حوار النقطة والحرف

 


د. حاتم الصكَر

 

 

 
استراح الشاعر أديب كمال الدين (بابل ـ 1953) للحروفية الشعرية واتخذها هوية فنية وأسلوبية له، على مدى تجربته الشعرية التي تبدأ بديوانه تفاصيل (1976) وتترسخ في إصداراته اللاحقة مثل: (ديوان عربي) ثم (جيم) و(نون) و(حاء) و(النقطة) حتى ديوانه الأخير(ما قبل الحرف ..ما بعد النقطة) 2006 ـ الذي أرى فيه مراجعةً من الشاعر لتجربته الحروفية التي تدرجت وتطورت من البدايات حيث الانبهار بفكرة استضافة القيم الحروفية وإنشاء ما يشبه الميتانص الأبجدي الذي يراقب فيه الشاعر وجود الحروف وهيئاتها التركيبية في الكلمات والجمل منشغلاً بذلك عن معانيها ودلالاتها وما يمكن أن توصله أو تحمله من صور وأخيلة، ليستطيع من بَعد تفجير طاقاتها الجمالية الصورية والتعبيرية، مع اقتراض فرضيات صوفية ـ إشراقية غالباً ـ حول وجود الحرف في القصيدة والروحانية التي نظر بها الصوفيون للحرف والنقطة، لاسيما في المفاهيم الحلولية حيث يشبّه الصوفيون المخلوقات بالنقط الممتدة من ـ أو المنبثقة عن ـ النقطة الأولى أي الخالق الذي فاضت عنه وامتدت في خط الوجود الذي هو عبارة عن مجموعة نقاط، إذا فصلت أياً منها فلا يعني ذلك انقطاعها عن النقطة الأولى، بل هي لا تمتلك وجوداً منفصلاً خارج هذا الوجود الخطي الذي تظل تهفو للعودة إليه والاتحاد به كما تحن القطرة لبحرها الذي تبخرت من مائه.

ولا تخفى بالدرجة الثانية أو كعامل ودافع إضافي تلك المؤثرات البصرية في تجربة أديب كمال الدين التي أجد لها مظاهر تشكيلية نمت في الرسم العراقي لدي جميل حمودي، ثم بانتباه للبعد الفلسفي المعمّق لدى شاكر حسن وتلامذته والتجارب العربية في هذا المجال أيضا مثل رسوم فريد بلكاهية ورشيد القريشي واللبّاد وغيرهم. ولكن أشدّ المؤثرات وضوحا هي التجربة الإشراقية للتوحيدي وتحليله المتقشف والنوراني للحروف لاسيما في الإشارات الإلهية.. وحفرياته الجمالية والفلسفية في دلالات الحروف ووجودها الجَفري والروحي.

الإضافة التي كان أديب يبرر بها انغماسه في حروفياته الشعرية والتي بدت لنا مستساغة وغير مقحمة، هي وجوده كشخص داخل هذه الحدوس والمحاورات والملاطفات الحروفية التي يقلّبها ويتأملها وينهمك في استجلاء جمالياتها، وما يرى من طاقة تعبيرية كامنة فيها.

في حواره الطويل مع الحروف يستعير أديب لسان متقشف يتأمل مادته ولا ينصرف عنها إلى ما تعنيه خارج وجودها الكولغرافي المجرد. إنها كحياته ذاتها وُهبت له، لكنه بدل تسييرها وعيشها يمددها أمامه على أرض القصيدة ليدقق في مغزاها، ويوقفها ليتساءل عن جدواها ومعناها، فينصرف الزمن ويمضي وهو يناجي حياته مفرداتٍ ودلالات. هكذا كان أديب يصنع بمادة قصائده، يفتتها كطفل منبهر بلعبة، ثم يحاورها ويسائلها ويُسقِط عليها حياته كلها.

اليوم وبعد حواريات كثيرة يغيب الشاعر منسحباً تكتيكياً وبمناورة فنية من المشهد الحروفي التأملي ليترك مفرداته الحروفية تحاوِر بعضها: فالنقطة والحرف كوجود لازم مثل وجود التوأم في الرحم، يتخاصمان ويتراسلان في جدل معرفي وجودي وجمالي:


وسألت النقطةُ ثالثة:

هل من الشؤمِ أن أرتبط بك

ارتباط الأرض بالسماء

وارتباط الحلمِ بمخيلةِ الشاعرِ/ الطفل

 وارتباط الجيمِ بالجثةِ والجنون؟

هل من الحقِّ أن تضيع معي

بحثاً عني

وأنا بعض منك؟


والحرف يعاني كذلك في متاهة الوجود والسؤال ومعاناة الانفصال عن ذاته:


لم أعد من نفسي بعد

ضعتُ في نقطتها القاسية

وتضاريسها المليئة بصور الموت.


وأحياناً يتهادن الحرف والنقطة كأنما تجمعهما المصائر والنهايات المتوقعة أو المنتظَرة، وكما يفعل البشر يهدءان ويتناجيان نادبين ما يحصل لهما:


وسألت النقطة ثانيةً:

ما الذي أتى بنا من الشرق إلى الغرب

من الحزن إلى الكآبة؟

فأجاب الحرف:

هل كُتبت علينا اللوعة في اللوحِ المسطور

أم كُتِب علينا الحرمان إلى أبد الآبدين؟


يحس قارىء الديوان أن ابتعاد الشاعر عن حروفه ليس إلا تسمية أخرى لوجوده وراءها أو فيها، فهو يقوِّلها ما يريد كعراقي في قلب اللهب، في مركز دائرة الموت المتعدد الأسماء والأسباب والموحَّد النهاية، حزنه وجوده مقتَلعاً منفصلاً عن حاضنته وطفولته وصباه ولنلاحظ أنه في ختام معركة حروفية بين الحرف والنقطة يستبدل صهيل الكلمات بصهيل الناس(قصيدة: ضجة في آخر الليل).

هكذا تعود للحرف والنقطة رمزيتهما التي دأب الشاعر على استثمارها مما يجعلنا نتساءل: كيف ومتى سيخرج أديب كمال الدين من شرنقة حروفه؟ وكيف ومتى سيطلق وجودها المرتَهَن في النص المتعالي الذي يقيمه فوق هيئتهما البنائية مؤجّلاً تشكيلات المعاني وتوسيع الدلالات، إلا ما اتصل منها بالوجود الخطي لتلك الحروف والنقاط خارج ما تنتجه من معان أو تتنضد في تراكيب جملية نفعية.

ولنستعن الآن بتفوهات الشاعر نفسه خارج نصوصه وبالذات في مقابلة أٌجريت معه  ويبدو أن لها موقعاً خاصاً في نفسه إذ ألحقها بالديوان، وعنوانها: قصيدتي رسالة حب حروفية، يؤكد فيها أنه أراد(استكناه سر الحرف وإطلاق مسراته العميقة أو حرمانه العظيم في لعبة المأساة لخلق أساطيري الخاصة. الحرف كما أرى شبكة لصيد البهجة، والحلم، والشمس، والفجر، والألم العظيم..).

وأحسب أن الشاعر رضي بدور الصياد الذي تنوب عنه طريدته ـ الحروف ـ وتقول عنه ما لا يقوله هو.

*****************

جريدة (الزمان)  - العدد 2661 - التاريخ 4/4/2007

 و"الحروفي: 33 ناقداً يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعرية"- إعداد وتقديم د. مقداد رحيم - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 2007 - ص73- 76

 

 

 

 


الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home