتي أضحت وَلَهًا يسكن صميم الذات ويحفزها على مزيد التوغُّل في الوُجود-المتاهة. فيتعالق تُراث الحرف العربيّ أو تُراثاته السالفة والحادثة مع عشق الذات الشاعرة الحادث، ولكنْ داخل مشهد كارثيّ يقطع مع تجربة السابق ويفتح الكتابة على وعي التموقُع باللحظة وخُصوصيّة المجال المشروطيْن بسيميائيّة الحرف ومحصّل دلالته السابقة وحادث تمثُّله شِعْرًا بمَفهوم “السكن”:

“الحرفُ هوالزلزال

وأنا أسكنُ الحرفَ يا زلزالي.”

لقد أدركت الذات الشاعرة أنّ “الضياع” في الحرف وبالحرف اندفاع في كتابة التداعيات، لما يُظهره الحرف وما يُخفيه من إمكانات شتّى قصد التدليل على معنى، بل مَعَانٍ، حسب تموْقُع الذات وشاعريّة لحظة العِشق في تواصلها مع اللّحظات السالفة الأخرى وانفصالها عنها.

وكأنّ الكتابة، وهي تختار الحرف سكنا ودليلا في متاهة الوُجود، تنتهج العفويّة سبيلا وما يُشبه       “الحال الهذيانيّة” طريقا إلى مُقاربة وهج ذلك السرّيّ الغارق في الاحتجاب بوضْعٍ- حالٍ يصل بين العشق والجنون وانتظار الموت أو استباقه بفعل الكتابة ذاته.

كذا تبدو قصيدة “قاف” في “نون” نصّا شعريّا نهريّا يتدفقّ بحال من “الجنون الهذيانيّ” المسكون بالرغبة في البوح أو مزيد البوح رغم بُهمة ما يسكن الداخل من فوضى الحالات. وكأنّنا بذلك أمام نشيدة حُروفيّة تطول بقصْد الإسهاب الّذي يُراد به توصيف “الزلزال” الذي حَدَث داخل وعي الكتابة وفي بنية النصّ الشعريّ ذاته، ذلك التحوُّل مِن سياق تجربة إلى سياق تجربة مُختلِف عن سابقه.

3- “إشارتكِ ضائعة، والطريقُ إليكِ ملغومةٌ بالألم”.

 أمّا “جنّة الفراغ” من “نون” فهي قصيدة الحبّ يُقارب الهوس، كأن يسكن عشق “النون” الروح ليتعاظم ويستبدَّ بها حَدّ فقدان الوُجهة والاتّجاه:

“إشارتكِ ضائعة

والطريقُ إليكِ ملغومةٌ بالألم..”

وإذا التماهي مع “النون” هو ضرب من الضياع الجميل المُؤلم في مجال  اللاّنهائيّ، كأن يُسفر الحدّ الأيقونيّ لانحناء الحرف، هنا، عن امتداد يُماثل الكون، هذا الواحد المتعدّد المُحدّد بالتسمية في اتّجاه، واللاّمُحَدّد في اتّجاهٍ آخر لغياب البدايات والنهايات مَعًا وتداخُل الاتّجاهات، كُلّ الاتّجاهات.

فتتحرّر الذات الشاعرة بـ”النون” كي تخوض تجربة الحروف بأشكالها ومعانيها المختلفة، وتقارب العدم الفراغ:

“أسقطُ في الفراغ

وأصعد

أصعد

أصعد

فلا أجد إلاّ الفراغ يُقبّل نفْسَه.”

وبهذا التوجُّه الحروفيّ الاستنباطيّ تنزاح الكتابة الشعريّة تدريجًا عن سابق المعنى وجاهزه إلى حادث الدلالة، إلى اللّغة التي تستعيد البعض الكثير من وَهَجها البدائيّ عند مُقاربة طفولة الحرف. وكأنّ الذات الشاعرة تخوض تجربة الحيرة بين أسبقيّة اللّغة وأسبقيّة الشعر في التدليل على علاقة التماهي أو صلة الفرع بالأصل، كالاختلاف الماثل بين القول بشاعريّة اللّغة ولسانيّة الشعر، بأنْ ينزع أديب كمال الدّين إلى الاعتقاد في أبوّة الشعر وطفولة اللّغة بما يُمثّله الحرف من وُجود رمزيّ يكون به التكلّم حقيقةً ومجازًا.

وكأنّ “نون” اختصار مُكثَّف لِمُجمل الحروف، أو هي والدتها بانفتاح الشكل ورمْزيّة النُقطة، كمُسافر يركب قارب الوُجود لِيُطوّف في أقاصيه ويغامر في اختراق كثافته بدافع الرغبة في التفْضية وتحويل الألم إلى أمل والسأم إلى إرادة للتحدّي والاستمرار في البقاء بالمغامرة رغم سنين الأربعين وجحيم الوضعيّة:

“في الأربعين

في الشاطئ الأربعين

غرقتُ

وحملتُ جُثّتي حتّى باب عُرْيك السافر”.

4- تداعيات الحوار بين ذات الشاعر العاشقة و“نون”.

وكما تتّجه الذات الشاعرة إلى “نون” بالخطاب تتحوّل هي أيضا إلى مُخاطَب. أمّا المتكلّم عند تقليب نصّ التخاطُب فهو “النون” بضرْبٍ من التنادي والتصادي (من الصدى) حينما يزول الحدّ الفارق بين الذات الشاعرة وموضوع الشعر أو لغته مُمَثَّلَةً في الحرف تحديدًا.

إنّ اختصار “أديب” أو اختزاله في الألف يُساعد، هنا، على توسيع دائرة التخاطُب بعلامتيْن خطّيتّيْن مختلفتيْن، كأن يستقدم الحَرْفان صُوَرًا ورموزًا لاستخدامات كِتابيّة واسطوريّة وانتروبولوجيّة مختلفة، بما قد يجعلنا نتمثّل ذكورة الألف الرمزيّة في اتّجاهٍ وانوثة النون في اتّجاه آخر:

“ما الّذي تُريده منّي أيّها الألف؟

دعني في حيرتِي أتردّد

وفي سمائي أتيه

وفي عظمتِي أنْهار.”

وإذا حيرة الشاعر من النون تُقابلها حيرة النون من الشاعر كي يتردّد المشهد الحواريّ بين “الوضوح المخادِع” للشاعر المهووس بعشق الحرف أمام “غموض” الحرف.

فتحرص الذات الشاعرة بمُقاربة الحرف على الاستضاءة بعتمته الدالّة إضمارًا لا إظهارًا والاستقواء بصفته الطِلْسميّة لما يحتاج إليه الشاعر ولغة الشعر من قُوى عِرفانيّة لا ينكشف بعضها المؤسّس الفاعل معنى مُختلفا إلاّ بتنصُّت دلالته في الداخل عند مُلامسة الطيف أو الطيّة حيث المعنى السِرّيّ يحتجب ليختصر كثافة دلالة المُنقضِي وحاضر قيامه وممْكنه في الزمن القادم.

فتصل مجموعة “نون” الشعريّة بـ”أُحبّك كما أحبّك” بين ذات الشاعر والحرف بالخِطاب المتداوَل الشبيه بالتواصُل القوْلِيّ بين عاشقين أوْ هُوالشاعر العاشق يُخاطب معشوقته “النون” بالترجيع الإنشاديّ مُمَثّلا في تكرار “أحبّكّ حتّى لكأنّنا بهذا التخاطب العِشقيّ نشهد موقفا شبيها بِمقام البوْح المشترَك بين سليمان الحكيم وشولميّث في “نشيد الأنشاد” من “الكتاب المقدّس”.

ولئن أحالت حِواريّة “نشيد الأنشاد” العِشقيّة على مكان وزمان وشخصيْن آدميّيْن فإنّ نشيدة أديب كمال الدّين، في هذا السياق العِشقِيّ، لا تتقيّد بمكان وزمان مخصوصيْن. أمّا المتخاطبان فيهَا فهُمَا ذاتٌ شاعرة وحرفٌ (نون) كي يتواصل بذلك الموجود والوجود، الناطق والمنطوق، كأن يتكلّم الشاعر باللغة وتتكلّم اللّغة بالشاعر ومن خلاله بِمُختلِف الصور الاستعاريّة الّتي تتوالد في مجرى العمل الوصفيّ ليظلّ هذا الحُبّ دلالةً تقريبيّة تحفز الذات الشاعرة على استئناف الوصف بأفعال ووضعيّات  أُخُرى حادثة مُمْكنة، كأن يتواصل البَوْح بـ”خطاب الألف” حيث التصريح بجُنون العاشق المَهْوُوس بالحرف، باللّغة،  بـ “الكاف” شأن “النون” أو بالكاف تُضمّ إلى النون قصْد الإلماح إلى الكينونة في اللّغة وباللّغة (كُنْ) والاندفاع بأقصى الجهد في طريق تشكيل مُختلف الحروف بالتبديد والتجميع، بالتفكيك واعادة النظم، بالإضمار والإظهار، إذْ تتحوّل كتابة الشعر، هنا إلى ضرْب من اللّعب الخاصّ الّذي يُقارب بين الحُبّ والموت عند الاشتغال على “النقطة” في ارتباطها بالحرف، باعتماد أَوْجُه مختلفة من التوزيع الجدوليّ عند الانتقال من سياق وصفيّ إلى آخرة “للنقطة”. فهي “سيّدة، ضياع، حُبّ، أعجوبة، دم، أنا، موتي، جِنّيّة، هرب، بخور، غموض، آه، خروج، عبث، نجمتِي، مُفاجأة، تمرّد، صومعة، ذهب، سُخف، لهو، طعنة، ملاك، ملك، مُشعوذ، رمز، غيمة، دفقة هائلة، تلطيف، اعتراف، حُلم...”

وإذا النقطة بمُختلف صفاتها وَجْهٌ للتعيين داخل فضاء يصعب، بل يستحيل تعيينه، إذْ هي بمثابة “الوشم” أو “الرشم” للتدليل على علاَمةٍ مّا، أو الأثر الّذي يُراد به تحديد وُجهة أو اتّجاه مّا في زحمة الفراغ المستبِدّ بالوُجود والموجود.

5- من قبيل الخاتمة: شاعريّة اللّحظة تستدعي استمرارًا في ممارسة اللعبة الحُروفيّة...

قد تعني نون، في المحصّل وعند تجسيد الصفة السمعيّة لهذا الحرف على شاكلة كِتابيّة، الازدواج قبل الجمع تذكيرًا أو تأنيثا، المُثنّى داخل الذات الواحدة بتواصُل “الأنا” و”الغير”. ذلك أنّ “الغيْريّة” (altιritι) هي البعد الآخر “للأَنَويّة”، شأن التعالُق الحميم بين الصوت وصداه، إذْ لا يكون الصوت إلاّ بـ”التصويت” (الصدى) ولا معنى للصدى إلاَّ بِسَابِق صَوْتيّته.

كذا يحدث الإسماع والسماع ليتحدّد الموجود والوجود مَعًا بالتواصُل، بـ”الحواريّة” أساس “الموجوديّة” ومرجعها الدائم كلامًا وصمتا. فإذا انقطع الكلام المسموع أو الصامت انتفى التواصُل وتأكّد الانقطاع، الانقضاء، سيادة الفراغ، العدم، انتصار الفساد، الهلاك.

ولعلّ اتّجاه أديب كمال الدّين إلى الحروف عند البدء هو بِدَافع التأثّر بثقافة عِرفانيّة تعتقد جازما في سِرّيّة الحرف وخفاياه الدالّة به وعليه، بالوشم والرقية والتعويذة واستيهامات رسم الحِنّاء، بانفراج الشفتين واشتغال اليد الكاتبة وتمدُّد أشكال الحروف وانحنائها ودورانها واندفاعها، إمّا إلى الأعلى وإمّا إلى الأسفل. إلاّ أنّ هذا التأثّر استحال عبر تراكم تجربة الكتابة والوجود وجحيم الوضعيّة السالفة والحادثة إلى نهج خاصّ في الكتابة الشعريّة بِتناصّ الاعتقاد العِرفانيّ الّذي يذهب إلى خوض مغامرة استقراء الداخل أو الباطن لثراء رموزه وتراكُمها الهائل وتكثُّرها الحادث وتجدُّدها وشاعريّة اللّحظة تستدعي استمرارًا في ممارسة اللعبة الحُروفيّة بِعِشق البدايات وشظف الوجود الراهن  ومختلف عذاباته وقلق الانتظارات عند فِعْل الاستباق الشعريّ.

فهل بإمْكان الذات الشاعرة، هُنا، الخروج من دائرة الاندهاش الحُروفيّ شِعْرًا في قادم الكتابة أم هوالاستمرار في الخضوع لِجاذبيّتها مع توسيع تجربة الكتابة المذكورة بوسائل تجريبيّة أخرى؟

 

 

الفصل الخامس :

“أخبار المعنى” (*) أو “أخطاؤه”، قراءة في قصيدة.

 

 

 (*) أديب كمال الدين، “أخبار المعنى“، بغداد : دار الشؤون الثقافيّة العامّة، 1996.

 

 

 

أعتذرُ اليومَ إليكِ: إلى خطأ في أطفالِ الطين،

خطأ في دمعِ الظالمِ، في طعناتِ المظلومين،

خطأ في حبٍّ حطّم فيَّ الأبوابَ وأوصدني بالمزلاج.

أعتذرُ اليوم.

قوّمتُ بأرضكِ قومي.

كانوا أشباحاً سلبوا أصباغَ طفولتهم

من ساقيةِ الأسباخ،

ناموا منتصف الليل عراةً كالأسماك.

وارتحتُ إلى ميسمكِ المفتوحِ كشقّ التفاح.

كنتُ أوزع خطأً مضغوطَ الشفتين ومرتجفَ المعنى،

أسبح في موجٍ أخضر، أطفو كالطحلبِ، أغفو

سكّيراً تعتعه الخمرُ المرّ.

من بابكِ حتّى محرابكِ حتّى موتك

قام الليلُ الأسودُ فجراً وانفتحَ الصبحُ رسولاً من ماء

للعطشانين بجمرِ الصحراء.

قامَ النخلُ كأبريقِ الساحرِ، زقزقت السعفات

وانفجرَ القمحُ على بابِ الزقّورات.

قمتُ فقامَ إلى موتي الأخّاذ حمورابي يتظاهرُ بالهيبة،

أنكيدو يركبُ رمحاً من ريش النار،

كلكامش في بابِ العصرِ يغنّي

ونبوخذنصّر يرسمُ روحَ المعنى في قلبي

ويعاشرُ أفخاذَ النسوة مجنوناً مثلي.

قومي، قامَ الليلُ إلى فجري

فاكتحلتْ عيني وأضاءتْ محجرها البارد.

نهض الموتى قرب الباب انشقّوا

كالومضِ، انشقّوا كشياطين صغار.

قومي، أثلجني موتُ أبي، عذّبني دهري الأعمى،

صرخاتُ الجدّ المحمول على رمح المعنى.

من بابكِ حتّى محرابكِ حتّى موتي

أشفقتُ على نفسي

كان الدهليزُ صغيراً وأنا أدفعُ لولبَ غصني

مملوءاً بالزيتون، أنادي علّ الغيمة تجلسُ في حضني.

جلستْ. فتدثّرتُ بغيمتكِ الخضراء

وبكيتُ كما يبكي صوفيٌّ عمّده الشيطان.

صحتُ انقلبي فيَّ ولا تقتربي

وانشقّي فيَّ ولا تنفتحي

وانفجري فيَّ ولا تنهمري.

أرعبني صوتي.

اهتزّتْ شفتاكِ... الرطبُ الأحمرُ شهداً

سقط َالرطبُ الأحمرُ شهداً

فبكيتُ، صهلتُ بقهقهتي.

عذبني العصفوُر الداخلُ فيَّ وأيقظني هدهدُ رأسي،

ديكُ دموعي وهزارُ عذابي.

قمتُ إليك

كانتْ أرضُ اللهِ تغرّد فيك.

وأنا أعتذرُ اليوم إليكِ: إلى

خطأ في اللهجةِ من خطأ في المعنى،

خطأ في البهجةِ أو خطأ في الدمعة،

خطأ في خطأ في خطأ الرأس،

خطأ في خطأ الرمحِ الداخلِ في الرأسِ. انهارتْ أركاني.

هبط البحرُ إلى موجي.

ركبَ الأزرقُ أخضرَ روحي

فأبيضّتْ عيناي من الذلّ.

قمتُ إلى ثدييكِ أناشدكِ الرحمة.

كانتْ كلماتكِ جثثاً تتساقطُ من سعفاتِ الرطبِ الأحمر

كانتْ كلماتكِ أطياراً موتى فضحتْ جسدي،

من أقصى جسدي حتّى أقصاه.

كان اللهُ يراقبُ خيبةَ أخطائي

ويناشدني أنْ أصمدَ وسط الريح وأنْ

لا أنهار كسدٍّ من طينْ.

 اختار أديب كمال الدين في هذه القصيدة (أخطاء المعنى) - المنشورة في مجموعته: أخبار المعنى- دار الشؤون الثقافيةالعامة- بغداد 1996- أن يتعقب الخطأ، وإذا الخطأ أخطاء واللغة الشعرية تتعرّى لتكشف عن فضائح يحرص الشاعر على أن تبقى غارقة في الظل كأن تظهر ولا تظهر. وليس للقصيدة في دوامة الرعب الموروث إلاّ أن تلتف حول لغتها لتؤسس لعبتها وتتفرد جمالياً بما يجعلها قادرةً على الخروج من طوق التاريخ المكشوف لتعلن زمنيتها الخاصة، وهي زمنية كالرحم تنغلق ـ في الظاهرـ عن زحمة العالم المجتمعي ولكنها تستقطب أشياءه في عمل توليدي يعدم المدلول المباشر بالقصد لينقلنا من لغة اعتدنا على مرجعيتها في الواقع إلى لغة تقارب التميمة من غير أن تكون تصعيداً يتخذ من السحر الأداتي منهاجاً ومن الفرار إلى الماورائي مذهباً للتخفي والاحتجاب. وقد يكتفي القارىء بملامسة قشرة النص الظاهرة ويتجنب الحفر فيه خوفاً من تأويل لا يفكّ شفرة رموزه بل يعمق غرابة ألغازه. ولا ندعي بهذة القراءة القدرة على بلوغ قيعانها القصية. ولكن الاكتفاء  بالنبش فيه ورفض التأويل يقطعان الصلة بين المكتوب والمقروء ويقضيان على هذا النص بالعزلة.

