أديب كمال الدين: استخدامي للحرف كان بحثاً تراجيدياً عن شمس الروح وسط الظلمة الكونية

 

 

بابنيوز  عدنان أبو زيد وماجد فاضل: قال الشاعر العراقي أديب كمال الدين، إنّ العرب تقف في زمن التسابق العلمي والتكنولوجي والمعرفي بين الأمم والبلدان، في آخر المطاف، رغم الإمكانيات المالية والبشرية الهائلة التي يمتلكونها. وأضاف، إنّ العملية الترجمية لم تزل عملية فردية في الغالب وإن قامت بعض المؤسسات العربية وبخاصة الخليجية مؤخراً ببعض المبادرات لتنظيم العملية الترجمية ووضعها في سياق صحيح.

ويرى كمال الدين بعداً فكرياً لاستخدام الحرف في قصائده الحروفية، ويفسّره على أنه متأتٍ من حقيقة أنّ العربي قد تحققت له معجزته الروحية الكبرى اعتماداً على اللغة وتأسيساً عليها (القرآن الكريم) مثلما كان يحقق حركة ساعات يومه الاجتماعية والفلسفية والإبداعية اعتماداً على اللغة والتي بثها شعراً متفّوقاً قبل شروق شمس الإسلام العظيمة على جزيرته.

 وأديب كمال الدين شاعر ومترجم وكاتب عراقي، تخرّج من كلية الإدارة والاقتصاد في بغداد، وعمل وكتب في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، وحصل على بكالوريوس أدب إنجليزي من كلية اللغات كما حصل كذلك على دبلوم الترجمة الفورية من المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا. ترجم كمال الدين العديد القصائد والقصص والمقالات لشعراء وكتاب من أمريكا والصين وكوريا واليابان وبولندا والهند وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وله كتابات في مجلات عربية مثل نزوى العمانية وأفكار الأردنية والجسرة القطرية والفيصل السعودية والزمان اللندنية والبيان الإماراتية والدستور الأردنية والاتحاد الإماراتية وغيرها.

تمّ اختيار قصيدته (أرق) Sleeplessness كواحدة من أفضل القصائد الأسترالية ونُشرت في أنطولوجيا خاصة أعدها الشاعر والروائي الأسترالي بيتر روز. ولأديب كمال الدين مشاركات ثقافية واسعة كما أصدر العديد من المجاميع الشعرية التي بلغ عددها 12 مجموعة وكُتِبتْ عن تجربته الشعرية دراسات ومقالات عديدة لنقاد وشعراء من مختلف البلدان والأجيال.  حاورنا أديب كمال الدين في قضايا الفكر والشعر والثقافة.

- أديب كمال الدين شاعر من جيل السبعينيات، كيف ينظر إلى إنجازات مجايليه من الشعراء؟

من خلال صدور مجاميع الشعراء: كاظم جهاد الذي أصدرمجموعته (يجيئون أبصرهم) عام 1975، وقائل هذه السطور الذي أصدر مجموعته (تفاصيل) 1976 (على نفقته الخاصة)، وشاكر لعيبي الذي أصدر مجموعته (أصابع الحجر) عام 1976 أيضاً، أقول من خلال هذا الصدور وتوالي صدور مجاميع عديدة لشعراء آخرين بدأ التأسيس الفعلي لجيل السبعينيات. وقد كان التأثير الأدونيسي على الشعر السبعيني العراقي قوياً منذ البداية إضافة إلى تأثيرات أقل حدّة لسعدي يوسف. كانت القصيدة السبعينية، بشكل عام، واقعة تحت سطوة التغميض وليس الغموض الخلاق- كما كانت بنيتها العضوية سائبة مترهلة، وليس هناك من اقتصاد في استخدام المفردة. وبدا الاطلاع على منجزات الشعر العالمي محدوداً والنظرة المتوفرة إلى التراث الشعري العربي عامة، والتراث الصوفي خاصة نظرة ازدراء واستخفاف. كان هناك ادعاء كبير للأسف في عملية الكتابة وفي منجزها المتحقق. وكانت الساحة الثقافية "تتقبّل" مثل هذه الادعاءات لأنها ساحة مقموعة ومؤدلَجة. وقد تعمّق هذا القمع والتسطيح والخواء في ثمانينيات الحرب العراقية الايرانية العبثية وتسعينيات الحصار والفقر والهروب الجماعي. وكان الصوت المسموع فيها هو الصوت الأكثر صراخاً وسط وضع نقدي مأزوم ومؤدلَج وخائف هو الآخر.

