التشكيل الاستعاري

 في شعر أديب كمال الدين

 

 

إبراهيم خزعل العبيدي

 

 

الطبعة الأولى 2017
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد  781 لسنة 2017  م

التشكيل الاستعاري في شعر أديب كمال الدين

دراسة / إبراهيم خزعل العبيدي

التصميم والإخراج الطباعي : المركز الثقافي للطباعة والنشر

الإشراف الفني : ولاء الصوّاف

 

C.C.P.P

المركـز الثقافي للطباعة والنشـر

بابل  -دمشق    القاهرة

The Cultural Center  for

Printing and Publishing

ــــــــــــــــــــــــــــ

جمهورية العراق / بابل / الحلة / شارع الإمام علي

Mob: 07801168410

Mob: 07721472444

E-mail:w_alsawaf@yahoo.com

 

طبع في دمشق / الجمهورية العربية السورية

لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع ، أو نقله على أي نحو ، أو  بأي طريقة الكترونية أو ميكانيكية ، أو بالتصوير ، أو بالتسجيل أو بخلاف ذلك ، إلا بموافقة كتابية من الناشر ومقدما .

All rights reserved, no part of this publication may be reproduced stored in a retrieval system, or transmitted in any means, electronic, mechanical ,photocopying ,recording ,or otherwise , without prior permission in writing of the publisher.

 

 

 

 

الإهداء

 

إلى... مَن نذر عمره لكي أكون...

واتَّسع فضاء قلبه لحلمي ...

وكان رضاه غصنا في شجرة  طموحي ...

حتى ارتوت ثمار غرسك، فكنت معنى الحياة لي...

وقد أرضاني الله بك فهلا رضيت عني...

إليك أبي الغالي براً وخفض جناح.


 

بسم الله الرحمن الرحيم

              الحمد لله الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمدهُ حمدَ الشاكرين، وأثني عليه بما هو أهله، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير، وعلى آله وصحبه، وكل من دعا بدعوته واقتفى أثره إلى يوم الدين

      إنَّ مسؤولية الكلمة مسؤولية عظيمة وأمانة جسيمة، فقد خلق الله سبحانه الإنسانَ وأعانه على النطق والتعبير بصراحة عما جاش في صدره قال تعالى ( الرَّحمنُ! عَلَمَ القُرْآنَ !خَلَقَ الإِنْسَانَ! عَلَّمَهُ البَيَانَ ): (الرحمن: ١ ٤)، فإذا به محاسب على كلامه مؤاخذ بما يقول، ولئن كان كلام الله تعالى هو أعظم الكلام، ثم كلام نبيه (صل الله عليه وسلم)، فقد جُعِلَ الشعر ذلك المتنفس الرحب للإفصاح عن حاجات الإنسان ومشاعره وهمومه، فكان له من التأثير ما كان إذ يعمل كما السحر في الاستمالة والإمتاع بما يشتمل عليه من أدوات قادرة على التأثير في النفس وتشكيل الوجدان بضروب الصياغة والإبداع، فاللغةُ هي الوعاء الذي يختزنُ الفكرَ ويحمله، وهي الوسيلة الأمثل للتعبير عن حاجات الفرد ومكنونات نفسهِ ودواخلها، وقد شغلت دراسة الشعر والبلاغة المفكرين والأدباء منذُ أقدم العصور في محاولةٍ للوقوفِ على ماهيته واكتشاف أسراره، فلله درّ هذه الأمة الماجدة الخالدة التي ما تصوب ناظريك في تاريخها وحضارتها إلا ذهلت بما تحويه من ينابيع العطاء، أمة عريقة ذات أرث ثقافي عريض عجز الباحثون والمؤرخون عن الإحاطة به، والإتيان على كل فنونه، ومن أسرار سرِّ خلود لغتنا بعد تشريف كتاب الله تعالى لها، قال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (يوسف: ٢)، فإنها اللغة التي تدور في فلكها علوم عدة من بلاغة وآداب وعلوم، كما حوت مفردات وصيغاً كثيرة لا نظير لها في لغة أخرى، ولشغفي الشديد بالدرس البلاغي وظواهره وفنونه، وفقني الله تعالى أنْ يكون عنوان كتابي موسوماً بـ (التشكيل الاستعاري في شعر أديب كمال الدين)، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً برغبتي .

     ومن ثم بدأت رحلتي المضنية من جانب والممتعة من جانب آخر مع هذا الشاعر، فقصدت المكتبات للبحث عن المراجع الحديثة التي تناولت شعره، ولمست بإدراك أنَّ بين هموم التعبير عن واقع مرّ ومسؤولية التجديد انبثق أديب كمال الدين شاعراً معاصراً، جعل من شعرهِ صدى لقضية الحلم والأسى الإنساني، فجاءت دراستي لشعره تسعى إلى فتح آفاق جديدة في استقراء أفكار الشاعر ومكنوناته؛ لما فيها من وقفات جديدة في الجانبين الفني والنقدي، بعد أنّ حظي شعره بعناية كبيرة إذ كُتبت عن نتاجه الكثير من الدراسات والمقالات والبحوث المتناثرة في صفحات الكتب والمجلات، وأثيرت حوله آراء كثيرة وهي إن دلّت على شيءٍ فإنّما تدلُّ على تميز هذا النتاج الشعري في الجانبين الفكريّ والفنيّ، وهذا ما شجعني على الخوض في هذه الدراسة، وهي في الأصل نصوص مُستلّة وملخصة من رسالة ماجستير ، نوقشت بجامعة ديالى، كلية التربية للعلوم الإنسانية عام 2016.

     الشكر موصول للشاعر أديب كمال الدين لتزويده لي بمجاميعه الشعرية وبعض الدراسات الخاصة به وإضاءاته التي حصلت عليها بوساطة الحوار معه، وبعد: فهذه محاولة على الطريق، أتمنى أن تكون قد حققت قدراً من الفائدة سائلاً الله تعالى الإخلاص في العمل لوجهه الكريم، والتوفيق والسداد.

                                                                  المؤلف


 

التمهيد : مداخل تعريفية

أولاً: المستوى اللغوي  والاصطلاحي للتشكيل :

أ‌-       التشكيل لغةً: أشار العلماء إلى المعنى المعجمي الذي دلَّ عليه لفظ التشكيل فقال الزمخشري (ت 538هـ): ((أَشكلَ النَّخْلُ طَابَ بَسَرُهُ وحلا وأشْبَه أن يَصيرَ رَطَباً، وامرأةٌ ذاتُ شكلٍ وشَكَلِة، وقد تشكلتْ وتدللتْ، وأشْكَلَ المريض وشَكُلَ وتشكل كما تقول: تماثَلَ))([1]).

      وذكر ابن منظور (ت711هـ ) في معنى التشكيل: ((شكلُ الشيء صورته المحسوسة والمتوهمة، وتشكل الشيءُ: تصوَّر وشكَّله: صّوره، والأشكل عند العرب اللونان المختلطان وتشكل العنبُ وتشكَّل: أعجمه فهو مشكول إذا قيدته بالإعراب، وأعْجَمت الكتاب إذا نقطته، وشكلت المرأة شعرها ضفرت خصلتين من مقدم رأسها عن يمين وشمال ثم شدّت بها سائر ذوائبها))([2])، ويوافق هذه الدلالة الفيروزآبادي (ت817ه) بقوله: ((وتشكّل : تصوّر وشكّله تشكيلاً صوّره))([3]).

      ولعلَّ في ما أضافهُ الفيروزابادي هو أنه أعطى أهمية كبيرة للتشكيل في تحقيق الوضوح للمعنى اللغوي: فـ((الشكل هيئة الشيء وتشكل أزهر: ألف بين أشكال متنوعة شاكله ماثله والشاكلة السجية، قال تعالى: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا) ([4])، والشكل المِثْل والنظير وعند المحدثين الشكل جمال المنظر))([5]) ، إذن التشكيل هو مصدر الفعل (شكَّل) الرباعي المضعّف العين، ونحن بتصفحنا معاجم اللغة العربية نجد صعوبة وضع اليد على دلالة لغوية مقاربة لمفهوم (التشكيل) الاصطلاحي الأدبي في وقتنا الراهن إلا في الإشارة إلى لسان العرب كما ذُكر، ومن خلال هذا العرض اللغوي نستطيع أن نستنتج ما يأتي:                               

1-    إن ألفاظ (شكلَ) و (تشكّلَ) و (أشكّلَ) حاملة في طياتها بعض الفروقات الدلالية، فالأول يشير إلى قيام الشخص بعملية التحويل بين شيئين مختلفين، أمّا الثاني فيشير إلى الشيء ذاته لكن عبر صيرورة تحويلية للتشكل ذاته. أمّا الأخير بوصفه متعلقاً بين شيئين متداخلين إلاّ أنه يصعب التمييز بينهما، وهذه الصعوبة والاستغلاق سواء أن كانت حسية أو ذهنية أم كليهما، أمّا لفظا (شاكَلَ) و (مشاكلة) فهما دالان على معنى التناظر والتماثل بين متجانسين مع وجود صفة مشتركة بينهما.

2-    باستقراء هذه الفروق بين هذه الألفاظ بإمكاننا أن نقف على معنى الشكل لغة، إذ إنه متعلّقٌ بالهيئة أو الصفة الرابطة بالشيء الموصوف المشكل خارجياً لها وداخلياً والمتشكلة بذاتها عبر تراكيب وسياقات معينة المكونة للشكل حتى تصل إلى شكلها العام.

3-    أمّا لفظ التشكيل فيعني مضاعفة المعنى الشكلي المتعلق بالصفة أو الشيء الموصوف.

      كما إنه يرتبط من جهة الإسناد بالشخص القائم به، أو بالنصِّ الذي يشكل بعضه بعضاً، بيد أن هذا المعنى يسهم بشكل فعَّال في تقريب فهمنا من مصطلح التشكيل عبر هذه التدرجات الصياغية الصرفية التي لا يمكن تخطيها عند الوصول إلى معنى لفظ التشكيل وإفرازاته الدلالية واللغوية، ولا نغفل الإشارة إلى مسألة التخييل في دعمه هذا المصطلح والعناصر النصية المكونة له، بوصفها تفتقر إلى إضاءة من الجانب الاصطلاحي، إذ لا نستطيع التوصل إلى إدراك فعليها التأليفي والتشكيلي من خلال المعنى اللغوي فحسب.

      إن الدلالة اللغوية قابلة للتكوين والخلق الجديد بالرغم من الأنماط المختلفة لما وجدنا من أن التشكيل عبارة عن عملية تصوير حسي متأثر بعمل المخيلة ينبع من داخل الشاعر في نظمه للشعر حتى يتحقق البعدان الجمالي والفني في نظمه.

ب‌-              التشكيل اصطلاحاً: من الجانبين الفني والأدبي للشكل يتضح أنه أحد الفنون الفنية والإبداعية الذي يبين مواطن جمالية الأدب، وهذا ما يميزه في الإختلاف عن باقي الألوان المعرفية الأخرى، وبهذا يشعر القارئ بجمال المتعة الذهنية([6]) ، ولهذا فإنَّ كلمة (شكل) كثيراً ما تبدو لذهن السامع أو القارئ انها تدل على الشكل الخارجي للشيء أو الشكل الخارجي لمظهره. يقول بطرس البستاني صاحب ( محيط المحيط ) عن المعنى البلاغي للتشكيل: ((التشكيل أن يذكر الشيء بلفظ غيره))([7]) ، وهو يشابه الاستعارة، وإذا كانت الاستعارة (مع قرينة صارفه عن إرادة المعنى الموضوع له في اصطلاح به التخاطب) فهو في التشكيل لم يذكر القرينة المانعة بين اللفظ ولفظ غيره، وهو يشير إلى جعله عوضاً عن اللفظ الأول.

وهناك تعريف آخر يربط بين التشكيل وعملية الخيال والتصور بوصفه ناتجاً عنهما أو هو الدال الشكلي على فعلهما ومقصدهما سواء أكان فعلاً واقعياً أم خيالياً. ومن هنا يُعرَّف التشكيل بأنه: (إستحضار ذهني أو خيالي ناتج عن انفصال حي خارجي أو داخلي)([8]). فهذا الإستحضار الذهني أو العمل الخيالي هو إفراز عن التأثر النفسي بالشيء الخارجي. أو هو تأثُّر بفكرة داخلية عميقة وهو يرتبط بوصفه استحضاراً بلحظة التأثر هذه دون غيرها خصوصاً إذا ما استكملت عناصره أو عناصر الشيء المتأثر به.

   إذا ما ارتأينا أن نُبين أن التشكيل في الفن التشكيلي يكون حسيّاً بينما في الأدب يتجاوزه إلى الذهني والمعنوي، فمعاينة الواقع الذي يتم عبر استحضاره في الذهن لا يعني أن الصورة الذهنية تنقاد عبر ديناميكية آتية من فراغ وإنما تتكون من التخييل والتأمل، وهذا الإطار المعرفي الذي يتطلب استحضاراً ذهنياً يربط بين هذه العناصر ليقوم بعد ذلك بصياغتها وتشكيلها بأدوات الأديب وملكاته، ثم يأتي بعد ذلك دور الجلاء البصري (الحاسة البصرية) نوعاً من التأثير الخارجي وهذه هي مكونات القصيدة الشعرية، ولهذا يُعد التشكيل جانباً مهماً لإنتاج عناصر النص الأدبي وصياغته ، فنجد القصيدة الشعرية في صياغتها تشكيلاً متماسك الأجزاء متناسقاً من الناحية الفنية، فنجد الترابط بين أجزاء القصيدة المقدمة وحسن التخلص والخاتمة بحيث يشعر القارئ بأنها تشكيل واحد متكامل الأجزاء، فهذا الترابط والتشكيل الفني الدقيق يوحي بالقدرة الفنية العالية والذوق الفني الرفيع، ومن هذا المنطلق وجدنا أن التشكيل أكثر دقة من كلمة المعمار، فالتشكيل إحساس يراود الشاعر ويلازمه في نظمه للشعر([9]). ويبقى الإبداع والقدرة الفنية ملاصقة لعمل المبدع سواء أكان شاعراً أم رساماً فضلاً عن التشكيل الذي يُعد العنصر الأساس لعملية الإبداع ويظهر قدرة الفنان المبدع على تشكيل القيم الفنية التي تعبر عن جمالية النصَّ والخيال الواسع والإبتكار حتى يصل بعمله بالصورة الجديدة مبتعداً عن التكرار والملل الذي يتولد لدى المتلقي([10]).