 إنّ (أخطاء المعنى) مكتوب شعري يتمرّد على مناخات القصيدة التقليدية وآليات تركيبها الفني، ولأنه ينسف مركزية الغرض ويدعوإلى تأثير يلامس أقاصي الذات المتقلبة ويغرق الظاهر في عميق الظلال المتدفقة من نبع الموت الفردي يستلزم مفهوماً قرائياً لا ينظر إلى البناء المجمل والإيقاع والصورة في سكون اللحظة وينحواتجاهاً خاصاً في الإنشاد، فكيف يستقل هذا النص عن غيره بتناغم خاص؟ وكيف يؤسس زمنيتة؟ وهل للتراكيب والإنشاد فيه أسس جمالية محددة؟ إنّ التناغم حركة منظمة لها تمظهرها الإيقاعي الحسي، وتكتمن في الأثناء إيقاعاً مجملاً يحول النص الشعري إلى يمّ يشبه الجسد لا يكرر فيه الجزء جزءاً آخر، ولكنها التمفصلات تمثل وظائف فرعية تتكامل في بناء شامل، ولايختلف بناء النص وتركيبه من حيث هو ايقاع ظاهر عن القصيدة التقليدية إلاّ في هدم التماثل المقطعي ودورية القافية الواحدة. وليس للشاعر إلاّ أن يتبع (فعلن) ليجيز دمج المقطعين القصيرين في مقطع طويل أو تقصير المقطع الطويل ليسمح في بعض الأحيان بتعالق ثلاثة مقاطع قصيرة في حيّز واحد، فيحدث بذلك فضاءً من التحرر النغمي ويربك بالقصد بناء التفعيلة الموروثة. إلاّ أن التزام الشاعر بمسبق هذه التفعيلة قضى عليه في بعض الأحيان بالانتقاء اللغوي الذي يهدد الكتابة الشعرية بالتجريب ويقلّص من حضور التجربة فكان القصيد متوتراً في إيقاعه تخترقه قوتان من الالتزام بمسبق التفعيلة والنزوع إلى التحرر، بداعبه الهمس أحيانا ويهزّه الصراخ أخرى، يقتطعه صراع حاد بين ضوء متعارف وظلام مجهول.

 ومع ذلك استطاع الشاعر في حدود المسبق أن يشدّ قصيدته إلى ألوان متميزة من التناغم الخفي مروراً بإضافات ايقاعية حسية تظهر بالخصوص في تركيب الجملة الفعلية المتكرر: (أسبح.. قام الليل.. قام النخل.. انفجر القمح.. قمتُ فقام.. قومي.. فاكتحلتْ عيني.. نهض الموتى.. قومي.. أشفقت.. جلست.. وبكيت.. صحت.. وانشقي.. وانفجري.. أرعبني.. اهتزت.. سقط.. فبكيت.. وصهلت.. عذبني .. قمت.. انهارت.. ركب .. فابيضّت.. قمت..) وتظهر بين الحين والآخر جملة اسمية: (كانوا أشباحاً.. كلكامش في مرآة العصر.. ونبوخذ نصر يرسم.. كان الدهليز صغيراً.. كانت أرضُ الله تغرّد فيك.. كانت كلماتك أطياراً موتى.. كان الله يراقب خيبة أخطائي). وهذا التداخل بين الجمل الفعلية والجمل الاسمية جعل القصيد مشدوداً إلى الحركة والسكون يتجاذبه النسيان الفاعل والذاكرة معا، يتقدم خطوات ليهم بالانفلات من دائرة الحظر ثم تشدّه أوجاع المكان إلى نقطة في الموقع الثابت (فيثوب اليه رشده) ويستعيد هلاكه في لغة مغلقة كأنها الشعاب الملتوية يسير فيها مهزوز الوجدان مرعوب الضمير، ويتوهم أنه ينتقل مسافات في اتجاه محدد ولكنها المتاهة تعود به في كل مرّة إلى حيّز الطوق حيث هو شريد يطحنه غضب مخصيّ، فيهذي كمجنون اختار منطق أشيائه ليستعيد البعض من أفراح جسده المطعون.

 لقد سعى الشاعر إلى أن يفتح القصيدة إلى الداخل فتجاوز بذلك حدود الإيقاع بالتفعيلة والقافية والتجأ إلى إيقاع اللغة عامة بدءاً بتركيب الجملة المزدوج مع تغلب الجمل الفعلية واستقطابها للحركة مضيفاً إلى ذلك التكرار اللفظي المقصود: (أعتذر.. أعتذر.. قام.. قام.. قمت.. فقام.. قومي.. قومي خطأ.. خطأ.. خطأ.. كانت.. كانت.. كان). ويعد هذا التكرار من أهم وسائل الكتابة الشعرية. ولعل الشاعر مدرك لتحديات المستقبل وحاجة القصيدة الحرة إلى أن تجدد باستمرار وسائل تعبيرها الفني قبل أن تستنفد طاقاتها ويجرفها التاريخ المعاصر، نتيجة لذلك يرفض اتباع النموذج الواحد وتراه ينتقل من مناخ شعري إلى آخر ويولد القصيدة التي لا تكرر سابقتها، فيتجاوز إيقاع الوزن إلى إيقاع اللغة ويحيلنا على الشعري الذي هو منبع الايقاع الخفي. ويكتمن الإيقاع الظاهر بتشكيلاته المختلفة بناءً مستقلاً لا يحاكي العالم الخارجي بل يستوحي أشياءه وكوابيس رعبه وجماله الطبيعي ليؤسس عالماً بديلاً.

 وقد اختار أديب كمال الدين عفوية الكتابة الملغزة بالقصد ليفرّ بها من الدلالة المعلنة فأوجد شبكة علامية لاتخضع لسلطة قانون مرجعي بل هي سلطة الجنون تحقق لصاحبها التفرّد إلى حين. وكما المجنون والطفل والمرأة في مجتمع الحظر يحشرون في زمرة من ينقصهم العقل أو ينتفي عندهم إطلاقا فإنّ الشاعر وهو شديد الاعتزاز بهذا الانتماء، حسب التزامه بالسير إلى الداخل، لا يستخدم اللغة الأداتية التي هي أهم آلة قمعية في نظام (العقل الكامل) أو (المطلق) بل يتخذ لنفسه لغة تستمد مراجعها من الموقع البدائي المتوحش وحلم الجنون وهما في زواج عنيف يكشف بجرأة الشعر والفتوة عن (أخطاء) هي فضائح السجّان والمسجون، الذابح والذبيح، المهلك والهالك.

 ولا تبدوالقصيدة لعبة لغوية فحسب يندمج فيها الشاعر كلياً ليحقق بها بعض التحرر من حبس اللحظة ولكنها  الجد أيضاً القابع في المواطن القصية. ولئن انطلقت اللعبة باعتذار لخطأ لم يرتكبه الشاعر فإنها سرعان ما أزالت الحدود المفهومة الفاصلة بين الظالم والمظلوم، بين الموت والحب، بين الصلابة والسيولة، بين القحط والجسد. وظلّ التلاعب والجد مشدودين إلى قيمة كبرى تنير ليل القصيدة، هي الطفولة ذلك النبع المتدفق يعود إليه الشاعر، اللازمة الكبرى المتكررة في الشعر العربي المعاصر.

 ولم يبق لكمال الدين إلاّ أن يتمسك بظلالها (ويعتذر) ويتصيّد الحركات والوضعيات في وجود جماعي مهزوز: (كانوا أشباحاً سلبوا أصباغَ طفولتهم). ويتبدى (المكان) فاقداً لأيّ ملمح مكاني كأنه الليل يغرق في السواد ولا يبقى له إلاّ الحلم المشوّه: (كانوا أشباحاً.. قام الليل الأسود..) فيعود الشاعر إلى رحم الموت الفردي ليطحن هلاك الجماعة ويبرهن باللغة والسيولة المتكررة على وجوده الفاعل: (أسبح في موج أخضر.. سكّيراً  تعتعه الخمر.. انفتح الصبحُ رسولاً من ماء..).

 لقد اكتشف أديب كمال الدين وهو ينتقل من موضع إلى آخر في (مكان) الجماعة أنّ الموت الفردي حقيقة لا يدركها بيسر إلاّ من توفرت لديه صفات الشاعر المجنون صاحب النبوّة المتمردة الذي يعتقد أن الاندماج في هلاك الجماعة خيانة عظمى لأنّ (الأبوّة) المتسلّطة في حضارة المنع وهي تغتصب أنوثة الماء تنتزع الإنسان من جذوره الطبيعة وتقطع صلته بالطفولة والأحضان الأولى ورفيف اللحم الأنثوي. فكيف يقدر الشاعر على أن يتحمل أخطاء (جماعته) (القوم) وقد (ناموا منتصف الليل عراةً كالأسماك)؟ إنّ موته الفردي مواصلة لـ(حمورابي) و(أنكيدو) و(كلكامش) و(نبوخذ نصّر) ونهجه استرسال في تاريخ الحب والأنوثة. وقد يكون مبعث الأخطاء جميعها ـ في نظام السيرورة ـ الخطيئة الأولى عند إنزال المرأة من علياء ألوهيتها إلى أسافل القهر والاستعباد وإحلال قيم الذكورة والنار والحديد الصلب محل الماء والشجر:

(قومي، أثلجني موتُ أبي، عذّبني دهري الأعمى،

صرخاتُ الجدّ المحمول على رمحِ المعنى).

وكأنّ الشاعر وهو يتغنى بالفاجعة ويفتقد كغيره من الشعراء المجانين حلم الإنسانية البدائي يلتجىء إلى اللغة ـ آخر ماتبقى من الجنة المفقودة ـ ليرسم بها مراجع حريته في زحمة الخوف، فتبدوالمشاهد معارض ماسأة لا تخلو من فرح مجنون يمتزج فيه الضحك بالبكاء وتفقد الحال مرجعها النفسي المتعارف:

(جلستْ. فتدثرتُ بغيمتكِ الخضراء

وبكيتُ كما يبكي صوفيٌّ عمّدهُ الشيطان) .

إنّ الشاعر وهو يشقى من التردد بين قيمة اللذة وقيمة الواقع يحيلنا دون قصد على فجر الإنسانية عند حدوث النقلة من البدائية إلى الحضارة. لقد اصطدم شأن كل الأفراد بالواقع حينما أدرك شعرياً أن الاستجابة الكاملة للحاجات ومن غير وجع مستحيلة الوقوع فيغيب الأمل في تحرر حقيقي. وليس له بعد ذلك إلاّ أن يدع (اللذة المؤقتة) العاجلة وليدة الطبيعة الأصل من أجل لذة مؤجلة مبتورة. غير أن قيمة اللذة الطريدة من الواقع لا تختفي كلياً في قيعان اللاوعي بل تطفو في بعض التجلّي على السطح: (ويعاشرُ أفخاذَ النسوة مجنوناً مثلي.. كان الدهليزُ صغيراً وأنا أدفع لولبَ غصني.. اهتزتْ شفتاكِ.. الرطبُ الأحمر شهداً، سقط الرطبُ الأحمر شهداً.. قمتُ إلى ثدييكِ أناشدكِ الرحمة). إلاّ أن المكبوت سرعان ما يستعيد انحباسه بعد أن تحرّر جزئياً في مجال لعبة النص الشعري، تستقطبه دهاليز اللاوعي، وتشتد اللعبة تلاعباً عندما تهتز الجدوال الدلالية وتنفتح على بعضها البعض ويؤثر الشاعر بالقصد الالغاز على خيانة القصيدة بتحويلها إلى وضوح كاذب. وتظل (الأخطاء) لازمة كبرى في النص تتكرر من غير أن تستقر في حقل دلالي واحد.

 إنّ زوبعة الأخطاء (أخطاء المعنى) تشكّل لغويّ له سماته الجمالية الخاصة  فلم يتبع نظام الخط الواحد ولكنه صورة للوجود المكتظ بعديد التناقضات عاد إلى عراء (القبح) يكشف من خلاله جمالاً طبيعياً هوالجسد يتفتح في بريق اللحظة والنفس تفضح جوع سنوات من الجفاف والعقل المتوحش يبكي ـ بدائيته المفقودة ـ ويكتمل جمال (القبح) حينما تجمد الحركة فجأة في آخر النص وينتشر الهلاك في كلّ البقاع :(كانتْ كلماتكِ أطياراً موتى فضحتْ جسدي، من أقصى جسدي حتّى أقصاه). ويستعيد الشاعر صواب سجانه فيلوذ بمطلق الرمز خوفاً من الانهيار، وعند ذلك تقطع اللذة وليس للقارىء إلاّ أن ينسحب من اللعبة ـ كالشاعر ـ لينفصل عن (قبح) الجسد كالعادة ويحلم بالسراب.

الفصل السادس :

“النقطة” (*) ، بَدْء العلامة الحُروفيّة ومرجعها.

 

 haa

 

·        أديب كمال الدين، “النقطة”، طـ1، بغداد، 1999 ، طـ2، عمّان– بيروت: المُؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2001.

 

 

 

1-   النقطة وانتهاج سبيل المحاولات.

تُحيل “النقطة” أو التنقيط على علامة الوشم أو الرشم كأن يتّخذ له البياض باليد أو الساق أو الوجه أو الوَرَقة أشكالاً. ولأنّ النقطة/النقاط سَوَادٌ في العادة مقابل البياض أو ما يُقارب البياض فهي أشبه ما يكون بالموجود الدالّ على وجود حينما يظهر ويتشكّل ويشتغل علامَةً ودلالةً وامكانًا لمعنى رمزيّ مُحتجب يستدعي ناظره أوْ قارئه. كما يُراد بالنقطة في الاشتغال العلاميّ والدلاليّ الحروفيّ الإشارة إلى المؤتَلِف والمختلف بين الحروف، بضَُروب من التحويل والتكثير، كالباء والتاء والثاء أو الحاء والجيم أو الفاء والقاف.

إنّ النقطة، بالمنظور الحروفيّ العربيّ القائم على الدلالة العِرفانيّة التشكيليّة الرمزيّة الإيحائيّة، هوالحضور رغم ضآلته وصفته العارضة داخل دفْق الحركة في انسيال الوجود أو انسيابه. لذلك نزعت الكتابة في قصائد “النقطة” لأديب كمال الدّين إلى انتهاج سبيل “المحاولة” تليها محاولة بل محاولات لاستحالة حصْر النقطة في نظام تدليليّ واحد، إذْ يتحكّم سِياق الاستخدام في كُلّ من الظهور العلاميّ  والأداء الدلاليّ بلحظاتٍ وجهود كاتبة مختلفة.

2-   إثارة سؤال النقطة والحرف مُنفصليْن مُتواصليْن.

كذا ترد “محاولة في الرثاء” حلما عارضا ثبّتته الذات الشاعرة بالكتابة فاستحال إلى مجال لإثارة سؤال الحرف والنقطة مُنفصليْن ومتواصليْن في ذات الحين، وعند الأربعين، تحديدًا، هذه العلامة العُمُريّة الفارقة الّتي سيكون لها شأن، وأيّ شأن، في قادم أعوام الكتابة الشعريّة داخل مدار الحروفيّة الشعريّة العربيّة طَبْعًا.

وكما تتّخذ الحروف والتنقيط حضورًا عِرفانيّا بالشعر لدى أديب كمال الدين فإنّ للرقم (الأربعون) سحريتّه أو سِرّيته الخاصّة، كالإحالة ضمنا على لحظة النبوّة، أو زمن الحكمة، شأن الرقم سبعة الّذي يحيل هوالآخر على عَدَد “الأيّام” و“السماوات” و“الأبواب” في ميتولوجيا الحكاية والمخيال الشعبيّ العربيّ الإسلاميّ. 

وبهذا الاستخدام التحويليّ (في العام الأربعين والصيحة الأربعين والليلة الأربعين والخزانة الأربعين والطعنة الأربعين والباب الأربعين) ترد “محاولة في الرثاء” ارتباكًا بين مُختلِف التجارب والخيبات بالحلم النحيل المهزوز المُفكَّك المُدَمّى المعطّل الفاقد لأيّ معنى أو قيمة أو اتّجاه، الحلم الباهت اللاّ-مُبالي المُنفصِل عن الذات المُولّدة له.

وإذا نعْي الذات هو بعض من نعْي الحلم، كما يبدو نعي الحلم هوالآخر بعضا من نعي الذات. فتحتاج الذات الشاعرة، هنا، إلى حُلم آخر أو إلى سبيل مُختلِف عنه كي تستمدّ قوّة الرمز منه. ولكنْ، كيف؟

3- في الخفايا العِرفانيّة للحرف.

إنّ “محاولة في السحر” توجُّه آخر يُراد به البحث عن معنى بعد أن استحال وجودُ أيّ معنى. ذلك أنّ اعتقاد الذات الشاعرة في الخفايا العِرْفانيّة للحرف يجعل تحويل وجهة التمعين (ممكنة) بِما أسماه      “سحْرًا”، كالاستخدام الحروفيّ والتوظيف الوشميّ في التراث العِرْفانيّ العربيّ الإسلاميّ، بالتميمة          والتعويذة المُدَوَّنَة حروفًا و نقاطًا وأرقامًا وبتَوَهُّج الاستخدام الكتابيّ الخُطوطيّ في العمارة الإسلاميّة، وخاصّة في أماكن العبادة، كالجوامع والمساجد وغيرها.

كذا تُصبح الكتابة بـ”محاولة في السحر” حكاية مفادها توليد الأحداث بالإنشاء والمزيد من الإنشاء، بالدمعتيْن تنقلبان إلى “ساحريْن” ثمّ “أربعة” وأقوال السَحَرة الأربعة، وبتوليد الحلم أثناء تشكيل الحكاية ليتردّد بين الأمل والألم، بين الجمال والقبح، بين الرغبة وانقطاعها.

