"شجرةُ الحروف" لأديب كمال الدين:

مُغامرة التُخوم القصيّة للحياة والموت أمْ لعبة "المَصائر المُتقاطِعة"؟

 

  د. مصطفى الكيلاني/ تونس

 

1- رمزيّة الشجرة.

 بين رمزيّة الشجرة- الأسطورة و"شجرة الحروف" لأديب كمال الدّين صلة وثيقة تستعيد الكتابة الشعريّة من خلالها تُراثا بل تُراثات ضاربة في القِدَم، كأن يتواصل الاعتقاد في دورة النماء، بدلالة الخلق القديم منذ نشأة وعي الشجرة بثقافة النبات البِدائيّة والتمثُّل الحُروفيّ استنادًا إلى الأبْجديّة العربيّة، وبالمشترك الأسطوريّ والتشكيليّ الماثل فِي ماهيّة الحرف وتَمَظْهُره العلاميّ. فمُنْذ ملحمة كلكامش كان للنبات حضور مركزيّ في تصوُّر العالم والوجود، كنبتة الخلود الضائعة ومشاهد الغاب في مسيرة كلكامش التراجيديّة، وكـ"آدون" إله الجمال والحُبّ في الحضارة البابليّة أو "تمّوز ساكن ظِلّ شجرة الحياة"(1) الّذي استحال لدى الكنعانيّين إلى أدونيس لينتقل إثر ذلك إلى بلاد الإغريق(2) ويحمل صفة الإثم فيه،باعتباره هو ذاته مُحصّل رغبة آثِمة استنادًا إلى حكاية "مورها" الأمّ عاشقة أبيها سينيراس وتفاصيل حكاية الحمْل وتحوُّل الأمّ الآثمة إلى شجرة في المتوسِّط بين عالم الأموات وعالم الأحياء والمخاض الحاصل عند انشقاق الجذع وحدوث الولادة، كولادة المسيح في زمن لاحق، وبالمُوتيفات الحِكائيّة ذاتها تقريبا، وكالاستظلال بالشجرة في السيرة المُحمّديّة عَوْدًا إلى السفر الثاني إلى بلاد الشام وتَبَعًا لـ"سيرة ابن هشام"...

إنّ "شجرة الحروف" لأديب كمال الدّين هي فسخ وإعادة إنشاء(métamorphose) للشجرة الأصل في الوعي الكينونيّ الناشئ منذ زمن الانتقال من الرَعَويّة إلى الفِلاحِيّة، رُجوعا إلى رحم المأساة، كتمثُّل فريديريك نيتشه لها بالواصل والفاصل مَعًا بين النحت والموسيقى، بين الجسد والروح، بين الحُلم والانتشاء، بين ما ينْكشف (الشكل) وما يحتجب(المعنى)، بين أبولّو عَوْدًا إلى فنّ النحت، باختصار، وديونيسوس استنادًا إلى فنّ الموسيقى(3)، بين الأرض والسماء بدلالة الرحم وفيض الرغبة، كالّذي يرد في إحدى أناشيد الحُبّ السومريّة:

                        " السماء، الإله الرائع الجمال، غرس

                        في الأرض العريضة رُكْبتيْه

                        وسكب في رحمها، بذرة الأبطال

                        الأشجار والمقاصب..."(4)

 فيتحوّل الفيْضُ، هُنا، من عالم الأساطير الشرقيّة القديمة إلى استعارة شعريّة حادثة تستوْحِي من مُحصّل التراث الأسطوريّ، كما أسلفنا، ومن علاميّة الحرف العربيّ ومُختلف أبعاده الأنطولوجيّة والأنتروبولوجيّة والعلاميّة شاعريّة حادثة ظهرت في مواطن محدودة من مسارّ تجربة أدونيس(عليّ أحمد سعيد) الشعريّة(5) وأضحت مشغلا أساسيّا لدى أديب كمال الدّين(6)، بل هاجسا تجريبيّا يُقارب وهج تجربة الكتابة الّتي تنزع بوضوح إلى الشعْر.

 2- الإصرار على الاستمرار في كتابة الحُروفيّة العربيّة شعْرًا.

