أديب كمال الدين : عندما يتقنّع الشاعر بالحروف!

 

 د. عبد المطلب محمود

 

 
فيما كان الشعراء يتلبّسون أقنعة متنوعة، أما من نسج الأساطير وأسماء أبطالها، أو من نسج الموروث الديني أو التاريخي (الأدبي والسياسي...) أو الشعبي، بدءاً من الراحل الكبير بدر شاكر السيّاب الذي اتخذ من المسيح (ع) ومن (تموز) وسواهما من الرموز قناعاً لأكثر من قصيدة من طوال قصائده، ومروراً بمعظم شعراء الخمسينيات والستينيات ومن تلاهم، كان التقنّع بالحروف أشبه بالوسيلة الغائبة منذ استنطقها الصوفيّون الأوائل، من أمثال البسطامي والحلاّج والشبلي والنفّري وسواهم، حتى وجدت الحروف مَن يتقنّع بها ويتخذ منها وسيلة تعبير عن الحياة بشؤونها وشجونها المختلفة، ويهبها ما تجود به انفعالاته وأحاسيسه وأخيلته، فيتفرّد بها وتصير دالـّةً من دوال الشعر عليه، عليه ـ مع شاعر هنا أو آخر هناك ـ تحديداً.
 هذا الشاعر الحروفي، أعني أديب كمال الدين، الذي شاء منذ مجموعته الشعرية الأولى (تفاصيل /1976) أن يفعل هذا، ثم إذ عمّق تجربته الشعرية في ما تلا: (ديوان عربي/1981 وجيم/1989 ونون/1993وأخبار المعنى/1996 و..) حتى مجموعته الأخيرة (أربعون قصيدة عن الحرف/ 2009) التي نتوقف عند قصائدها هنا، لا يستوقف المتلقي على تخوم تجربته حسب وإنما يجول به في أعماقها ويدور به حيثما تدور أو تتوجّه أو تتقلـّب في أصقاع الدنيا الواسعة، حتى ليَجد نفسه شريكاً مقتنعاً متقنّعاً مع الشاعر بقناع الحروف هذا، الذي يتنقل به في عوالم خارجية عديدة وداخلية (جوّانية) تستحثّ أجواء الكشوف والأنوار والمواجع والمواجد ذات الفضاءات الرحبة العالقة ما بين السماوات والأرضين.
فابتداءً من القصيدة الأولى التي ينفتح عليها المتلقي في مجموعة (أربعون قصيدة عن الحرف)، والتي أقامت ـ منذ عنوانها ـ علاقة فاجعة مع نبي الله (نوح) ورحلته، إذ حملت عنوان (جاء نوح ومضى)، يقف المتلقي مع الشاعر وقناعه "صديقه الحرف" أمام لحظة فاصلة بين الحياة والموت، هي لحظة الكشف النورانية التي عرف الشاعر في خلالها أن حرفه سيموت الآن (لاحظوا الدلالة الزمانية) لأنه :
(لم تعد نقطتَكَ الأنقى من ندى الوردة/ تتحمّل كلَّ هذا العذابِ السحريّ/ والكمائن وسط الظلام/ والوحدة ذات السياط السبعة...) ولأن الحرف نفسه كما الشاعر نفسه أيضا ـ لأنهما مثل بعضهما البعض ـ لم يعودا يتحمّلان (وحشة هذه الرحلة) التي لم يُهيّئا لها (أيَّ شيء/ ولم يُخبرنا أحد/ عن مصائبها التي لا تنتهي)(ص7)، مثلما يُعلمنا الشاعر في المقطع الاستهلالي للقصيدة. فبماذا استدلّ الشاعر على حتمية موت حرفه ـ الآن تحديداً ـ وهو سرٌّ لا ينبغي لأحد أن يبلغ مشارفه حتى؟! إن الذي جعل الشاعر واثقاً الثقة كلها من هذه النهاية الأكيدة موصول بـ (نوح) الذي انتظر ـ الشاعر وحرفه ـ طويلاً سفينته (دال النجاة