فيتراءى الحلم هنا إنتاجًا لإمكان معنى بفاعليّة الساحر (الشاعر) وفعليّة السحر، كما تتّضح بعض معالمه في خيالات الشاعر واستيهاماته بالإنشاء والفسْخ واعادة الإنشاء توليدًا يُقارب  دلالة الاستخدام السحريّ عند اعتماد كيمياء الحكاية وتراثها، بل تراثاتها القديمة والحادثة، عَوْدًا إلى سِحْريّة الحروف والنقاط، كما ترد على لسان رابع السَحَرَة :

“سنُعْطيكَ حروفنا أيّهذا هذا المُعَذّب

ونعلّمك نقاطنا أيّهذا المحروم

لكننا نخاف إنْ تعلّمتها

أنْ تسخر من الذهبِ و ثيابِ الذهب

أن تسخر من البلدان

أن تسخر من الأثداء والسيقان

أن تسخر من الأحلام

فتكون مِثلنا فارغا

بارِدًا

ضائعا

عاريا للأبد.”

4- التماهي بين الذات الشاعرة والنُقطة.

وكأنّ النقطة، هنا، هي مُرادف الذات الشاعرة، أوْ لعلّ التماهي بين الذات الشاعرة والنقطة يُكسب أنا-الشاعر الازدواج الّذي به تكون الذات ذاتا، بالمُشترَك الحِواريّ القائم بين “الأنا” و“الأنت” الملازم للأنا داخل سياق الذات الواحدة، حسب منظور مارتن بوبر (Martin Bόber) في هذا الشأن(1). إنّ اصطدام الحلم بنقيضه كي يتوقّف أو يتعطّل  وينحبس يقضي البحث عن حلم آخر في الكتابة وبها. فتلتجئ الذات الشاعرة إلى “أنا–النقطة” التي هي بعضٌ من الذات المذكورة إنْ لم نقل مُرادِفها.

ولئن سعى الحلم إلى مُقاربة معنى أو المعنى فإنّ استحالة الاستمرار فيه أو انقضاءه العاجل حتّم الالتجاء إلى ما يُمكن أن يكون به المعنى معنى، وذلك بمُحاولة استقراء اللاّ-معنى، قريبًا من مفاهيمه الحديثة الّتي تذهب إلى اعتباره الرحم الموَلّد للمعاني، كُلّ المعاني، حادِثها وممْكنها، سالِفها وحادِثِها عكس المنظور القديم الّذي يجعل منه نقيضا للمعنى بدلالة انتفائه الكامل.

كذا تُصبِحُ النقطة وَجْهًا مكثّفا حدّ العتمة للمعنى الواحد المُتَعَدّد، كأن يكشف فعل التكْثير، عند تعريف النقطة لذاتها، عن وفير الحالات والمواقف:

“أنا النقطة... أنا بريق...أنا خرافة الثورات وثورات الخرافة...أنا معنى اللاّ-معنى... أنا دم...أنا بقيّة ....أنا الفرات قتيلاً...”

وإذا النقطة، هُنا، مُنشِئة الاختلاف العلاميّ والدلاليّ، والإشارة الدالّة على اختصار الوُجود         والموجود مَعًا، والشهادة على عجز الحروف عن الكلام رغم توجُّهها إلى الكلام وكذبها المُتعمَّد، وذاكرة الموجود المسكونة بالقهر والفجيعة والوجع.

وما “محاولة في دم النقطة” الاّ مواصلة “لمحاولة في أنا النقطة”، ولكنْ باعتماد السرد المُسنَد إلى غائب. فما ورد على لسان الضمير المُتكلِّم يستحيل إلى غياب في السرد وبه لينكشف الوجه الآخر لواقع النقطة عند التداوُل اللّسانيّ لتأكيد أنّ عجز اللّغة مُشترك، هنا، بين الحرف والنقطة، رغم مَا تكتمنه النقطة من إمكانات واسعة للتدليل، بمدى اقتدارها على الإبْداء والإخفاء.

فالنتيجة واحدة، إنْ وصلنا بين النقطة والحرف، إذ اللاّ-معنى المشير إلى إمكان تثوير المعنى يستحيل هوالآخر إلى معنى باهت بِتعريّ النقطة وفقدانها الوهج التدلاليّ.

فتتكرّر فاجعة انحباس أفق التدليل لدى النقطة بمُتعدّد الوضْعيّات والنعوت عند استقراء “دمها”، هذا النصّ الزاخر بحالات العجز وخيبة الأمل وانتصار القبح على الجمال وسيادة سُلطان الفساد الّذي هو مصير تقادُم الكائن والكيان.

5- من النقطة إلى حلم الطيران الطفوليّ.

وكما دفع عجز الحروف إلى التوسُّل بالنقطة بحثا في داخلها عن سِرّ القوّة الحافزة على الاستمرار في الوجود برمزيّة العلامة تُحَدَّ كَلاَمًا وتخطيطًا، بالوشم أو الرشم، فقد أدّى عجْز النقطة إلى البحث عن سبيل آخر بُغية مواصلة نهْج الوجود بالكتابة والكتابة بالوجود(2).

هو حلم الطفولة، وحلم الطيران تحديدًا، تتوسّل به الذات الشاعرة علّها تُحقّق بِه البديل الرمزيّ لعجز كُلّ من الحرف والنقطة واستفحال الشعور بالفظاعة والفجاجة والقبح :

“طار اللّقْلق:

لَقْلقُ طفولتي

بعيدًا بعيدًا.

غير أنّ اللقاء به

ظلّ حلما ينمو فيَّ

كما تنمو النارُ في فَوْهةِ البُرْكان”.

فتلوذ الكتابة “باللّقْلق الطفوليّ” تعويضا عن “خيانة” الحروف والنقطة مَعًا عند سُقوط “الأقنعة”          وتفاقم حال “العُرْي” والاصطدام بوقائع مُفجعة.

إلاّ أنّ الحلم الطفوليّ سرعان ما ينتهي هوالآخر إلى الاستحالة نتيجةَ الكسْر الحادث بين وجودٍ كانَ         وانقضى ووجود آخر يكون وهو نقيض الرغبة، الأمل، الحلم لينشأ عن ذلك انقطاع بين حاليْن مختلفيْن، وبين زمنيْن أو وضعيْن، رغم استمرار طيف الحلم، مثل الصدى اللاّحق بالصوت:

“لا يزال اللقلقُ يحومُ حول قلبي

قلبي الّذي صادره الموتُ والجوع والنار

قلبي الّذي صادره حلمُ الطيران.

فما الّذي سأفعله

أنا الّذي لا أملك يديْن للكلام

ولا ساقيْن للطيران

ولا شفتيْن للتذكّر

ولا ذاكرة لِمُزاولةِ السحر

ولا سِحْرًا لاقتناص لَقْلَقي العجيب؟”

هوالعجز، إذن، يُصيب اللّغة، وبها يُصاب الوجود والموجود. فإمّا إقرار النهاية (الهلاك) أو المُغالبة رَمْزًا في الكتابة وبها عند مواصلة السير في طريقها العامّ ومغامرة التردّد بين سُبُلها بعيدًا عن أيّ معنى جاهز أوتلامة ساكنة.

فكيف يمكن مغالبة هذا العجز؟ هل بالخروج من دائرة الكتابة الحُروفيّة شِعْرًا أم بالبحث عن مراجع أخرى للرمز؟

6-   الموسيقى، أُفُقٌ آخر لمغالبة عجز اللّغة عن الكلام.

كذا تُمثّل الموسيقى البُعد الآخر لمحاولة الخروج من دائرة العجز اللّغويّ، إذْ هي لغة الصمت المُوَقَّع المُتكلِّم يعتمدها الموجود كلّما اصطدم باستحالة اللفظ عن أداء معناه في حالات الالتباس ووضعيّات الانحباس، كالتجاء الشعراء إليها، شأن التجاء الفلاسفة إلى الشعر واليها، فهي المدى الأبعد من الشعر، لاشتغالها على كلام الصمت، وبها يُمكن تحرير الخطاب من حُبْسَة تكرار المعنى وجاهزيّته المُضِرّة، مثل توسُّل فريديريك نيتشه بها، واعتماد مارتن هيدغر الشعر لتحديث لغة الفلسفة وتنْوير مفاهيمها ضِمْن ما أسماه “نقد نسيان الكينونة”:

“الموسيقى تهبطُ تهبط

طيْرًا وعنقودَ عنبٍ وشلاّل ماء

فيطيرُ قلبي مع الطير...”

هذا الصمت المُوَقَّع المُتكّلِم هو الّذي يُنطق الأشياء وبها ينطق الموجود، ليتعالق الكُلّ، هنا، في منظومة واحدة يمكن تسميتها “وحدة الوجود”، بلغة الفلاسفة، إذا الكُلّ يُسبّح بالكُلّ، بضرب من العزف السمفونيّ البدائيّ المُستعاد. لذلك أمكن اعتبار الشعر سليلها الأوّل لما يشتمل عليه من إيقاع راقص ورقص إيقاعيّ يتخطّى دائرة السماع بالأذن إلى سماع آخر يتحدّد، تقريبًا، بالإيقاع الباطن الّذي يسكن اللغة وأشياء العالم ولا يقدر على إدراكه إلاّ القلب (أذُن البصيرة). ولأنّ أيّ مسموع ظاهر أو باطن يحتاج إلى لغةٍ مّا فإنّ الموسيقى تستدعي لغة تشهد عليها غير لغة ظاهر إيقاعها بما يتحدّد بالكتابة الموسيقيّة عند دراسة المُنكشف من صَوْتيَّتها، ذلك الما-وراء اللّغويّ الّذي لا يقتصر على الألفاظ ومعانيها المتداوَلَة، بل يتّجه إلى وسائل جديدة للتدليل بالاستعارة والكتابة ضمن استخدامات مجاز لسانيّ حادثة . إلاّ أنّ اللغة (الحروف) في مثل هذا السياق سُرْعان ما تُحيل على العجز المذكور آنفا:

“حتّى الحروف صارتْ تُتعبني

فهي الوحيدة الّتي تزورني في وحشتي الكبرى...”

لذلك تستمرّ الذات الشاعرة، ولو إلى حين، في اللّواذ بالموسيقى، باعتبارها الرمز المرجعيّ الوحيد، تقريبا، المُتبقّى بعد هلاك جُلّ الرموز، إن لم نقُل كُلّها، إذْ بها يتحقّق البعض الكثير من العري الروحانيّ وتستعيد الذات بهجة الرغبة واثار فرح حزين كانَ:

“الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموتِ إليها

لنلتقي طفليْن يتيميْن

يتحسّران على أرجوحةِ العيد”.

إنّ اللواذ من الحروف بالموسيقى يستدعي بالضرورة حروفا (لغةً) للموسيقى. فلا مَفرّ، إذن، من العود إلى “نزيف الحروف”، إلى تجربة التمثّل العِرفانيّ والجماليّ الشعريّ لها. ولكنْ، كيف تحديدًا؟

7-   اللّعب في النقطة وبها إبْدَاءً واخْفاءً.

تستعيد الكتابة الشعريّة العِرفانيّة في “محاولة في الحروف” تموْقُعها العلاميّ الدالّ بعد مغامرة البحث عن لغة وراء اللّغة، إذْ بهذه الحروف (النون والياء والراء والجيم والألف والحاء والسين        والزاي والكاف) يلتقي الحرف والصوت وإمكان المعنى المُحايِث لشكل الحرف/الحروف في منظومة علاميّة دلاليّة تُعيد الكتابة الشعريّة إلى ثالوث الإشارة الخطّيّة والأيقونة والرمز الماثل في تركيب تلك الحروف.

وكأنّنا بِمختلف أشكال الحروف نتمثَّل لوحات صيغت بأساليب الوشم أو الرشم المتعدّدة، كما تتمثّلها الذات الشاعرة، مثل “النون” تستحيل إلى “عاشق أبله”، والباء المائدة لا يبقى منها إلاّ النقطة (نقطة الدم)، والراء يلتوي كالفرات، والجيم (جيم الجنون والجوع والجنّ...)، والألف، بدْء الأنا وعلامات الشموخ والتعالي والاندفاع والغموض والضياع والسذاجة، والحاء تتشكّل بمختلف الحالات، والسين (سكينة النور)، والزاي (الزمن ذبابة)، والكاف حال أخرى مرتبكة وأحلام شتّى، بل كوابيس.

كذا تُسْفر تجربة الكتابة الشعريّة في “النقطة” عن إقرار مدى الحاجة إلى الحروف بعد أن جرّبت الذات الشاعرة التردّد بين مختلف السُبُل، ذلك أنّ التجوال داخل مداراتها بما يُقارب ثابت العلامات هو أفضل من الضياع في عميم الالتباس.

وإذا “محاولة في الاحتفال” اقرار لهذه النتيجة، كأن تُمارس الذات الشاعرة لعبة الكتابة احتفالا بالحروف، انطلاقًا منها وعوْدًا إليها وتحرُّكا داخل مُختلِف مجالاتها العلاميّة الدالّة بموروثها العرفانيّ وتمثّلها التشكيليّ في الشعر وبه.

إنّ الاحتفال بالحروف هو ضرب من “الاحتفال بالنفس”، لعب راقص أو رَقص لاعب، تجوال في التخُوم القصيّة للحياة والموت، تجريب للحكاية، تجريب للإفلاس المُخصب، احتفال بالدم، فيض حالات، انتهاج سبيل الموت قبل الموت...

فيظلّ اللَّعب(3) في النقطة وبها، إبْدَاءً واخفاءً، تخصيصًا وتشميلا، الأفق الأبعد في هذا النهج الكتابيّ الحروفي المختلف، هذه العلامة التي تُساعد على التذكُّر ضمن “محاولة في التذكّر”،            والانتظار عند توليد أسئلته داخل “محاولة في الانتظار” بدْءًا بـ “من ينتظر مَن ؟، بالإجابات تُنشئ عيد وفير الأسئلة إلى ما لا نهاية حَدّ تعطُّل منطق اللّغة بِمُقاربة العبث ومتاخمة حالاته المُرْبكة.

فتتعاقب “المحاولات” في “النقطة” “لأديب كمال الدّين بـ“محاولة في سؤال النقطة” و”العزلة” و”السياحة” و”الكتابة” و”دخول النقطة” و”الفرات” و”اللّقاء” و”حقيقة النقطة” و”الهاء” و”الصوت” و“القهقهة” و”الإبصار” و”فرح النقطة” و”البهجة” و”الجنون” و”هاملت”  و”النافذة” و”الحبّ” و”الحظّ” و”الرصاصة”.

8-   عَوْدٌ على بَدْء: الاستمرار في خوض غمار اللّعبة الحُروفيّة.

هي كتابة “التشظّي” تحرص على تفكيك نواة الذات لمُمارسة لعبة النظر عَبْر مرايا الحروف.

إلاّ أنّ الحروف لا تستقرّ هي الأخرى داخل أنظمتها العلاميّة الخاصّة الّتي بها تتحدّد، لأنّها عند النظر المذكور سُرْعان ما تتفكّك لتدَّاخل ضمن “أطياف” أيقونيّة لا تستقرّ على أشكال ثابتة، إذ هي تلك الحروف، كما تعلّمتها الذات الشاعرة وخبرتها كتابَةً طيلة أعوام العمر، وهي محصّل ثقافة عِرفانيّة لها شاعريّتها الخاصّة وثراء مراجعها الاعتقاديّة وبهجة الاحتفال بها عند الوشم وتحوُّلات علاماتها ورموزها.

ولئن اختلفت الحروف باختلاف أشكالها وتبايُن أبعادها الدلاليّة المُمكنة عند الاستضاءة بثراء مخزونها التُراثيّ العقديّ فإنّها تتوحّد، تقريبا، بالنُقطة، هذا الرحم المُولِّد لها أو الرشم الجزئيّ الّذي يتجاور مع رُشوم أخرى لتتشكَّل بها الحروف في الأثناء، بالتمدُّد والانحناء، بالتقدُّم والانطواء، بالإبداء والإخفاء.

كذا “النقطة” هي بَدْء العلامة ومرجعها الأوّل، وهي بمثابة الوجود المُمْكن للحرف ومآله عند السعي إلى تفكيكه.

ولانّ أديب كمال الدين مَهْوُوس بالحرف تفصيلا وتشميلا فهو يفصل ويصل بين الحرف والنقطة، كي يتأكدّ لنا، تقريبًا، أنّ اللعبة الحروفيّة بالشعر تستدعي بالضرورة عند الاشتغال على علاميّة الحروف العربيّة البحث عن زمن بدايات الذات بطفولة الاسم وبدايات الحرف بالنقطة الّتي هي بمثابة لحظة الخروج من عتمة المطلق ووحشة البياض إلى تخصيص العلامة وتأنيس البياض، اللاّ-وُجود أو العدم بالعلامة، بالصوت، بالوشم أو الرشم ينْكتِب حرفا/حروفًا أي نصّا يُكسب الذات الكاتبة  والمُنْكتِبة معنى مّا

 

 

* الهوامش :

1-        Martin Bόber, « je et tu » , prιface de Gaston Bachelard, France : Aubier,1969.

2-  يذكّرنا هذا التردُّد بين السُبل بحيرة مارتن هيدغر الأُنطولوجيّة عند مقاربة مفهوم الدازاين (dasaοn)

- Martin Heοdegger, « Acheminement vers la parole », Gallimard, 1976.

3- اللّعب هنا أنطلوجيّ، هو “اللعب الجادّ“، على حدّ عبارة هانس جورج غادامير.

Hans Georg Gadamer, « vιritι et mιthode (les grandes lignes d’une hιmιneutique philosophaique) »  Paris : Seuil, 1976.

 

 

 

 

الفصل السابع :

“حاء” (*)، الحرف باعتباره أوّل الرموز – آخر الرموز

 

(*) أديب كمال الدّين، “حاء“، عمّان – بيروت: المُؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2002.

 

 

1- “خساراتي لم تعد تُحْتمل”.