     ويبقى القول أن اللغة من أهم الأدوات التي يعبر عنها التشكيل فهي دعامته الرئيسة التي يقوم عليها وذلك بوصفها نظاماً من الأشكال المختلفة التي قد تكون زمانية أو مكانية، فالتشكيل الزماني الذي يتصل بالإطار الموسيقي للقصيدة وحتى يتحقق ذلك الانسجام في الوزن والإيقاع الموسيقي للقصيدة لابد من توافر تشكيل يصل بالقصيدة للتناسق والانسجام بين أجزائها. أما التشكيل المكاني، فالشاعر حين ينظم الشعر نجده يستمد عناصر وجزيئات مستوحاة من ذلك المكان الذي يشعر فيه بالشوق والحنين، فنجد في التشكيل المكاني صورة جديدة تظهر في إبداع الشاعر، ويبقى الشعر وسيلة إثارة فاعلة لمشاعر المتلقي كلما كان تشكيله الفني يظهر بصورة جمالية عالية وقدرة فنية تظهر براعته وخياله الواسع.

 

 

 


 

ثانياً: المستوى اللغوي والاصطلاحي للاستعارة:

 أ‌- الاستعارة لغة: إنَّ مصدر الفعل (عارَ) هو استعارة؛ لأن كل تغيير في المبنى يؤدي إلى التغيير في المعنى فزيادة حرفي السين والتاء أفادت الطلب ((والعارية منسوبة إلى العارة، وهو اسم من الإعارة. تقول: أعرته الشيء أعيره إعارة وعارة ، والعارة ما تداولوه بينهم، وقد أعاره الشيء واعاره منه وعاوره إياه، والمعاورة والتعاور: شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين))([11]) ، وقد ذكر ابن عبادة (ت538هـ) هذا الكلام في (محيط اللغة) إذ قال: (( والمستعار: المتداول))([12]) ، وبالبحث عن معنى العاريّة في (تهذيب اللغة) يُؤكد الأزهري هذه المعاني، ويوضح صلتها بالاستعارة فيقول: ((منسوبة إلى العارة وهو اسم من الإعارة يقال: أعرته الشيء اعيره إعارة وعارة كما قالوا كـ أطعت إطاعة وطاعة))([13]) ، ونستنتج أن الاستعارة بمفهومها اللغوي تعني نقل الشيء المستعار من طرف إلى طرف آخر لغرض الفائدة والانتفاع، ولا تكمن تلك الفائدة إلا بتحقيق شرط المعرفة بين الطرفين، فالأساس في الاستعارة النقل من الأصل المعروف أو المعنى الذي دل عليه باللفظ الوضعي إلى شيء آخر لم يوضع له ذلك اللفظ، فهي ((مشتقة من العرية وهي العطية، وقيل: سُميت عارية لتعريها عن العوض، وقيل: أخذها من العار أو العري خطأ وهي شرعاً تمليك منفعة بلا بدل))([14])، فالاستعارة بمعنى أخذ الشيء، ومن هنا يُقال: (( أرى الدهر يستعيرني شبابي أي يأخذهُ منّي))([15]) ، وبهذه المعاني نجد إنها مأخوذة من العارية أي نقل الشيء من شيء إلى شيء آخر. إنَّ الأصل في الاستعارة التي تخرج إلى معنى المجاز ويراد بها إعارة أو استعارة شيء من الأشياء تربطهما علاقة معرفية حتى يتمكن الشخص من استعارة بعض الأشياء من بعض وفي حالة سقوط العلاقة المعرفية بين الأشخاص فلا يستعير منه أي شيء وهذا الحكم يترتب على استعارة الألفاظ ونقل المعنى من لفظ إلى آخر([16])، ((ويتعاورون: يأخذونَ ويعطون))([17]). ويلاحظ في أثناء البحث عن المعنى اللغوي لكلمة الاستعارة كما وردت في المعاجم اللغوية إنها ترد مأخوذة من الأصل اللغوي عور، وترد في التهذيب من الأصل عار. إن الأصل في التناوب بين حروف العلة لم يؤد إلى اختلاف في المعنى؛ وذلك لأن المعاني اللغوية تصب في قالب واحد، تتجسد في التداول والمناولة، والأخذ والعطاء، والطلب، وبهذا فالاستعارة تعني: طلب العطية وأخذها إلى موضع يلائمها القصد منه سد الحاجة وتلبية الرغبة والمتعة في المعاني والذوق الفني، فضلاً عن الأخذ من المستعير، وعطاء من المعير، ومناولة بينهما وتداول للعطية، ولهذا فإن الإنسان لا يمكن أن يستغني عن الاستعارة مهما كان نوع المعار من منافع وأقوال، يأخذ منها ما يحتاج ويعطي مما عنده من يحتاج لما عرف عن الإنسان بسمة الأخذ والعطاء تلبية لرغباته في الواقع الذي يعيشه.

ح‌-   الاستعارة اصطلاحاً: تعدُّ الاستعارة من الأدوات المهمة في تكوين الصورة الشعرية فـالاستعارة ((أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حُلِيِّ الشعر أعجب منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت مَوْقِعَها ونزلت مَوْضِعَها))([18]) ، فهي ((استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه مع قرينة مانعة عن إرادة المعنى الأصلي))([19]) ، وهذا يعني أن الإستعارة عملية هدم للغة الإيصالية وإنشاء لغة إيحائية في آن واحد([20]) ؛ لأنها وسيلة بلاغية فاعلة مؤثرة، فهي تمنح الشاعر حرية استعمال صفات وهيئات وأشياء في غير مواضعها الأصلية وتمكن الشاعر من تجاوز حدود الأشياء والبحث عن أشياء جديدة في التعبير عنها لإمتياز الاستعارة بصفة المطاوعة في الجمع ((بين خصائص المجاز والتشبيه فقد أخذت من هذين الأصلين مميزاتها لتكون وسيلة رائعة لانطلاق اللغة، وفتح فضاءات جديدة للتعبير بعيداً عن عالم الحقيقة والواقع المحدود، وممدّة اللغة بسير الديمومة والتجديد))([21]) ، لذلك عُدَّت الاستعارة قوة إضافية للغة تكمن وظيفتها الأولية في التجميل والتزيين، فهي ((وسيلة لغوية لوصف بعض المماثلات الموجودة قبلياً بين شيئين في العالم))([22]) ، لذلك نجد أن اللغة تبدي عكس ما تخفي، فهي لا تشتمل إلا على المجازات، وبالقدر الذي تكون فيه غامضة ومتعددة ستكون غنية بالاستعارات والرموز([23])، فهي وسيلة رئيسة من وسائل التعبير الخيالي الدقيق, والتصوير الفني الموحي, يستعين بها الشاعر المبدع في الكشف عن عالمه غير المرئي بشكل غير مباشر جامعاً فيه بين الواقع المكشوف وخياله المعبر فيه عن تصوراته العميقة فهي ((أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به دالا على  ذلك بإثباتك للمشبه ما يخص المشبه به))([24]) ؛ وذلك لأنه حصر الاستعارتين التصريحية والمكنية وان الغرض من توظيفها هنا لا يخرج عن المتعة والتسلية، فتعدّ الاستعارة عملية انزياح من الأشياء المألوفة إلى عوالم الخيال المبدع ؛ لأنها أشبه بـ(( الأداة السحرية التي تخرج الحشود النفسيَّة المزدخرة، وتحلق بأجنحةٍ رفّافةٍ أو منتفضةٍ من الصور المعبِّرة))([25])، فترابط طرفي الاستعارة ( المستعار له والمستعار منه) علاقة تفسرّ التلاحم والتقارب بينهما إلى درجة أن يصيرا شيئاً واحدا، وهو ما يجعل من الاستعارة تتربع عرش خانة التطابق، وهذا استجابة لدعوة فلسفية تؤمن بالوجود المستقل في ذاته لموضوعات العالم([26])، لتغدو اللغة حينها مرآة تقوم بنسخ موضوعات العالم وأشيائه وتقوم بترجمتها في نسق سيميائي دال فيحاول الشعراء ((أن يكتبوا شعرهم بلغة استعارية غير اللغة السياقية الواضحة التي كتب الرواد بها أشعارهم, وأن يقيموا من هذه اللغة شبكة من العلاقات الداخلية تفضي إلى تشكيل استعاري أو كنائي يؤدي إلى معنى مفتوح قابل للتأويل لأكثر من تأويل))([27]) ، ويتخذ الشاعر من الاستعارة وسيلة يوظفها في بناء صوره الشعرية، إذ يجد أنها منفذٌ للتعبير عن تجربته الذاتية في سياقات لغوية قادرة على تجسيد حالته الشعورية المختلفة، والنهوض بشعرية النص. فالاستعارة في الأصل تشبيه حُذِف أحد طرفيه، إلاّ أنها تنماز عنه بدقة الأسلوب، وإكمال تأديتها للمعنى بصورة أجمل وأكثر تأثيراً([28])، لذلك عُرفّت بــ(( تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامهُ))([29]) ، فتتداخل الاستعارة الفنية بمحاورها الدلالية في أساليب الشعراء للخروج عن النمط التعبيري المألوف أو المتواضع واللجوء إلى صيغ أُخرى تُغني اللغة في التعبير الشعري وبإسلوب فني إبداعي، فهي من أهم عناصر إثارة العاطفة لدى القارئ باعتماد اللمحات الخاطفة، كما إنها أداة تقوم على تقريب المتباعدين من الأشياء، ومحو الفوارق بينها سواء أكانت حسية أم معنوية([30]).

ومثلما تناول علماء العرب والنقاد من القدماء والمحدثين الاستعارة وعنوا ببيان تفاصيلها ومعرفة أسرارها والتعمق في دقائقها، فقد رأينا الكثير من الدراسات الغربية التي تناولت الاستعارة ووقفت عليها بصورة كبيرة من العناية والجدية محاولة للكشف عن تراكيبها وبنيتها وتشكيلها([31]).

    ويبقى القول إن التشكيل أو الاستعارة بإزاء علاقة خاصة تجمع بين أشياء مختلفة، معتمدة على تفاعل الدلالات في ما بين الأشياء، فالتفاعل يعد انعكاساً لذات المبدع والتمازج مع موضوعه، فالعلاقة البارزة إذن بين طرفي الاستعارة تكون معتمدة في الأساس على التفاعل مع الاحتفاظ بالصفة المميزة لكل طرف من أطرافها؛ إذ إن توافرهما متقابلين يكون سبباً في إظهار التوتّر المناسب لتوليد الشعرية، فطرفا الاستعارة لا يمكن أن يتّحدا أو أن ينطبقا بوحدة لا ينماز بها أحدهما من الآخر إلا بالاستعارات الميتة، أمّا الاستعارات الحية فيكون سرُّ حيويتها وجماليتها في هذا التمايز، والاحتفاظ بالشخصية كاملة ما بين الطرفين الكائنين في بيت الاستعارة([32])، إذ نجد ((بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفية جلية بادية))([33])، فـ ((الفنان الحق هو من يعبر عن وقع الموضوع على ذاته، وبعد ذلك يأتي دور الوجدانية إذ تأتي مرحلة التعبير، مرحلة وقع الذات على الموضوع))([34])، وقد يمتلك التشكيل دلالات عديدة من بينها أنه الدلالة الجمالية في العمل الفني وهو الذي يفصح عن العلاقة بين الفنان والموضوع، وهو مظهر من مظاهر تحكم الفنان بوساطته يستطيع أن يتعامل وجدانياً مع الموضوع، وثمة محور يقف عليه التشكيل والاستعارة على حدّ سواء ألا وهو الخيال تلك الملكة العظيمة, التي تؤدي دوراً أساسياً في تشكيل الصور وصياغتها، وعليه تقع مهمة التقاط عناصر الصور من الواقع المحسوس ليحولها بعد ذلك إلى عالمٍ شعري خاص بالشاعر تبرز أهميته من خلال استرجاع ما اختزنه الشاعر في مخيلتهِ وعقلهِ من الإحساسات والعواطف الإنسانية, وإعادة ترتيبها وتنسيقها, ليحيلها في ما بعد إلى ضياءٍ متوهجٍ، يعبّرُ عن المعنى المقصــــــــــــود الذي يكمن في مخيلته الإبداعية، وعالمه الداخلي لكــونه القــوة التركيبية السحرية التي تخلق توفيقاً وتوازناً بين الصفات المتضادة والمتعارضة([35])، وهذا ينسجم مع تعريف ريتشاردز للاستعارة بأنها: ((الوسيلة العظمى التي يجمع الذهن بواسطتها في الشعر أشياء مختلفة لم توجد بينها علاقة من قبل وذلك لأجل التأثير في المواقف والدوافع))([36])، وتظهر فاعلية الخيال خلال الدمج الذي يحققه بين طرفي الاستعارة (المستعار له)، و (المستعار منه)، فالعلاقة القائمة بين هذين الطرفين ليست بالعلاقة المنطقية بقدر ماهي علاقة من صنع الخيال الذي يحاول إحداث التأثير المناسب في المواقف عن طريق إذابة هذه العناصر وخلق الجديد([37])، وإن الخيال بهذا الفهم لدوره سيكون الوسط الشفاف الذي يتحرك خلاله طرفا الاستعارة التي يقول عنها ريتشاردز إنها: ((عبارة عن فكرتين لشيئين مختلفين يعملان معاً، خلال كلمة أو عبارة واحدة تدعم الفكرتين ويكون معناهاـ أي الاستعارة محصلة لتفاعلهما))([38]). ومن هنا فقد تبنت هذه الدراسة دراسة مصطلح التشكيل الاستعاري مهاداً للحديث عن الاستعارة في شعر أديب كمال الدين([39])، بغية التعرف على أفكاره ورؤاه، مستنيرة بآراء البلاغيين القدماء، فضلاً عن الرؤية المعاصرة التي رفدتنا بها كتب النقد الحديث، وقد يتبين أن الاستعارة والتشكيل ينبعان من بئر المحسوسات التي يعبّر بها الشاعر عن عواطفه وأحاسيسه موظفاً الوسط الشفاف عالم الخيال الذي يعبّر عن الواقع، أو المعطى الخارجي وتشكيله أو تصعيده جمالياً، ليتحقق بذلك هدف الفن العام والشعر بشكل خاص والساعي إلى خلق عوالم جديدة، تقف بديلاً عن الواقع الذي يحياه الشاعر أو الفنان، وبهذا فالاستعارة ((تستعمل موضوعات العواطف لتدلّ على موضوعات التفكير الخالص))([40]). فالكتابة الإبداعية ليست بالشكل وليست بالمضمون، بل هي مجموعة هائلة من العناصر الفكرية، والنفسية، والجمالية، والحضارية تفاعلت فيما بينها على نحو غاية في التركيب والتعقيد([41]).