الظاهر) من دون أن يتمكنا من اللحاق به، لأنه (جاء ومضى).. هكذا بمنتهى البساطة! فلم تنفع بشيء إجراءات الشاعر وصاحبه بالتلويح للمنقذ بالأيدي والقمصان والملابس والدموع الحرّى واليُتم الأبدي والضياع الأزلي، وهي دوال تنطلق من العادي الظاهر (القمصان فالملابس) إلى المغيَّب في الأعماق (حرارة الدموع وأبدية اليتم وأزلية الضياع)، فضلا عن التلويح بما هو أكثر غياباً في العمق:
(لوّحنا له بطفولتِنا العارية/ وبشمسِنا الصغيرة التي تغيَّر طعمُها/ وأصبحتْ بحجم ليمونةٍ ذابلة./ لوّحنا له بكل شيءٍ يُرى/ وبكل شيءٍ لا يُرى.) لكن الرجل لم ينتبه إليهما فقد: (كان طيِّباً ومُسالِماً/ ومهموماً بسفينتِه وابنِه وطيوره.) (ص8)
ولأن الشاعر وحرفه لم يكونا يطلبان سوى النجدة، مثلما جاء في النص، توجّب أن يدعو الشاعر حرفه إلى مشاركته في الصراخ :
(دعنا نصرخ الآن :/ ال..... ن...... ج...... دة!/ ربّما سيسمعنا ذلك الرجل الطيِّب/ أو مَن أرسله في مهمتِه العجيبة.)(ص9) ، ثم يتوسّل حرفه ليؤجّل موته الوشيك، راجياً وطالباً منه أن ينظر ـ بلغةٍ مراوغة ـ إلى رغيف الخبز وجرعة الماء وإلى الشمس التي (لم تزلْ تشرق/ رغم أنها بحجم حبّة قمح)، وأن لا يستسلم بل أن يتمسّك بحُلمه مثلما فعل (جاك) بطل فيلم (تايتانيك) الذي ظل صوته يُرافق البطلة (روز) وهي تعوم وسط الجثث الطافية (وإنْ كان خفيفاً كالغبار!)، لأنه ـ هو الشاعر ـ لم يفقد الأمل ـ لحظتئذ ـ بعد، لكنه يستمر في الصراخ بمفردة : (ال...... ن...... ج.......دة!) مكرّرةً ثلاث مرات.
هكذا يُعبّر الشاعر أديب كمال الدين ـ إذن ـ عن رحلة هجرته التي يعيش همومها بصيغ فاجعة، حتى لتبدو قصيدته هذه ابنة شرعية لقصائد (الحنين إلى الأوطان) التي زخر بها الشعر العربي في تاريخه أو "تتناصّ" معها، ولاسيما بعد أن صار الإنسان العربي (فيما مضى وفي الحاضر لا فرق) يغادر أرضه وأهله ـ طائعاً للمشاركة في الفتوح، أو مُكرَهاً فراراً من السلطة ـ ليجد نفسَه في أرض غير أرضه وتحت شمس غير شمس وطنه، وأكثر من هذا ليجد المتلقي أن هذا التناصّ قد اقترب بهذا المستوى أو ذاك مع صرخة الشاعر الراحل (بدر شاكر السيّاب) الشهيرة : (الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها...)، بعد أن تحوّل حجم شمس أديب كمال الدين من ليمونة ذابلة إلى حبّة قمح، ولتظلّ شمسا ًعلى كل حال!.. ثم أن صرخة (النجدة) بدلالة تقطيعها بالنقاط التي تشير إلى امتدادها في أفق الشاطئ الغريب، فضلا عن تكرارها لثلاث مرات، إنما تنفتح على أفق أوسع من أفق الشاطئ (المكان) الذي يقف الشاعر على تخومه، بل أبعد منه أيضا، لأنه أفق يمتد في أعماق كل مَن يتلقى هذه الصرخة بطيبة قلب تتجاوز طيبة (نوح) وتتفوق عليها، بدلالتيه الظاهرة والمُغيَّبة، ومن دون مشاغله وهمومه بسفينته وابنه وطيوره، مثلما أخبرنا الشاعر.