هكذا، إذن، فمنذ بداية ظهور جيل السبيعنيات بدا واضحاً أنّ هاجس الظهور الإعلامي كان هو الهاجس المسيطر على جميع شعراء السبعينيات، لكنّ طرق الوصول إليه كانت مختلفة باختلاف الشعراء ومفهومهم للشعر ومعناه الروحي والفني والاجتماعي. وقد اختار بعضهم إشعال حرائق الشعر ليس بطريقة التماهي مع روح الشعر السرّية العميقة التي تتوق لإثارة أسئلة الإنسان الكبرى عن الموت والحياة والحب بل بطريقة إشعال حرائق الشعر إعلامياً وافتعال المعارك الصحفية وإلغاء مَن لم يسايره في لعبته الإعلامية!

في وسط هذه الفوضى والقمع والارتباك كان عليّ أن أبحر أنا وقصيدتي. أبحر؟ لماذا؟ وكيف؟ كأنّ الشعر قَدَري الذي لا مجال للهروب منه إلا إليه!

أعانني التصوّف الذي لبستُ خرقته، على نحو مبكّرٍ، على إبصار المشهد التراجيدي العراقي المخيف، فلّله الحمد من قبل ومن بعد. هذا هو المعنى- المتن أما التفاصيل: فأولها: ترويض النفس وتعليمها الدرس المحمّدي الكبير (كنْ في الدنيا كعابر سبيل) وكذلك درس الزهد العلوي المتميز: (دنياكم هذه أهون عليّ من عفطة عنز...) وثانيها: الدخول في مملكة الحرف التي دخلتُ إليها من باب قرآني فكتبتُ قصائدي الحروفية الأولى (كهيعص) و(طلسم) و(إشارات التوحيدي).

كان هذا هو سرّي الخاص، وكانت هذه هي خشبتي التي تعلّقتُ بها. كنتُ كأيّ عارفٍ مخلصٍ في سؤاله تمام الإخلاص، وعاشقٍ في حبّه إلى درجة الهيام، ومتيّم في محبوبه إلى الدرجة التي يصعب وصفها أو يستحيل، ومتيّقن أن الدنيا لا تغرّ إلا السفهاء والأوغاد، فاتبعَ محبّةَ مَن دخل إلى الحضرة الكبرى، واتبعَ هدى مَن قال لن تراني ولكن انظرْ إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني، ثم اتبع حيرة مَن لولا تسبيحه لبقي في الحوتِ إلى يوم يُبعثون، ثم اتبع خطاب مَن قال إنّي وهن العظمُ مني واشتعل الرأسُ شيباً، واتبعَ حوار مَن قال تعلمُ ما في نفسي ولا أعلمُ ما في نفسكَ إنكَ أنتَ علاّم الغيوب، ومن ثم اتبعَ، أولاً وأخيراً، نقطةَ مَن قال الحمد لله حمداً يليق بمَن خلق السموات والأرض وقدّر فيها أقواتها فكان الخالق، الرزاق، المعين، الكريم، العزيز، المتعال، الجبار، المهيمن، الحليم، الغفور، اللطيف، الحافظ، القاهر، الرحمن، الرحيم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن.

نعم وجدتُ للحرف سرّاً وللنقطة طلسماً. ووجدتُ نفسي أكتب شعراً ينتمي إلى السرّ بقدر ما ينتمي إلى الواقع، شعراً يقول الواقع كما هو ويتستر بالحرف قناعاً كاشفاً كل شيء.