 

ثالثا: الشعر الحروفي المفهوم والتطور :

      إنَّ التطور الذي حصل أوائل الستينيات من القرن العشرين كان لافتاً للنظر عبر تطور الشعر العربي ولا سيما ظاهرة التشكيل الحروفي التي لها جذر ضارب في أصول الثقافة العربية، وقد أغناها الباحثون بعد نزول القرآن الكريم بالدراسة، التي اعتمدها بعض الشعراء بتوظيف الحرف العربي بدلاً من المفردات والألفاظ والعناصر التقليدية من خلال قدرة الحرف العربي على التواصل والتفاعل مع غيره من المفردات التشكيلية التي يصوغها المشهد البَصَري بأسلوب وإحساس كاتبه، وإن عملية إجادة الكلام وتحسينه حتى يكون مقبولاً وبليغاً تبدأ من اختيار الحروف ودلالتها، وبهذا كان للحروف أهميتها وأثرها في بناء الألفاظ والجمل في النص الشعري، ومن أجل الوصول إلى الغرض والهدف المطلوب لابد من الوقوف على ماهية الحرف لغة واصطلاحا، فاتفق أصحاب اللغة أن المعنى اللغوي لـ (حرف) هو الطرف والجانب والحد والشفير([42])، وإن المعنى الاصطلاحي أول ما يتبادر إلى الذهن قبل المعنى اللغوي مما يشعر بانفصالهما في الدلالة .

   فالحرف في كل اللغات صورة للفونيم تشير إلى مدلول صوتي معين يستمد جوهره الإشاري من النقطة التي تتولد منها صناعة الحرف وإليها تؤول، وقبل أن يرتبط بالمدلول الصوتي يبقى ظاهرة تشكيلية، فالحروفية مصطلح أطلق على الأعمال التشكيلية التي وظف فيها الحرف بوصفه تشكيلاً فنياً انطلق من الحرف العربي في صياغات متعددة منذ صدر الإسلام وحتى الوقت الحاضر، فضلاً عن القيمة التشكيلية للحرف فيضفي للحرف الحضور الغيبي فيجعل منه فناً باطنياً مزدوجاً ظاهراً وباطناً، متحركاً وساكناً، مرئياً وغير مرئي في آن واحد([43])، فالحروفية التي ظهرت وأهتم بها الفنانون العرب نجدها قد تحولت إلى تيار له ثقلاه الكمي والنوعي في مختلف الحياة الثقافية المعاصرة، وهي على قدر كبير من التنوع والاختلاف وتباين السوية الفنية والتعبيرية من فنان لآخر، ومن بلد لآخر أيضاً، وتيار الحروفية لا يعيش معزولاً عن باقي الاتجاهات والمدارس الفنية بل يقوم بالتفاعل معها، مدفوعاً بهاجس التغريد خارج السرب، ولا سيما بعد حالة التشابه والتكرار والتداخل التي تعيشها هذه الاتجاهات والمدارس، وسطوة الفنون البصرية الغربية الطاغية عليها([44])، وتشير المصادر إلى وجود ثلاث نظريات لتأصيل فن الحروفية، النظرية الأولى: تقول بتطور الحروفية عن الجذور الفنية للأبجدية العربية الإسلامية وفنونها. والنظرية الثانية: تشير إلى تأثيرها على الفنون الغربية وعلى فنانين غربيين زاروا الشرق ونقلوا عنه فنونه، ثم أعادوا صياغتها على وفق تصورهم والإمكانات التقنية الحديثة، ثم دمجوها بتيار الحداثة الأوربية، والنظرية الثالثة: تشير إلى العلاقة الصوفية بين الحرف والعبادة([45])، فالحروفية ظاهرة إبداعية بطريق توظيف الحرف ضمن الفن المراد الوصول إليه، والحروفية ظاهرة قديمة حديثة في الوقت نفسه، فقدمها مرتبط ببداية استعمال الحرف العربي بوصفه مفردة تشكيلية، وحديثة لظهور التيار الذي بدأ في مطلع الستينيات على أيدي الحروفية المعاصرة كظاهرة متميزة تشكيلية من خلالها استلهم الحرف العربي نفوس الشعراء بقدرة فنية تميز بها الشعر العربي سعياً نحو خلق التجديد والإبتكار، فظاهرة الحروفية في الشعر من أبرز الفنون التشكيلية العربية بصورة عامة، والعراقية بصورة خاصة، وتجربة الشاعر العراقي أديب كمال الدين من أبرز التجارب التي استطاع من خلال التوظيف الحروفي خلق شعريته الخاصة والتعامل بقدرة عالية مع الحرف والنقطة فضلاً عن توظيف كامل عواطفه الجياشة في النص، فيشعر القارئ بإحساس الشاعر وتفاعله مع الحرف حتى أصبح الحرف عالمه الشعري الخاص([46])، فأعطى بتجربته التي وظّف فيها أفكاره وخياله قوالب فنية وصورا بارعة، بقصد الإقناع والمتعة، وإيصال المعنى للمتلقي  بأداء فني رفيع يترك أثره الواضح في نفسه، فيقوده هذا الأثر المتمثل بالانطباع الحسن والإعجاب المنبعث عن صوره الخلابة إلى إجالة الفكر، وتحريك الهمة من أجل فهم الخطاب المؤدى إليه وقد عرف الحرف بـأنه ((مفتاح باب الوجود، ومفتاح القلب.. مفتاح الجسد والعقل والروح.. الحرف مفتاح، والحرف عالم مغلق يحرِّض العاشق الرائي على فتحه.. الحروف مفاتيح بعضها لبعض، وعوالم تتداخل بعضها في بعض.. لكل حرف جسد، ولكل حرف روح. وفيهما ما فيهما من أغوار ومسالك وثراء وغموض جسد الإنسان وروحه. ولكأنّ الحرف صنو الإنسان ومرآته. ولكأنّ الإنسان يتكشف كما البحر في قطرة، وكما الكون في إنسان، في صورة حرف وروحه. وإذن كم من الأسرار والألغاز والأحجيات تختبئ في الحرف الواحد. ذلك أننا نتشكل وعياً ووجوداً بالحرف، بضوء الحرف وسحره))([47])، وتواصل النقاد في الغوص في أسرار الحرف عند الشاعر أديب كمال الدين فالحرف جسر هندسي لنقطة متحركة لما يتمتع به الحرف العربي من قدرات تشكيلة وتعبيرية مطواعة، فمنهم من رأى أن التعمق في بحار التجربة الحروفية عند الشاعر تضع القارئ أمام أمرين ((الأول: ما هو مستشفع بالمعاني الروحية للحرف، والثاني: ما هو غريب))([48])، حتى جعل من الحرف في نظمه شخصية حية ناطقة متحركة واعية ومدركة ما يقوله في قصيدته([49])، ونرى الأمر الأول أقرب للصواب في شعر أديب كمال الدين، ولعل مرد ذلك يعود إلى تصوفه لإيمانه المطلق بالقيمة الجمالية والصوفية للحرف العربي، لأن أصل الحروف هي حقائق بسيطة من الأعيان عند أهل التصوف وكأن الحروف التي تنتفي معانيها المُفردة إلى حد كبير تحت سطوة التجريد تتيح حالة من الإحساس الصوفي، ومحاولة الدخول إلى هذا العالم وسط الحروف المُتشابكة والمختلفة التكوين من حرف يميل إلى آخر يكاد ينكسر، وأخير ينحني في رموز وأنساق مشهورة عند الصوفية، فنجد الشاعر أديب كمال الدين يخرج الحرف من هيأته الرسمية التي منحتها له التواءاته الصورية النحتية؛ ليتحول إلى كينونة مغرقة بالرموز الصوفية المتنوعة المستويات، التي تمتد أطيافها في كل المستويات ابتداء من: الدلالي، مرورا بالترميزي، والتشكيلي، والتراثي، والأسطوري، والروحي، والخارقي، والسحري، والطلسمي، والقناعي، والإيقاعي، ولا تقف عند مستوى الطفولي، هذه العلاقة مع الحرف التي تحولت مرة إلى تجربة متجردة من المعنى في نظر البعض وأخرى إلى حلقة من حلقات الذكر الصوفي في نظر غيرهم([50])، فسكن الحرف نفس الشاعر أديب كمال الدين الدينية، فحمل الحرف العربي الطابع الديني برموز ومدلولات تصل إلى التقديس أحياناً([51])، وأن قوى الحروف ثلاثة أقسام: الأول وهو أقلها قوة تظهر بعد كتابتها، فتكون كتابته لعالم روحاني مخصوص بذلك الحرف المرسوم، فمتى خرج ذلك الحرف بقوة نفسانية كانت قوى الحروف مؤثرة، والثاني قوتها في الهيئة الفكرية وذلك ما يصدر عن تصريف الروحانيات لها، فهي قوة في الروحانيات العلويات، و قوة شكلية في عالم الجسمانيات، والثالث وهو يجمع الباطن، أعني القوة النفسانية على تكوينه، فتكون قبل النطق به صورة في النفس، بعد النطق به صورة في الحروف وقوة في النطق([52])، فالشعر مزيج بين عالم العقل (الوعي) وعالم اللاوعي المرتبط بالإنفعالات والأحاسيس وما يرافقها من ومضات إبداعية، يستطيع الشاعر أن يؤلف فيما بينها ليصوغ الشكل الذي يراه مناسبا وبما أن الحروفية تجربةً شعرية ولها بعدها الجمالي من خلال مزج التجريد بالحرف، فضلاً عن التحول إلى رمز عالي التشفير من خلال توظيف الحرف في الشعر تميز بها الشاعر أديب كمال الدين.

  فالحروف العربية تمتاز بأنها تكتب متصلة أكثر الأحيان، وهذا يعطي للحروف إمكانات تشكيلية كثيرة، من دون أن تخرج على الهيكل الأساس لها، ولذلك كانت عملية الوصل بين الحروف المتجاورة ذات قيمة مهمة في إعطاء الكتابة العربية جمالية من نوع خاص من حيث تراصف الحروف وتراكبها وتلاصقها، كما أن المدات بين الحروف التي يمكن التكيف بها في بعضها تأخذ دوراً في إعطاء الكتابة العربية تناسقاً ورشاقة عندما تكون هذه المدات متقنة وفي مواضعها الصحيحة. ويبقى أن الحرف العربي لم يكشف عن مكنوناته سواء الجمالية أو التعبيرية بعد، وسيظل مصدرا لاستلهامات العديد من الفنانين العرب، خاصة فى ظل غياب جهد تنظيري يواكب حركة إحيائه منذ أكثر من خمسين عاما.

إذ يُعَدّ الحرف العربي من أهمّ عناصر الفنّ التشكيلي، وقد كثرت محاولات توظيفه لمنح مزيد من الجمال والروعة للّوحة الفنية، ومع بداية العصر الحديث ظهر ما يسمّى بالاتّجاه الحروفي في التصوير والتشكيل في أعمال فنية كثيرة، فاستعملت الحروف العربية بوصفها تمثل العنصر التشكيلي المستحدث المميَّز، وأضحت مجالاً خصباً يستلهم منه الفنان إبداعاته وابتكاراته، ويضيف به لمسات فنية ، وجمالية راقية وجذّابة.


 

 

 

 

الفصل الأول

جَدَلية التشكيل الاستعاري وظواهره

في شعر الشاعر



 

المبحث الأول: توظيف ثنائية الواقع والوهم

       إن الإسهاب في الكلام عن مصطلحي (الرؤية، الرؤيا) والخيال بوصفها قد شغلت معظم النقاد والدارسين والباحثين من القدماء والمحدثين، إذ هناك تحديدات وفروقات وتداخلات بينهما، ولعل مصطلح (الرؤية) من المصطلحات الغامضة في النقد الحديث، وذلك نتيجة تراكيبه اللغوية التي تشير إلى ما هو حسي بخلاف دلالته الاصطلاحية التي ترتبط بالحسي والمجرد معاً زيادة على تعدد معانيه واختلافها بين مذاهب النقد الحديث، والخلط بينه وبين مصطلحات قريبة منه صوتيا ولغويا، إذ تجدر الإشارة هنا إلى مصطلح (الرؤيا)، إذ نجد بعض النقاد يستعملون المصطلحين معا في السياق نفسه من دون التمييز بينهما([53])؛ بوصفها تشكل موقفا جديدا من العالم والأشياء وهي بذلك عنصر أساس من العناصر المنتجة لدلالة القصيدة الجديدة إلى حد أصبح فيه الشعر عند شعراء الحداثة الشعرية ونقادها المنظرين رؤيا، أي أنها التقاط شعري وجداني للعالم يتجاوز الظاهر إلى الباطن، متجاوزاً حدود العقل والذاكرة والحس، كاشفاً عن علاقات جديدة تعيد القصيدة في ضوئها ترتيب الأشياء، وخلق عوالم جديدة تنصهر في تجربة الشاعر بوصفه مبدعاً وتجربة المتلقي بوصفه مشاركاً الشاعر في تجربته أيضاً([54]).

فالرؤية        اليقظة         العين         القلب

الرؤيا          المنام         الخيال       اللاوعي (الحلم)

   فتتضافر ممكنات اللغة والخيال والصورة ليؤطر الشاعر بها عملية الخلق الفني للقصيدة الشعرية أو نصه الشعري، التي أفاد الشاعر فيها من سهولة اللغة الشعرية بوصفها دلالات إيحائية ناجحة عن طريق ما سّماه (جان كوهين) بالانزياح([55])، فالألفاظ ((عندما تخرج عن نمطها العادي المألوف تدخل في مجال الانزياح، وهذا النوع من الانزياح يستند إلى الصورة البيانية بأشكالها المختلفة موضحاً علاقتها بالمرجعي، وبالرجوع إلى تمفصلات الصورة البيانية نجد أن خيال الشاعر يستثمر الانزياح التصويري في سياقات متنوعة))([56])، ليثري اللغة ويطورها، إذ بدون هذا الاستعمال ومحاولة توسيعه وتطويعه، تظل اللغة محصورة في إطارها المعرفي، وهذا إطار محدود جداً قياساً إلى الطاقة الهائلة التي يمكن أن يمدها هذا الاستعمال الذي يستحيل أن تضع له معجماً ثابتاً([57])، لذا فاللغة التي ((يُصاغ بها النص هي التي تضفي عليه مضموناً شعرياً معيناً، إذ ان اللغة تكون في هذه المواضيع حبلى بانفعالات مؤثرة تخلق تخييلاً خاصا، إذا ما فقدت هذه الفاعلية، فإنها تفقد وظيفتها الشعورية))([58])، ويتحقق بفعل الانزياح في النص تجاوز الحدود المباشرة والنمطية بالقراءة إلى ترويض اللغة وانثيال طاقتها الإيحائية المتمثلة عبر قدرة الشاعر في بناء أفكاره ببناء شعري متوازن عماده اللغة الواقعة القابلة للخلق والتشكيل والإبداع والإسهام في خلق عوالم متكاملة في صياغة الألفاظ والمعاني والصور الفنية بما ينسجم مع معانيها و دلالاتها النفسية والتجارب الشعورية الكامنة في خيال المبدع التي تعد الأساس الفكري والعاطفي للنتاج الفني([59])، وبهذا تنضج الصورة التي سماها البلاغيون قديماً تشبيهاً واستعارة([60])، ويصفها جاك دريدا (بالشمس)، في معرض كلامه على الاستعارة إذ يقول: (( دورة الشمس تكون دائماً بمثابة خط مسيرة الاستعارة))([61])، وهذا كله يدور في فلك التأكيد على(( دور العين في استجلاء الصور سواء أكان عن طريق الرؤية أم الرؤيا من خلال عمليتي الظهور والخفاء أو الحضور والغياب))([62]).