فهل "شجرة الحروف" استمرار في النهج الكتابيّ السابق لأديب كمال الدّين بِوَجْهٍ آخر للمُراكمة أم إحداث لأسلوب جديد مُختلِف يستفيد من المُنْجَز ويسعى إلى مزيد بلْورته بدقيق الأساليب وحادثها؟

إنّ الثابت الأوّل عند قراءة "شجرة الحروف"هو الإصرار على الاستمرار في كتابة المُشترك بين الحروفيّة والشعر، إذِ الحروفيّة العربيّة أبعد من أن ينحصر وُجودها في الحروف، وأبعادها أسطوريّة بالشعر وشاعريّة بالأسطورة تبعا للتمثُّلات القديمة والحادثة استنادًا إلى ثقافة الذات الشاعِرة. فبعد الاحتفاء التمهيديّ بالتفاصيل في مسارّ تجربة أديب كمال الدّين("تفاصيل"،1976) ودهشة التواصُل مع عالم القصيدة("ديوان عربيّ"،1981) كان العثور على ضالّة هي بمثابة البوصلة في حياة الكائن- الشاعر، إذْ تعاقبت أفعال تقصّي علاميّة الحروف مُرورًا من "جيم"(1989) و"نون"(1993) و"أخبار المعنى"(1996) و"النقطة"(1999) و"حاء"(2002) و"ما قبل الحرف...ما بعد النقطة"(2006).

ولئن اتّسمت هذه الأفعال بالاشتغال العامّ الواحد فإنّ مقاصدها تختلف بالتوجُّه إلى حرف واحد، كـ"جيم" و"نون" و"حاء"، وبتحويل الوجهة إلى البعض الدالّ على الكُلّ في بنية الحرف، كالنقطة والما-وراء الماثل في طوايا الحروف، مثل حلقة التوسُّط في ما قبل الحرف وما بعد النقطة، بماهو أبعد من دلالة التمظْهُر الحُروفيّ حيث المعنى القائم بين الحروف والمُنبعِث منها بمفهوم الفيْض الدلاليّ والتِدْلاليّ، إنْ فتحنا الدَلالة على ذاك الغارق في الاحتجاب.

 3- استقراء الروح الخفيّة الماثلة في الحروف بنُبوءة الشعر.

إنّ حُروفيّة الشعر لدى أديب كمال الدين هي أشبه ما يكون بنصّ التميمة الّذي يختلف في الأداء والوظيفة عن التميمة المتداوَلة في تُراثنا العَقَديّ وإنْ أحالت في الظاهر الأنتروبولوجيّ عليها، لأنّ الحروف في تواصُلها وتقاطُعها وتمدُّدها وانثنائها وتفكُّكها تحمل آثار الخلق السِريّة الأولى للكائن والكيان والمكان وتحتفي بالطبيعة البِدائيّة. كما تستقرئ الروح الخفيّة الماثلة في هذه الحروف وفي الأشياء الحافّة بها والمُندسّة حقيقةً ومجازًا فيها بنُبوءة الشعر، لا قيافة الحروف الّتي هي بعض من قيافة الوجود حسب الاعتقاد القديم المُتداوَل.

وإذَا "شجرة الحروف"، بهذا المنظور، هي مُحصّل التجارب السابقة في الكتابة الحروفيّة الشعريّة لدى أديب كمال الدّين، وهي السعي أيضا إلى المُؤالفة بين مُختلفها بالجمع بينها ضمن استعارة "الشجرة".

وكما اقترنت نشأة المأساة في الاعتقاد الأسطوريّ الشرقيّ القديم بشجرة الدموع عَوْدًا إلى مورها وآدونيس، وتنامى وعي المأساة في الاعتقاد الدينيّ بمريم العذراء والمسيح فقد اتّخذت الدمعة-الرمز لها موقعا بدئيّا في حكاية "شجرة الحروف"، إذ استقدمت هذه الشجرة إليها مختلف الرموز العَقديّة إليها، كيوسف وإبراهيم والمسيح وموسى والحُسين:

                        " هكذا في دمعةٍ واحدة

                         أضاءت له الدنيا جميعاً

                         فاحتار الشاعر كيف يبدأ، كيف يقول

                         ثمّ رأى أن يصف المشهد ليس إلاّ!"(7)