هذه القصيدة ـ في تقديرنا ـ تمثـّل خير مفتاح اختاره الصديق الشاعر أديب كمال الدين لمجموعته الشعرية هذه، ولاسيما إذا ما تابعنا الوقوف على بقية قصائدها والتوقف عند مداليلها بأناة وصبر، إذ سنقف في القصيدة الثانية مباشرةً (دراهم كلكامش) على نسق سردي أوضح يبدأ بإضاعة طفلٍ ـ محكي عنه ـ لدراهمه السبعة التي نكتشف أنه حصل عليها في أحد الأعياد: (في حديقةٍ أصغر مما ينبغي/ قدّام لحية كلكامش في المتحف العراقي...)(ص 10)، ويستمر السرد بهذه الصيغة إلى ما قبل نهاية المقطع الثالث من القصيدة، وقد : (كبُر الطفل/ وتزوّج/ وهاجر/ وكتب حرفاً عجيباً...) كما في مستهل المقطع المذكور، ثم إذ : (كل درهم كان اسمه السعادة/ وكل درهم كان اسمه العيد/ أو الغيمة/ أو الشمس/ أو البحر/ أو قبلة الأم متلفّعة بالسواد/ كل درهم/ كان عبارة عن سرٍّ وجدَه كلكامش) قبل أن يكشف الشاعر عن نفسه في ختام هذا المقطع، ليظهر للمتلقي أنه هو الطفل المعني بالقصيدة ـ الحكاية : (ثم ضيَّعه معي في الحديقة)(ص12) لتؤشر دوال الصغر على امتداد القصيدة طفولة بطلها الطفل الذي كبُر، وتؤشر مداليل الدراهم السبعة ما يمكن أن نصفه بـ "السعادات" التي كانت تختفي في روح الشاعر وأعماق نفسه الطفلة.
أما المقطع الرابع فيقودنا إلى دال زمني آخر وتفصيل حكائي يستكمل الشاعر من خلاله ـ وقد كشف عن نفسه ـ مجريات ضياع دراهمه، إذ : (بعد أربعين عاما / كتبتُ رسائلَ مستعجلة إلى كلكامش/ ليُعينني على استرجاع دراهمي الضائعة.) لكنه يُفجع عندما يجد التمثال الحجري (دون لحية طويلة تغطي صدره/ فانتبهتُ إلى أن كلكامش/ قد زوّر تمثاله ليعيش بعيدا ًعن السرّ/ ربما بعيدا ًعن التعاسة/ ولكنْ ليس بعيدا ًعن دراهمي السبعة)!.. ثم بعد تفاصيل مستوحاة من ملحمة كلكامش الشهيرة، نقف في المقطع السابع ـ الأخير ـ للقصيدة على المداليل الأكثر فجيعة لما يمكن أن يكون "مرثية" الشاعر لسعاداته السبعة، إذ يُخبرنا أنه يعيش منذ أربعين عاماً قدّام لحية كلكامش.... باحثاً حتى الموت عن دراهمه السبعة التي ضيّعها (في حياةٍ عابرة/ كملمس الأفعى العابرة/ كلحية كلكامش العابرة هي الأخرى/ نحو غروبٍ أثقل من الحجر.)!(ص14).
 
لقد انتهى الشاعر إلى حقيقة مؤلمة تماما، حقيقة مفادها أن كل شيء عابر أو "قبض ريح" وأن كل سعادات الأعوام الأربعين التالية لزمن الطفولة ذاك، ليس بإمكانها أن تُعيد تلك "السعادات" التي ضاعت أو أضيعت أو أضاعها المرء بمحض إرادته.. أو محض حمقه وهوسه بما أمله وتوقـّعه ـ واهماً أو موهوماً ـ في آتي أعوامه، ليُعاود الشاعر في القصيدة الثالثة (المبحر منفرداً) العزف على وتر الطفولة الضائعة، ولكن بلغةٍ أقرب إلى الطفولة جداً في مقطعها الأول، إذ تتلاحق صور موروثات القراءة المبكرة لقصص القراصنة في المداليل الظاهرة، فهو يُخاطب حرفه الأثير محذّراً إياه تارةً من محاربة القرصان الأحمر (القرصان الذي قوّض العرش وسلّمه للرعاع / لأن في قلبكَ موجة لأقمار الطفولة) وسيحاربه (القرصان الأزرق/ القرصان الذي أدخل كلَّ شيءٍ في دوّامة الموت/ بعد أن قتل إخوته/ وباع أبناءه في سوق العبيد/ لأن في قلبكَ موجة من شموس)، وسيحاربه (القرصان الأصفر/ قرصان المجانين والمُخنّثين وآكلي جثث الموتى/ وسيُحاربك "أيها الحرف، جملة المنادى التي بدأ بها الشاعر قصيدته فحذفها من الجمل اللاحقة" القرصان الأسود:/ قرصان الكفرَة الفجَرة/ وسيُحاربك قرصان الريح/ ذاك الذي يُغيّر وجهته/ كلما غيّرت الريحُ عنوانها)(ص ص15ـ 16).