      ويرى كوهين بالخرق والانزياح ((عاملاً على تكثيف التعبير في النص وهي عنده نوعان: مجاوزة خاصة بالاستبدال، وذلك عندما تقوم كلمة أخرى مشابهة لها، ومجاوزة خاصة بالتركيب السياقي، والاستعارة غاية الصورة، فالانزياح التركيبي لم يحصل إلا لأجل إثارة الانزياح الاستبدالي، إلا أن الاستعارة الشعرية ليست مجرد تغيير في المعنى، انها تغيير في طبيعة أو نمط المعنى، انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الإنفعالي، ولهذا لم تكن كل استعارة كيفما كانت شعرية فإذا كان المدلول الثاني جزءاً من المدلول الأول، فإن تغير المعنى يبقى منحصراً في مستوى دلالة المطابقة، لقد تم استبدال المعنى لا اللغة))([63])، فالنص الاستعاري المنزاح يغدو تجاوزاً من اللغة الدلالية إلى الإيحائية، وهذا أمر منوطٌ بالصورة الشعرية الفاعلة التي ترضخ لمثل هذا التشكيل الجديد، ويتم في أثناء العبور عن طريق الالتفات خلق كلمة تفقد معناها على مستوى لغوي أول لتكسبه على مستوى آخر، ولذا يؤدي دلالة مغايرة لأداء مستواها الأول وبهذا يجاري ما قال به جان كوهين([64])، وهناك جانبان محوريان يتآلفان في تركيب الاستعارة وهما الأفق النفسي وحيوية التجربة، والجانب الثاني يتصل بالحركة اللغوية الدلالية وتفاعل السياق التركيبي فتتجلى العلاقات الدلالية التجريدية التي تربط بين المعاني في ذهن المتكلم بصورة تركيبية اعتمادا على العلاقات النحوية التي يوفّرها نظام اللغة، ويتميز الأدباء بقدرة عالية على اكتشاف العلاقات بين الأشياء، أو ابتكار هذه العلاقات إن لم تكن توجد، ومن تلك العلاقات علاقة المشابهة التي تعد الأساس الذي تقوم عليه الاستعارة و ((علاقة المشابهة وهي في الأصل علاقة منطقية بحتة وأساسية في التفكير البشري، تقوم على استقراء أوجه الشبه بين معنيين، وهي موجودة أصلا خارج اللغة، وتنبع أساسًا من عملية عقلية هي عملية تداعي المعاني ، أي تواردها على العقل واحدًا بعد الآخر لوجود علاقة بينها...، فعلاقة المشابهة هنا علاقة منطقية موضوعية بحتة لا دخل للتخييل الأدبي ولا للوجدان فيها، إلا أن الأديب يعدل عن الأصل في توظيف تلك العلاقة، وينحو منحًى آخر معتمدًا على عملية التخيل))([65])، فيحاول إظهار مواطن الشبه بين شيئين عن طريق الاستعارة، أو يعتمد على خياله في ابتكار تلك العلاقة وافتراضها بين هذين الشيئين ليتمكن من إجراء الاستعارة وتكوينها.

 وقد ألح عّبد القاهر الجرجاني على أهمية العلاقات النحوية في التركيب الاستعاري وعلى فاعلية هذه العلاقات في تثمير التركيب الاستعاري وإبراز نشاطها الجمالي والأدبي، فالاستعارة عنده ((ليست مجرد مجاز في اللغة من أجل نقل المعنى أو من أجل المبالغة فيه. إنما تأخذ الاستعارة شكلاً حياً بحيث نجد هناك ارتباطاً وثيقاً بين نشاطها الأدبي من ناحية، وتركيبها النحوي من ناحية أخرى))([66]). ففي الاستعارة ((تتداخل الأشياء/ الدوال تختلط وتتفاعل في ظل غياب فعلي حقيقي للأداة، على نحو يمنحها وجوداً جديداً، معنى جديداً إدراكاً جديداً ومختلفاً لما قد يكون معروفاً أو مألوفاً، لا يرتد إلى المفهوم الوضعي الأصلي، ولا ينفصل عنه في الآن نفسه، إذ هو نتاج تفاعلهما داخل سياق، وليس محصلة الجمع بين شيئين/دالين في وجه شبه أو مدلول يغيب على مستوى الصياغة))([67])، فعند استعمال الاستعارة تكون هناك ((فكرتان لشيئين مختلفين، تعملان معاً، وتسندان إلى كلمة واحدة أو عبارة واحدة يكون معناها حاصل تفاعل هاتين الفكرتين))([68])، ومن هنا تتضح أهمية التشكيل الاستعاري المتصل اتصالاً وثيقاً باللغة وفي الوقت ذاته يمنح القصيدة دلالات زمكانية منمازة بوصفها عملاً فنياً([69])، ((ليست تشكيلاً خاصاً لمجموعة من ألفاظ اللغة وهو تشكيل _ خاص _ لأن كل عبارة لغوية، سواء كانت شعرية أم غير شعرية تعد تشكيلاً لمجموعة من الألفاظ، لكن خصوصية التشكيل هي التي تجعل للتعبير الشعري طابعه المميز))([70])، وهكذا يتضح أثر عنصر التشكيل وإسهامه إسهاماً فعّالاً ومؤثراً في ((بقاء رؤيا القصيدة، وفي تحقيق المعادلة الصعبة بين الوضوح والرمز، والبساطة والعمق، الفكرة والصورة، المباشرة والإيحاء لذا فضعف التشكيل في القصيدة يؤدي إلى تشويش الصورة الشعرية وخفوت تأثيرها في المتلقي))([71])، فضلاً عما يضيفه من ((توازن قائم على الصور والإيحاءات، والذي يعد سمة مهمة في التشكيل تتآزر مع البناء لتعطي القصيدة حياتها المتحققة))([72])، ونجد نصوص الشاعر أديب كمال الدين وتشكيلاتها الاستعارية المتكونة بفعل الذائقة الشعرية المستندة إلى رؤى للواقع والحياة، إذ وجدت تجربته الشعرية معادلها الموضوعي في سلسلة لغوية تشير في ذهن المتلقي صوراً([73])، والصورة ((تجسيد للمعنى حيناً وتجسيم له حيناً أخرى وتشخيص له تارة ثالثة، ولأنه على هذا النحو كثيراً فقد بدت الصورة أوضح عنصر أو يكون من خلال أسلوب الأديب أو الفنان، ولا سيما في الأداء الشعري لأن الشعر يذهب في التصوير مذاهب يصور فيها عن روح وثقافة شعرية))([74])، والتشكيل في الفنون التشكيلية بصورة عامة ((حسي في حين أنه في الفنون التعبيرية وراء الحسي يتجاوز الحدود الظاهرية بشيء من الطمس والتعمية في ظل حالة ذهنية توصل الصورة بالدلالات الرمزية))([75]). إن للشعر مسافة واقعية أو متخيلة أو رمزية، إذ تنهض هيأته من إبداع الشاعر وتشققها لنفسه، فينشرها في رغبة البياض المتعدد بوصفه صورةً فنية مسافتها الرؤى الفاعلة في الانزياح، خصوصاً وأن الانزياح ينماز بتهديم المسافة المباشرة ليخلق وجوداً لذاته داخلاً في كينونة القصيدة([76])، وعبره يرتقي الشاعر بفنه وصوره إلى الخيال للإتيان بصور ومعانٍ مختلفة تنماز بوصفها غير مطابقة للواقع نفسه([77]). فالشاعر يتناول ((العناصر بالتفكيك وإعادة التركيب تصبح مغلاً بالاستعارة جديدة، وإن هذهِ  الجدة المتخيلة هي مصدر ما في الاستعارة من روعة))([78])، كما أن روعة هذهِ الجدة في الاستعارة نابعة من التعبير عن الأحاسيس ((فالأساليب المختلفة لا تعتور المعنى إلا وكان وراء اختلافها معنى جديد أو أقل إلا وكان وراء اختلافها هيئة جديدة للإحساس والمشاعر))([79])، إذ تمكن الشاعر أن يبث مشاعره وأحاسيسه بتوظيف استعارات تماز بجدتها وإيحاءاتها فيمررها عبر غطاء التعبير الجمالي والنشاط اللغوي والكلمات إذ ترتشف لهب الرؤية لتشي بمعانٍ واستعارات التي تمثل انزياحاً عن معيارها هو قانون اللغة وكل صورة منها تخرق قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها([80])، كما تتفاعل في النص الشعري تلك الاستعارة أو الانزياح حتى ينكشف عن الرجفة الغائبة التي تتكدس حركيتها في روح المعاني العاكسة لاحتمالات الدلالة القصوى ضمن خروقات اللغة الإبداعية التي صيّرها المبدع مفعولاً ضمن حساسية البواطن الفاعلة في مجالها([81])، واستطاع الشاعر أديب كمال الدين أن يضع ((ركائز بناء نصه الشعري، وبث روح التعبير في مفاصلهِ كي ينشئ رؤية شعرية دالة على موضوعاته واهتمامه الفكري والوجداني معاً ليؤسس لوحاته))([82])، منطلقاً من توظيف نصهِ بوساطة انزياح النسيج الشعري، فالخيال يرسم لوحاته الأدبية ولم يتحقق لولا أسلوب الانزياح الذي لُمِحَ في أغلب قصائدهِ خروجاً عن الألفاظ المألوفة، ليخرج بنصوصهِ مشحونة بقيم دلالية وإيحاءات وترميزات ذات قيمة جمالية تغني نصهَ بجمال أسلوبي([83])، ولاسيما أن الاستعارة لا تقف عند حدود الكشف عن انفعال الشاعر بل تعدّت إلى تسليط الضوء على خصوصيات وتقانات وتفرد ما في نفس مبدعها لتجلي عن ((قيمتها في الحقيقة أنها وسيلة اكتشاف العالم الداخلي للشاعر بكل ما فيه من خصوصية وتفرد وتميز، لا تستطيع اللغة العادية التجريدية أن تعبر عنه أو توصله إلى القارئ))([84])، ونجد أن خطاب أديب كمال الدين يحمل انزياحاً في نسيج نصهِ الشعري الذي تخللت نصوصه فعقدت الصلة بين دور الاستعارة في منطقها الانحرافي العام ودور الانزياح كما أراده كوهن، وهذا ما جعل نصّ الشاعر ثرياً ومكنه من تنوع وتعدد في معاني نصوصه وصوره الشعرية ومتجسدة في نمطي الاستعارة التصريحية والمكنية في أثناء:

1-                  توظيف الرؤيا في التشكيل الاستعاري.

2-                  توظيف الرؤية في التشكيل الاستعاري.

 

أولاً: توظيف الرؤيا في التشكيل الاستعاري:

 يُعَدُّ مفهوم الرّؤيا من الموضوعات الأساسية في الشعر التي عنِيَ النقد المعاصر بها، غير أنّ مفهوم الرؤيا ظلت تشوبه غمامة من اللبس والغموض على الرغم من ظهور هذا المصطلح وتداوله سابقاً([85])، فظلت محاولة عددٍ من النقاد والباحثين في تحديد مفهوم واضح لهذا المصطلح بوساطة تجلياته في الشعر المعاصر، وخلعت عليه أشكالاً متعددة الأبعاد والدلالات، منها ما يقترب من بعضها حدّ الالتحام، ومنها ما يبتعد حدّ الانفصام، ومنهم من رأى أن دلالة الكلمة تقوم على ثلاثة أبعاد: لغوية، ودينية، وصوفية([86])؛ لتجعل من الرّؤيا الشعرية أداة أو منهجاً أو معادلاً للمكوّن المضموني للأدب أحياناً، أو قرينة يُعرّف الشعر الحديث بها أحياناً أخرى، ومن خلالها اكتسب الشعر الحديث أبعاداً تفيض عن الدلالة الحقيقة، فإننا إذا ((أضفنا إلى كلمة رؤيا بعداً فكرياً إنسانياً بالإضافة إلى فكرها الروحي يمكننا حينذاك أن نعرف الشعر الحديث بأنه رؤيا))([87])، خاصة أنها تجاوزت الذاتية إلى الرؤيا القومية عند بعض الشعراء, وإلى الرؤيا الكونية عند بعضهم الآخر حتى وصلت الرؤيا في العمل الأدبي ((بمستوى أكثر غنى وكثافة وإيحاء، بعد أن تغدو جزءاً من العمل الأدبي، يستمد منه دلالته الجديدة))([88])، فالرؤيا من أهم مقومات الشعر العربي المعاصر، وهذا الأمر دعا النقاد إلى ضرورة تقديم مفهوم للرؤيا يسهل للباحث دراستها على وفق الآراء النقدية التي تقتضي دراستها في النقد العربي الحديث حتى ((تجاوزت مفهومها السائد الدال على مفهومها البصري والآخر الدال على الحلم، فالرؤيا هي لا يقينية تبدأ بالعقل وتمتد بالحواس والإشراق والإفاضة، والرؤية تقرير وتحليل، الثانية ابتكار وريادة، الأولى عقلية مقيدة، الثانية درسية انطلاقية))([89])، فالرؤيا والرؤية تستمدان ملامحهما ((من جماع التجربة الإنسانية التي يعيشها الشاعر في عالمنا المعاصر بتكوينه الثقافي والسيكولوجي والاجتماعي وخبراته الجمالية في الخلق والتذوق ومعدل تجاوبه أو رفضه للمجتمع وطبيعة العلاقة بينه وبين أسرار هذا الكون))([90]).