 فتنفتح كتابة الحروف على ضرب حادث من السرد الشعريّ، حيث ينشأ الحدث-الحال أو الحال-الحدث من الفراغ الخواء الانتظار السأم ليتشكّل في الأثناء وينفسخ ويستعيد تشكُّله مِرَارًا دون تكرار، كالحقيقة-الكتاب والإناء المكسور والجمع بين أشياء وعلامات لا يُمكن أن تتجاور في واقع التناظُم الدلاليّ، عَدَا ما يسمح به تشكُّل "النقطة" الّتي تُماثل، تقريبا، في آنيّة قصيدة "الزائر الأخير" من ديوان "شجرة الحروف" كيمياء الشعر أو سحر الحروف تتفكّك لتتّخذ لها أوْجُها أخرى للتناظُم الدّال إمكانا للبلاغة والفهم:

                                   " مددتُ يدي لآخذ النقطة

                                      أعني الإناء، الحجر

                                     الشفتيْن، الجمر

                                     الكؤوس أو الأفخاذ

                                     الحروف أو الدموع

                                     لم تصل يدي إلى أيّ شيْء..."(8)

وإذا كتابة الحروف سِحْر خاصّ، مادّتُه وموضُوعُه وأساسُه المَرجعيّ ماثلة في اللّغة الّتي يبدو حضورها متردّدًا بين الأيقونة والرمز بضربٍ من التفكيك المقصود. لذلك تشي النقطة منذ البَدْء بالتبعيد بين إرادة التشكيل والعجز عن أدائه لِخوض مغامرة الفصل بين الإشارة والأيقونة والرمز بحثا عن استعارة جديدة يُعادُ بها الوصل بين عناصر هذا الثالوث الّذي تشتغل به العلامة، أيّ علامة، والعلامة الشعريّة تحديدًا.

 4- الكتابة الحروفيّة الشعريّة ومُحاولة الرجوع إلى الأصل.

إنّ الشعر،بمنظور هذه المغامرة، محاولة رجوع إلى الأصل، إلى اللّغة،إلى ما-قبل اللّغة الماثل بأصدائه في صميم اللّغة، إلى ذاكرة الوعي الأوّل، إلى بدائيّة تعالُق الصوت والصورة الحرْفيّة له، إلى أبعاده الأسطوريّة والحالات الفرديّة والجمْعيّة الماثلة فيه.

وإذا "القصيدة الجديدة"، على حدّ عبارة الشاعر، هي في الأساس وليدة استعادة هذا الأصل، ولكنْ بِمفهوم حادث يُمكن اختصاره في الحُريّة والتعدُّد والاختلاف، كأن يعرض الشاعر هذه "القصيدة الجديدة"على الحسناء والطفل والنهر والشرطيّ لتصطدم في الأخير بنقيض الحُريّة، بالحظر، بالشرطيّ يقتادها إلى "غرفته السوداء":

         

                          " دخل ليربط القصيدة إلى كُرسيّ حديديّ

                            ويبدأ بجَلْدِها بسَوْط طويل

                            ثمّ أخذ يضربها بأخْمص المُسدّس

                            على رأسها

                            حتّى نزفت القصيدة حروفاً كثيرة

                            ونقاطاً أكثر

                            دون أن تعترف بِسرّها ومعناها..."(9)

فلا تقدر القصيدة، هنا، على التحرُّر الكامل من سجن اللّغة المُتداوَلة والمعنى المُستهلَك وإرادة الحظر المتربّصة بالفعل الكتابيّ المَهْوُوس بالحريّة والراغب فيها، بل إنّ إرادة القتل متلبّسة به، لا تدع حُلم الكتابة يتنامى ليُثمر حياةً كتابيّة جديدة تعصف بكُلّ الوُثوقات وتندفع خارج دائرة الرعب الموروث.

فكيف لِشجرة الحروف أن تكبر وتُثمر وكابوس الماضي جاثم بظلاله القاسية عليها؟ وكيف للأمل أن ينشأ في دائرة يأسٍ يقضِي التسليم بَدْءًا وانتهاءً بـ"القليل من التراب":

                          " نَعمْ

                            كلّ شيء سينقلب إلى تُراب

                            وسيبقى، أيضاً، القليلُ من التراب!"(10)