الشعور الحادّ “بالخسارة” هوالدافع إلى الاستمرار في الكتابة الشعريّة أو التوقُّف عنها. ومرادف هذا الشعور يتحدّد مجازًا “بالموت”، وهو ذلك الإحساس المرهف الّذي تصدّر ديوان “حاء” لأديب كمال الدّين.

“خساراتي لم تعد تُحتمل”، هذه الجملة الشعريّة البدئيّة تستحيل إلى لازمة (Leitmotiv) تُكسب         “خسارات” (قصيدة البدء) إيقاعًا إنشاديّا خاصّا. وإذا الترجيع بهذه الجملة انفتاح واضح على حالٍ مّا من الانحباس نتيجةَ وضع تكراريّ:

“فأنا أخرجُ من خسارةٍ لأقع في أخرى (...)

صرتُ أقلّبُ أسماء المدن

فأجدها متشابهةً كالموت (...)

فأرتبك

لأنّ جسدي الّذي قامَ من موته عشرات المرّات

وقلبي الّذي قاومَ العاصفةَ والدّمَ والذهب

بكيا أمامي كطِفليْن يتيميْن ...”

لقد أدركت الذات الشاعرة صعوبة الموقف، فهي إمّا أن تستمرّ في البقاء بحادث المعنى أو أن تتوقّف عن الوجود، بدلالة الرمز الماثل في التفرُّد والاختلاف. وما التكرار، هنا، إلاّ تأكيد لوضع الانحباس الناتج عن الحركة الدورانيّة دون وجهة أو اتّجاه (ضياع الحلم).

فكيف للذات، هُنا، أن تبحث لها عن أُفُق مّا خارج ليل العتمة؟ كيف تُغالب موتها بهلاك مُؤجّل أو بِموْت رمزيّ لائق، إذا جازت العبارة؟

 هوالفعل، إذن، بإرادة الحياة ذاتها يَرد على شاكلة مُسْتقبليّة: “سأعلن، سأعيدُ ....” ويفتح الكتابة الشعريّة على إمكان الأمل رغم قساوة الوضع  وفظاعة الفاجعة، إنْ نزّلنا الكتابة، هنا، في سياق خاصّ بالمكان والكيان.

2- “أنْتِ سَاعَةٌ لا تكُفّ عن الدوران في صحراء العبث الكبرى”.

ليْس للذات الشاعرة في “زمن أرعن” الاّ أن تُغالب عجزها أو مَوْتها بالحركة، بِبَعْضٍ من البَوْح عن المخبَّإ الدفين، بالاعتراف الّذي يُضمر أكثر ممّا يُظهر. وما المحبّة الخطأ إلاّ تسمية مجازيّة لهذا الكيان الحبيس، إذْ تتوالد النُصوص بالومضات داخل علامة “الحبّ” المرجعيّة من غير أن تُفضي محاولات توصيفه إلى تفضيةٍ مّا تكسر دائرة الانحباس وتغيّر وضعيّة المَوْجود من ضياع المعنى إلى إمكان إنتاجه من جديد. إلاّ أنّ العبث، هنا، لا يدع حركة الاستباق تتحَدّد بِوَجْهٍ آخر للمحبّة بعيدًا عن الخطأ، أو ربّما الخطيئة أيضا.

ولأنّ الأداء الاستعاريّ أعْجَز من أنْ يصف هذا الوضع-الحال فقد التجأ أديب كمال الدّين إلى ضرب من الأداء الغنائيّ بالمُجاورة بين دوالّ لا يمكن أن تتعالق في سياقات جُمَل مُشتركة. أمّا الدافع إلى هذا الاستخدام عن طريق النصوص الشعريّة–الومَضات بالأسلوب الكنائيّ المذكور فهو حضور العبث سياقًا وموقفا وحالاً تصل بينهما العلامة الزمنيّة ممثّلَةً في “الساعة”:

“حبّكِ ساعةٌ لا تقفُ لتنظر إلى الوراء (...)

حبّكِ ساعةُ صراخِ طفل (...)

حبّكِ عقاربُ زمنٍ أرعن (...)

حبّكِ ساعةٌ  تكذبُ لتصدق (...)

حبّكِ أكذوبة (...)“

كذا يتفكّك منطق اللّغة المعتاد بهذا الأداء الكنائيّ الّذي يتعمّد غريب المعاني لِمُقاربة اللاّ-مُسَمّى، العبث عند الالتجاء إلى “منطق” الفَوْضى، إلى ارتباك المشهد القائم على المفارقة بين ثبوت المحبّة وانتفاء معناها، بل معانيها.

وما “وحشة الرأس” الاّ مواصلة في نهج كتابة العبث بتجريب منطق آخر للّغة يتمرّد على معتاد التسمية عند انتهاج سبيل العفْويّة الكاتبة كي تستحيل العلامة الزمنيّة السالفة (الساعة) إلى “أيّام”، بل أعوام حينما يَدّاخَل ماضي طفولة الذات الشاعرة وحاضر الفاجعة وصور المأساة الفرديّة والجمعيّة، مرورًا من “حرْبٍ” إلى “حرْبٍ”، ومن “صحراء” إلى أخرى، ومن سفر إلى آخر.

فكيف للقصيدة، هنا، أن تُسفر عن معنى مّا وهي وليدة حال الارتباك الناتج عن فوضى الأحداث        والعلامات والتباس الرغبة أيضا في الكتابة والوُجود؟

3- عَوْدٌ إلى الحروف.

فملاذُ الشاعر من جحيم الوضْعيّة هوالحرف، عَوْدًا إلى النقطة، تحديدًا، باعتبارها، كما أسلفْنا، علامة البَدْء المرجعيّ. لأيّ حرف والإضافة الدالّة الّتي تُفارق أحيانا بين حرف واخر بالغياب والحضور أو الواحد والتثنية والتثليث.

لذا اعتبرت الذات الشاعرة النقطة “ملك الحروف” ومجمع دلالات حادثة وممكنة، إذ هي فضّة          وبسمة وبخور وموت وندى وشعر وهرطقة وبلاء ودفّ وخمرة وسخريّة وطفولة وعري وعروس وحرمان وخرافة وباء أو نون ودم وفراغ ودمعة وحرف ووداع ونزيف ولقاء وسكّين ونقطة (كأن تُعرّف بذاتها) ونور وتظاهر ونظّارة وحشيشة ولعبة وقٌبلة وفلوت (flϋte)  وسعال وعقل ورصاصة وماء ووحْيٌ”. فهي هذا الكُلّ المتعدّد المُخْتلف كما ترئيه الذات الشاعرة نَسْخًا وفسخا واعادة إنشاء بكثرة الأشكال عند كثافة الحضور اسْترسالا وتركيبًا ولحظة الظهور بالتنقيط فحسب أو احتجابه.

كذا تَسْتأنف الذات الشاعرة لعبة الحروف باحثةً لها من خلالها عن طُمأنينة مَّا للتخفيف من كَرْب ومغالبة حالٍ من الارتباك. فتُضحِي قراءة الحروف، هُنا، ضَرْبًا من النظر إلى الداخل الّذي يُراد به تخفيف حركة الخارج أو تسكينها لخوض تجربة إبطان تستفيد من علامات الحروف ومختلف أبعادها الرمزيّة كما تَمْثُل في أشكالها الخاصّة وتبَعًا لتأوّل الذات الشاعرة.

وإذا النقطة الّتي يُعادُ التأمّل بها ومن خلالها مجال للتنفيس أو التصعيد (sublimation) ، بواسطة “لعب” استثنائيّ عارض استلزمه وضع صعب بواقعيّة ما حدث للمكان (العراق) والكيان في أعوام الحصار إثر حرب الخليج الثانية.

هو “الملل “يسكن النفس ويدفعها إلى اليأس:

“مللتُ من الانتظارِ واللاّانتظار

من الجدوى واللاّجدوى

من الصدقاتِ والخبزِ المغموسِ بالدّم

من رائحةِ المعنى ورائحةِ اللاّمعنى ...”

هواللعب، إذن، ولا بديل عن اللعب، كأن تتردّد الذات الشاعرة بين الاستذكار واستقراء الحروف فِرَارًا، ولومؤقتّا، من فظاعة الواقع وجحيم الاسترهان.

4-   لعبة الاستذكار.

الطفولة هي الوجه الآخر للملاذ إذْ تَمثل في مسارّ تجربة الكتابة الشعريّة كلّما تفاقم الشعور باليأس        وتعاظمت الرغبة في الانتقال من وضع كتابيّ إلى آخر.

إلاّ أنّها في الغالب طفولة مُتخيّلة لتحوّلُها من واقع كان إلى طيف له آثار ظلاله القديمة المتبقيّة في لحظة الاستذكار.

لذلك تتحوّل صورة هذه الطفولة بحكم المسافة الزمنيّة الفارقة بين ما كان وما يكون وبتأثير وضع الانحباس وحالاته الضاغطة على الذاكرة والمخيال الشعرييّن مَعًا، كي تنزاح لغة الكتابة عن الأداء الاستعاريّ بمرجعه التشبيهيّ المُحدَّد  بالواقع إلى ضرب من الأداء الكنائيّ الّذي يُقارب العبث، هنا، دُون التوغّل في متاهاته:

“في طفولته

جلسَ في الشارعِ يستجدي أمّا.

في صباه

جلسَ في المقهى المُقابل للمقبرة

يستجدي أبًا.

في شبابه

جلسَ في التاريخِ  يُقلّبُ السنين

يستجدي جَدًّا.

وحين شاخ

تذكَّر أنّه لم يلعب القمار أبَدًا

فقامَر ليَخسر كُلّ شيء:

الشارع والمقهى والتاريخ

الطفولة والصِبا والشباب”.

فتتحوّل الكتابة الشعريّة إلى فعل التفات يُؤدّي مختلف مراحل العمر بمُحصّل تجربة الخسارة، ليتأكّد في الأثناء انهيار كُلّ الرموز تدريجًا: الأمّ والأب والجدّ. وبذلك ينتفي المعنى عدا الحنين إلى أزمنة كانت.

كذا تبدُو “صورة الولد في ورقة اللّعب” مجمع أحداث لحكاية ترد بأسْلوب مُكثّف يختصر مراحل وُجود لكائن جرّب الحلم والفعل ليصطدم أخيرًا بالفاجعة. كما “الدمعة” هي وجه آخر لاختصار هذا الوجود المُعنّى، إذ تشي بتاريخ القهر وتومئ إلى أداءٍ مختلف بلغة مُتفرّدة لا يقدر عليها إلاّ مَن خبرَ الحزن وألفَ عذاباته وحوّله إلى دستور خاصّ للمظلومين من عُشَّاق الحرّية، “كالحلاّج” يحوّل دمه إلى رمز لكافّة البشريّة ويهب نفسه قُرْبَانًا لها:

“رأى دمعتي

مَن يسوسُ الناسَ كما يسوسُ البغال (...)

غير أنّ اللّه

رأى دمعتي في جوف الليل:

ليل أرض السواد

فقال خُذها نُقطةً تُسمّي الشيء واللاّشيء”.

إنّ الاستذكار، هُنا، أَوْسَع واعمق مِن أن يُحَدّ بزمن فردي، بل هو مُجمل تاريخ المجموعة السالف            والحادث، والسياق المُحايث الّذي يُساعد على مقاربة المحبّة بمختلف مراجعها التُراثيّة العِرفانيّة.

5- “كلمات” الابنة- كلمات الوجه الآخر للمعنى.

كذا مجموعة “حاء” الشعريّة لأديب كمال الدّين هي فيض من حالات ملتبسة نتيجة الوقائع الصعبة الّتي تعترض سبيل الذات الشاعرة في أعوام الحروب والحصار.

لذلك لا تنجو الكتابة من الارتباك، كأن تترّدد بين الاستذكار وتجريب الحروف بضَرْب من اللعب أو التلهّي المُؤقّت عن فظاعات ما يحدث. إلاّ أنّ هذا اللعب لا يُراد به مجّرد التلهّي، بل هو تجسيد كتابيّ لحال عاشقة، كـ”كلمات”، الّتي تعني في الواقع تسمية مُحددّة لابنة الشاعر وعلامةً رمزيّة تتجاوز ظاهر التسمية إلى بيان القيمة الاعتباريّة للمُسَمّى ومدى حضوره المرجعيّ في صميم الروح الكاتبة.  “فكلمات” الاسم وما وراء الاسم وَجْهٌ آخر للأمل الّذي يظهر حينا ويحتجب أحيانا. إلاّ أنّ تأثيره عميق في ما ينْكتب، وهو بمثابة الحافز على مواصلة رحلة الوجود بالمطالبة والإصرار العجيب على البقاء، إذ “كلمات”، هنا، هي فيض من محبّة مُخصبة للمعنى وإمكانه، بل إمكاناته في زحمة العبث والفوضى وسيادة الكارثة والموت. وكأنّ “كلمات” أمّ رمزيّة لأب يستحيل مجازًا إلى طفل ضائع يبحث له عن قصد وغاية في وجوده المَتَاهيّ، أو هي المعشوقة رُوحًا بمَجْمع قوى الروح في مُغالبة توقُّف المعنى عند توقّف الرمز:

“لا بأس، إذن

أن تأخذي بيدي ثانيةً إلى الحياة.”

وإذا الرمز، هنا، مرجعٌ للقوّة الروحيّة يُستمدّ من “كلمات” (الابنة) وكلمات اللّغة والتراث والتمثُّل العرفاني بضرْبٍ من التماهي بينهما حيث تنتفي الحدود الفارقة بين الوجود والقيمة الرمزيّة المحايثة له أو المُنْبجِسَة منه.

إنّ حضور “كلمات” (الابنة) في حياة الذات الشاعرة هو ثمرة وعي الكتابة الشعريّة ولا وعيها،          وهو تجسيد لعشق الحروف السالف والحادث والمستقبلي، إذْ لا إمكان للاستمرار، هنا، في إذكاء الأمل إلاّ “بكلمات” (الأمّ أو المعشوقة الرمز) والكلمات تدليلاً في الأساس والمرجع على الحروف.

3-   “كحرف الشين حيث الشهوات والشيطان والشقاء...”.

قد يتبادر إلى الذهن عند قراءة لحظات اللّعب في الحروف وبالحروف أنّ الذات الشاعرة تُحقّق بهذا اللّعب البعض الكثير من الطمأنينة في مُغالبة الألم السالف والحادث. إلاّ أنّ المُتأمّل في تجربة أديب كمال الدّين الحروفيّة يُلاحظ أنّ التجربة تتراوح بين إمكان الأمل في اتّجاه ومزيد من الألم في اتّجاه آخر.

وإذا الجيم والشين في “جيم شين” مجال للتفكير في الفَاجعة من خلال هذَيْن الحرفيْن كما يرتسم تأثيرهما في ذات الشاعر، كالإلماح الدلاليّ المُكثّف إلى “الوحشة” تكرارًا لِلّفظ-العلامة وتكثيرًا لدلالاته الممكنة في نسق اطّراد الحركة الشعريّة للقصيدة، مرورًا من السُؤال إلى مُحاولة الإجابة:

“هل للوحشةِ ذوائب أم أنياب؟

هل للوحشةِ تأريخٌ أم جغرافيا؟

هل للوحشةِ غناءٌ أم زعيقٌ أم أنين؟

هل للوحشة معنى، (...)

الوحشة حبيبتي ...”

كذا الشين هو من الوحشة واليها. فلا خلاص من الألم، إذْ ينفتح الحرف، هنا، بأقصى الجهد على الداخل ليصطبغ بالحال ويؤدّي البعض الكثير من أوجاعها السالفة والحادثة. أمّا الجيم فهي من        “الجنون” واليه، مثلما تُحيل على “الجثّة والجَلْجَلَة والجُمجمة”.

وبهذا الوصل بين الحرفيْن تتشكّل الدلالات وتتوالد في الأثناء بضَرْبٍ من اللّعب المذكور الّذي يُباعد ويقارب بين ظاهر الحرف وكامنه بمَجْمع حالات الداخل ومختلف تقلُّباته.

وبناءً على السالف تستقدم اللعبة الحُروفيّة إليها البعض من ذكريات الطفولة الّتي استحالت إلى صُور تصل بين التجربة الفرديّة وحادث التجربة الحروفيّة، ببهجة “الحاء” وألقها الخاصّ:

“حين أفاقَ الطفلُ من نومه

وجدَ اللقلق

قد ألقى إليه بِكيسٍ من الحروف.

رقصَ الطفلُ فرحا،

قالَ: أريد الحاء:

حاء الحنين والحُبّ والحُلْم ...”

غير أنّ الانقطاع أو الانقضاء سمة غالبة على الحدث نتيجة التباعد الزمنيّ بين دهشة تعلُّم الحروف        وبين حادث استعادة البعض من الفرح القديم في راهن الكتابة دون الاقتدار على الاستمرار في تأثيث الخراب المستفحل بفرحها القديم المستعاد بل يخون الحرف صاحبه، إذا جازت العبارة، يهجره، وهو الّذي سعى إلى التواصل الإبداعيّ الحميم معه، يدعه وحيدًا في عراء الوجود معرّضا “للسرقة”        والقتل المجازيّ والتشرّد، كي يشقى كُلّ منهما بالآخر وفي الآخر وضمن سياق وجود مشترك.  ونتيجةً لهذا الهجر يَحتدّ الشعور بالوحدة ويتفاقم وعي الموت في “ثلاث صُور للموت” دون إمكان التحرّر من عشق “النون” في” تبّا لك”! والتوغّل في متاهة الغربة والاغتراب (مائدة الغرباء).