إن هذا التحذير الذي وجهه الشاعر إلى حرفه ـ أو نفسه لا فرق ـ يفيد من موروثات قصص مغامرات القراصنة التي يولع بها الأطفال عادة، لتتحوّل ألوان القراصنة ـ الأعداء بالضرورة ـ إلى مداليل تشير إلى طبيعة شرور كلّ "لون" منهم، قبل أن يضيف (الريح) إلى المضاف الأخير (القرصان) الذي لا يقلّ شروراً وعدوانيّةً عن سابقيه، ولاسيما أنه من طراز آخر، طراز لا يُعرف من لونه المفترَض وإنما من "تلوّنه" مع اتجاهات الريح، ليتناصّ هذا النوع من القراصنة أو البشر بعامّة مع ما جاء في البيت المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب (ع) : (ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متلوّنٍ / إذا الريحُ مالتْ مال حيث تميلُ).
غير أن أديباً الشاعر يُقرر في المقطع الثاني لهذه القصيدة صورةً غايةً في الشاعرية لحرفه المنكوب بأولئك القراصنة، فهو يبدأ المقطع هكذا: (نعم،/ ذلك مجدُكَ أيها الحرف) ويواصل توضيح أسباب هذا المجد: (فالقراصنة كلهم يُجيدون كراهيتك/ لأنك اقترحتَ نقطةً للجمال والحبّ/ وحاولتَ أن تؤسسَ/ ـ ولو في الخيال ـ/ بحراً جديداً/ لا يُجيد القراصنة الإبحارَ فيه....)(ص16)، ثم ليكرّر العبارة السابقة محذوفاً منها المُخاطـَب (الحرف) : (نعم،/ ذلك مجدُك/ أيها المبحر منفرداً/ إلا من نقطته: خشبتِه العارية التي يتقاذفها الموج/ إلى أبد الآبدين)، ليُعبّر مدلول حذف المُخاطـَب هنا عن دلالة مُغيَّبة تشير إلى الشاعر نفسه، وإلى مدى اعتداده بقدراته الشعرية التي صاغت له فرادته وتفرّده، وإن كانت مجرّد "نقطة" تعني الكثير بحسب الموروثات الفلسفية والصوفية معا.