 إلاّ أنّ هذا الاعتراض لا يُمثّل يأْسًا محْضا، بل توقُّفا يُراد به تحويل الوجهة في مُحاولة أداء "شجرة الحروف" أو "القصيدة". فالتماهي بينهما ماثل بصفةٍ إشكاليّة في الديوان، كأن تتعدّد صفات الشجرة، كتعدُّد صفات القصيدة تبعا لِمُختلف السياقات الوصفيّة الدالّة عليها،إذْ هي الكتابة الآنيّة عند السعي إلى المُداخلة بين الصوت والحرف، وهي الكتابة الأُنطولوجيّة بمفهوم الشعر آن الإحالة على البَدْء المُشترك بين اللّغة والشعر، ذلك الشعريّ الّذي يتأسّس في اللّغة وباللّغة، وهي محاولة استقراء كتاب النسيان أو ذاكرة الكينونة الزاخرة بالأخبار والأسرار، وهي إعادة الأصل الّذي ينحصر في الدلالة المُفردة أو التأويل الواحد، كنُوح والطوفان (10) وأور وقصّة يوسف ونار إبراهيم(11).

فلا تستقرّ القصيدة في "شجرة الحروف" على شاكِلةٍ واحدة، إذْ تتعدّد دلالاتها بتعدُّد غصون الشجرة الواحدة عند الاسترجاع للكشف عن بعض المُخبّإ في تاريخ طفولة الاسم(12).

 5- الكتابة الحُروفيّة الشعريّة في أداء الحالات المتناقضة. 

فيُمثّل ثالوث "السأم والغُربة والموت"(13) قُوّة جاذبة لا تدع القصيدة والذات الشاعرة مَعًا تتحرّران من القيود والحدود السالفة والحادثة، في حين يتراءى الحبّ(14) قُوّة نابذة تدفع كُلاّ من القصيدة والذات إلى مغامرة الكتابة والوجود بعد فظاعات الماضي وآثار الحرب الدامية وانحباس الأفُق(15).

وما "شجرة الحروف" القصيدة الّتي وسمت الديوان بأكمله إلاّ محاولة خلق كِتابيّ جديد داخل البوار المُستبدّ بالكائن والكيان والمكان. فهي الحُلم المتولّد عن الكابوس، والحُريّة المدفوعة بتاريخ القهر والمنع والاستبداد والقتل والدمار. فالصحراء لا تُنبت عادةً إلاّ الحنظل وما جاوره. إلاّ أنّ صحراء الوجود الخاصّ بأديب كمال الدّين قادرة على إنْبات شجرة هي انبعاث آخر "لشجرة الدموع" في أسطورة أدونيس، وشجرة ميلاد المسيح (النخلة)، كانبثاق الحياة من الموت، والأمل من اليأس، والاستطاعة من العجز:

                        " بزغتْ من دمي المتناثر على الأرض

                         شجرة مليئة بالنور والسرور.

                         أتراها شجرة الحروف؟"(16).

 غير أنّ هذه الشجرة محكومة بـ"الثقل"، إذْ كُلّما نزعت إلى "الخِفّة" تملّكتها روح المأساة(17)، لترتدّ على ذاتها وتُحوّل وُجهة الذات الشاعرة من رغبة السفر إلى الإقامة داخل وريف ظلالها بالمُعتَم والمُلغز والسرّيّ، كـ"التباس نُونيّ"(18) حيث التلهّي باستقراء النون، أحد أغصان الشجرة-القصيدة، كأن تُسفر "النون" عن قداسة النصّ القرآنيّ المُتضمَّنة في الحرف ذاته(19).

 6- الحُروفيّة الشعريّة بين إيحاء الشعر وقداسة النصّ الدينيّ.

كذا يلتقي إيحاء الشعر وقداسة النصّ الدينيّ في تمثُّل الحروفيّة العربيّة أنتروبولوجيّا قبل الإسلام وبالاعتقاد الإسلاميّ على وجه الخصوص(20).

وكما توحي المطالع الحُروفيّة في الآيات القُرآنيّة بالعديد من الأسرار الشبيهة بأسرار المرجع الأوّل للمعنى وإمكان المعنى تُبْحر الذات الشاعرة في رموزيّة الحروف، كنون في قصيدة "التباس نونيّ" حيث اللّغة الشعريّة تستقدم إليها الظاهرة الأيقونيّة بمُحصّل مراجعها الثقافيّة العَقَدِيّة:

                " هذه ليست النون

                  هذه بداية مُقدّسة للنون.

                  هذا سطوع روحي

                  وحبّ جارف كالشلاّل

                  كاحتواء الهلال لِنُقطة النون"(21).