 ويبقى القول إن الرؤيا في دلالاتها اللغوية، والاصطلاحية، والصوفية اكتسبت أبعاداً ميتافيزيقية، فهي بصيرة تخترق عالم الحجب والأستار وتستبقي من الحلم ثراء دلاليا يوحدها مع الغيب، فهي بجذورها تضرب بعيداً عن الرؤية البصرية، وهي بمدلولاتها أضاءت جوانب كثيرة ولا سيما الجانب النقدي فهي حلم يرفض التجانس مع العقل، تكشف عما هو خفي وراء الواقع، وبهذا يظهر لنا المعنى المشترك للرؤيا بين الدين والمتصوفة من جهة وبين الشعر من جهة أخرى؛ لأن القصيدة تعد في الرؤيا فكرة غيبية والشاعر بقصيدته يسعى وينهد إلى الغيب([91])، ومن هذا المنطلق للرؤيا نجد قول الشاعر في نصّ (غرفة) كالآتي([92]):

غرفة كنتُ أودعتُها صورتي

عندما يحتويها المساءُ الوحيدْ

والليالي التي ترتدي الفقرَ ثوباً،

ترتدي الروحَ أسطورةً من حروفْ.

  إذ وظّف الشاعر بنية التشكيل الاستعاري المكنية على هيأة صورتين متلاحقتين الأولى عندما شخص الشاعر الليالي (المستعار له) الذي سكن الغرفة الحزينة واحتواها لوحده دونما أنيس أو جليس يزيل عنه تلك الوحشة، وجاء اختيار الشاعر لتلك اللفظة (المساء) إمعانا في وصف ما اعتراه من ألم ومعاناة، فالظلمة مع الوحدة تشكل بؤرة دلالية لدوال محسوسة على العمق الشعوري للنفس في أزمتها التي بلغت الذروة، وهنا شخّص الشاعر الليالي (المستعار له) أو الشبه إذا استعار لها ثياب الفقر كأنها نساء محرومات فقيرات، فهي ليالي بؤس وشقاء كما مزج الشاعر تلك الصورة بصورة حروفية عندما رسم بأسلوب التخيل المبدع أن روح الشاعر كانت قد ارتدت أيضاً ثياباً من أسطورة مكتوبة بالحروف، فامتزاج الصورتين وليد رؤيا حلمية جاء معبراً عن وصف التجربة الشعورية للشاعر، والحالة النفسية التي انتابته.

  وفي الصورة الثانية نراه يتصور المعنى وقد اعتقل حبيساً في نفسه فلا يستطيع التحرر من قيوده، وهي صورة استعارية لذلك الفكر المقيّد الذي يستطيع أن يصرّح برأيه، ولا يمكن لأحد أن يطلقه قط، فهي صورة ذهنية تعبر عن تجربة شعورية انفعالية أحس بها الشاعر وسطرها بشاعريته قائلاً في (محاولة في الجنون)([93]):

المعنى معتقل في نفسه

ولا أحد يستطيع أن يفتديه

   فالتشكيل الاستعاري أثر في النص بالتعبير عن عاطفة الشاعر المنفعلة الحزينة من جراء الواقع الذي يعيشه وما يكتنفه من مصادرة حريات وقمع لحقوق، وهذا كله صادر عن معاناة جعلت الصورة الاستعارية نابعة من وجدان الشاعر ووليدة رؤيا داخلية خاصة وتأكيد لعمق المأساة والآلام المتخلفين في وجدانه([94])، فتصور الشاعر (المعنى / الفكر) الذات مقيدة تتفاعل مع الحراك والمعاناة الداخلية لتكسب الصورة الاستعارية ديمومة هذا الاعتقال من خلال الرؤيا الحلمية.

  ويطالعنا تشكيل استعاري تصريحي في (ديوان الرقصات) يقول بها الشاعر([95]):

الرقصة الثانية

* انظرِ الآن ماذا يكون؟

- العصافيرُ ذكرى تجول

كلّما أضحكَ الوردُ أعشابَه بالدخانْ.

العصافيرُ ذكرى تجولُ القطاراتِ والأنهر النائمة،

المنافي التي أشعلتْ لونَ أثوابِها.

والعصافيرُ مُذ غادرتْ نخلَها المُنتظر

عانقتها السنين التي أشعلتْ جمرةً بين أجفانها.

* أشعلتْها إذن!

- ها هي الريحُ من نومها أقبلتْ تعصفُ

والعصافير قدّامها تركضُ.

ها هي الريحُ من نومها أقبلتْ تركضُ

والعصافير قدّامها تعصفُ.

... دورةً ثُمَّ أخرى،

... خطوةً ثُمَّ أخرى،

... نظرةً مِن وجومْ.

       إنَّ التشكيل الاستعاري التصريحي الاسمي وهو ما يُسمى عند البلاغيين بـ "الاستعارة الأصلية"([96])، أراد الشاعر به الإفصاحَ عن الصراع القائم الدائم بين تحقيق الآمال (المستعار له ) وما يحول بينهما من أزمات نفسية.

  صورة                     غادرت

المستعار      العصافير     تجول        الآمال        صورة المستعار له

  منه         الريح         تعصف         عقبات الزمن

        مطلع أو استهلال النص يهيئ المتلقي للنظر (البصر) فبدأ نصه بصيغة أمر (أنظر) وفعل (التجول) ثم يختم الشاعر (نظرة من وجوم)، ثم ليستفهم بعدها عما سُينظر إليه (العصافير) المستعار منه مواشجاً بين عناصر (الريح، والعصافير، والورد) الذي تحركهُ الرؤيا الحلمية ولاسيما لحظة (تجول العصافير) واشتعال (لون الثياب) و(جمرة بين الأجفان) جسّدها الشاعر للآمال التي يطمح إليها، مانحاً الصورة أملاً آخر علهُ يجدهُ في أثناء تجواله وسفره من مكان لآخر فدال (القطارات، والأنهر، والمنافي) و(تجوال، وغادرت) دوال كلها على بحث الشاعر الدائم عن الآمل المفقود، وهذا ما يعزز أثر الخيال البصري في انبثاق هذهِ الصورة اللاشعورية العميقة التي تتصل بالوجود التي يعمد إليها الشاعر ليظهر مكنوناته([97])، كما أن هذهِ الصورة الاستعارية تشهد تباعداً في أجزائها فلم تتوالد من التشابه وإنما من التقريب بين حقيقتين متباعدتين، وهذا اعتماد على التشبيه التخييلي لا التحقيقي بعد حذف صورة المشبه وإبقاء صورة المشبه به بإدعاء الاتحاد بينهما فكان أن تجسدت لنا صورة استعارية تجري على النمط التصريحي([98]).

       ودال (الريح) كما هو متعارف عليه يتخذ أحياناً ((شكل السلطة التي لا يغفر لانحناءاتها ما ترتكبه من تمزيق، وكونها كذلك لا يعني بالضرورة أن كل عاصفة تستطيع أن تسيطر وتقود وتقبض على الروح الشامخة والمتعالية والمدركة لأبعاد المرحلة كما هي مدركة ما وراء تلك الأبعاد))([99])، أي تدرك العصف المنبعث من الريح.

      ويطالعنا الشاعر أديب كمال الدين في تشكيل استعاري آخر بصور استعارية على نمط مكني يشخّص الشاعر الغرفة فيضفي عليها صفات محسوسة كما المرأة التي تفرش ثوبها للأغاني على سبيل التخييل التي ترنمت بإيقاع هادئ بعد ضوضاء صاخبة امتزجت بها أصوات البائعين، عبَّر عنها الشاعر بصراخ النهار الطويل فكان أنْ شخّص النهار إذ أضفى عليه صفات حسية فاستعار له الصراخ في الإنسان بشاعرية عالية تعكس مشاعر وخلجات أحسَّ بها الشاعر في نصه قائلاً: ([100])

 

غرفةٌ فرشتْ ثوبَها

للأغاني التي تبتدي بعد أنْ ينتهي البائعونْ

من صراخِ النهارِ الطويلْ.

وفي نص شعري آخر من (دجلة) يطالعنا تشكيل استعاري مكني قائلاً فيه([101]):

دمعي أحاط بي

فرفعتُ عيني إليك

يا دجلة السحر الأسود والعري الأسود

كان جرحي أكبر من عنوانكِ السريّ

وأعظم من غرقى فراتكِ الطفل

وبدأتُ أتمتم عند قدميكِ العاريتين

نجمةً تهبطُ تهبطُ تهبط

حتّى تضيع في أقصى سماواتكِ الوحشية.

      جاء النصّ الشعري على وفق التشكيل المكني الذي يشير إلى قدرة المخيلة الشاعرة وتمكنها، إذ جعل المستعار له (الدمع)، والمستعار منه (القدر، المؤلم ، المعذب)، فدلت الصورة الاستعارية على تجسيد حجم المعاناة التي تعانيها الذات وتعيشها وتطارده وتحاصره في كل مكان بدليل البؤر الدلالية الدالة على ذلك (الفرات، ودجلة)، وهذا مكان أرضي، (السماء) _ مكان علوي. كما (كان جرحي أكبر) (وأعظم) (فأكبر وأعظم) الدالة على (أفعل التفضيل) ليبرز بهذه العبارات عمق عذابه من قدرهِ الذي أحاط به، فخطابه يتأتى لبث الشكوى وتصوير معاناة الذات من الزمن (القدر)، وهذه الصور تدور حول ذلك الفلك وعبر مدلول لوني يرمز (للخوف، والحزن، والتشاؤم، والخيبة، ...) بيد أنها لا يمكن أن تكون صورة معادة ومنبثقة من ذاكرته قبل أن تكون نابعة من حقيقة التجربة والرؤية الخاصة لحقيقة واقعية شعورية تصويرية، كما أن الإظهار اللوني جاء نتيجة صراع بصري احتدم بالحركية التي كان من أهم نتائجها الانزياح، (فدجلة) زمن المنظور البصري تتمظهر على السطح يكون لونه (سمائي)، لكنها على وفق منظور بصري صراعي من شأنه توليد انزياح يكون أسود([102]).

  ويطالعنا تشكيل استعاري آخر في نص (إشارة الموت) قائلاً فيه أديب كمال الدين([103]):

فأغمغمُ محموماً من كأسٍ..

تتحدّثُ عن أزهارٍ تطلعُ صابرةً من بين القضبانْ

ويعربدُ في قلبي الجوع.

حشّد الشاعر صوراً متلاحمة من الاستعارة المكنية (التشخيصية) عندما استعار صفة حسية من المرأة قوله(تتحدث)، ولحق ذلك قوله(أزهار تطلع) مشخصاً تلك الأزهار فهي متطلعة إلى أمل التحرر من قيود الحياة وسلبياتها. كما شخّص الجوع على وفق نمطية من التخيل، فهو يعربد في قلبه الضعيف الهزيل الذي استكان لما حلَّ به.

المستعار له     (الكأس)، المستعار منه     (المرأة)، (تتحدث) دليل المستعار منه المحذوف(المرأة).

وفي نص شعري آخر من (امرأة) يقول أديب كمال الدين([104]):

البحرُ قد يبكي وقد تبكي النجوم

لكنّما لا شيء يبقى للتذكّرِ أو يدوم.

في موتيَ المقتولِ أبحثُ عنكِ يا امرأةً

تفرُّ من الغزاة

ومن الأفاعي والجنونْ.

وأظلُّ أبحثُ أو أغنّي جائعاً عُريانَ

ما بين المفازات البعيدة

وأظلُّ أقتلُ ساعةً في إثْرِها أُخرى تخونْ.

       يصف الشاعر حالة من الضياع والفقدان للمرأة التي عاشت متربعة في تصوراته حتى أنه يشخّص البحر (المستعار منه) فيضفي عليه صفة البكاء عليها، وكذا النجوم، فهو يشارك مظاهر الطبيعة والكون في إحساسه والشعور بتجربته المأساوية، ثمَّ إنه يصوّر على نحو البصيرة الشعرية التي تستمد ملامحها من المبالغة الفنية كيف يُقتل موته وهو يبحث عنها بلهفة وحرقه وهو لا يعلم لها طريقاً فتتكشف لديه آليتا الزمان والمكان في وحدة اللامعقول وهو يبحث ويبحث ولا ينقطع عن ذلك البحث.

      ويطالعنا تشكيل استعاري لصورتين متقابلتين، الأولى صورة تصريحية فالشاعر يستشعر روعة الجمال ويحس به بطريق شعره المتكون من حروف وكلمات ونقط تفصح عن آلامه وآمالهِ، راسماً إياه عبر صورتين متقابلتين، الأولى صورة تصريحية (إلى الجمال) الذي يمثل (المستعار منه) ليرمز به إلى (الشعر) وهو المستعار له، تقابلها صورة ثانية (اللغة) على سبيل الاستعارة المكنية إذ استعار لها صفات حسية متعلقة بالإنسان هي (اليد ، والشفاه ، والروح ).

     عميقاً تنزلق (الذات، الشاعر) روحه الكلية في (روح اللغة، والشعر)، لينفصل من (الشعر) عن الأرض فيؤدي إلى (الخط، والكلمات، والمعنى)، ليحقق في أثنائها هذا الانفصال اتصالاً مع الزهد فينزلق و تتماهى ذاته وروحه مع روح (اللغة، الشعر) حد الهذيان (اللاوعي)، الذي ينفصل فيها من كل انتماء إلى الجهات إلا إلى (جمال الشعر، واللغة) ليدخل فيما وراءها، إذ أن روح الشعر (القصيدة ورمزية الحروف). فيتضح اتحاد شبه كامل تمركز حول الحرف ونضج من (اللغة) ذاتها طالعنا عبر تشكيل استعاري مكني دال على مزيتي التخييل والإيحاء في رسم هذهِ الصورة الشعرية في (لا فائدة) قائلاً([105]):

حين ولِدَ الحرف (هل لولادته فائدة؟)

نزلَ ليسبح في بحرِ اللغة

حتّى كاد يغرق في بحرها المتلاطم العجيب.

قيلَ له: ابحثْ عن نقطتكَ يا هذا!

قال: هل من فائدة؟

قيلَ له: لا معنى لك دونما نقطةٍ فانتبهْ!

     ففي هذا التشكيل الاستعاري ينضج (جسم الحرف، وجسم اللغة) وينعكس من مركزهِ، الحرف يمثل ذات الشاعر، والنقطة التي تمثل لدى الشاعر مركز الكون كونه يستمد شعريته ووجود وثبات كينونته من خلال البحث والإمساك بالنقطة، لاسيما حين نقرأ نزوله (في بحر اللغة) فالنزول في اللغة والبحث (عن النقطة) والشاعر والإنسان بعامة كصلصال دائم البحث عن كيفية الخروج من حدود هذا الصلصال الوحدة التي تعيشها (الذات، الشاعر) إلى رمزية الحرف وجمالية اللغة هو بحث ذهني خيالي، ليطالعنا نص شعري آخر يبث طوراً للإشراق([106]).