 
وفي قصيدتين متتاليتين هما القصيدة الخامسة (رقصة سريّة) والسادسة (تناصّ مع الموت) سيأخذنا الشاعر إلى عالم الصوفيين أبعد فأبعد، وربما أقرب فأقرب، عندما يُعبّر بمناجاة روحية عالية عن لوعة الممتَحن بالجمال، فهو يصرخ في مستهلّ الأولى : (إلهي/ غنَّت ربّة ُالمعبد الحبَّ والحبَّ كله/ ورقصت الحُلمَ والحُلمَ كله/ لتكتب فوق لوح الوجود/ السرَّ وسرَّ السر./ فمن لي،/ إلهي،/ بقلبٍ يتحمّلُ كلّ هذا الجمال/ وهذا الجنون؟!) (ص19)، ويصرخ في مقطعها الثالث ـ الأخير: (إلهي/ رقصت ربّة ُالمعبد/ ساعة ًواحدة/ فرقصتُ من فرحٍ وجنون/ سبعين عاما/ وكتبتُ عنها سبعين كتابا/ وتُبتُ سبعين مرّة/ ومتُّ سبعين مرّة/ ولم أزل أراقصُها/ أو أراقص صوتها وحُلمها/ درويشاً نصفه نارٌ ونصفه طين!)(ص ص20ـ 21)، وبين الصرختين تصاعد الرقص والغناء فغنى كمان الجسد ودمدم طبل الجسد وضحك ناي الجسد ورقص ضوء الجسد (شاعرا ًيكتب النون/ ليختمها بنقطة الكون...)، حتى لكأن ساعة رقص ربة المعبد ساوت ساعة العدل التي هي "خير من عبادة سبعين عاما" مثلما ورد في الحديث النبوي الشريف، فهي معادلة لم يشأ الشاعر أن يتجاوز في تحقيقها الموروث الديني الراسخ في أعماقه منذ طفولته التي نمت في وسط مؤمن، وهو الموروث الذي زادته "ثقافة" الشاعر الصوفية وهجرته عن مرابع طفولته وصباه وشبابه رسوخاً، بينما نجده في القصيدة الثانية التي خاطب بها الموت لا بل توحّد معه وفيه حدّ "التناصّ" مثلما جاء في العنوان أصلا، يتشبث بالحرف وبخطابه المليء بالحكمة ليُطمئن نفسه، بعد أن تلقينا في مقطع القصيدة السادس صرخته: (لكَ المجد يا إلهي/ خلقت الموتَ ليكنسنا في هدوءٍ مريب/ مثلما تكنس الريحُ/ أوراق الشجر المتناثرة على الأرض./ لك المجد أيها الموت./ لكِ المجد أيتها الخاتمة.)، إذ يُعلن الشاعر في المقطع السابع ـ الأخير من القصيدة عما سمع من حرفه : ( قال لي الحرف:/ لا تأبَه كثيرا/ فالكلُّ سيموت/ حتى الموت نفسه سيموت!/ قال لي الحرف ذلك/ وأفرد جناحَيه/ ليُحلّق كالنسر وسط السماء./ أما النقطة/ فتحّولتْ إلى غيمةٍ عظيمة/ رحلتْ باتجاه البحر البعيد)، فهو ـ الحرف ـ على قدر كبير من الحكمة والإيمان بالقدَر المحتوم، وما كان الشاعر بأقل حكمة وأيماناً منه، لكنه مع انفلات النقطة / الأمل بعد أن تحوّلت إلى غيمة، راح يتمنى أن تأخذه معها وأن لا تتركه بين يديْ الأشباح الذين أحاطوا به (كما أحاط اللصوص/ بدرويشٍ نصف عار/ ونصف مجنون!)(ص25).
إذن؛ يأخذنا دالّ التمني في نهاية هذه القصيدة نحو مدلول مفارقة تشي بخوف وقلق وخشية على "لا شيء" تحديداً، خلافاً للحكمة والإيمان اللذين أظهرهما الشاعر قبل قليل، مادام قد استعار حال الدرويش "نصف العاري ونصف المجنون" لحاله الذي انتهى إليه في مواجهة الأشباح المحيطة به، لا بل أن دال الأشباح نفسه إنما يشير إلى مدلول يعكس شدة الخوف ـ وربما الهلع أصلا ـ على الـ "لا شيء" أو ما لا يتطلب خوفا ًأو قلقا ًأو خشية من شؤون.
فإذا عبرنا عدداً من القصائد التي حملت الحرف ـ بل حروفاً عدة ـ في رحلات ما بين القلب والسرير والبحر ومدينة سدني وقطاراتها، وبين الحب والطفولة والموروثات الدينية والصوفية ومدينة عمّان، بما تقدّمه من مداليل ظاهرة ومغيَّبة وإيقاعات لونية ومناجيات ومشاعر قلقة، وتوقفنا على القصيدة الحادية والعشرين (أسـِـرَّة)، سنجد والمتلقي أننا نقف على ما يبدوـ ظاهراً ـ وكأنه مجموعة من التعريفات المدرسية العادية لما اختاره الشاعر من أنواع الأسرَّة. تقول القصيدة في مقطعها الأول: (سرير الله/ يُسمّونه : العرش/ وسرير العشّاق/ يُسمّونه : الحب./ سرير الجسد/ يُسمّونه : الرغبة/ وسرير القـُبلة/ يُسمّونه : اللذة./ سرير الأمومة/ يُسمّونه: الشمس/ ثم سرير الطفولة/ يُسمّونه :العيد أو ثياب العيد.)(ص65).