كذا يُعيد مشهد النون مُمثّلاً في الهلال والنقطة رسْم الحرف العربيّ بِذائقة فنيّة فرديّة حادثة كي تلتقي في الأثناء القدامة والحداثة مَعًا استنادًا إلى قداسة الأصل ودهشة اكتشاف الأبعاد السِريّة الكامنة في هذه القدامة ومدى الاقتدار على التجدُّد عبر الأزمنة والعصور والذوات الفرديّة والمُتقبِّلة.

وكما ينفتح حرف النون على الفضاء السابح فيه ويُدلّل على الحُضور برمزيّة النقطة تتعالق الرغبة والحُبّ في أداء الفِعل الكتابيّ المُحتفي بشاعريّة أيقونة الحرف العربيّ وثراء مخزون دلالته الثقافيّة والأنتروبولوجيّة.

 7- الكتابة الحُروفيّة ومُقاربة التخوم القصيّة للحياة والموت.

وإذا "شجرة الحروف" استرجاع لِما تضمّنته المجموعتان الشعريّتان السابقتان "نون" و"النقطة" مع إضفاء الجديد المُتمثِّل أساسا في بلورة المشترك الأسلوبيّ والدلاليّ القائم بينهما.

وكما تتعالق جماليّة الشكل وعُمق الدلالة الروحيّة والأنتروبولوجيّة في أداء الحُروفيّة العربيّة تُقارب القصيدة التخوم القصيّة للحياة والموت(22)،كما تصل بين عديد المُتفارقات آن استعادة طفولتها الأولى البكر(23). وتستمرّ في ممارسة لعبة الفسخ والإنشاء(24).

لقد أدركت الذات الشاعرة بالقصيدة خطر "اللّعب الجادّ"(25) وفظاعة الكيان في الآن ذاته. لذلك آثرت تحويل الكتابة من أداء الحال المُباشِرة إلى جعل القصيدة تنطق بذاتها وتشي بالرُعب الماثل فيها. فكان الملل الحافز الأوحد، تقريبا، على الكتابة والانتظار، على اللّعب وصَرْف النظر، ولو إلى حين، عن الكارثة أو ما يُمكن أن يكشف عنه القانون أو الصدفة:

            

                      " حين سحبتُ كارتَ الملكة

                        مِن على طاولة اللّعب

                        طعن القُبطان ذو الفم البشع

                        والإصبع الوحيد

                        كفّي بالسِكّين

                        فتوقّفتُ عن اللّعب إلى الأبد"(26).

وكأنّنا بهذا المشهد اللاّعب الجادّ المُرتعِب نستحضر عالم "قلعة المصائر المتقاطعة" لإيتالوكالفينو(27)، كأن تُقارب اللعبة الحروفيّة لأديب كمال الدّين لعبة "المصائر المتقاطعة" بالرغبات تُلبّي وتُطمس معا، كإنطاق عناصر الكوْن: الشمس والقمر والعاشق والنهر والشاعر عند تصريف الإرادة(28)، وكتشخيص كُلّ من الحرف والنقطة في علاقة حُبّ كِتابيّة تُفضي إلى تخوم كارثة الموت في "اكتشافات الحرف" من الديوان. فيستمرّ أديب كمال الدّين في ممارسة هذا اللّعب الجادّ بالحروف ضمن سياقات تداوُليّة لا تخلو من حالات مُتوتّرة مدفوعة في البدْء والمرجع برُعب الانقضاء، كأنْ يُفكِّك الحرف بُغيةَ النفاذ إلى ماهيّته:

                   

                  " أدخل في الحرف

                    أتَمَنْطق بسرّ الحرف"(29).

 كما يُشخِّص هذا الحرف بالتكثير وإقرار صفة التراتب(30) والاحتفال(31).

ولئن اتّصفت الكتابة، هُنا في الظاهر، بأداء "اللّعب الجادّ" بسياقيّة الوصف الحُروفيّ فإنّ التوغُّل في ممارسة هذا النوع من كتابة اللحظة يُفضي أحيانا، وكما أسلفنا، إلى تخوم الكارثة، كأن ينزاح المشهد الحروفيّ الموصوف عن حدود اللحظة إلى الزمن عبر مِرآة النفس المسكونة برُعب البدايات والنهايات مَعًا،بصورة "الصبيّ"يلوذ بجناح "الطائر العملاق"ليسقط" وسط ضحكات الجمهور"(32) ويصطدم في اللاّحق بالخواء، بغِياب الكُلّ، بالعزلة القاتلة، بالمصير المجهول...