 

ثانياً: توظيف الرؤية في التشكيل الاستعاري

      إنّ (الرؤية الشعرية) تتضمن الرؤية القلبية العقلية في أثناء طرح الشاعر لتصوراته ومواقفه بإزاء واقعه ومجتمعه، وإزاء كينونته ووجوده، فـ (الرؤية) تجمع بين وجودين واقعي ومتخيل في تشكيل فني منسجم للتعبير عن تجربة معيشة محاولاً فيها إعادة إنتاجها في نصه الشعري، فالتفريق بينهما (الرؤية والرؤيا) عن طريق موهبة شعرية خاصة داخلة فيها الثقافة والفلسفة والتراث العربي الإسلامي والإنساني في نسيج الخطاب الشعري، صانعين لهذا الخطاب حصانة من الانقراض؛ لأنهم لم يكتبوا ضمن شروط اللحظة الراهنة التي يرونها ويعرفونها، بل رأوها في إيقاعها التاريخي([107]).

     فإننا نلحظ أن(الرؤية الشعرية) ليست مبدأ معينا بقدر ما هي ظاهرة شمولية تشمل كل الأعمال الإبداعية سواء أكانت شعرية أم غير شعرية، فإن)الرؤية الشعرية) تضم بين أحضانها حتى ما يسمى بــ(الرؤيا) التي تنقلنا إلى المتخيّل والماورائي، وبهذا فالرؤية الشعرية تنفتح على الذات والعالم من خلال الوسائل الحلمية والحدسية و عمق التأمل ثم الامتزاج بالكون والتوحد بأشيائه([108])، ولا شيء يجعلنا ندرك قيمة الناحية الإبداعية والفنية وأهميتها سوى الرؤية التي تخلد العمل  وتجعله إنسانيا ومتلاحما بكل تفاصيله، عكس بعض الأعمال تكون سطحية جزئية بعيدة كل البعد عن أن تكون جوهرية عميقة، مجرد صور هشة لمظهر))بعمق جوهر الذات الإنسانية، ذلك أن مثل هذه الأعمال الأدبية هي من مظاهر الحياة المختلفة تكشف عنها القصيدة الشعرية في رتابة، ومن خلال رؤية سطحية عقيمة ... إن هذه الأعمال تدخل في" الإنتاجية "العامة، تستهلك في وقتها وفي حدود العصر الذي تنشأ فيها))([109])، أعطت الرؤية الشعرية المجال الواسع في المجال النقدي لتصل إلى تحديد الفوارق الجوهرية بين المبدعين فكان الهدف المبتغى الوصول إلى التعبير النقدي السليم فضلاً عن الذوق الفني والجمالي في توظيف الصور والمعاني والأفكار والإيقاع، فالشاعر المبدع هو من يعبر عن رؤياه الشعرية بقدرة فذه وخيال واسع ، ذلك أن الأديب المبدع الحق ((ينفرد .. بطاقة رؤيوية تنفذ إلى جوهر الحقائق الأساسية في الوجود وبقدرة على التعبير تتخطى اللغة التقريرية إلى لغة مجازية إيحائية، وعندما تتعمق رؤيا الأديب وتتضح يبلغ تعبيره أبعادا رمزية وأسطورية تعيد خلق اللغة والوجود))([110])،  قد رأى بعض الباحثين أن نجاح الأعمال الإبداعية  يتمثل في هذه الرؤى المستوحية من الجانب الشكلي للأثر الأدبي، وهذا ما يثير قضية الشكل والمضمون بدليل أن الرؤية الشعرية هي أفكار يستوحيها الشاعر من مخيلته يعبر عنها بالألفاظ اللغوية والأساليب البلاغية التي من خلالها يمكن التميز بين الشعراء ومعرفة المبدع من غيره، فيمكن القول إن الرؤية الشعرية كتلة متلاحمة الأجزاء ومتناسقة وهناك ربط عميق بين الشكل والمضمون فلا يمكن الفصل بينهما مهما بلغت درجة البلاغة والجمال إلاّ لآجل الدراسة والبحث؛ لأن أهم هواجس الشعر ((خلق صورة ذهنية يخالطها فعالية تخيلية لدى المشاهد _المتلقي_ تتوجه لخلق صورة أيقونية حسية ماثلة أمام عيني المتفرج _ والمتلقي _ والمطلوب منه أنْ يماهي هذه الصورة مع مرجعيته العاطفية والفكرية والجمالية، أي ينفعل بالصورة على وفق هذه المستويات، إن هذه الإنفعالية لا يمكن أن يتمثلها المتلقي مالم تنبع من تجربة مُعاشة ... تجربة فعلية أو محتملة))([111])؛ لذلك يرى الشاعر الألماني (ريلكه) أن الأشعار ليست ((كما يتصور الناس ببساطة مشاعر ... إنها تجارب، ولكتابة بيت واحد على المرء أن يرى مدناً عديدة وأناسا وأشياء))([112])، وفي أثناء دراستنا لمجاميع الشاعر أديب كمال الدين نرصد نماذج من التشكيلين الاستعاريين (التصريحي والمكني)، نحو ما جاء في (إشارة المدن)([113]):

مُدُنٌ: مأوى لرغيفٍ مُحْتضرٍ

ورغيفٍ مغموسٍ بالشهدْ،

مأوى للكوخِ المهدومِ، القصرِ الملآنْ

بالمرمرِ والغلمانْ،

مأوى لشوارع قد سُقِيتْ بالرغبةْ،

لسيوفٍ تخفي جسدَ امرأةٍ من دُرٍّ مُلتهبٍ..

تترجلُّ من هودجها الأسْوَد.

مُدُنٌ: مأوى للسرّاقِ، الشرطةْ

للشحّاذين، الخيلِ، البقّالينْ

مأوى لنساءٍ شَبِقاتٍ،

أطفالٍ ضاعوا، أرصفةٍ لا تحوي إلّا غُرباء.

يرسم الشاعر بالرمزية الحروفية صورتين متناقضتين متقابلتين، الأولى صورة تشخيصية للفقير الذي رمز إليه بالرغيف واستعار له صفة حسية تتعلق بالإنسان هي (مُحْتضر) على سبيل الاستعارة المكنية، تقابلها صورة ثانية للغني على نمط الاستعارة التصريحية الذي استعار له صورة الرغيف المغموس بالشهد كما في المخطط التوضيحي:      

                 تنوع الاستعارة يؤدي إلى تنوع الصور

          الاستعارة المكنية                            الاستعارة التصريحية

             المستعار له                                   المستعار منه

الصورة الأولى     الرغيف المحتضر       الصورة الأولى    رغيف مغموس بالشهد

صورة مولدة   مأوى للكوخ المهدوم    صورة مولدة   القصر الملآن بالمرمر والغلمان

الصورة المقصودة       الفقير المعدوم        الصورة المقصودة       الغني المترف

      فهاتان صورتان مشاهدتان من قبل الشاعر على مستوى المدن التي رآها جميعاً، فانعكس ذلك في شعره بوضوح، وهو انعكاس لحالة اجتماعية متناقضة تعيشها المدن كل زمان ومكان ويوغل الشاعر في بسط الصور لتلك المدن التي مثّلت المأوى أو الملاذ الآمن لشخوص عدة كالسراق، والشرطة، والنساء، والشحاذين، والأطفال، والغرباء.

      ونلمح في تشكيل استعاري آخر ذات اختزال تعبيري ولاسيما حين يصف (الحاكم، الجلّاد) المستبد و(الإنسان (الذات)، المقموعة) فضلاً عن وصفه لتلك الأغلال الصدئة وواقعه الذي أضحى (مزحة سوداء) فيقول في (صيحات النقطة)([114]):

استبدلتُ جلّادي بجّلاد آخر

كان الأول طويلاً وكذاباً

وكان الثاني قصيراً مليئاً بالسمّ.

استبدلتُ أغلالي بأغلالٍ أخر

الأولى كانت صدئة

والثانية مليئة بالمجهول.

واستبدلتُ مدينتي بمدينة أخرى

الأولى كانت بلا هواء أو نساء

والثانية كانت بلا ماء أو شمس.

***

لم يعد الشعرُ قادراً

على مجاراة ما  يجري

فالواقع تحوّل إلى مزحةٍ سوداء

يرددها كلّ دقيقة عقربا الساعة

دون أن ينظرا إلى الخلف

أو  إلى الجمهور .

      حشّدَ الشاعر صوراً متقابلة وحاصلة لدلالات سلبية لصورة (الحاكم الظالم) الذي استعار له صورة (بالجلّاد) الطويل الكذاب من خلال رؤيا حلمية. ثم تقابلها صورة تشخيصية (للإنسان المقموع) الذي يرمز له بـ (عقربي الساعة) واستعار لها صفات حسية متعلقة بالإنسان هي (النظر والنطق) وكذلك صورة تشخيصية لذات الشاعر الذي رمز إليه بالشعر واستعار له صفه حسية متعلقة بقدرة الشاعر الكتابة على سبيل الاستعارة المكنية.

      فهاتان صورتان مشاهدتان من قبل الشاعر على مستوى واقعهِ المعيش فانعكس هذا في نصهِ الشعري بوضوح، فضلاً عن إضفاء الصفات السلبية التي أطرت هذهِ الصورة بحيث يصل إلى متلقيه باللاوعي فيتأمل المشهد ويتفاعل معه، فحاول بيان القمعية التي مورست ضده والتي مورست على أبناء شعبه في كل مكان وزمان فأوغل الشاعر في بيان هذهِ السلبيات لذلك الحاكم الذي بدا قمعه واضحاً حتى على كتابتهِ، فحاول استشعار الطاقة الفنية لينزاح بها عن المألوف ويعيد تشكيلها ضمن رؤية متحركة عمادها تشخيص (الشعر، والوقت)([115]).

    (الشعر، والمدن، والواقع) وإضفاء صفة لونية سوداء على المزحة في تناقض مستمد من لدن الشاعر، فأضفى صفة على غير الموصوف لمباغتة أفق المتلقي وبعثه على التخييل توسلاً إلى معرفة القصد.          

المزحة              سوداء

الضحك (الفرح)        الحزن والتشاؤم

       وهي بؤر دلالية توحي بالقسر والإجبار المفروض على ذات الشاعر من قبل الحاكم، فضلاً عن أن (الشعر لم يعد قادراً) إيحاء و دليل على إلغاء السلطة للسان أي إلغاء الحرية الثقافية والفكرية التي فرضت عليه، قدم تعبيراً على رمزية الإيحاء؛ لأن الشعر إشارة ورمز إلى الذات الشاعرة المحكومة في دائرة السلطة.

ثم يقدم لنا تشكيلاً استعارياً آخر في (حياة) قائلاً([116]):

يا لها طفلتي

كلّ يومٍ لها نزوةٌ غامضةْ،

كلّ يومٍ لها ما تشاءْ!

      صوّر الشاعر الحياة بشخص الطفلة الغرّة التي تتقلب في نزواتها وهكذا الحياة تتقلب أيامها بين خير وشرٍّ وسعادة وشقاء، فكان أنَّ صرّح باللفظ الدال على المستعار منه الطفلة وحذف ما يدل على المستعار له وهو الحياة عامداً إلى تحريك ذهن المتلقي ومداعبة مخيلته بشيء من الإحساس بحب الحياة على ما فُطرت عليه من تقلبات، فهو يناديها بدلال وغنج (يا لها طفلتي) التي يلتمس لها العذر متى أخطأت أو أساءت إليه على نحو من الإيحاء والشعور بحتمية التواصل مهما يكن من أمر.

      وفي تشكيل شعري آخر ينزاح الشاعر أديب كمال الدين المولع بالحرف واللعبة الحروفية إلى استدعاء علامية حرف النون للبحث عن المرأة العاشقة وعن الزمن وبدايات (الذات، الحرف) التي عدّها لحظة خروج من عتمة المطلق و وحشة البياض إلى تخصيص العلامة وتأسيس البياض اللاوجود أو (العدم) بـ (العلامة)([117])، قائلاً في (محاولة في الحرف)([118]):

سقطت النون

وتحوّلتْ إلى عاشقٍ أبله

وامرأةٍ أذلّها الدهر

فسلبَ منها طيورها الأربعة

وشبابيكها الأربعة

وتاءَ لذتها التي ألقت القبض عليّ

     قدّم الشاعر تشكيلاً استعارياً تصريحياً عن المرأة العاشقة التي أذلّها العشق والبعد القسري عن المحبوب والفراق، وهذا السلب والتحول والسقوط جعلها تفقد (طيورها الأربعة) و(شبابيكها الأربعة) و(التاء) عبر لوحة تعبيرية مرتكزة على إيحائية الشاعر وعن موقف انفعالي لتجربة انزاحت عن ترعتها العقلية المفروضة من قبل القرينة البلاغية في الصورة المعبر عنها بالألفاظ (عاشق، وامرأة، وأذلها الدهر)، فنقل التركيب من الحسية والتجسيد إلى الغربة وسلب منها (طيورها الأربعة، شبابيكها، تاء لذتها) فضلاً عن خصوصيتها الأسلوبية التي انمازت في قدرته على التكييف مع سياق الجملة وأسلوب ربطهِ لعناصر الصورة الاستعارية مع الوعي الباطن والتجربة الشعورية التي رافقت شيئاً من التخييل، وفقاً لما يبتغيه الشاعر من محمولات دلالية.

      في نص شعري آخر من قصيدة (شارع الحشاشين) يقول الشاعر([119]):

أيّهذا النبيّ الكذّاب!

فارتبكتُ

وارتجفتُ

وجفَّ حلقي

وغامتْ عيناي

ولم أعدْ أبصرُ شيئاً .

    نلمح في الصور الاستعارية استعارة مكنية مكونة من (الاسمي والفعلي) كما في المخطط الآتي:    تشكيل الاستعارة المكني        

          النبي الكذاب          الحشاش          أصلية ( اسمية )

صورة المستعار له                                     صورة المستعار منه

        غامت عيناي           حالة اللاوعي         تبعية ( فعلية )

نلحظ اختزالاً تعبيرياً ولاسيما وهو يصف الحشاش الذي يرى أشياء غير واقعية ليس لها وجود إلّا في خياله، فضلاً عن تقويته للاستعارة المكنية وبيان دلالتها إذ رشح بما يلائم المستعار منه بمشهد تصويري مرئي لمتلقيه (ارتبكت، ارتجف، جفّ حلقي، اللاوعي، عدم الإبصار) لتلتحق وتتعانق مع حالة اللاوعي وحالة فقدانه لوعيه دلالياً وصورياً.