وبملاحقة هذا التوزيع الثنائي لهذه المجموعة من الأسرّة، سيظهر من المداليل المغيَّبة ما يتوزّع على ثلاثة أنساق: الأول يتجه نحو ما هو روحي معنوي (الله/ العرش ـ العشاق/ الحب) بينما يتجه الثاني نحو ما هو حِسّي مادي (الجسد/ الرغبة ـ القُبلة/ اللذة) ليعود الثالث فيتجه نحو ما هو روحي مادي (الأمومة/ الشمس ـ الطفولة ـ العيد أو ثياب العيد) مثلما في الخطاطة الآتية :
 
        روحي معنوي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 حسّي مادي     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ)     روحي مادي



فالنسق الأول مرتبط بالنوازع الصوفية المغيّبة نازلاً إلى درَك النسق الثاني المرتبط بنوازع الرغبة الجسدية (الحسيّة) وما تخلقه من لذة (حسيّة كذلك) في جانب منه، والرغبة الصوفية المادية بالتعلق بعرش الله تعالى وتحقيق لذة الوصل به سبحانه في الجانب الآخر لهذا النسق، الذي يتجه بالضرورة إلى التعالق مع النسق الثالث المرتبط بنوازع طفولية مبكّرة مشدودة إلى حنان الأمومة ودفئها وإلى سعادة العيد وما يُضفيه من فرح لذاته (معنوياً) أو ما يُمثله من حصول على متطلبات وأعطيات مالية (ماديّاً)، فكأن الأسرّة بهذا دائرة حياة متكاملة متعالقة الأطراف.
ولا يكتفي الشاعر بهذا حسب، بل يروح في المقطع الثاني للقصيدة يضيف المزيد من الأسرّة لكنْ المنفردة هذه المرّة: (سرير الطائر/ يسمّونه :البيضة/ وسرير القلق/ يسمّونه : الغربة./ ثم سرير البحر/ يسمّونه : المرأة أو الغيمة.)(ص66)، ليبدو في المقطع الثالث كمن تنبّه إلى شيء : (نسيتُ أن أتحدّثَ عن سرير الحرف/ يسمّونه : الكلمة/ وأسمّيه : النقطة!)، وليُنبّه المتلقي في الوقت نفسه إلى ما سيقوله المقطع الرابع للقصيدة: (وماذا بعد؟/ هناك سرير الذكرى/ يسمّونه ـ خطأ ـ القصيدة./ وماذا عن سرير الحياة؟/ إنه الموت./ يسمّونه: الموت. وهو خطأ شائع/ كما أخبرني الموتُ نفسُه/ حين جلسنا مرةً على السرير!)، فكأنه ـ الشاعرـ بإضافة هذه الأسرّة الجديدة وما انتهى إليه من مفارقةٍ نسبَها للموت وليس لسواه، عبّر عن مداليل مغيّبة عدة من بينها مدلول التشبّث بالحياة عبر الذكريات التي جعل لها القصائد معادلاً ـ وإن نسب هذا إلى مجهولين وعدَّه خطأ ـ بما يُماثل موقف الشاعر العربي القديم بوقوفه على الأطلال ومخاطبتها كأي كائن حي، ثم الأهم من هذا كله هذه المفارقة التي تنتهي القصيدة عندها، والتي تنفي ـ بالتخطئة ـ أن يكون الموتُ سريرَ الحياة أو نهايتها، إذ يمكن التغلب على الموت بالشعر (الكلمة التي تساوي الحرف والنقطة) أو مجموعة الحروف وما تقتضيه من نقاط، وهي مفارقة ذكية تؤكد إحساس الشاعر بأنه قادر على بلوغ حالة الخلود التي بحث عنها أجداده منذ (كلكامش) وما يزال البشر يبحثون عنه بشتى الوسائل.