فتُفضي الكتابة الشعريّة في "شجرة الحروف"إلى تكرار مشهد السقوط، الضياع، الملل، الانتظار، الانهيار في الداخل(33)، تفكُّك الحرف، ارتباك العلامة الحُروفيّة عَامّةً(34)، الفراق الأبديّ، انحباس الأفُق(35)، الصمت، بُكاء الحرْف، العمى، الهذيان(36)، تفكُّك منطق التواصُل بين العلامة والدلالة، بين إرادة التكلُّم وواقع البُهمة النُقصان اللاّ-معنى:

              " ولمّا ارتفع المدّ، صرخت

               لم تعد المرأة العارية تهمّني

               ما يهمّني حروفي الّتي كتبتها عنها

               هل سترفعها الغيمةُ إليها

               أم ستأخذها السمكةُ للبحر؟

               أم سيُمزّقها الطفلُ في مكان غير بعيد؟(37)

 8- "شجرة الحروف": ديوان الأسئلة.

فيظلّ السُؤال الحُروفيّ قائما في خاتمة ديوان "شجرة الحروف" لأديب كمال الدّين، سُؤال النون الّتي لا تنكشف رغم "التوضيح الحُروفيّ"(38) ومُحاولة توصيفها أيقونيّا، وسُؤال النقطة أيضا(39)، إذ السرّ والحرف والعشق والروح والسحر و"الّذي عنده شيء من الذي عنده شيء" و"الّذي عنده شيء من الموت" هي علامات البدء والانقضاء في مسارّ حركة الديوان الشعريّة، وسؤال الحُريّة عند استرجاع العديد من مشاهد القهر(40)، وسؤال الموت، موت الشجرة-الرمز، موت الأنا المرجأ(41)، سؤال الحياة بالقصيدة وفي القصيدة حَدّ الموت حينما تتعدّد المشاهد وتتوالد(42)، سؤال التطهُّر أو التحرُّر من كوابيس الماضي بإرادة الحياة والتحدّي في راهن الوجود رغم عذابات المهجر بعيدًا عن الوطن، وبالأمل الناشئ الّذي هو وليد اليأس وثمرته، هذا اليأس النبيل القادر على إخصاب حياة جديدة،كـ"يأس" سُورنْ كيركغارد الحافز الأكبر على الحياة بعد استخلاص العبرة من الموت باعتباره الخطر الأعظم في حياة الكائن البشريّ والدافع الأوّل إلى خوض مغامرة الوجود المختلِف، إذْ كُلّما تعاظم هذا الخطر الأقصى كان الأمل أعمق وأوسع مدى(43).

إنّ سِرّ الكتابة الحُروفيّة والإصرار على الاستمرار فيها وممارسة لعبة الوصل والفصل، المؤالفة والتفكيك، التمعين(من المعنى) والسعي إلى التخلّص من مُسبق المعنى ووُثوقيّته، استرجاع روح التُراث العَقَديّ والأنتروبولوجيّ والجماليّ والتمَوْقُع داخل "الآن"و"الهُنا" واستباق المصير أملا ويأسا أو يأسًا قادِرًا على إثمار أملٍ هي في صميم مغامرة الكتابة والوجود بالدهشة والحيرة والمُساءلة، وبالتردُّد التراجيديّ الحادّ بين الرغبة في الحياة وواقعيّة الموت أو كارثيّتِهِ الحافّة بالكائن والكيان.

فكيف للكتابة الحُروفيّة، إذنْ، بعد "شجرة الحروف" أن تُثمر شجرة بل أشجارًا أخرى في صحراء الكيان الفرديّ لأديب كمال  الدّين، ولِمُجمل كياننا الجمْعيّ، بجديدِ الاستعارات وحادث المعاني؟

 * الهوامش:

1- بديع محمّد جمعة، "أسطورة فينوس وأدونيس"، لبنان: دار النهضة العربيّة، 1981، ص33.

2- السابق، ص34-35.