وكأنّ الذات الشاعرة وهي تخوض تجربة الكتابة الحُروفيّة تُدْرك في الأثناء أنّها لم تعد قادرة على أداء الوقائع المُفْجعة الحادثة. لذلك نراها تلتجئ إلى الحكاية التي تُقارب الواقع والعبث مَعًا في           “مشهد”، والاستيهام بتمثُّل المرأة حَرْفا في “غزل حُروفيّ”، وكتابة الإلماح بواسطة الأسلوب البرقيّ الّذي يكتفي باقتناص اللحظة–الحال بضرْبٍ من التداعيات رغم ثابت القلق والغضب في “برقيّات سعيدة جدًّا”، وحلم الغيمة في “العازف” تتشكّل صُوَرًا لوجوه وحركات وأصوات سُرعان مَا تُقارب الكابوس (قتام الوضعيّة)، ولعبة التفكيك والجمع عند إعادة كتابة “جيم سين دال” (جسد) بالتمثّل الرمزيّ الحُروفيّ تنقُّلا بين ثالوث الحروف الدالّة على الجسد الواحد، والتماهي مع طاغور في         “حوار مع طاغور” بالرغبة الكاتبة في توسيع دائرة التناصّ، واداء المحبّة المختلفة عند استقراء الجسد الأنثويّ-الرمز في “زلزال” بمختلف أبعاده تردُّدًا بين “الموسيقى”  و“الزلزال”، بين بهجة الحياة وكارثة الموت وفي “النار والسندباد” أيضا حيث التعالُق بين “النار” و“الحبّ” و“الحرف” و“العائلة” كي تصطدم المحبّة بالمنع وتفضي وضعيّة الانحباس إلى “الملل والموت والنار” بالسفر دون وُجهة عَدَا الالتجاء إلى سفر آخر. غير أنّ فيض المحبّة عارم ولا إمكان للتحرّر من “غزله” ولكنْ “على طريقة فان كوخ” حيث الصورة الّتي بها تُؤَدَّى الحال إلى إمكان للوصل بين الشكل والرغبة والعطر و“الحرف المُطلْسَم“، كأن يتواصل الشمّ والإبصار في سياق مشترك يكون بِه أداء المحبّة المذكورة.

كذا الأنثى-الرمز في سياق الأداء العشقيّ صورة مُتكثّرة بالحرف/الحروف وتعدّد الحالات والمواقف تبعًا لاختلاف اللحظات، كمشهد التعالي والتسافل بين العاشق والمعشوق في “بانتظار أن تهبط حبيبتي” تدْليلاً على الرغبة ووقائع المنع.

7- “حملتُ معي حروفي كلّها، وصنعتُ لها سفينةً من دمي”.

لا بُدّ للذات الشريدة أو الطريدة من بَوْصلة تستضيء بها على ليل المتاهة. لذلك يبدوالحرف مثل النقطة الدليل الأوحد تقريبا على الطريق المجهول، وإن اتّسم هوالآخر بالغموض، كالوارد في       “نونيّات جديدة“ :

“يا نوني الغامضة

منذ أن طَردْتِني إلى ساحةِ البحر

حملتُ معي حروفي كُلّها

وصنعتُ لها سفينةً من دمي...”

كذا النون ملاذ، حضن دافئ، “سرير جديد” رغم تلف النقطة، كوُجود رمزيّ آيل إلى التفكّك           والتلاشي، تشكُّلّ آخر يُكسب الموجود أَمَلاً في طريق بلا وُجْهة أو اتّجاه، عَدَا الرغبة في مواصلة الحياة بإرادة قويّة لا تنثني.

وإذا الحرف هو أبعد من كَوْنه مجالا للالتفات (التذكّر) واللّعب الكاتب في مغالبة الانهيار الوجوديّ الحادث، بل هو مجال واسع للتخييل والحلم وللحوار أيضا، على وجه الخصوص، كالتخاطُب بين النقطة والحرف في “أخطاء” لتحميلهما مَعًا الكثير من الرموز الدالّة على واقع الكارثة، والحرف إنشاد راقص رغم فظاعة المأساة، كحديث القُبلة شعرًا يتشكّل في نصوص برقيّة ضمن “ثنائيّة” حيث التفكيك الحروفيّ والوصل يتعالقان في بنية وصفيّة واحدة للحلم:

“القُبلة حلم

والموعدُ حاءُ الحُلم

ولامُ الحلم

وميمُ الحُلم.”

كذا النهج الحروفيّ الجديد، حسب تعريف “النونيّات“ في السابق، يتواصل بوضعيّات أداء مختلف عند تكثيف الرمز في “الغُراب“، كحِكمة الغراب تتضمّن وصف النون أو الباء أو الحاء في زحمة الحروف أوْ تداخُلها، أو حكمة الموسيقى تُعاضد إيقاع الحروف في “شكرا أيتّها الموسيقى“، وأسئلة الذات في مخاطبة النقطة ضمن “أمجاد النقطة“ حيث تعلُّق الذات الشديد بها رغم أذاها المتكرّر بوجوه مختلفة.

إنّ المتبقّى في وجود الذات الشاعرة موسوم “بالكلمات“ دون انفصال عن الحلم والموسيقى، حَدّ مقاربة الموت :

“حين نظرتُ إلى ساعتي

لم أجد فيها أيّاما ولا سنوات

بل وجدتُ فيها أنهارًا من الحلمِ والموسيقى والكلمات

فحلمتُ ولعبتُ وكتبت

حتّى كدتُ أموتُ من الحلمِ والموسيقى والكلمات،

حتّى كدتُ أموتُ من الغرق”.

لذلك تتكرّر الرغبة في اللواذ بالحرف ضمن “دجلة“، القصيدة الّتي تصل بين حلم دجلة ولاعبيّة الحرف والنقطة في منظومة دلاليّة واحدة تُحَدّ بالعشق الموصول بالمكان والكيان، وفي “الزمن يركض...الزمن يغرق“، هذه القصيدة الّتي تُعرّف الزمن بحروف الذات الشاعرة  ونقاطها: “الزمن حُروفي ونقاطيّ الّتي حاصَرَتْني بأذرع الساعات”.

وكلّما تناءت الذات الشاعرة عن الحرف تفاقم شعورها باليأس وأشرفت على هلاك الرمز الّذي هو هلاكها، كالوارد دلالةً في “خرافات”  و“حواريّات الفردوس” حيث اليأس يبلغ أشدّه والنهاية على وشك أنْ تحدث، إنْ لم تسع الذات الشاعرة إلى انتهاج سبيل آخر في الحرف وبه.

ولئن تأثّرت الحروف بالوضعيّات الصعبة الحادثة كي ترتبك دلالاتها فهي الوجود الرمزيّ المتبقّى، كما أسلفنا، كفوضى الزاي في “ارتباك الزاي” لا تنفي استفحال المأساة في “ضحك” حيث الكُلّ يضحك إلاّ أنا-الشاعر:

“وحدي كنتُ أتأمّلُ المشهد

وأبْكي

وحدي كنتُ أتأمّل المشهد

وأموتُ بِبُطء”.

8- من قبيل الخاتمة أو تنويع آخر على بَدْء.

تبدو الذات الشاعرة في “حاء” لأديب كمال الدّين حريصةً على مُغالبة اليأس لتأكيد مدى الحاجة إلى البقاء بالرمز الماثل بَدْءًا ومرجعا في الحروف لما تُمثّله في ماضي وجود الذات الشاعرة من تُراث، بل تُراثات وما تُحيل عليه من مَعَانٍ مُمْكنة تصل بين تجربة الفرد والمجموعة، بين حاضر التمثّل الجماليّ العِرفانيّ وماضيه الضارب بجذوره في القِدَم.

كذا يُضحي الالتزام بالحروف شبيها بمهمّة شعريّة تتجاوز حدود الكتابة في ذاتها ولذاتها إلى “رسالة” (رسالة الحروف) تختصر كُلّ التجارب الحُروفيّة السالفة والحادثة.

ولئن اختتم أديب كمال الدّين مجموعته “حاء” بسقوط الحرف في “الحفلة” فإنّ إعلان الكارثة لا يعني حدوثها، بل إمْكانا لحدوث، كالمهْووس بالحرف يُدْمن عليه دُون انقطاع ويستضيء بعتمته الجميلة الآسِرة ويغامر في تشكيل معانيه الحادثة والممكنة واعادة تشكيلها من غير كَلَل أوْ ملل، فيحلم يَقِظًا باحتفال مأتميّ، ذاك الّذي يتحدّد استباقًا بالسقوط المشترك:

“الحرفُ يسقطُ يسقط

ونحن نضيعُ وسط عُرْينا الأسْود

الّذي ملأ علينا كُلّ شيء”.

ولكنْ كيف للسقوط، هُنا، أن يُؤجَّل؟ أليس الحرف، بناءً على السابق، هوالرمز المتبقّى لمواصلة الرحلة إلى آخر المدى، إلى آخر العُمُر؟

 

 

الفصل الثامن :

“ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة”(*)

حروفيّة الشعر من التجريب إلى حادث التجربة

 

 

(*) أديب كمال الدين، “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة“، الأردنّ: دار أزمنة للنشر والتوزيع، 2006.

الحروفيّة في الشعر بعد المتداول من الحروفيّة في الرسم ضمن الفنون التشكيليّة العربيّة، والعراقيّة منها على وجه الخصوص: تلك هي أبرز سمة لتجربة أديب كمال الدين في كتابة النص الشعري.
إنّ الحروفيّة العربيّة، إجمالاً، خَطيّة وشعريّة في الآن ذاته، لأنّها من المكان وإليه، وذلك لانفتاحها على كل الاتجاهات وهي قائمة في الزمن أيضاً، كأن يتقاطع في بنية الحرف العربي كلّ من حركة اليد ومجال الرؤية (العين) والإبصار(من البصيرة). وما احتفاء أديب كمال الدين بالحروف العربية عند استقدامها إلى الشعر إلاّ بعض من الاحتفاء بتُراث الحُروفية العربية والثقافة الحافّة بها. فهل يواصل الشاعرهذا النهج في “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة” أم هوالاسترسال والقطع في آنٍ واحد بتأثيرات الوقائع الحادثة؟

1- لطفولة الحرف بعض كثير من طفولة الاسم، ما بين الصوت والصمت.

إنّ اهتمام أديب كمال الدين باللّغة هو في الأساس ضرب من الاستدارة التي يُراد بها استعادة البدء الأول في تاريخ الحرف، كما يَنكتب في ذاكرة الذات الشاعرة ويرتسم بمخيالها الأقرب إلى التداول منه إلى الإطلاق. فالتفكيك منهج لازم عديد الدواوين السابقة للشاعر، وقد حايثتْه رغبة الاستضاءة بعتمة الحرف الصوت أو الصدى، إذ لطفولة الحرف، هنا، بعض كثير من طفولة الاسم، كَلوْثة المعنى البدائي تُصيب الكيان وتظلّ في الأثناء متلبّسة بظلاله، تحمل ذكرياته الهاربة عن سطح الوعي، بدلالة السالف المُعمّى، ما قبل الحرف وما قبل الوعي بمُشترك ذاكرة الاسم والاشتغال الحيني لها استناداً إلى مُجمل الخبرة الفردية.

كذا تبدو إقامة الكتابة الشعريّة بين “ما قبل الحرف” و“ما بعد النقطة” ضمن الخانة المعتمة التي هي الصمت تقريباً. فأدبية الصمت هي في صميم أدبيّة الكلام وإن اختلفت عنه في الماهية وسياق الفعليّة اللغوية، لأنّ الكلام هو، في الواقع من الصمت وإليه شأن صلة المعنى باللاّ-معنى(1). وبالصمت يُضحي الكلام قادراً بالفعل على التكلّم، شأن الفراغات الصامتة في العمل الموسيقيّ يُحوّل الصوت الموسيقيّ إلى فجواتٍ دالّة بالكثافة السمعيّة والكثافة السمعية الناطقة بتلك الفجوات. فكيف يشي الصمت بالأبعاد الأخرى للكلام؟ كيف يتجاوز أديب كمال الدين في هذا الديوان دائرة التجريب اللغويّ إلى تجربة الحياة ذاتها بمختلف تقلّباتها ومآسيها؟ أليست كتابة الصمت، هنا، انطلاقاً في طور ما بعد تفكيك الكلمة والجملة إلى إحداث لغة شعرية مختلفة هي وليدة متراكم أفعال التجريب الكِتابي السابقة ووهج الوقائع الصادمة بَدْءًا بالخطوب التي حلّت بالوطن (العراق) ومروراً بالندوب الناتجة عن صدمة الاحتلال في النفس ووصولاً إلى مشاقّ الحياة في المهجر وعذاباتها.

2- ما بين سرد الحال وشاعريّة الحدث.

لقد استدعى تفاعل هذه العوامل في الذات الكاتبة الإبدال الذّي حوّل النصّ الشعريّ من “لعب لغويّ” إذا جازت العبارة، يُقارب طفولة الاسم وطفولة المعنى في الموروث اللّساني الفرديّ والجماعي إلى كتابة التجربة بمُقاربة التخوم القصيّة لفاجعة الانقضاء واحتمال أذى الكارثة السالفة والحادثة، كتفاقُم حال السأم والشعور الحادّ بالخواء والقرف المُلازم للكائن والدهشة أمام انحباس الأفُق والرعب من المصير. فتصف الذات الشاعرة وقائع الكارثة والسأم كي توصف من خلالها بضرب من التداخُل الخاصّ بين سرد الحال وشاعريّة الحدث بمنظومة استعاريّة مختلفة عن سابقتها، تُحوّل اللغة الشعريّة من سياق لُغويّتها عبر تداوُل حادث، تستعيد به الكلمة نظامها الدالّ بُغية مقارنة حجم الكارثة التي أصابت الكائن والكيان بعد أن تفتّحت بصيرة الشاعر على فاجعة الانعزال بدلالة الفرد والمجموعة التي ينتمي إليها، وبمنظور تجربة المهجر، وابتداءً من “الأصدقاء الأوغاد والمنفّيين والسذّج”:

“حين جلستُ إلى الساعة

كانت الساعةُ شابّاً مقتولاً

قرب كنيسة أحزان العالم.

جاءَ أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج

ووضعوا صليباً خشبياً

قرب دماء الجثة

ووضعوا ورداً لا اسم له

وآساً وفاكهةً معفّرةً بالتراب.

قالوا: مَن هذا المقتول؟

وما معنى الساعة؟”

فيتحدّد بَدْءُ الإبطان الواصف بوعي الزمن، هذا الشعور الحاد بانهدام نظام ما يتّخذ له مجاز الساعة المتحوّلة من آلةٍ دالّة على الزمن إلى كائن قتيل. وإذا الصورة المشهدية تتناسل في الأثناء بتداعيات لحظة الكتابة ذاتها على شاكلة تحويل داخليّ سريع الحركة يتّخذ له نسق الاطّراد الحدثيّ تبعاً لِنَسق تشجيريّ ينتشر بعديد الصور الفرعية لينغلق بالمُساءلة عند الوصل بين “المقتول” و”معنى الساعة”.
3- موضوع الرثاء: موت أبديّ تقرر قبل الولادة.

يتكرّر فعل المساءلة برغبة الكشف عن مُخبّأ دفين في الذات المتفجّعة، إذْ ثمة حال من السقوط الداّل بَدْءًا، وحسب الظاهر، على تورُّطٍ مّا يُؤنب النفس ويدفعها إلى ضرْب خاص من الاعتراف (confession)   الذي يعتمد إيماء الشعر ويتوسّل بالإيحاء والرمز وتكثيف الصورة، وينتصر لتدلال الموت على دلالة الوجود المُعَنَّى، ويسعى إلى كتابة الرمز المختلف عِوضاً عن رومنسيّة وصف الحالات وتجريبيّة اللّغة، كَسالف خبرة الكتابة الشعريّة قبل المهجر داخل الوطن الحابس والحبيس. كذا يزخر النّص الأوّل من الديوان بعلامات الكارثة وانعدام المعنى- القيمة واستبداد الفاجعة: تكرار فعل الاستفهام، “موتي الأبديّ، ضياعي في جسد من لعنة الحبّ، عذابات الرغبة والشوق، مأساة من عسل الوحل، درج يمضي حتّى الأسفل، جثة ذاك الشاب المقتول، صيحات صليبه، فواكه قلبه المعفّرة بالتراب، مقتولاً جئتُ إلى الدنيا وسأغادرها مقتولاً أيضاً، أصدقائي الأوغاد والمنفيّون والسذّج، دمي المتناثر، فاكهتي المُلقاة على الأرض، أخرج (...) سكّيناً ليهددني، شتمي، كتابة تقرير سحريّ أو سريّ، درجي الهابط إلى الأسفل، أيامي: أيامي الريش، قُتِلتُ قرب نهر ميّت، حملوني في تابوت أسود، حفروا الأرض ووضعوني فيها، المنفى”..

فتتجاوز هذه الألفاظ داخل ملفوظ هو أقرب ما يكون إلى مرثية حادثة لا علاقة لها بنموذج المرثية العربية التًُراثية، لأنّ الراثي والمرثيّ في هذا السياق هما من رحم دلالي واحد ولا تبعيد بينهما، كما لا معنى للتعليل أو التبرير أو تعيين الفاجعة باللحظة، إذ الذات الراثية والمرثيّة مَعاً لا تصف فاجعة عارضة، وإنما موضوع الرثاء يخصّ “موتاً أبدياً” تقرر قبل الولادة بمطلق زمنيّ، وتحدد عند الولادة وبعدها إلى ما لانهاية. فهذا “الموت” قريب في الدلالة من “موت” علي جعفر العلاّق، لأنّ السياق المجتمعي واحد والمرجع الأنتروبولوجيّ مشترك وشروط التمثّل أوظروفه متشابهة حدّ التماثل الدلالي والتدلالي أحيانا عديدةً.

ولئن جرّب أديب كمال الدين شاعرية اللّغة وعفويّة الكتابة والأقنعة اللّسانيّة المتردّدة بالقصد الإيحائي بين الجملة واللفظ والحرف (الصوت) في الدواوين الشعريّة السابقة فإنّه في “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة” يندفع إلى “الوراء” بإرادة كاتبة جديدة أنشأتها ضخامة الكارثة الحادثة وظروف المكان-المهجر حيث الإشكال الكينونيّ، هنا، قائم على أشدّه: وطن بلا حُرية في السابق، وتحديداً حُريّة الفرد، وحرية بلا وطن في الزمن اللاحق.وليس للذات الشاعرة حرية الاختيار بينهما.لذلك نراها تكتفي في الغالب بالاستذكار المُضمر والفرار من راهن الضياع إلى “ضياعات” أخرى أشد أذى للروح وأبعد إيغالاً في الجُرح الفاغر فاه، النازف عَذاباً وقَهْراً.