وبالانتقال إلى القصيدة الخامسة والعشرين من قصائد هذه المجموعة، قصيدة (طاغية)، سيقف المتلقي أمام فكرة ذكية وظـّف لها الشاعر حرفاً من نوع آخر، حرفاً (لا معنى له/ سيُشعل للنقطة حرباً لا معنى لها/ حرباً تأكل الزرع والضرع) فهي حرب غبية عبثية سيُجبر الحروف الأخرى كلها على مشاركته فيها (حتى تستسلم له الأبجديات/ وتتحّول الكتابة إلى هذيانٍ عظيم!)!!(ص75) وهذه النتيجة ستعكس ـ بمعنى دلالي أوضح ـ حالة من انعدام الوزن في المخلوقات الكونية وما حولها من شأنها أن تعمّق بينها الهوّة بما يؤدي إلى تغليب روح التناقض والصراع في الكون بدل السلام والاستقرار، فما ليس له معنى لا يمكن إلا أن يؤدي إلى ما جدوى منه بالضرورة.
أما إذا ما انتقلنا إلى القصيدة التاسعة والثلاثين (لماذا) فسنقف على مناجاة صوفية من نوع آخر لا يمتّ إلى أجواء الصوفيين بصلةٍ مباشرة، بل يمتّ إلى وقائع حياة عادية طبيعية وبسيطة، إذ تنطلق القصيدة من صرخة: (إلهي/ لقد غيّب الموتُ العاشقَ والمعشوق/ والمغني/ والأغنية/ والمستمعين واحداً بعد الآخر.)(ص106)، ليس هذا حسب، بل غيّب أيضاً (صاحبَ المقهى الذي كان/ يذيع الأغنية كل يوم/ من مذياعِه العتيق/ ثم غيّب المذياع العتيق/ وكراسي المقهى ومراياه الكبيرة/...)، وأكثر من هذا غيّب الموت (دون مقدمةٍ ذات مغزى أو معنى/ النهر الغامض الذي كان/ يُعطي المقهى/ والأغنية/ والمغني/ والمستمعين/ وصاحب المقهى ومذياعه العتيق/ سحرَ الحياة.)(ص107)، ليأخذنا الشاعر عبر الفقرة الثانية من مناجاته إلى ما يمكن أن يُشكّل الجواب غير المباشر أيضاً على سؤال العنوان: (إلهي/ وحدي كنتُ الحيَّ الباقي/ الحيّ الشاهدَ على ما حدث/ أعني الحيَّ الذي يكتبُ هذه الحروف/ بقلمه المرتبك حدّ اللعنة/ والذي يتوقف كل دقيقة/ ليتأكد من أن أصابعه لم تزل/ تستطيع الكتابة!).
وللحق؛ لقد بدت جملة "دون مقدمةٍ ذات مغزى أو معنى" وكأنها زائدة أو مقحمة على سياق النص عند القراءة الأولى للقصيدة، غير أنها لخّصت أو كثفت ـ بل عمّقت ـ المستوى الدلالي لما سبقها وما أعقبها من جُمل، فقد شكلتْ علامة دالة على "قدَريّة" الفناء المفروض على الكائنات البشرية والأشياء المرافقة لحياتها، وهذا ما يتّضح مزيدا من الوضوح في العلامة المنبثّة من جملة "سحر الحياة" المتصلة بصيغة مفعول للنهر الغامض، فهو غموض قدَري مقابل، يجد معادله الآخر في قدرة الأصابع على مواصلة الكتابة، وإن كانت أداة الكتابة الظاهرة (القلم) أو مدلولها الحيوي الإشاري (الجسدي) المغيَّب صار قريباً من الفناء، وإن كان صاحبه حيّا ًباقياً وشاهداً على مجريات الأحداث من حوله.