فإذا عدنا إلى السبعينيين أقول: الآن بعد أن أصبحت الأربعون سنة على ولادة الجيل قاب قوسين أو أدنى بدا كل شيء واضحاً لا لبس فيه ولا التباس. هكذا ظهر بعضهم بمنجز شعري متميز حقاً، وبدا بعضهم بمنجز رجراج. واكتفى قسم من السبعينيين بالجلوس على كرسي الصمت المريح إلى الأبد.

- ترجم كمال الدين العديد القصائد والقصص والمقالات لشعراء وكتاب من أمريكا والصين وكوريا واليابان وبريطانيا، ما هو تقييمك لحركة الترجمة العربية والعراقية على وجه الخصوص؟

في زمن التسابق العلمي والتكنولوجي والمعرفي بين الأمم والبلدان، يقف العرب في آخر المطاف بين الأمم رغم الامكانيات المالية والبشرية الهائلة التي يمتلكونها. فلم تزل العملية الترجمية عملية فردية في الغالب وإن قامت بعض المؤسسات العربية وبخاصة الخليجية مؤخراً ببعض المبادرات لتنظيم العملية الترجمية ووضعا في سياق صحيح.

والحقيقة إن العرب الآن مهددون في وجودهم كأمة مؤثرة أو أمة ذات دور يتناسب مع عدد سكانها وإمكاناتهم، لأنّ الزمن الحالي هو زمن العلم والتكنولوجيا والمعارف والاتصالات، وزمن يتم التسابق فيه على مدار اليوم بل على مدار الساعة. وما لم يدرك العرب خطورة التسابق هذا ليعملوا بجدّية من أجل الدخول فيه بصيغة المنتجين والمبدعين والمطوّرين، وليس فقط بصيغة المستهلكين الكسالى، فإنّ هذا التهديد سيكون خطراً وأيّ خطر!

وعلى صعيد الأدب والثقافة فإن المشكلة تتكرر فالترجمة من اللغات الأجنبية الى العربية كما أشرتُ عمل فردي والاختيارات تتبع هوى المترجم أولاً. أما ترجمة الأدب العربي الى اللغات الأخرى فالمشكلة أعقد وأشد إيلاماً. فالصورة التي يمتلكها الغرب عن الأدب العربي محدودة ومشوّهة ومرتبكة.

- الحروف صارت بصمة أديب كمال الدين في المشهد الشعري العراقي والعربي بل ان البعض ينظر إلى منجزه الشعري على أنه الشاعر الذي يمتلك (مشروعاً حروفياً) يمثل تجربة فريدة من حيث الوسيلة التعبيرية في النص.. كيف يقيّم كمال الدين التجربة اليوم وهل هو بصدد تطويرها؟

* استخدامي للحرف كان بحثاً تراجيدياً عن شمس الروح وسط الظلمة الكونية. كان بحثاً أسطورياً عن المعنى أو حتى ما يشبه المعنى وسط عالم الضياع واللامعنى، وكان لغة ابتهال ودعاء وتهجّد وسط الأبواق الضاجّة، ولغة حبّ وسط أنهار الحقد والكراهية، ولغة شوق عارمة في عالم لا يكاد يطيق الناس فيه بعضهم بعضاً. هكذا جاء هذا الاستخدام صادقاً وطيباً ومُحبّاً ومخلصاً. ليس هناك من ادعاء أوتأستذ أوتمظهر بل كان هناك بحث مخلص ودؤوب لا نهاية له لأنّ أسرار الحرف العربي لا نهاية لها هي الأخرى. ولم يكن وراء ذلك هدف للحصول على ملذات الدنيا الفانية من مالٍ أو شهرةٍ أو جاه أو مجد.