4- التخوم القصيّة لوعي الموت: فيض العلامات الدالّة على الرغبة.


إنّ تفاقم الحال الباتوسيّة بمختلف علامات “الموت الأبديّ” وإمكان دلالاته يُفضي حتماً إلى التخوم القصية لوعي الموت، إلى الرغبة بفيضِ من العلامات الإيروسيّة وإمكان تدليلها على معنى الوجود، بمُتبقّى الرغبة وإرادة الرغبة، بيقظة الجسد يستحيل إلى جسديّة منتفِضة كاتِبة، كأن تتجمّع كُلّ الحواس وقوى التعقيل والتخييل والحدْس في مواطن تُداخل بين الموت والرغبة، للتخوم الواصلة بينهما، كالمدّ والجزْر في تموُّجات النفس المزحومة بصور الخراب والكارثة والفجيعة والمهووسة بالحاجة إلى إحبال الوُجود معنى، برمزية فحولة القلم وذكورة الرغبة المتعطّشة إلى التواصُل مع أنثى، هي الحُرية إمكاناً للتسمية، وهي الفعل الكاتب الذي يزرع الحُبّ في رحم البياض، ويسعى إلى إكساب الخواء روحاً بمشترك الحالين الباتوسيّة والإيروسيّة، بالألم واللَذّة، بالدّم والحِبْر، إذ ينفتح “طوفان” صور الخراب الفراغ الكارثة على “البحر” بمُختلف رموزه الدالّة عليه، كما يُفضي الجسد الحبيس المستنزف القُوى إلى “جسديّة “عاشقة حالمة متشهية، وبذا تتعالق السيولة ورمزية “لعبة الفراش”وجنون الرغبة ورمزية الغُرف والموت:


“أنتِ تشبهين البحرَ في كلّ شيء.

نعم،
هو أزرق

وأنتِ زرقاء.

هو ساذج أخرق

وأنتِ ساذجة أكثر مما ينبغي.

هو صاحبُ المعاني التي تبدأ بالفراش

وتنتهي بالموت

وأنتِ صاحبةُ الفراش

 هناك يبدأ معناكِ بالظهور

شيئاً فشيئاً

لينتهي بالغرقِ والموت.”

إنّ بلاغة التشبيه في بناء هذه الصورة وجه آخر حادث للإنشاء الاستعاري، كأن يتجاوز التشبيه البليغ في هذا السياق المنتظر الدلاليّ إلى ما هو أبعد من الدلالة، ليفقد بذلك صفة التشبيه المعتاد، إذ يتعالق كُلّ من البحر والأنثى المُخاطبة في أقصى التخوم لِكُلٍ منهما، بالمشترك الذي هوالفراش والظهور وما بعد الفراش والظهور إلى “الغرق والموت”، بأن يستحيل المعنى إلى “لامعنى”. وإذا نصّ “هو أزرق وأنتِ زرقاء” نشيدة الرغبة والموت تُصاغ بأسلوب التكرار، بالتعالق الحميم مُمثلاً في التشبيه، وبالانتشار الدلاليّ الّذي سرعان ما أفضى إلى استدارة، كالرغبة يعلو بها الفعل إلى الذروة لتنحدر سريعاً إلى الأسفل حيث التذكير بالقتل أو الغرق أو الضياع أو “السكاكين” أو “الذكرى” أو الموت المُفضِي إلى موت، ولاشيء آخر عدَا الموت. وكأنّنا بأفعال الانتشار والتراجُع المتكررة على امتداد المقاطع السبعة نشهد تصديةً للصوت المُعلن في النص الأول من الديوان، بأن نستعيد وُجهة البدء بعد محاولة تغيير الاتجاه أسلوباً ورُؤيا.

وإذا الإنشاد مُمثلاً في النص الشعري الثاني من الديوان انفتاح على الأنْتِ الماثلة في الأنا، وانغلاق عاجل يُنهي تكرار فعل الانفتاح لتصطدم الرغبة بالاستحالة، والأمل بالألم، والحُلم بالموت المستعاد أو الأبديّ، كالمُقابلات التالية التي تصل بين بدايات المقاطع ونهاياتها:

- “أنتِ تشبهين البحرَ في كلّ شيء

(...)
لينتهي بالغرق والموت.

-  نعم (...)

لمئاتِ الفارّين من المعركة

-  وعلى ذكرِ القتلِ والزلازل

(...)

بل بسكين تغرقُ في الصدأ والطين


-
 ما أحلاكِ إذن (...)


ومليئةً، في آخرِ المطافِ، بضياعي الأعمى


أنتِ تُشبهين البحر (...)


حاملاً، كلّ ليلة، المشاعلَ والسكاكين


-
 أنتِ تُشبهينَ البحر (...)


خلف ذكراكِ الحيّة الميّتة


خلف ذكراكِ المقدّسة!

- أنتِ تُشبهينَ البحر (...)

ومن قصيدةٍ إلى قصيدة

ومن موتٍ إلى موت!”

5-  شهوة التجريب اللّغوي المزحومة في هذه المرّة برغبة البَوحْ.

هوالتكرار اللفظي والتركيبيّ والدلاليّ، إذن، يُكسب هذا النص صفة الإنشاد، بالنسق الإيقاعي الواحد يتكثّر في الداخل، وبالتوزيع اللفظي وإعادة التوزيع عند إحداث تغيير في الاستخدام اللفظي تُعادُ به جَدولة الألفاظ وتمدُّد النسق بحركة اطّراد دون الخروج عن حدود هذا النسق، كأن يظّل البحر وأنتِ والواصف (الأنا المُضمر) حاضرة باستمرار على امتداد النسق في حين تتغايرالألفاظ والسياقات الموقعيّة وتتوالد الصُور في الداخل ضمن صورة بدائيّة ومرجعيّة واحدة: الرغبة تتغنّى بالموت، والموت يتماهى والرغبة. وكما يتحدد أسلوب الإنشاد بالتكرار فإنه يستدعي بلاغة الإنشاد القائمة على النداء (المُخاطبة)، كمن يبحث له عن أُفق خارج كثافة العتمة، خلافاً لبلاغة الخبر التي صيغ بها النّص الأوّل عند توصيف جحيم الوضْعية وانحباس الأفق. وكأنّ الوطن الغائب في النّص الأوّل يستدعي إليه وطناً هو حُلم الكتابة الشعريّة التي يُراد من غير أن يتحقّقَ، وذلك لاستبداد الموت، الكارثة، الفراغ. لذلك كلّه يستحيل الإنشاد إلى وجه آخر للرثاء بتوحُد الرائي والمَرْئي. غير أن الجسدية الكاتبة في النص الأول مُضمرة، حبيسة الأنا وما وراء الذات الكاتبة، محكومة برغبة النعي والإخبار في حين ينجلي مشهد النعي في النص الثاني من الديوان عنها بسبب الرغبة التي تُضحي إرادة للفعل الكاتب وإنشاداً يُعالق بين حُلم الذات الكاتبة الراغبة والأنوثة-الرمز والعالم بأشياء “البحر” المُتخيلة الدالة عليه.
ولئن اتّجهت ذائقة الكتابة بَدْءاً في هذا الديوان إلى توصيف الفاجعة الحادثة بضَرْب خاصٍ من البوْح بعيداً عن قناع اللغة أو تجريبها الذي ساد الدواوين السابقة فقد استعادت في الاتجاه الآخر بعضاً من شهوة هذا التجريب بحديث “النقطة” وموضوع الحرف(3) ليتعالق في هذا الديوان أسلوب حادث يصف الفاجعة دون التوسُّل بقناع اللّغة وأسلوب سالف هو في صميم التجريب اللغويّ الّذي استحال من “قناع” إلى أسلوب حافّ بالحادث وتبعاً للوظيفة الجمالية بعيداً عن استخدام القناع في سالف الكتابة. وحتّى النصوص التي استعاد بها أديب كمال الدّين شهوة التجريب اللّغوي مزحومة برغبة البوْح عند توصيف الكارثة التي حلّت بالكيان الفرديّ والجمعيّ. لذلك يتفارق الأسلوبان عند التفكيك القرائيّ ليتأكّد في الأثناء تلبُّس كلّ منهما بالآخر ضمن كتابة أنشأها مسارّ التحوّلات في حياة الذات الشاعرة والجديد الطارىء في وعي الوجود والكتابة منذ خَوْض تجربة السفر والانتقال من مكان إلى آخر. فما يوصف بالتجريب اللّغوي، حسب الظاهر، ليس إلاّ تقليباً، بوُجوه مختلفة، لحال الموجود(Etant)   المزحوم بأطياف الجريمة والدّم والسواد وضياع الوطن وفراق الأهل والأحبّة، ليتعاظم الموقف التراجيدي ويحتدّ بوضعيّة من يعيش حرية بلا وطن، كأن يحمل عذابات ماضيه وأحلام راهنه دون وُجهة أو اتّجاه.
6-  تصادم الألفاظ وتداخل الحروف: نظام جديد وتنبيه إلى مزيد من الفَوْضى.

كذا تشهد الكتابة في “ضجّة في آخر الليل” من الديوان ارتباكاً هائلاً، مَوْضعُه اللّغة، إذْ يتفكّك منطق التداوُل اللّساني بحادث الوضعيّة، وتعصف بسكينة الكلمة واستوائها “زلازل” الوقائع الجديدة برمْزية اختفاء النقطة وتصادُم الألفاظ وتداخل الحروف واستبداد “الفوضى” ب”النظام” ايذانا “بنظام جديد” أو تنبيهاً إلى مزيد من الفوْضى:

“أمّا النقطة

فاختفتْ وسط بيت خيانتها المنيف

لتترك الحرف يبكي ويصرخ ويولول

وسط صهيل الكلمات،

أعني وسط صهيل الناس!”

وأوّل التداعيات في توصيف هذه “الفوضى” سقوط التماثيل، كُلّ التماثيل التي تعني وُثوقات موروثة وأخرى مكتسبة في سيرورة الوجود الحابس والحبيس، عدا الحُريّة، هذا الحلم القديم الجديد، السالف الحادث،الأمل، البوصلة الأخيرة المُتبقية في صحراء الوجود، المرجع والأفُق،آخر إمكان قد تُضحي به الفردية مشروعاً قابلاً للتحقُّق رغم كُلّ العلامات الدّالّة على التسلّط عَوْداً إلى تاريخ السُلالة ومُروراً بالجرائم الفظيعة المُرتكبة في حقّ الكيان الفرديّ والجمْعيّ على حدٍّ سواء:


“نعم

كلُّ تماثيل ذاكرتي

كانت مهشمّة، بدون رؤوس.

وحده تمثالك

كانَ كاملاً

ولا ينقصه إلاّ الكلام!”

7-وعي استذكاريّ راهنيّ استباقي في الآن ذاته.

غير أنّ الاستذكار، وإن نزعت الكتابة إلى تفاديه باستقراء اللحظة (الآن)، جدار سميك لا يدع فعل الكتابة يندفع بإرادة قويّة واضحة نحو تأسيس زمن جديد. لذلك تطفوتلى سطح الدلالة الشعريّة في “مطر أسود.. مطر أحمر” مشاهد الخراب القديم والحادث، عَوْداً إلى تاريخ الجرائم والحروب والخرائب والحرائق والنزيف الدموي بتقليب صُور الموت القديم والجديد. وإذا الموصوف الكارثي لوحة شعرية تُداخل بين الأزمنة والمواقف بسياقٍ جامع يُفضي إلى حقيقة كارثية: “وضاعت معهم بغداد إلى الأبد” .

هذا الوعي الاستذكاريّ والراهنيّ والاستباقيّ في واحد هوالذي يحتّم التوسُّل بكلّ الأساليب وإمكانات التدليل باللّغة على الكارثة مُمثّلةً في واقع الهلاك الذي اختار الشاعر لتسميته لفظ “الموت” بمُختلف العلامات الحافّة به. فيتّخذ البوْح له إيحاء التورية عند استخدام أسلوب التجريب اللغوي وحادث فجاجة التوصيف الكارثي شبه المُباشر، لما للموصوف من فظاعة معلنة وانتشار صادم للوجدان الفرديّ والجمْعي على مسرح الوقائع اليومية. إنّ الفظاعة، هُنا، أوسع مدى وأعمق دلالةً من أن يحدها لفظ. لذلك تسعى الذات الشاعرة إلى الحفر في ما وراء اللّغة بتفكيك بنية اللّسان والتنقّل في الفجوات الفارقة بين الحروف، في الأنفاق والسطوح القائمة بين “ما قبل الحرف” و”ما بعد النقطة”، حيث الصمت والكلام يتعالقان ضمن علاميّة مخصوصة هي أقرب إلى الإلماح منه إلى الإفصاح، وإلى المجهول منه إلى المعلوم، وبالرثاء الذاتي أحياناً عديدةً:

“يا شبابي المدمّى

وموتي الأبله الذي ينتظرني

ساهماً في آخرِ قارّاتِ العالم.”

ولئن بدَا الحرف مطواعاً لإرادة الذات الكاتبة في تسمية الحالات والمواقف السالفة فهوتاجز عن أداء الحالات والمواقف الحادثة. وبهذا المنظور التباعُديّ بين ما كان ويكون في أداء المعنى المُلغز تُضحي اللّغة على لسان النقطة في “اعترافات النقطة” من الديوان ملفوظاً وذاتا متلفظة يُقيمان داخل دائرة العجز عن التدليل رغم تراكُم الخبرة في تسمية الأشياء باللّغة، ولغة الشعر تحديداً. كما يُسهم المَحكي في أداء هذا المُبهم والكشف عن مأزق الكيان في سرد حكاية الأسرة الوطنية أو البشرية آن تغليب حدث اليأس بالهلاك والهلاك باليأس على مختلف الأحداث:

“قلتُ لنفسي

وأنا ألفظُ آخرَ أنفاسي:

نعم،
العطشُ أرحم.

الموتُ - أعني الصحراء – أرحم!” .

فالتيه-الموت هوالملاذ الآخر والأخير من “القوم” أو “العشيرة”، حيث شريعة القتل هي أساس القيمة ومرجعها، والدم هوالمعنى الذي يعوق أيّ معنى آخر عن التشكّل. وليس للذات الشاعرة، هنا، إلاّ أن تختار بين الإقرار بانتمائها العقيم إلى قيم “العشيرة” القاتلة للفردية وإرادة فِعليّتها وبين الخروج على إرثها، بتُراث الكتابة الحادثة رغم القيود والسلاسل الماثلة داخل النفس الكاتبة:

“كان بإمكاني أن أروّض شيئاً من جمهرةِ الحروف (...)

لكنّ الدور كان صعباً حدّ الطوفان

والجسد ضعيفاً كان (...)

كان الدور صعباً

 إذ كان دوري دور أوديب (...)

ودور المأمون ودور الرضا

ودور الذي حُمِلَ رأسه فوق الرماح

ودور الذي صُلِبَ على جسر الكوفة

ثم ذُرّ بوسط الفرات...”

فالكتابة، بهذا المنظور، هي وليدة القهر القديم والحادث، المُنْقضي والمستعاد. لذلك نراها مسكونةً بصُوره، مدفوعة إلى الحُريّة ونقائضها، تحمل كوابيسه وآثاره العميقة الدامية في تلافيف الذات واللّغة، تغالب أوجاعه وعذاباته وتزدحم بمُتراكم وقائعه رغم الانفلات من المكان إلى المكان، بخَوْض تجربة المهجر، إذ القهر ماثل في النطفة الأولى، قائم في تاريخ السلالة عبر مختلف الأزمنة.

8- الموت باعتباره اسماً لمُسَمّيات شتّى.

كذا تتكرّر علامة الموت بمظانّ مختلفة تبعاً لاختلاف اللّحظات الواصفة والموصوفة، كأن يشي الانحباس بإمكان للانعتاق ويحتجب أفُق الانعتاق في سميك الحاجز المانع، بمُفارقة تتكرّر أساليبها ووضعيّاتها في هذا الديوان:

“بابُ الموتِ رائع بانتظاري (...)

لكنه حين عزفَ الموت

ذُهِلَ على الفور

إذ أحاطتْ به مئاتُ الجثث (...)

لم أزلْ أنتظرك

مستمتعاً بانتظارك

مثلما تنتظرُ شجرةٌ وحيدةٌ في الصحراء

صاعقةً أقبلتْ إليها من السماء

مليئةً بالنارِ والموت...”