        ويطالعنا الشاعر أديب كمال الدين في نص شعري آخر يتضح فيه التشكيل الاستعاري التصريحي المتمثل في (تعانق الصور) المستعار منه، أما المستعار له فهو العشق الذي ألمَّ بذات الشاعر في قصيدة (إلى أين؟) قائلاً فيها([120]):

الشراعُ وسط السفينة

السفينةُ وسط البحر

البحرُ وسط قلبي

قلبي الذي يغرقُ شيئاً فشيئاً

في حلمه الهادئ العنيف.

***

السفينةُ وسط البحر

السفينةُ تمضي بجسدينا

أنا وأنت

أنتِ عارية كالرغبة

وأنا الرغبة نفسها، عريها، نارها الخالدة

أقبّلكِ من أقصى الصباح إلى أقصى المساء

أقبّلكِ من أقصى الشفتين إلى أقصى القدمين

أقبّلكِ من أقصى الدمِ إلى أقصى البحر

والبحرُ يمضي بنا عاريين

إلى أين؟

أصرخُ: يا إلهي، إلى أين؟

أفصح الشاعر في نصهِ الشعري هذا عن تشكيل استعاري تصريحي يتمثل في تعانق الصور

( الشراع        السفينة            البحر)        وتمثل صور المستعار منه

  (البحر          قلبي           حلمي )  

       من أجل الإفصاح عن مشاعر وأحاسيس إنسانية تتمثل في (العشق) المستعار له وعبر مفردات أضحت هي المكون لتركيب أو فكرة العشق الذي ألمَّ به، إذ تتجلى شعرية هذهِ المفردات (عارية، والرغبة، والتقبيل) و(السفينة، والبحر، والمضي) من إنضوائها في سياق صوري يمكننا عدّه من أرفع أشكال التخييل، خصوصاً وأنَّ الشاعر ضمَّ مفرداته بموجب الإحساس والإنفعال([121])، فيتجاوز الشعور إلى مرتكز لا شعوري (ميتاسايكولوجي) يغمره حدس مثاقف لأبعاد الحلم (في حلمه الهادئ العنيف) وأثره البادي والواضح على (القصيدة) بحيث تماس الإبحار والمضي ليتواصل في إبحاره إلى الرقي أو الارتقاء بالمعنى، ومن ثم التماس بين (العاشق ومعشوقته) فيقول (السفينة تمضي بجسدينا أنا وأنت، أنت عارية كالرغبة وأنا الرغبة نفسها) والتقبيل فيقول (أقبّلك من أقصى الصباح إلى أقصى المساء ...)، ففعل التماس والتقبيل متأتٍ من حالة الرغبة بوصفها أثراً متحولاً في الجملة الشعرية والرغبة هي العري والعري هو النار الخالدة. ثم تمضي السفينة بجسديهما العاريين فيختفي الغياب إلى حضوره الواضح من المستقر إلى اللامستقر:

الشراع         السفينة       البحر         ظاهر ( فضاء)

قلبي         يغرق شيئاً فشيئاً         باطن        مستقر

السفينة      تمضي      إلى أين      اللامستقر      (فضاء)(أصرخ يا إلهي إلى أين؟).

       الغياب الذي يتمثل في (الحلم، القلب) والحضور يتمثل في (البحر، السفينة) وهذا اللقاء الذي رسمته الصورة بين (الشراع، السفينة، البحر) (القلب، العاشق، المعشوقة) لكنها انتقلت إلى لقاء آخر بين الواقع والحلم حتى ارتفعت الدلالات والتقاء كامل جسدته المفردات على فضاء الصفحة الشعرية (الرغبة، العري، التقبيل). فضلاً عن أنَّ الفعل المضارع بدأ واضحاً في المقطع الثاني (أقبّلك، ويمضي، وأصرخ) في حين غلبت الجملة الاسمية على الفعلية في المقطع الأول([122]).

     ونرى أن الشاعر عبَّر عن الرؤيا والرؤية بخيال فذ وقدرة عالية إذ أدى الشاعر في تشكيله الاستعاري عبر موضوع الرؤيا والرؤية إلى تشييد الأنموذج الشعري والموقف الفكري والإيديولوجي من الظواهر الذاتية والموضوعية بصورة حسية ورمزية وإيقاعية تلائم التجربة التي عاشها الشاعر سواء أكانت واقعية عبر الرؤية أو خيالية حلمية بواسطة الرؤيا، استمد معانيها من واقع الحياة بما فيها من عبر وتصورات حول مصير الإنسان وحياته.


 

المبحث الثاني

فاعلية التشخيص والتجسيم في إثراء التركيب الاستعاري

       إنَّ الصورة الاستعارية تنبع بحسب التجربة الشعورية ومعاناة الشاعر التي تكشف عن المعنى الإنساني والحقيقة الفنية معا، ولم يقتصر ظهورها على موضوعات معينة بل اتخذها أداة تعبيرية فنية في أغلب ما طرقه من موضوعات، فصورها تصويرا يلائم نفسيته مع الحرص على أن تكون أكثر وقعا في النفوس، وتكتسب الاستعارة أهميتها في الخطاب الشعري بوصفها نقطة الارتكاز المهمة التي يستند إليها أسلوب التصوير البياني لما لها من إسهام فاعل وتأثير كبير في منح الصورة الشعرية عمقاً في المعنى وبُعداً فنياً يثير الخيال، إذ يوسع من آفاقه الرحبة إذا ما استطاع الشاعر المبدع أن يختار الألفاظ الموحية، ويوظّفها في غير ما وضعت له من معانٍ، لوجود قرينة تمنع إيراد المعنى الأصلي([123])، لذا سنركز على أهم نوعين للاستعارة هما:

1- الاستعارة التصريحية

      وتعرف بأن ((يشترك شيئان في وصف وأحدهما أنقص من الآخر، فتعطى الناقص اسم الزائد مبالغة في تحقيق ذلك الوصف له ))([124])، أو هي ((ما صرح  فيها بلفظ المشبه به دون المشبه )) ([125])، وهناك من رأى أن التشبيه هو الشكل الذي تطور وارتقى حتى تحول  إلى الاستعارة التصريحية، فهي إذن تعد الشكل المتطور الذي انتقل إليه التشبيه([126])، لأنها ((مبنية على أساس حلول حسي محل حسي آخر )) ([127]).

2- الاستعارة المكنية

      وهي التي لا يُذكر فيها لفظ المشبه به، بل يحذف ويُرمز بلازم من لوازمهِ([128])، وبلفظ آخر هي ((ما حذف فيها المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه)) ([129])، وقد مال الشعراء إلى هذا اللون من الاستعارة بكثرة ملحوظة مضاهاة بالنوع الأول (التصريحية) لا لشيء إلا بأنّها ((غنية بالخيال والمبالغة فالخيال فيها أظهر والمبالغة أوضح وهذا من جمال أسلوب الاستعارة ))([130]).

     ويبقى القول إن الاستعارتين (التصريحية والمكنية) هما الميدان الفسيح الذي انماز فيه نص الشاعر بوصفهما ((من أهم أساليب الكلام وعليها المعول في التوسع والتصرف وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر)) ([131]).

      وإنَّ الاستعارة تستمد جمالها وحيويتها من مقدرة الشاعر الفنية في إكساب المعاني والأشياء دلالات جديدة، والبعد بها عن حدودها الجامدة، ولا شك أنَّ الاستعارة تضفي على الصورة جوًّا من الحيوية والحركة، إضافة إلى إكساب في المعاني ثراءً وخصوبةً، ولعل أكثر الصور الفنية التي يلجأ إليها الشعراء وسيلة من وسائل تقريب المعنى هما (التشخيص والتجسيم) ويسعى هذا النوع من الاستعارة إلى تحقيق أحد الغرضين: أول هذين الغرضين هو تجسيد الأمور المعنوية وإبرازها للحس في كيانٍ مادي ملموس، وثاني الغرضين هو تشخيص الجمادات وبث الحياة فيها ومنحها الحركة بشتى مظاهرها([132]).

       فالتجسيد يعني (( تقديم المعنى في جسد شيئي أو نقل المعنى من نطاق المفاهيم إلى المادية الحسية)) ([133])، وفيه يتم إلحاق المعنويات بالحسيات، إذ يتم تحويل المعنويات المجردة إلى حسيات تنسجم مع الحواس؛ لأن الألفاظ تغدو حينئذٍ ذات طاقات تصويرية إضافية تفوق تلك التي تنوء بها الحواس وحدها ابتداءً، إذ تتحول إلى حوامل جسمانية ثنائية المحمولات لا بين حاسة وحاسة، بل بين الداخل والخارج بين ما يشترك فيه الشاعر مع الآخرين أو بين ما يستقل بالشعورية وحده مما لا يدركه أحد سواه فكون هذا الزواج الثنائي عن طريق التجسيد هو تفريغ لذلك وإشراك للآخرين واطلاعهم على ما استأثرت به أحاسيس الشاعر الدفينة ؛ فهو نوع من التصوير ينقل الداخلي على أنه روح أو معنى متجسد من موضوع، وينقل الخارجي على أنه موضوع مستقل الوعي([134])، فهو من وسائل تقريب الصورة وتزيينها للإبانة عن المتخيلات الشعرية، والاهتداء إلى ما فيها من حسن وجمال([135]).

      ونجد أن النقاد قد اختلفوا بشأن تسميته، فالدكتور شوقي ضيف([136])، والدكتور عبد الإله الصائغ([137]) أطلقا عليه اسم (التجسيد)، وقد رأى أحد الباحثين([138])، ضرورة إهمال هذا المصطلح لما وجده من تباين في دلالته عند النقاد، وهناك من الباحثين من لم يفرق بين مصطلحي التجسيد والتجسيم([139])، ومنهم من يرى الفرق بينهما؛ لأن الجسم لكل المحسوسات والجسد خاص بالإنسان فهو بهذا يرى التجسيد تشخيصا، أما الدكتور عبد القادر الرباعي فقد ذهب إلى أن التجسيد تقديم المعنى في جسدٍ مادي حسي أمّا التجسيم فهو الارتقاء بالمعنى المجرد إلى مرتبة الإنسان فهو يدخله ضمن التشخيص([140]).

      فالتشخيص من أهم الوسائل الفنية وأحد أهم المرتكزات التي يعتمد عليها  الشاعر؛ لإيصال معانيه وأفكاره بصور فنية تشعُر وتحسّ، وتسمع وتتكلم، فيبث الحياة فيما لا حياة فيه، ويحتاج التشخيص إلى ملكه شعرية خاصة قادرة على النهوض به ومستعدة لخلق الأشكال للمعاني المجردة وإيداع الرموز للأشكال المجردة والمحسوسة لتصويرها كما تقع في الحسن والشعور والخيال؛ لأنه ضرب من الخيال([141])، وبطريقها يستجمع الشاعر قدراته الخاصة على تجميع ملامح اللون مع دقائق الشكل والمعنى والحركة، ويتطلب أسلوب التشخيص من الشاعر خيالاً خصباً، ونضجاً يستلزم منه القدرة على الإلمام بمحتويات الصورة، وعرضها في شكل فني متكامل يكشف ما بينها من علاقات، فحين يتلبس الشاعر بتجربته ويعايشها معايشة صادقة، فإنه يذوب في حَناياها حتى لا تكون ثَمة فوارق بين الأثر موضوع التجربة والمتأثر الشاعر، وهنا تصبح الطبيعة في نظر الشاعر ذاتًا إنسانيةً تسمع وتتحدث وتشعر وتنفعل وتتجاوب، ويستخدم الشاعر في تعبيره عن هذا الامتزاج الوجداني لغةً استعاريةً لا تعترف بالحدود بين الأشياء، وتخاطب الكائناتِ على أنها أشخاص تتجاوب معها وتلتحم، وهذه الظاهرة اللغوية الفنية يطلق عليها (التشخيص)، وهو أن يخلع الشاعر الملامح الإنسانية وصفاتها وفعالها الخاصة بها على المعنويات أو الحسيات الأخرى([142])، فالتشخيص هو ((إلقاء رداء من الذات على الوجود، ومنحه القدرة على التحسس والشعور، فالوجود جزء من كيان الشاعر، وامتداد من خياله، فتُمنح الكائنات وعياً إنسانياً يتحسس ويشعر، فيتحوّل الوجود من صورة واقعية جامدة دقيقة الأصباغ إلى قطعة من حياة ناطقة الملامح))([143])، فهو من الوسائل التي تمكن الشاعر من تصوير المعنويات والمحسوسات في صورة كائنات حية عاقلة على أساس تشخيص المعاني المجردة ومظاهر الطبيعة الجامدة في صورة كائنات حية تحس وتتحرك وتنبض بالحياة وإضفاء الصفات والخواص الإنسانية على الأشياء والمفاهيم التجريدية([144])، ومن هنا ارتأيت تقسيم المبحث على :

1-     التركيب الاستعاري المستند إلى مفردات الذات

2-    التركيب الاستعاري المستند إلى مفردات الزمن

3-    التركيب الاستعاري المستند إلى مفردات الموت

أولا: التركيب الاستعاري المستند إلى مفردات الذات

      تنتحب الذات في شعر الشاعر حينما تثيره الأشواق وتؤججه الذكريات، ويعرف هذا النوع من الشعر بالأدب الابتداعي، والذي يعنى بذات الشاعر ويعبر عن وجدانه وعواطفه؛ لأن الابتداعيين لا يتحدثون إلا عن أنفسهم وشعرهم مدارة العاطفة الجياشة والذهن المشتعل وطابعه الذاتية والتأمل والصوفية الحالمة ومصاحبة الآلام والأحزان والتجارب الحزينة فضلاً عن التعلق والاندماج مع الطبيعة([145])، ومن خلال التشكيلات الاستعارية النسقية لألفاظ (الحب، ومرض، ووباء، وجنون، وضياع، وزلزال، وجريمة، وخطأ)، نراها مختلفة بيد أنها تبيّن مظاهر متعددة في تصور واحد، فكل واحدة من هذه الاستعارات تعطينا منظوراً واحداً لتصور الحب، وإذا ما أردنا فهم تجربة هذا الانزياح الاستعاري المكني (للحب) فأننا عادة ما نستعين بتصورات نفهمها بوضوح أكثر، وتكون أكثر التصاقاً بتجاربنا، فنحن نعمد إلى الإستعانة بتصور الحب (( نواة مبنية بشكل أدنى بوساطة التفريغ المقولي: الحب، عاطفة، وبوساطة الارتباط بالعواطف الأخرى، نحو الميل نحو أحدهم، وهذه الأشياء الأنموذجية في التصورات العاطفية التي ليست مرسومة بوضوح في تجاربنا المباشرة، وبهذا يتم فهمها بدءاً بشكل مباشر، أي عبر الاستعارة))([146])، فيما لو توقفنا عند حد هذه اللفظة (الحب) نلحظها تشير إلى معانٍ لتجارب حتى تفهم بها الناس التصورات المعتادة من خلال هذه الاستعارات النسقية مثلاً نجدها تشير إلى:   الحب بحسب رؤية الشاعر

     

العاطفة        الحنان           الولع              التفاني          الرغبة

     إلا أنه لا يشار مطلقاً إلى الكيفية التي نفهم بها (الحب) من خلال استعارات (حب، ومرض، وجنون، وجريمة، وزلزال)، فلم نجد ما يحيلنا إلى المعنى الذي أعطانا الحق بالقول إن هذه التعابير عبارة عن طرائق اعتيادية في الحديث عن تجربة الحب في ثقافتنا، من خلال التلميحات الواردة إلى هذه الاستعارات العامة في المعاني الثانوية للكلمات نحو (حب، وجنون، ومرض، وجريمة) بوصفها معنى ثانوياً لكلمة ذات دلالات متنوعة:

مجنون = مفرط في الحب أو مفتون

مرض  = مفرط في التعب والحزن لهذهِ العلاقة

زلزال   = في هدّ هذا الإنسان وانهياره

       إلاّ أن هذه الإشارات ترد بوصفها جزءاً من حدود هذه الكلمات، وليس بوصفها جزءاً من كلمة حب([147])، وتنبع هذه من صميم ثقافتنا، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياتنا اليومية مما يجعلنا نقول بأن بنية (الجنون، المرض) تكتسب مظاهر من بنية استعارة الحب، كون إدراكاتنا وسلوكياتنا تتوافق وتتطابق في جزء منها لأنشطة، سلوكيات وإدراكات تصبح استعارة الحب جنوناً .