الحرف هو أخي الإنساني، وشريكي في محنتي المليئة بالتأمّل والسؤال والاستفهام، المليئة بالدمع والانكسار والأسى، المليئة بالأمل رغم الخراب البشري العارم. نعم، الحرف شريكي في الرحلة التي عبرتُ فيها السنين والبلدان والقارات، وهو درعي: أنا الأعزل الأبديّ الذي كُتِبَ عليه فرمان الحرمان ومُنِحَ كأس أيوب سرّاً وعلناً وسُرِقَ شبابه وحلمه وَصَبَواته في الحرب ثم في الحصار ثم في المنفى. ولأنّ علاقتي بالحرف قديمة، حيث تجاوزتْ الثلاثين عاماً لذا لم تكن ثابتة البتة، وهذه واحدة من حَسَناتها الجميلة وهي تتطور في كلّ مجموعة وتأخذ منحى جديداً أو تحاول ذلك على الأقل. فقصائدي كانت ولم تزل تشكّل انعكاساً مباشراً أو غير مباشر لمجرى حياتي. وحياتي نفسها تتغير في الزمان والمكان والحَدَثان، ولذا فلابد لقصيدتي الحروفية أن تتغير هي الأخرى.

أما البعد الفكري لاستخدام الحرف فهو متأت من حقيقة أن العربي قد تحققت له معجزته الروحية الكبرى اعتماداً على اللغة وتأسيساً عليها (القرآن الكريم) مثلما كان يحقق حركة ساعات يومه الاجتماعية والفلسفية والإبداعية اعتماداً على اللغة والتي بثها شعراً متفّوقاً قبل شروق شمس الإسلام العظيمة على جزيرته. وما دامت اللغة بالنسبة للعربي بهذه الأهمية فإنّ اختيارها ملاذاً شعرياً، ومن ثم، التزامها بهيئة مبدعة، يجعلنا نمسكُ بالوتر النابض في الآلة المدهشة. لكنّي في رحلتي لم أبقَ مقيماً في شاطئ الكلمة ضمن منطق شعري معروف ومتعارف عليه، بل انطلقتُ إلى محيط الحرف الغامض السريّ العجيب. وفي هذا المحيط حفرتُ منجمي ومسرحتُ عويلي ومارستُ احتجاجي وأطلقتُ صيحاتي وخلقتُ مسرّاتي وكتبتُ شاهديتي. وكلّ ذلك طلبته- وأطلبه- من خلال مستويات عديدة ينتمي إليها الحرف، كما أرى، والمستويات هي: الدلالي، الترميزي، التشكيلي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، القناعي، الإيقاعي، الطفولي.

هكذا وعبر كتابة المئات من القصائد الحروفية التي اتخذت الحرف قناعاً وكاشفاً للقناع، وأداةً وكاشفةً للأداة، ولغةً خاصةً ذات رموز ودلالات وإشارات تبزغ بنفسها وتبزغ باللغة ذاتها. عبر هذا كله أخلصتُ للحرف عبر عقود من السنين حتّى أصبح قَدَري الذي لازمني وسيلازمني للنهاية. لقد أخلصتُ له حتى أكرمني وأدخلني في قاعة عرشه، وقبّلني ما بين عينيّ، وأجلسني إلى جانبه، وخلع عليّ رداء حكمته، وأفصح لي عن أسراره وخَطَرات قلبه بلطفٍ نادرٍ وجمالٍ عجيب، ومنحني- وأنا الفاني الضائع المنفيّ المنسيّ- كأسَ البهجة والمسرّة والخلود. وليس الكرم بغريب عن الحرف البتة! فلقد تركتُ من أجله الكثير، ناسياً كلّ شيء وزاهداً في كلّ شيء، ذلك أنّ الحرف - كما خبرتُ ذلك ومحّصته لا يُحبّ أن يُشرك به! هو يحبّ - أن يُحَبَّ لنفسه، لروحه وجسده!

الحرف إذن سرّ إلهي موجود على الأرض. وفي كلّ مجموعة شعرية جديدة لي أحاول أن أستجلي صفحة من صفحات الحرف: هذا الكتاب العظيم!