إنّ الموت في مسارّ الموصوف الكارثيّ الخاصّ بوضعيّة الذات الكاتبة اسم لِمسمّيات شتّى، إذ قد يعني الهلاك الدمار انتفاء المعنى انهيار القيمة القتل، وقد يعني أيضاً إمكان التحرُّر الأفق المنتظر الرغبة في الحياة وبالحياة الانقضاء البطيء بالكتابة الإبدال بمفهوم الانبعاث سقوط مختلف الأقنعة القديمة والحادثة الوجه الآخر للحياة، إنْ تمثّلنا صلته بالنار (مليئةً بالنار والموت). فلم يتبقّ للذات الشاعرة، بهذا المعنى، سوى مغالبة تاريخ الجريمة بالشعر واللّغة، كـ”قصيدتي المغربية” تتعالق ضمنها “الأبجدية” و”الحبيبة المغربيّة” والحلم والجنون وشهوة الكتابة والهذيان “ومرايا الطفولة” والماء والنور والنار ب”فُحولة” الفِعل الكاتب وممارسة “طقوس” النار على شاكلة الإحراق والاحتراق، تطهيراً وتطهراً. وبذا تُضحي الكتابة في الجسد وبالجسد مُحاولة توالُج وإيلاج مَعاً عند تحرير الجسد من عديد أطياف كبْته بالرمز الإيروسيّ الذي لا ينقطع عن وعي الموت (الحال الباتوسيّة)، بل يعمق به عِند بيان القصد من حُلم الكتابة والكتابة ذاتها:

“فإذا بالمغربيّة صارتْ كلامَ الجسد

وجسدَ الكلام

وإذا بها غيمةً من هيام

وإذا بها تنفثُ في روحي سحرَ الكتابة...” (16)

وكما تلوذ الكتابة باللّغة أداةً للإفصاح عن المُخبّأ الدفين في قيعان النفس من أحلام وكوابيس وذكريات وسيول ورغبات تخترق بنية هذه اللحظة باعتبارها مجالاً للتواصُل وحيّزاً للتناص، كأن ينشأ حوار مستفيض بين النقطة والحرف في “حوار النقطة”، النصّ الشعريّ الّذي حوّل فيه أديب كمال الدين السرد من الوصف إلى التخاطُب بتداعيات حال متكلّمة تُؤالف بالقصد بين ما يُشبه لغة الهذيان وهذيان اللغة، إذ تتعالق دوال العقل وما وراء العقل أو نقيضه الماثل فيه، كتواصل الحِكمة والعبث، المعنى واللاّ-معنى الذي هو قصد آخر للمعنى المختلف. وكأنّ الكلام، في هذا السياق، حدّ أقصى يشي بالماوراء الذي قد يُسمّى صمْتاً أو مَوْتاً، رغبةً بكراً أو رَغبة تنزع إلى إحبال الفراغ معنى لم يتخلّق بعد نتيجة اتّصافه بالما- قبل، البدايات الأولى، رمزيّة “صيحة الماء”:

“ما الذي حدثَ لك

لتقودكَ خطاكَ إليّ

أنا ملكة الرغبة

وصيحة الماء التي لا حدود لها؟”

فالنُقطة، بهذا المنظور، أشبه ما تكون بالرغبة، لاقتران ماهيّتها بالبدْء والانقطاع، أو الانقطاع الذي يليه بَدء. فكما تصل النقطة بين الابتداء والانتهاء على شاكلة استدارة تُقارب حركة الوجود فهي العلامة التي تُجسّد وضعية الدائرة المُغلقة بالنسبة للذات الشاعرة، كأنْ تتكثّف صور الموت المستعاد والدم ودلالات القهر على امتداد نصوص هذا الديوان. وكما يرتبك وجود المعنى في زحمة هذه الصور تتردد لغة النص الشعريّ بين الاسترسال والانقطاع، ويفقد الجسد كثافة الحضور بتكرار واقع “الجثة” المتخيَّل(4) وتكاثر أسئلة الموت:

“هل جرّبتَ الموت ؟

ما علاقة المرآة بالموت ؟

بل ما علاقة المرأة بالموت ؟

بل ما علاقة المرآة بالمرأة ؟

وما علاقة الموت بالموت ؟” (4)

فالموت هو مختصر وضعية، ومُجمل وعي الأزمنة في ذات الشاعر، وإفراد دالّ على جمع دلاليّ، ورحم مُنجب للمعاني الحادثة والمُمكنة، وعلامة رمزية للتخوم القصيّة للحياة، وهو بالإضافة إلى ذلك إمكان للخلق تجريباً لغويّاً بالفسخ والإنشاء، كالتردّد المقصود بين الحرف والنقطة، بين الواضح والغامض، بين ما ينقال ولا ينقال، وهو مجمع مشاهد للقتل القديم والمُستعاد عند تمثل هيمنة الأسود والأحمر على كل الألوان والمواقف والوضعيات (4) في “جسور” و”حصانان أسود وأحمر”، وهو تقليب آخر للرغبة حينما يتسع أفق الحلم بإمكان الحُرّيّة، وبالحُبّ مرادف الأمل:

“كانت تقطّر قطراتِ الحبّ

قطرةً قطرةً في فمي

وهي تحاولُ أن تطفئ عطشي الجنونيّ

ورغباتي الجنونيّة.

كانت تقطّر

وهي تجلسُ نصف عارية

بدثيين عامرين بالنار

وبساقين عامرتين بالسذاجةِ واللّذة.”

  9- ثَمَّة كسْر عميق في تجربة الكتابة الشعرية يقضي التبعيد التراجيديّ بين الواقع والمثال، بين الرغبة والاستحالة.

يظل التغالب على أشده إلى آخر الديوان بين الرغبة والاستحالة، بين الحلم والكارثة بمُتعدد صُورها ووضعيّاتها. فثمّة كسر عميق يقضي التبعيد التراجيديّ بين الواقع والمثال لتتقوّض الرغبة أثناء الفعل الكاتب أو الحالم، وتنأى الحبيبة عن مُريدها كأنْ تبقى معلّقة في الهواء، أو يتعالى الألم “بالمسمار الطويل الثاقب للقلب”(6)، لتتراءى الحرية/الحُبّ إمكاناً لا يتحقق داخل الوطن أو خارجه، لأن الحرية بلا وطن، كما أسلفنا، اغتراب، والوطن بلا حُريّة سجن فظيع. لذا يستبدّ الموت بالرؤية/الرؤيا ويغالب السواد كُلّ الألوان كي يستقدمها إليه ويُحوّلها إلى أجزاء في ليل بهمته القاسية، ويمضي العمر بالموجود إلى آخر حدّ، هناك حيث النهاية الباردة لكلّ الكائنات والأشياء أيضا.

 إنّ صفة الكينونة لدى الذات الشاعرة في نصوص هذا الديوان هي “الثقل غير المحتمل”(7). فالسفر حتميأ ويكاد، و”الحقائب ثقيلة كالصخر” والوجهة هي “اللاّ- شيء”، بل الضياع هو البدء والطريق والمرجع معاً وكأننا بنصوص الديوان الأخيرة نشهد صراعاً حادّا بين الاستذكار وكتابة اللحظة (الآن) في”الرندمول” مدينة أديلايد الأسترالية. ولئن لاذ أديب كمال الدين بالمكان من المكان، وبالمهجر من الوطن فقد ظلّ مهووساً بذاكرة هذا الوطن، كأن استبدّ به رُعب المصير:

“الشراعُ وسط السفينة.

السفينةُ وسط البحر.

البحرُ وسط قلبي،

قلبي الذي يغرقُ شيئاً فشيئاً

في حلمه الهادئ العنيف...”

فتتوالد الصُور بأسلوب التدوير القائم على تكرار الألفاظ:”السفينة السفينة، البحر البحر، قلبي قلبي”، وباستخدام الدوران على شاكلة لولبيّة، بدءاً بالعلامة الدالّة على الخارج (الشراع) ووصولاً إلى عميق الداخل (الحُلم)، ومابين”الشراع” و”الحلم” توالج  بين “الخارج” و”الداخل”، بدلالة الرمز المشترك والتنصيص على الهدوء العنيف الواصل بين الصفة الغالبة على الفضاء الخارجي المُتخيّل أو الحسّيّ ومجال الداخل حيث مكمن صميم الذات (وعي الكينونة).

10- الانعتاق المُوقّت من سجن الوضعيّة بالكتابة والسفر.

وكأنّ الفرار من المكان إلى المكان في “إلى أين؟” أو الفرار من مُجمل المكانيّة إلى اللاّ-مكانية، بالانعتاق المُؤقت من سجن الموقع وحدود الوضعيّة يُحقّق حرّيّة استثنائيّة بارقة، إذْ تنفلت الرغبة من قيودها ليغمرها فيض من فرح، كحال هستيريّة تستبّد بالكائن المُنفلت من سجنه إلى فضاء مُنفتح على أبعد “الأقاصي”:

“السفينةُ وسط البحر.

السفينةُ تمضي بجسدينا

أنا وأنت.

أنتِ عارية كالرغبة

وأنا الرغبة نفسها، عريها، نارها الخالدة.

أقبّلكِ من أقصى الصباح إلى أقصى المساء.

أقبّلكِ من أقصى الشفتيْن إلى أقصى القدمين. 

أقبّلكِ من أقصى الدمِ إلى أقصى البحر

والبحرُ يمضي بنا عارييْن.

إلى أين؟

أصرخُ: يا إلهي، إلى أين؟”

هوالتجلّي، إذنْ، بلغة التخاطب الذاتيّ، تلك الحواريّة في الداخل الّتي هي أساس الكينونة تُحوّل الأنا إلى أنا/أنت عند تعاظم الرغبة والحبّ مُمثلةً في تكرار فعليّة التقبيل الذي لا يتحدّد بزمن، أو موقع في الجسد المُتخيّل أو بُوجهة مّا، ليظلّ سؤال المكانيّة قائماً بكثافة في آخر النصّ الشعريّ:”إلى أين؟”.

 كذا تتحرر النفس من بعض مكبوتها بمشهد البحر والسفينة والشراع وحضور الأنثى-الرمز وانفتاح الجسد بعظيم الشهوة وعميم التجلّي (العري). إلاّ أنّ حلم الرغبة سرعان ما ينقطع في نص “سؤال”، حتّى لكأنّ الّذي تراءى للشاعر من رغبة وانعتاق ليس إلاّ بعضاً من حُلم قديم حادث. لذلك تستعيد الاستحالة والمنع والكبت حضورها في عالم أديب كمال الدين الشعري “بإبحار السفينة” وتخلُّف الأنا عنها ورميه لها بالحجارة وتوالد الأسئلة الدالّة على الغضب والحيرة وانقطاع الأمل. فتستعيد الذات الشاعرة كوابيس الرعب، وبعضاً من مشاهد الولادة الأولى بالشعر المسكون بعشق الحُرية، وظلال الماضي القريب بصُور “القنابل والصواريخ والفراعنة والبرابرة” ورمزية الاحتلال الأمريكي للعراق  وخيالات الطفولة المغدورة داخل الاسم المدفوعة إلى كوابيس الموت المُستعاد:


“توهّمَ الطفلُ في داخلي

أنه يستطيع

أنْ يُمثّل – مثلكِ – دورَ الوحش.

وسريعاً
تركتني وحيداً

في غرفة سوداء بفندقٍ يُطلّ على نهرِ العذاب.

تركتني أزحفُ إلى جهنم زحفاً،

تركتني أتدرّبُ على دورِ الميّت

حتّى الموت.”


11- الموت مَرةً أخرى باعتباره يأسا قادراً على إنْجاب أمل.


كذا الموت يُضحي بالنسبة للذات الشاعرة آخر إمكان للأمل في حياة لن تكون إلاّ بالفسخ وإعادة الإنشاء، بانتزاع جذور شجرة هرمة (الحياة الماضية) وغرْس نبتة جديدة مَحلّها، عند مواجهة الموت ذاته وقبول فتكه بالأنا، تجسيداً لحالٍ من الانطواء تتقصّد المبالغة في إعلان مازوشيّتها:
“إلهي
أرسلْ إليّ ذئبكَ : الموت

حتّى يواجه قلبي الأعزل

ويمزّقه إرباً إرباً!

إلهي
أرسله إليّ

لن أطرده

لن أقاومه

لن أهرب منه!”


وإذا الانتصار لليأس المثُمر معنى على الأمل الكاذب عند تفضيل الذئب/الموت على “الملائكة ذات الأجنحة البيض” تعبير عن إمكان للأمل، “كيأس” كيركغارد(8) تقريبا، الحريص على توصيف الفاجعة واختراق طبقاتها السميكة بُغية بلوغ مَعنى مّا من الأمل، كمن يبحث في أنفاق ظلمة عن بصيص نور قد يتراءى من بعيد، أوكالمتعلّق بخشبة متشقِّقة في خضم هائل من أمواج متلاطمة.
فيصف ديوان “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة” بمُجمل نصوصه فاجعة سالفة ويستبق برُؤيا الموت فاجعة قادمة عند انتهاج سبيل “العري” والإنصات إلى الرغبة وخوض تجربة الصراع الداخليّ بين وطن بلا حُرّيّة وحرّيّة بلا وطن، كما أسلفنا، والإذعان للحاجة إلى السفر في المكان ولغة الشعر عند تحويل وجهة الكتابة من الاستذكار والرمز إلى الكفر الصريح بكُلّ الثوابت الّتي لا تُنشِئ في حياة الشاعر إلاّ مزيداً من القيود.

ولأنّ الحزن حاضر بكثافة في طفولة الاسم، وعلى امتداد مراحل العمر، فهوالثابت الوحيد تقريباً(9)، إذ يُمثل المرآة التي تنظر الذات الشاعرة من خلالها إلى ما حدث ويحدث وما قد يحدث، ومرادفه المرجح المتكرر في جُلّ نصوص هذا الديوان هوالموت، بمُجمل العلامات الظاهرة في أفعال القتل الصريحة والرمزيّة، وكالسواد يستقدم إليه جميع الألوان ليبتلعها ويُحولها إلى أطياف وظلال باهتة.
إنّ الانتصار للموت في “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة” تغليب صريح للسلب المُنجِب على الإيجاب العقيم، ولسُلطة الحرف على سُلطة السيف(10). لذا فإنّ المقام المتمثل في هذا الديوان يتحدّد في الأساس بتجربة المغامرة الوجوديّة والشعريّة، بالسفر وسفر الكتابة، بتقليب القِيم الواحديّة وتحويل وجهتها من ثقافة القتل المستعاد إلى الحُرية بفائض الرغبة ومتناقضاتها، وبالمُقامرة عند تفضيل الموت على الحياة بعد إيمان الذات الشاعرة الأصيل بأنّ الموت هو في صميم الحياة، ولامعنى للحياة دون موت(11).

وبهذا المنظور يُكسب الموت المغامرة الوجودية والكتابية معنى ما رغم استبداد العبث، اللاّمعنى، الخواء، الفاجعة بمُتعدد الوقائع والحقائق والثُبوتات.


12- “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة”: ما تحقَّق بالفعل من حُروفيّة الشعر.


تُفضي تجربة الكتابة الماثلة في تجريب اللّغة ضمن الدواوين السابقة لأديب كمال الدّين إلى تقليب جديد حادث للتجريب عند تحويل الكتابة الحُروفيّة من دهشة العلامة الخطّية والما- وراء الدلاليّ الماثل فيها إلى استثمار بُعد آخر لها بتوجيه العلامة الحُروفيّة إلى الحدث/الواقع وشيئيّة الوجود الفرديّ والجمعيّ بمُختلف التفاصيل شبه الحِسيّة والاستبطانيّة والرمزيّة. وبهذا الاستخدام الحُروفيّ للكتابة الشعريّة السالف والحادث نشهد ميلاد تجربة كتابيّة مختلفة في الشعر العربيّ المعاصر مَرّت ببدايات التجريب الأولى وتلبّسها في الأثناء خطر التكرار. إلاّ أنها سُرعان ما أفضت بعديدٍ من متراكماتها وتقلّبات أحوالها في المكان السالف والأمكنة الحادثة إلى إبْدال كبير، كالحُروفية العربيّة في الرسم تُؤسّس لأسلوب كونيّ مختلف في التعبير. فأثبتَ أديب كمال الدّين بمُجمل دواوينه، ووصولا إلى “ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة” أنّ الحُروفيّة العربيّة في الشعر إمكان للتحقُق أيضاً، رغم الاختلاف الخُصوصيّ القائم بين علاميّة الرسم وعلاميّة الكتابة الشعريّة في مستوى جماليّة التمثُّل والأداء. هنا تنكشف، بما لا يدع مجالاً للشكّ، إضافة أديب كمال الدّين لراهن الشعر العربيّ.

ولعلّنا استطعنا، بجهدنا القرائي، أن نُقارب هذا الأسلوب المتفرّد المختلف: الجماليّة الحروفيّة في كتابة النصّ الشعريّ، ليظلّ السؤال مفتوحاً على قراءات أخرى قادمة: كيف يتعالق الحرف العربي المرسوم والمكتوب شعراً ليختلفا بعلامية التشكيل واستعارة الكتابة؟ ما المشترك التخييليّ الجمعيّ والفرديّ بينهما؟ كيف تستقدم حُروفّية الشعر إليها حُروفية الرسم على غرار استقدام حُروفيّة الرسم “للشعريّ” الذي هو أساس الشعر ومختلف الفنون، كُلّ الفنون، دون استثناء؟



الهوامش:
1- اللاّ-معنى في “دلائليات الشعر”، بمصطلح ميخائيل ريغاتير، مقولة لا تعني نقيض المعنى، كبلاغة الشعر القديمة، بل هو في صميم النص، باعتباره تناصاً، بنية منفتحة على متعدد القراءات والتأويلات.

Michael Riffaterre, “ Semiotique de la poesie”, Seuil, 1983, p 37.

2- انظر، على وجه الخصوص، ديوانيْه: “ممالك ضائعة” و”سيد الوحشتيْن“.

3- انظر ”ضجة في آخر الليل” و”يا بائي وبوابتي” و”اعترافات النقطة” و”قصيدتي المغربية” و”حوارات النقطة” و”صيحات النقطة” و”جسور” و”حقائب سُود” و”بكاء الحاجب” و”سجود” من الديوان.

4-  انظر “عرق ودم” من الديوان!

5- لاحظنا الإكثار من استخدام هذين اللونين، وبهما تشير الذات الشاعرة إلى مجمل تاريخ الجريمة أو القتل المستباح مُمثلّاً في الدم والحزن المُتولّد عن حَدَث القتل المتكرر، بدءاً بالأجداد الأوائلومُروراً بمقتل عليّ والحسين ووصولاً إلى سلسلة الاغتيالات والمذابح والمشانق.

6- انظرْ “امرأة بشعر أخضر” و”حقائب سود” من الديوان.

7- نقيض معنى الكينونة الّذي هو أساس الشخصيّة الروائيّة في “كائن لا تُحتمل خفته” لميلان كونديرا.

8-  Soern Kierkgaard, « Traitι dιsespoir » , Gallimard,1949,p65.

9- تُذّكرنا دلالة الحزن في هذا الديوان، وفي بعض المواطن “بحزن محمّد الماغوط، وان اختلفت تجربة كُلّ منهما عن تجربة الآخر، كأن نشير للمقارنة إلى ديوان “حزن في ضوء القمر” لمحمّد الماغوط.

10- انظر “سجود“ وقد أهداها الشاعر لعيسى حسن الياسري. ويتضمن نص الإهداء دلالة الحرية الماثلة أساسا في رمزية الكتابة، واعتبارها الأساس والمرجع في حياة كل من المُهدي والمُهدى إليه.