أما القصيدة الأربعين ـ الأخيرة في هذه المجموعة (بكاء) فلها شأن عجيب. ذلك أنها تُعيد دورة حياة الشاعر إلى الطفولة مرة ثانية، بل إلى مرحلة الصِّبا تحديداً، إذ يشاء الصديق الشاعر أن يسرد على متلقّيه حكاية صبي (جلس وسط حشدٍ كبير من الشعراء :/ كانوا يرثون والد الصبي الذي مات/ دون مقدّمة أو بسملة/ وترك الصبي في غربةٍ مُثخنةٍ بالأسى...)(ص108) وراحوا يُفرطون في مدح الأب وإسباغ الصفات التي لم يكن الصبي يُدرك معاني الكثير منها عليه، قبل أن يُكملوا أمسيتهم (بتناول عشاءٍ فخم أعدَّه رجلٌ محسن غريب/ وبدأوا يتناقشون في الكاس والطاس/ بل إن بعضهم صار يضحكُ بفمٍ أدرد/ لآخر يُلقي طرفة ًداعرة/ بصوتٍ خفيض)(ص109). وذلك أيضاً أن الشاعر يعرض في المقطع الثاني للقصيدة ما آل إليه أمر الصبي بصورة مفارقةٍ تستدعي البكاء عليه أصلا، ولاسيما إذ راح يبكي بكاءً مُرّا ً(بكى على أبيه/ وعلى فراق أبيه/ وبكى من كلامٍ لم يفقه منه شيئاً/ وبكى، كذلك،/ على عشاءٍ لم يذقْ منه/ لقمة ًواحدة!).
لقد قدّمت هذه النهاية المليئة بالأسى المُعبَّر عنه بمفارقةٍ مثّلها البكاء على الأب وفراقه، وعلى ما لم يفقه الصبي شيئا ًمن كلام الشعراء، لا بل على العشاء الفخم الذي لم يذق الصبي لقمة واحدة منه، مدلولاً مُغيَّباً على المحنة التي عاشها الشاعر ـ وما يزال ـ مما يمكن أن نصفه بـ "النفاق الاجتماعي" الذي عانى منه ما عانى وسط "الحشد الكبير من الشعراء"، حتى ليستحق أن يستعير متلقو المجموعة الشعرية التي انتهى الشاعر توّاً من آخر قصائدها، تلك الصرخة التي ظل يكرّرها في أثناء القصيدة الأولى، والتي انتهت بها كذلك، أعني صرخة: "الـ..... ن.....ج......دة"، إنقاذا ًله مما وجد نفسه فيه من حال الخيبة والمرارة والأسى، وهو مدلول يكشف ـ إن كان تمَّ بوعي الشاعر وإرادته ـ عن الدائرة التي صارت تزداد ضيقاً من حوله، واضعةً إيّاه وسط حلقة اتسعت أبعادها بمرور السنين، بدأت من مكان صغير (البيت الأبوي) وامتدت إلى حيث المكان الواسع الراهن (شاطئ الغربة) الذي عبّر عن مفارقةٍ أعمق، مفارقة أن جاء (نوح) المنقذ بسفينته قريباً منه، ومضى سريعا ًمن دون "أن ينتبه الرجل" إلى المحاولات التي بذلها الشاعر ـ طالب النجدة ـ الواقف على شفى الهلاك مع حرفه الأثير.
إن تجاوز معظم قصائد المجموعة الثرّة (أربعون قصيدة عن الحرف) لا يُقلل من شأنها فهي تحمل الكثير مما برع فيه الصديق الشاعر أديب كمال الدين عبر علاقته الوثيقة بالحرف والنقطة، وما اكتنزت به من "مضامين" متنوعة، ومن أساليب تقنية بالغة البراعة، كاستخدامه لإيقاع اللون أو الحذف والذكر أو التكرار والقناع، فالمفارقة والمراوغة وصولاً إلى المعنى الأسمى أو.. أو.. إلى غير ذلك، وهو استخدام قدّم لمجموعة نصوص القصائد ما يُبعد عنها وعنه الوقوع في "مطبّات" النثرية المباشرة التي تهز من كينونتها وبنياتها الشعرية، بيد أن التوقف على هذه الأمثلة منها إنما يُشكّل جانبا ًمن الاهتمام بما يُنجزه هذا الصديق الذي أبعدته الغربة ـ مكاناًـ وظلّ يزداد قرباً في ما يُنجز ويُبدع ويُضيف.

***************************************

* أربعون قصيدة عن الحرف- شعر: أديب كمال الدين- أزمنة للنشر والتوزيع- عمّان- الأردن 2009.

نُشرت في مواقع كتابات والنرد ودروب وأدب فن  24 - 8 - 2010

الصفحة الرئيسية