- كتب الناقد د. صالح الرزوق حول تجربة كمال الدين الشعرية على انها تمثل نوعاً من التأمل في المعارف الخاصة، وهذا يعني أنها تضغط للانتقال من التجربة العامة للذات إلى التجربة العامة لمطلق الوجود. ما هي العوامل التي أثرت في إنضاج تجربة كمال الدين الشعرية؟

هذه ملاحظة عميقة من لدن ناقد عميق. أنا أنتقل دائماً في قصائدي أو أحاول ذلك على الأقل- بشرارة الذات لأجعل منها شرارة المجموع. وهذا شيء مهم في الفن: أن تعمّق دائرتك الخاصة لتكبر وتتسع وتحتوى دوائر الآخرين: أن تعمّق دائرتك الخاصة اليومية لتحتوي الدائرة العامة الأبدية. بعبارة أخرى أن تعمّق في منجزك الإبداعي كلَّ ماهو فردي ويومي وزائل وسطحي ومؤقت ومحدود ليكون عامّاً وأبدياً وسرمدياً وعميقاً وخالداً ولا نهائياً.

وعودة إلى سؤالك، فقد كان اخلاصي للشعر هو العامل الأول في انضاج وتعميق المنجز المتحقق ولله الحمد. إنّ الشعر يحتاج إلى إيمان حقيقي وعميق وراسخ به وبدوره الإنساني الكبير دون أدنى شك. وغالباً ما يُتخذ للأسف من قبل عديد الشعراء أداةً لمآرب أخرى: المال والجاه والنفوذ والمنصب. ومثل هؤلاء الشعراء المزّورون يتخّلون عن الشعر سريعاً ما أن يصلوا إلى بغيتهم وهدفهم. أما الشعراء الحقيقيون فيتمسّكون بالشعر لا يبغون عنه سبيلا. هؤلاء يستطيعون أن يجددوا ويبدعوا ويتألقوا بنار الشعر ويتماهوا مع مباهجه الكبرى: وهي مباهج روحية خالصة. ثم تأتي المعاناة وهي مصهر الشعر الذي بدونه يتحول الشاعر إلى ناظم ويكون شعره خالياً من ومضة الشعر السرّية الهائلة. ثم القراءة وهي نهر الشاعر الذي لا يجف ودليله الذي لا يخونه لأنها تتيح له أن يتجدد دائماً حين يطلع على تجارب الشعراء القدماء والجدد، الشرقيين والغربيين، المشاهير والمغمورين ويتفاعل مع تجاربهم وأحلامهم وعذاباتهم وأفراحهم وخساراتهم.

 - اختلف عليّك المكان مثلما الزمان في تجربتك الابداعية.. ما هي تأثيرات "الهجرة الأسترالية" على إبداعك؟ وما تقييمك للحياة الأدبية هناك؟

يهتم الأستراليون بنواحي الحياة المختلفة كلها دون استثناء. إنهم يهتمون بالشراب والطعام والجنس والموسيقى والرياضة والرقص والسفر والسيارات والملابس وحتى بالمخدرات، مثلما يهتمون بالقراءة: قراءة الكتب بأنواعها: السياسية والدينية والعلمية والاجتماعية والنفسية والروائية والشعرية وكتب الطبخ والتسلية. إنهم شعب مُقبل على الحياة يحبّ العلم والتعلم ويتلذذ بملذات الدنيا دون استثناء. ثانياً: الشعب الأسترالي شعب عَمَلي لا يعيش في زوايا التاريخ ولا في براثن الأسطورة. ثالثاً: هو شعب يحترم العمل بأنواعه وليس لديه عمل لائق أو غير لائق، محترم أو غير محترم فكلّ عمل هو لائق محترم مادام يحقق مردوداً مالياً ويدفع صاحبه الضريبة المطلوبة للدولة! فإذا انتقلنا للحديث عن الأدب فستجد أنّ السوق الأدبي هو سوق الرواية قبل كلّ شيء. ثم تأتي كتب السياسة والعلم والاجتماع والدين والنفس والطبخ والأزياء والرحلات. والشعر يأتي في آخر المطاف للأسف. وهذه الملاحظة لا تقتصر- كما هو معروف- على أستراليا بل على الولايات المتحدة وكندا وعموم دول أوربا. ولأن اللغة الرسمية هنا هي الإنكليزية فسوق الكتاب تشهد صدور عشرات الكتب إسبوعياً في مختلف نواحي المعرفة، وليست الكتب هذه مطبوعة في أستراليا فقط بل مطبوعة في الولايات المتحدة وبريطانيا. هذه هي الملاحظة الرابعة أما الملاحظة الخامسة: فهي أن الدولة تدعم وبشكل مستمر كافة الأنشطة الثقافية وليست الأدبية، ويتساوى لديها إقامة سفرة نهرية لجالية ما مع إصدار كتاب لتأريخ أو شعر تلك الجالية!