11- يلتقي الشاعر في مدلول الموت باعتباره معنى قائمًا في الحياة ذاتها وفلاديمير جانكلفيتش.

Vladimir Jankelevitch, »La mort », France : Flammarion, 1977.  

 

 

الفصل التاسع :

“شجرة الحروف”(*)

مُغامالتُخوم القصيّة للحياة والموت أمْ لعبة “المَصائر المُتقاطِعة”؟

 

 

(*) أديب كمال الدّين، “شجرة الحروف “، الأردُنّ: دار أزمنة، 2007.

 

 

1- رمزيّة الشجرة.

 بين رمزيّة الشجرة- الأسطورة و”شجرة الحروف” لأديب كمال الدّين صلة وثيقة تستعيد الكتابة الشعريّة من خلالها تُراثا بل تُراثات ضاربة في القِدَم، كأن يتواصل الاعتقاد في دورة النماء، بدلالة الخلق القديم منذ نشأة وعي الشجرة بثقافة النبات البِدائيّة والتمثُّل الحُروفيّ استنادًا إلى الأبْجديّة العربيّة، وبالمشترك الأسطوريّ والتشكيليّ الماثل فِي ماهيّة الحرف وتَمَظْهُره العلاميّ. فمُنْذ ملحمة كلكامش كان للنبات حضور مركزيّ في تصوُّر العالم والوجود، كنبتة الخلود الضائعة ومشاهد الغاب في مسيرة كلكامش التراجيديّة، وكـ”آدون” اله الجمال والحُبّ في الحضارة البابليّة أو “تمّوز ساكن ظِلّ شجرة الحياة”(1) الّذي استحال لدى الكنعانيّين إلى أدونيس لينتقل إثر ذلك إلى بلاد الإغريق(2) ويحمل صفة الإثم فيه، باعتباره هو ذاته مُحصّل رغبة آثِمة استنادًا إلى حكاية “مورها” الأمّ عاشقة أبيها سينيراس وتفاصيل حكاية الحمْل وتحوُّل الأمّ الآثمة إلى شجرة في المتوسِّط بين عالم الأموات وعالم الأحياء والمخاض الحاصل عند انشقاق الجذع وحدوث الولادة، كولادة المسيح في زمن لاحق، وبالمُوتيفات الحِكائيّة ذاتها تقريبا، وكالاستظلال بالشجرة في السيرة المُحمّديّة عَوْدًا إلى السفر الثاني إلى بلاد الشام وتَبَعًا لـ”سيرة ابن هشام”...

إنّ “شجرة الحروف” لأديب كمال الدّين هي فسخ وإعادة إنشاء  (mιtamorphose)   للشجرة الأصل في الوعي الكينونيّ الناشئ منذ زمن الانتقال من الرَعَويّة إلى الفِلاحِيّة، رُجوعا إلى رحم المأساة، كتمثُّل فريديريك نيتشه لها بالواصل والفاصل مَعًا بين النحت والموسيقى، بين الجسد والروح، بين الحُلم والانتشاء، بين ما ينْكشف (الشكل) وما يحتجب(المعنى)، بين أبولّوتوْدًا إلى فنّ النحت، باختصار، وديونيسوس استنادًا إلى فنّ الموسيقى(3)، بين الأرض والسماء بدلالة الرحم وفيض الرغبة، كالّذي يرد في إحدى أناشيد الحُبّ السومريّة:

                        ”السماء، الإله الرائع الجمال، غرس

                        في الأرض العريضة رُكْبتيْه

                        وسكب في رحمها، بذرة الأبطال

                        الأشجار والمقاصب...”(4)

 فيتحوّل الفيْضُ، هُنا، من عالم الأساطير الشرقيّة القديمة إلى استعارة شعريّة حادثة تستوْحِي من مُحصّل التراث الأسطوريّ، كما أسلفنا، ومن علاميّة الحرف العربيّ ومُختلف أبعاده الأنطولوجيّة والأنتروبولوجيّة والعلاميّة شاعريّة حادثة ظهرت في مواطن محدودة من مسارّ تجربة أدونيس (عليّ أحمد سعيد) الشعريّة (5) وأضحت مشغلا أساسيّا لدى أديب كمال الدّين (6)، بل هاجسا تجريبيّا يُقارب وهج تجربة الكتابة الّتي تنزع بوضوح إلى الشعْر.

 2- الإصرار على الاستمرار في كتابة الحُروفيّة العربيّة شعْرًا.

فهل “شجرة الحروف” استمرار في النهج الكتابيّ السابق لأديب كمال الدّين بِوَجْهٍ آخر للمُراكمة أم إحداث لأسلوب جديد مُختلِف يستفيد من المُنْجَز ويسعى إلى مزيد بلْورته بدقيق الأساليب وحادثها؟

إنّ الثابت الأوّل عند قراءة “شجرة الحروف” هوالإصرار على الاستمرار في كتابة المُشترك بين الحروفيّة والشعر، إذِ الحروفيّة العربيّة أبعد من أن ينحصر وُجودها في الحروف، وأبعادها أسطوريّة بالشعر وشاعريّة بالأسطورة تبعا للتمثُّلات القديمة والحادثة استنادًا إلى ثقافة الذات الشاعِرة. فبعد الاحتفاء التمهيديّ بالتفاصيل في مسارّ تجربة أديب كمال الدّين (“تفاصيل”،1976) ودهشة التواصُل مع عالم القصيدة (“ديوان عربيّ”،1981) كان العثور على ضالّة هي بمثابة البوصلة في حياة الكائن-الشاعر، إذْ تعاقبت أفعال تقصّي علاميّة الحروف مُرورًا من “جيم”(1989) و”نون”(1993) و”أخبار المعنى”(1996)  و”النقطة”(1999)  و”حاء”(2002)  و”ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة”(2006).

ولئن اتّسمت هذه الأفعال بالاشتغال العامّ الواحد فإنّ مقاصدها تختلف بالتوجُّه إلى حرف واحد، كـ”جيم” و”نون” و”حاء”، وبتحويل الوجهة إلى البعض الدالّ على الكُلّ في بنية الحرف، كالنقطة والما-وراء الماثل في طوايا الحروف، مثل حلقة التوسُّط في ما قبل الحرف وما بعد النقطة، بما هو أبعد من دلالة التمظْهُر الحُروفيّ حيث المعنى القائم بين الحروف والمُنبعِث منها بمفهوم الفيْض الدلاليّ والتِدْلاليّ، إنْ فتحنا الدَلالة على ذاك الغارق في الاحتجاب.

 3- استقراء الروح الخفيّة الماثلة في الحروف بنُبوءة الشعر.

إنّ حُروفيّة الشعر لدى أديب كمال الدين هي أشبه ما يكون بنصّ التميمة الّذي يختلف في الأداء والوظيفة عن التميمة المتداوَلة في تُراثنا العَقَديّ وإنْ أحالت في الظاهر الأنتروبولوجيّ عليها، لأنّ الحروف في تواصُلها وتقاطُعها وتمدُّدها وانثنائها وتفكُّكها تحمل آثار الخلق السِريّة الأولى للكائن والكيان والمكان وتحتفي بالطبيعة البِدائيّة. كما تستقرئ الروح الخفيّة الماثلة في هذه الحروف وفي الأشياء الحافّة بها والمُندسّة حقيقةً ومجازًا فيها بنُبوءة الشعر، لا قيافة الحروف الّتي هي بعض من قيافة الوجود حسب الاعتقاد القديم المُتداوَل.

وإذا “شجرة الحروف”، بهذا المنظور، هي مُحصّل التجارب السابقة في الكتابة الحروفيّة الشعريّة لدى أديب كمال الدّين، وهي السعي أيضا إلى المُؤالفة بين مُختلفها بالجمع بينها ضمن استعارة “الشجرة”.

وكما اقترنت نشأة المأساة في الاعتقاد الأسطوريّ الشرقيّ القديم بشجرة الدموع عَوْدًا إلى مورها وآدونيس، وتنامى وعي المأساة في الاعتقاد الدينيّ بمريم العذراء والمسيح فقد اتّخذت الدمعة-الرمز لها موقعا بدئيّا في حكاية “شجرة الحروف”، إذ استقدمت هذه الشجرة إليها مختلف الرموز العَقديّة إليها، كيوسف وإبراهيم والمسيح وموسى والحُسين:

                        ”هكذا في دمعةٍ واحدة

                         أضاءتْ له الدنيا جميعاً.

                         فاحتارَ الشاعرُ كيف يبدأ، كيف يقول

                         ثمّ رأى أن يصف المشهدَ ليس إلاّ !”(7)

 فتنفتح كتابة الحروف على ضرب حادث من السرد الشعريّ، حيث ينشأ الحدث-الحال أو الحال-الحدث من الفراغ  والخواء والانتظار والسأم ليتشكّل في الأثناء وينفسخ ويستعيد تشكُّله مِرَارًا دون تكرار، كالحقيقة-الكتاب والإناء المكسور والجمع بين أشياء وعلامات لا يُمكن أن تتجاور في واقع التناظُم الدلاليّ، عَدَا ما يسمح به تشكُّل “النقطة” التي تُماثل، تقريبا، في آنيّة قصيدة “الزائر الأخير” من ديوان “شجرة الحروف” كيمياء الشعر أو سحر الحروف تتفكّك لتتّخذ لها أوْجُها أخرى للتناظُم الدّال إمكانا للبلاغة والفهم:

                                   ”مددتُ يدي لآخذ النقطة

                                      أعني الإناء، الحجر

                                     الشفتيْن، الجمر

                                     الكؤوس أو الأفخاذ

                                     الحروف أو الدموع.

                                     لم تصل يدي إلى أيّ شيْء...”(8)

وإذا كتابة الحروف سِحْر خاصّ، مادّتُه وموضُوعُه وأساسُه المَرجعيّ ماثلة في اللّغة الّتي يبدو حضورها متردّدًا بين الأيقونة والرمز بضربٍ من التفكيك المقصود. لذلك تشي النقطة منذ البَدْء بالتبعيد بين إرادة التشكيل والعجز عن أدائه لِخوض مغامرة الفصل بين الإشارة والأيقونة والرمز بحثا عن استعارة جديدة يُعادُ بها الوصل بين عناصر هذا الثالوث الّذي تشتغل به العلامة، أيّ علامة، والعلامة الشعريّة تحديدًا.

 4- الكتابة الحروفيّة الشعريّة ومُحاولة الرجوع إلى الأصل.

إنّ الشعر، بمنظور هذه المغامرة، محاولة رجوع إلى الأصل، إلى اللّغة، إلى ما-قبل اللّغة الماثل بأصدائه في صميم اللّغة، إلى ذاكرة الوعي الأوّل، إلى بدائيّة تعالُق الصوت والصورة الحرْفيّة له، إلى أبعاده الأسطوريّة والحالات الفرديّة والجمْعيّة الماثلة فيه.

وإذا “القصيدة الجديدة”، على حدّ عبارة الشاعر، هي في الأساس وليدة استعادة هذا الأصل، ولكنْ بِمفهوم حادث يُمكن اختصاره في الحُريّة والتعدُّد والاختلاف، كأن يعرض الشاعر هذه “القصيدة الجديدة”على الحسناء والطفل والنهر والشرطيّ لتصطدم في الأخير بنقيض الحُريّة، بالحظر، بالشرطيّ يقتادها إلى “غرفته السوداء”:

“دخل ليربط القصيدةَ إلى كُرسيّ حديديّ

ويبدأ بجَلْدِها بسَوْط طويل

ثمّ أخذ يضربها بأخْمص المُسدّس

على رأسها

حتّى نزفت القصيدةُ حروفاً كثيرة

ونقاطاً أكثر

دون أن تعترف بِسرّها ومعناها...”(9)

فلا تقدر القصيدة، هنا، على التحرُّر الكامل من سجن اللّغة المُتداوَلة والمعنى المُستهلَك وإرادة الحظر المتربّصة بالفعل الكتابيّ المَهْوُوس بالحريّة والراغب فيها، بل إنّ إرادة القتل متلبّسة به، لا تدع حُلم الكتابة يتنامى ليُثمر حياةً كتابيّة جديدة تعصف بكُلّ الوُثوقات وتندفع خارج دائرة الرعب الموروث.

فكيف لِشجرة الحروف أن تكبر وتُثمر وكابوس الماضي جاثم بظلاله القاسية عليها؟ وكيف للأمل أن ينشأ في دائرة يأسٍ يقضِي التسليم بَدْءًا وانتهاءً بـ”القليل من التراب”:

                          “نعمْ،

                            كلُّ شيء سينقلب إلى تُراب

                            وسيبقى، أيضاً، القليلُ من التراب!”(10)

 إلاّ أنّ هذا الاعتراض لا يُمثّل يأْسًا محْضا، بل توقُّفا يُراد به تحويل الوجهة في مُحاولة أداء “شجرة الحروف” أو “القصيدة”. فالتماهي بينهما ماثل بصفةٍ إشكاليّة في الديوان، كأن تتعدّد صفات الشجرة، كتعدُّد صفات القصيدة تبعا لِمُختلف السياقات الوصفيّة الدالّة عليها، إذْ هي الكتابة الآنيّة عند السعي إلى المُداخلة بين الصوت والحرف، وهي الكتابة الأُنطولوجيّة بمفهوم الشعر آن الإحالة على البَدْء المُشترك بين اللّغة والشعر، ذلك الشعريّ الّذي يتأسّس في اللّغة وباللّغة، وهي محاولة استقراء كتاب النسيان أو ذاكرة الكينونة الزاخرة بالأخبار والأسرار، وهي إعادة الأصل الّذي ينحصر في الدلالة المُفردة أو التأويل الواحد، كنُوح والطوفان(10) وأور وقصّة يوسف ونار إبراهيم(11).

فلا تستقرّ القصيدة في “شجرة الحروف” على شاكِلةٍ واحدة، إذْ تتعدّد دلالاتها بتعدُّد غصون الشجرة الواحدة عند الاسترجاع للكشف عن بعض المُخبّإ في تاريخ طفولة الاسم(12).

 5- الكتابة الحُروفيّة الشعريّة في أداء الحالات المتناقضة. 

فيُمثّل ثالوث “السأم والغُربة والموت”(13) قُوّة جاذبة لا تدع القصيدة والذات الشاعرة مَعًا تتحرّران من القيود والحدود السالفة والحادثة، في حين يتراءى الحبّ(14) قُوّة نابذة تدفع كُلاّ من القصيدة والذات إلى مغامرة الكتابة والوجود بعد فظاعات الماضي وآثار الحرب الدامية وانحباس الأفُق(15).

وما “شجرة الحروف” القصيدة الّتي وسمت الديوان بأكمله إلاّ محاولة خلق كِتابيّ جديد داخل البوار المُستبدّ بالكائن والكيان والمكان. فهي الحُلم المتولّد عن الكابوس، والحُريّة المدفوعة بتاريخ القهر والمنع والاستبداد والقتل والدمار. فالصحراء لا تُنبت عادةً إلاّ الحنظل وما جاوره. إلاّ أنّ صحراء الوجود الخاصّ بأديب كمال الدّين قادرة على إنْبات شجرة هي انبعاث آخر “لشجرة الدموع” في أسطورة أدونيس، وشجرة ميلاد المسيح (النخلة)، كانبثاق الحياة من الموت، والأمل من اليأس، والاستطاعة من العجز:

”بزغتْ من دمي المتناثر على الأرض

شجرةٌ مليئةٌ بالنورِ والسرور.

أتراها شجرة الحروف؟”(16).

 غير أنّ هذه الشجرة محكومة بـ”الثقل”، إذْ كُلّما نزعت إلى “الخِفّة” تملّكتها روح المأساة(17)، لترتدّ على ذاتها وتُحوّل وُجهة الذات الشاعرة من رغبة السفر إلى الإقامة داخل وريف ظلالها بالمُعتَم والمُلغز والسرّيّ، كـ”التباس نُونيّ”(18) حيث التلهّي باستقراء النون، أحد أغصان الشجرة-القصيدة، كأن تُسفر “النون” عن قداسة النصّ القرآنيّ المُتضمَّنة في الحرف ذاته(19).

 6- الحُروفيّة الشعريّة بين إيحاء الشعر وقداسة النصّ الدينيّ.

كذا يلتقي إيحاء الشعر وقداسة النصّ الدينيّ في تمثُّل الحروفيّة العربيّة أنتروبولوجيّا قبل الإسلام وبالاعتقاد الإسلاميّ على وجه الخصوص(20).

وكما توحي المطالع الحُروفيّة في الآيات القُرآنيّة بالعديد من الأسرار الشبيهة بأسرار المرجع الأوّل للمعنى وإمكان المعنى تُبْحر الذات الشاعرة في رموزيّة الحروف، كنون في قصيدة “التباس نونيّ” حيث اللّغة الشعريّة تستقدم إليها الظاهرة الأيقونيّة بمُحصّل مراجعها الثقافيّة العَقَدِيّة:

“هذه ليست النون

هذه بدايةٌ مُقدّسةٌ للنون.

هذا سطوع روحي

وحبٌّ جارفٌ كالشلاّل

كاحتواء الهلالِ لنُقطةِ النون”(21).

كذا يُعيد مشهد النون مُمثّلاً في الهلال والنقطة رسْم الحرف العربيّ بِذائقة فنيّة فرديّة حادثة كي تلتقي في الأثناء القدامة والحداثة مَعًا استنادًا إلى قداسة الأصل ودهشة اكتشاف الأبعاد السِريّة الكامنة في هذه القدامة ومدى الاقتدار على التجدُّد عبر الأزمنة والعصور والذوات الفرديّة والمُتقبِّلة.

وكما ينفتح حرف النون على الفضاء السابح فيه ويُدلّل على الحُضور برمزيّة النقطة تتعالق الرغبة والحُبّ في أداء الفِعل الكتابيّ المُحتفي بشاعريّة أيقونة الحرف العربيّ وثراء مخزون دلالته الثقافيّة والأنتروبولوجيّة.

 7- الكتابة الحُروفيّة ومُقاربة التخوم القصيّة للحياة والموت.