3- F.Nietzsche,’’La naissance de la tragédie’’, Gallimard,1949, p21-22

4- ديوان الأساطير، سومر وأكاد وآشور"، نقله إلى العربيّة وعلّق عليه قاسم الشوّاف، قدّم له وأشرف عليه أدونيس، لندن: دار الساقي، الكتاب الأوّل، ط1، 1996، ص21.

5- أدونيس، "هذا هو اسمي، وقت بين الرماد والورد"، لبنان:دار العودة، ط1، 1970.

اتّجه هذا الديوان إلى الكتابة الحروفيّة الشعريّة في عديد مواطنِهِ، كهذا القول:

                    " كِشفت رأسها الباءُ، والجيم خصلة شعر، انقرض انقرض

                    أَلِف أوّل الحروف اِنقرضْ انقرضْ

                    أسمع الهاء تنشج والراء مثل الهلال

                    غارقا ذائبا في الرمال

                    اِنقرضْ انقرضْ".

6- يلاحظ قارئ مجمل دواوين أديب كمال الدّين مدى اهتمام الشاعر بالحروفيّة العربيّة الّتي أضحت ثيمة متكرّرة وظاهرة جماليّة يحتفي بها دون انتهاج سبيل واحد لِأدائها.

7- أديب كمال الدّين ،"شجرة الحروف"، الأردنّ: دار أزمنة ط1، 2007، ص9. كُتِبتْ قصائد هذا الديوان في أستراليا عاميْ 2006 و2007.

8- السابق، ص11-12.

9- السابق، ص15.

10- السابق، ص16.

11- انظر "قصيدتي الأزليّة" من ديوان "شجرة الحروف"!

12- انظر "شجرة الثعابين"!

13- قصيدة "الغريب" من الديوان.

14- قصيدة "حُبّ".

15- تصف الذات الشاعرة العديد من هذه الفظاعات في "بغداد بِثياب الدّم" و"قصائد الرأس" من الديوان.

16- ديوان "شجرة الحروف"، ص46.

17- انظر علامات الندم والألم والدّم في قصيدة "إبْحار"!

18- من قصائد الديوان.

19- سورة القلم: "ن والقلم وما يسطرون..."

20- الظاهرة الحُروفيّة ماثلة في عديد مُقدّمات السُوَر: ألم لسورة البقرة وآل عمران، والمص للأعراف، وألر لهود ويوسف، والمر للرعد...، على سبيل المِثال لا الحصر.

21- ديوان "شجرة الحروف"، ص50.

22- "تحوّلات" من الديوان.

23- "قصيدتي الصبيّة".

24- "ارتباك".

25- Hans Georg Gadamer,’’Vérité et méthode,les grandes lignes d’une herméneutique philosophique’’ seuil,1976, p 30.

   

26- ديوان "شجرة الحروف"، ص59.

27- ترجمة ياسين طه حافظ،العراق: دار المأمون للترجمة والنشر، 1992.

"البعض مِمّن لم يخشّبهم الموت يدبّون، فكأنّهم يتعلّمون السباحة في مستنقع أسود من دمهم.هنا وهُناك، تنبثق كفّ، تنفتح وتنغلق كأنّها تبحث عن رسغها الّذي قُطعت منه، وقدم تُحاول أن تخطو، خطوات صغيرة من دون البدن الّذي كانت تسنده فوق الركبتين".

السابق، ص102.

28- تكرار فعل أراد في المضارع ضمن "رغبات" من الديوان.

29- ديوان "شجرة الحروف"، ص70.

30- "اعتراف ملك الحروف" من الديوان.

31- اُنظر "احتفال حُروفيّ" و"شطحات النقطة"!

32- ديوان "شجرة الحروف"، ص85.

33- "أحجار" من الديوان.

34- "الحرف يتشظّى...النقطة تتدرْوش".

35- "رسالة الحرف إلى حبيبته النقطة".

36- انظر "هبوط"و"طائر النقطة"!

37- ديوان "شجرة الحروف"، ص105.

38- عنوان أحَد نصوص الديوان، وقد وَرَد بأسلوب التنكير.

39- انظر "غروب النقطة" من الديوان!

40- انظر "حيرة ملك"!

41- " فُؤوس" و"يَدٌ واحدة".

42- "مشاهد".

43- Soern Kierkegaard,’’Traité du désespoir’’, Gallimard, 1949, p66

****************************

نُشرت في مواقع كتابات والمثقف والندوة 12 تشرين أول – أكتوبر 2007

 

 


الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home