     فيتم تصور الحب بوصفه شيئاً لا يتم التحكم فيه، في حالة الحب جنون وما عدا ذلك كان الحب مرضاً فيتم نقل عدم تحكمنا في صحتنا وسلبيتنا في هذا التحكم إلى الحب.

     وهذهِ كلها تعد مظاهر سلبية للحب موجودة في هذه الاستعارات (مرض، وجنون، وجريمة، وموت، وزلزال)، ((فإنها تسلط الضوء على مظهر آخر يشبه المس بالجنون وهذا المظهر نجده في ربط ثقافتنا بين العبقرية الفنية والجنون))([148])، وفي هذا الصدد قال الشاعر أديب كمال الدين في (نون)([149]):

قلبي،

يا جنوني المُتّزن

...

أعتذرُ إليك

ثانيةً وثالثةً ورابعةً وخامسةً وسادسةً وسابعة

حتّى تكتمل بي سمفونية الاعتذار

ويكفّ الاعتذارُ نفْسه عن الاعتذار!

     وفي نص آخر من (نون)([150]):

حُبّكِ جرّاح

سيقتطعُ جزءاً من قلبي

وحين يعجز سيضعُ لي

شيئاً من السمِّ أشربه فأموت.

...

حُبّكِ وباءٌ أصابَ خلايا جسدي كلّها

فتساقطتْ كجبلٍ منهار.

      إنَّ التجربة العاطفية التي سكنت أعماق الشاعر نابعة من عاطفة مرتبطة بالقيم النبيلة، قد تتحول إلى حكمة إنسانية ومشاعر صادقة فهناك علاقة تصل بين الحب ((بوصفه تجربة إنسانية عزيزة وبين الحب بوصفهِ تجربة دينية، وليس أدل على الصلة الوثيقة التي تربط التجربة الدينية بالحب من ذلك النزوع المشترك الذي يجمع بين الصوفي والعاشق نحو الاتحاد بالمعشوق))([151]).

     والانصهار بين الحب والتصوف على الصعيد اللغوي بدأ يظهر واضحاً من خلال استعارة العشاق للمعجم اللفظي الديني في التعبير عن حبهم، حتى مال بهم الحال لأن يبيح العشاق لأنفسهم إطلاق ألفاظ العبادة على تجربة الحب   عبد        الحبيب

                عابد       المحبوب

وكان الشاعر أديب كمال الدين واحداً من هؤلاء المتصوفة. ومن جانب آخر فإنَّ الصوفية استعاروا لغة الحب الإنساني للتعبير عن مفاهيم العرفانية ذات الطبيعة الدينية الخاصة نحو ما يلحق بالمحب من ( سقم، وذبول، وسهاد)([152]).

      إنَّ فكرة، العشق الإلهي والوجد من الأفكار الأساسية عند متصوفة الإسلام والوجد هو شدة الحزن والحنين وتعلق النفس بشيء كانت أحبته فغاب عنها، أو فارقها أو فارقته، فثارت عواطفه في الجنان، وجاشت المشاعر في النفس، وبهذا يعد هو الحافز إلى الاكتمال، والمحرك الأقوى للمشاعر. وهذا لا يكون إلاّ في الذات المنتظمة نحو مثل أعلى صادق([153])، والشاعر أديب كمال الدين ربط بين التجربتين الصوفية والشعرية في إطار عشقي، فقد نحا الشاعر منحى آخر حينما اتخذ تجربة الحب المشوبة بطابع عرفاني معادلاً موضوعياً أو رمزاً لتجربة الأبداع الحروفي في كتابتهِ الشعرية. هذا التمازج والذوبان في دائرة التجربتين العشقية والإبداعية كان تجسيداً للتوحد والتماهي([154])، وربما (الحلول) بمعناه الصوفي بين كلٍّ من العاشق والمعشوق بين الإبداع الحروفي الرمزي وأديب كمال الدين.

   وفي نص شعري آخر نلحظ تشكيلاً استعارياً تصريحياً يصف فيه روحه بأنها صبورة على ريب الزمان وهو عاشق لما هو روحي ومقدس في (التباس نوني) قائلاً([155]):

هذه ليست النون،

هذه بداية مقدسة للنون.

هذا سطوع روحي

وحُبّ جارف كالشلال

كاحتواءِ الهلالِ لنقطةِ النون.

       انزاح الشاعر في تشكيله الاستعاري ليرمز إلى روحهِ وإلى بكائه ونوحهِ وقدرتهِ على الصبر، فاستعار أديب رمزية حرف النون (المستعار منه)، إذ يجد الشاعر بداية لكل حرف ويفرضها دونما تحديد لنهايته، تأسيساً منه لتصور من أن حروفية الذات الشاعر لا تنتهي ومشروعه وعذاباته لا تنتهي وتكتمل. إذ نرى أن بين البداية والنهاية المفتوحة تؤدي الحروف والنقاط أثرها الفاعل في رسم لوحة العالم الجمالي الذي يقصده الشاعر([156])، كما يعيد الشاعر أديب كمال الدين مشهد النون ((ممثلاً في الهلال والنقطة ورسم الحرف العربي بذائقة فنية فردية حادثة كي تلتقي في الأثناء القدامة والحداثة معاً استناداً إلى قداسة الأصل ودهشة اكتشاف الأبعاد السرية الكامنة في هذهِ القدامة ومدى الاقتدار على التجدد عبر الأزمنة والعصور والذوات الفردية والمتقلبة))([157]). فقد أفاد الشاعر من الرمزية الحروفية ليرسم عبرها صوراً متلاحقة من التشكيلين الاستعاريين التصريحي والمكني التي يوضح من خلالها ((ارتباط تجربته الحروفية بعذاباته، وبين التعبير والتشكيل بالكلمات والأشياء على اعتبار أن أي تجربة شعرية لا يمكن أن تكون مفصولة عن كيانه الاجتماعي والتاريخي والثقافي))([158]). وقد برهن على امتداده الوجداني للرؤية الشعرية والتحام الذات بالحرف فيقول في قصيدة (لِمَ أنتَ؟)([159]):

ولِمَ أنت،

دون غيرك،

مَن يُباحُ له بالسرِّ العظيم

يا شاعرَ الحروفِ المريرة؟

      أتت الصورة الأولى على سبيل الاستعارة التصريحية ووصف لحالة الضياع والفقدان(للمرأة / الأرض) المعشوقة التي تربعت في تصوراته ووعيه ولا وعيه فأصبحت قضية فاستعار لها صورة موحية كما يأتي:

                 الحرف            الرجل

المستعار منه        النقطة             المرأة           المستعار له

      ليلحقها بصورة استعارية تشخيصية (للرجل والمرأة) والذي رمز لها بـ (الحرف والنقطة) واستعار لهما صفات حسية متعلقة بالإنسان هي (الحب، والنوم، والأرق، والحرمان، والذكريات، ودموع، والحلم، والنطق) وهذا التنوع الاستعاري يؤدي إلى تنوع وتعدد الصور الاستعارية

المستعار منه         المستعار له             دليل المستعار له المحذوف

الحرف                  الرجل                        الحب، النوم، الملل

النقطة                    المرأة                         الحذف، التذكر

     ومن النصوص الأخرى التي عبر بها أديب كمال الدين عن علاقتهِ العشقية واستعار لها (الحب، والمرض) في قصيدته (اعتذار)([160]):

حين ذابَ ثلجُ شتاءِ القصيدة

فاضت الورقةُ البيضاء

بالحروفِ والنقاط.

...

كي أشفى من مرضِ حبّك

جربّتُ كلّ شيء

بدأتُ بالكيّ والنار

وأدمنتُ كأسَ الخمرةِ وشوارع التشرّدِ الخلفيّة

وعطفتُ على طلاسم السحر

وجنّه وجنونه ودخانه

ثمّ لبستُ خرقةَ الصوفيّة

حتّى انتهيتُ إلى الموت

إلى بوابةِ الموتِ الحديديّة.

...

جربّتُ كلَ شيء

كي أشفى من مرضِ حبّك

ولم أجرّبْ

مرّةً واحدة

أن أراك!

     تجلى الانزياح الاستعاري المكني بين (الحب، والمرض) في رسم مشهدي محاولاً فيه بيان حالة العشق التي أخذت بالفيضان على النص وعلى ذات الشاعر فالشاعر يوحد النص ويجعل لهُ مقومات الوجود والحياة، وعليه أن يكافحَ من أجل أنْ يشفى من مرض حبه لها، فهل للقصيدة شتاء، فالشتاء هو الذي دفع إلى منطقة الفيضان وهو مركز الفعل الشعري، فتنهض الفاعلية الشعرية على فكرة التشخيص في رسم المشهد حين يقول:

 

(فاضت الورقة البيضاء بالحروف والنقاط)

      جسد الصفحة الشعرية

      وجسد الذات الشاعر

      

بيد أن هذا الفيضان بالحب الذي شهده النص بدأ ينمو درامياً وبفعل لفظة (الشتاء) وهو ربيع([161])، والربيع صار له أثرٌ واضحٌ على (فضاء النص، الشاعر) (جسد الصفحة، والذات) فصار فيضاناً (بالحروف والنقاط)، فهذا العشق الإبداعي وبوصفه جزءاً من قلب الشاعر العارف، أصبح قاموس الشتاء بمائه ومطره

وربيعه بفيض الحب على جسد   الورقة البيضاء

  الذات الشاعر

      إنَّ هذا الرابط بين التجربة العشقية الإبداعية متمثلة عبر طرفيها الزمان والمكان (الشتاء/ الجسد والذات، والصفحة) في إطار حواري. والنقطة إذن هي ((الدم الذي سال نوراً من الله المطلق الديمومي الأزلي الجمال، وهي جوهر النور الذي اهتزت لهُ الظلمة وتزلزلت فخرج منها أول شكل في الخلق دالاً على جمال الذات الإلهية الشريفة المتمثلة بالرقم (1) رمز الأحدية وبالحرف الملك (ألف ) ... وصار الألف قلماً يُسطّر كلمات الله الأزلية ومن أبخرة دائرة النقطة والنون تكوّن الماء والهواء أو ما يسميه أهل الفيزياء بعنصر الخلق والتخلق))([162])، وربما إستلهم الشاعر فكرة (العلاج والشفاء) ليعبر عن حالة تعلّقه في تلك العملية الإبداعية فتغدو هي المرض وهي العلاج  فيقول (بأقراص النقاط ومستشفى الحروف).

       إنَّ بنية الخطاب اللغوي للمتن الشعري يجعلنا أمام مجموعة من النصوص لا تنقطع بحال عن روح الأنثى، إذ اكتسبت الأبنية اللغوية تأنيثها حينما اقترنت بمجموعة من العلامات اللغوية والنحوية التي منحت الخطاب هذهِ الفاعلية الأنثوية وتتمثل في فعل ضمير الخطاب (الكاف المكسورة) ذات الفاعلية الأنثوية المتجسدة التي يخاطبها الشاعر، والتي تمثل تكراراً عالياً نحو: (حبكِ جراح، حبكِ وباء، مرض حبكِ، في حبكِ، لعشقكِ، لمحبتكِ، إنكِ...) وكذلك الضمير المتصل في ياء المتكلم المقترنة بالفعل المضارع، فعدل به عن الغائب إلى المتكلم، ليدل على عدولهِ من التحول الدلالي من الغياب إلى الحضور والمواجهة (تقولي، وانحني، ويحاصرني، وخطيئتي).

       كما أن الأفعال الواردة الدالة على أن الحب (سيقتطع، يعجز، سيضع، جربت، بدأت، عطفت، أتعرف، أتعالج، دخلت، بدأ) كلها أفعال دالة على الاستمرارية في المعاناة من وجع هذا الحب.

       وترى الدكتورة أسماء غريب رؤية أخرى في إشكالية النساء في شعر أديب كمال الدين فقد قالت: ((المرأة في كتابات أديب كمال الدين تبقى قضية كبرى، ولا يقصد بها هنا المرأة الحرف أو النقطة، ولكن يقصد بها المرأة بمعناها "المادي" الخالي من كل رمزية عرفانية، أو صوفية، إذ إن (أديب كمال الدين) لا يكتب قصائده فقط لأهل العرفان وخرقة العشق))([163])، ولي رأي بذلك، نعم نصّ الشاعر وكتاباته لا تخلو من روح الأنثى، بدليل نصهِ الشعري في (نون)([164]):

أنتِ في عيني

وفي نور عيني.

في الأولى حبيبة

وفي الثانية نون.

فإذا جمعتهما وصلت القصيدةُ إلى الذروة.

*

مئات القصائد كتبتُها قبل أنْ تقولي: أحبّكَ.

ما الذي سأفعله، إذن،

لو نطقتِ بهذه الأسطورة

ذاتَ يوم؟

        ولكنه قصد بالمرأة ( الحروف والنقطة ) بدليل نصهِ الشعري في (نون)([165]):

وهكذا اتضحَ لكم كلّ شيء

فلا تسألوا، بعدها، في بلاهةٍ عظيمة

عن معنى النون!

*

لعنفوانكِ ينبغي أنْ أنحني،