الملاحظة الأخيرة هي أن الأستراليين يرحّبون بكلّ شيء مبدع أو متميز أو مختلف، ليس، فقط، في الشعر بل في الرواية والمسرح والفن بأنواعه، ويفتحون له الأبواب ولكن ضمن قوانينهم التي لا تخلو من التعقيد. وهكذا فقد ساهمتُ في أكثر من قراءة شعرية في المدن الأسترالية وتم تضييفي في جمعية الشعر في مدينة أديلايد عاصمة أستراليا الجنوبية عام 2004 وغاليري (De la Catessen) عام 2006 ونشرتُ قصائدي- ولم أزل مستمراً- في أكثر من مجلة أسترالية مهمة، مثلما اختيرتْ قصيدتي أرق Sleeplessness كواحدة من أفضل القصائد الأسترالية لعام 2007 ونُشِرتْ في أنطولوجيا خاصة أعدّها الشاعر الأسترالي والروائي المعروف بيتر روز Peter Rose. كما صدرت عام 2009 مجموعتي (أبوّة) بالانكليزية مع مقدمة كتبتها الشاعرة والكاتبة الأسترالية جود أكولينا Jude Aquilina. كما كتبت الناقدة والقاصة الأسترالية د. آن ماري سمث عنها مقالة أثنت على شاعرية المجموعة عنوانها: "أجنحة عظيمة حقاً" ونشرتها في مجلة جامعة فلندرز بأديلايد 2009.

إنّ الشيء اللافت في أستراليا بالنسبة لي هو توفر الكتب: مئات بل آلاف الكتب من الانطولوجيات والمجاميع الشعرية لكل شعراء أستراليا وأمريكا وبريطانيا والصين واليابان والألمان (الذين تُرجمت أعمالهم إلى الإنكليزية) وغيرهم، تجدها في المكتبات العامة والتجارية والخاصة وفي مكتبات الكتب القديمة (المستعملة). كان المشهد لافتاً بحق أنا الخارج من العراق المحاصَر الذي كان فيه الكتاب الجديد، وبخاصة الكتاب الشعري المكتوب بالإنكليزية، أندر من الذهب. أنا الذي أنفقتُ عمري مقيماً في بغداد المحاصَرة اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وروحياً من كل دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية!

بدأتُ القراءة ما أن وصلت الى أستراليا، وكان ولم يزل أمراً شديد المتعة لي وأنا أقرأ آخر الاصدارات الشعرية لمشاهير الشعراء والروائيين والنقاد والمسرحيين مستعيراً إياها من المكتبات العامة وهي كثيرة جداً في أستراليا حيث تتوفر في كل منطقة من مناطق المدن والولايات لتشكل (أخطبوطاً ثقافياً) عظيم الأثر في إغناء الحياة الثقافية والاجتماعية الأسترالية ومواجهة (مرض الوحدة) أو (مرض العزلة) الذي يعاني منه الأسترالي بقوة، شأنه شأن الغربي، بل والانتصار عليه أحياناً كثيرة على نحو يعمّق الغنى المعرفي والحياتي للشخصية الأسترالية. ومما لا شك فيه أن هذه القراءة للإبداع العالمي المكتوب بالإنكليزية قد أغنت تجربتي الشعرية وعمّقتها شكلاً ومضموناً.

- تأثيرات الوطن والمنفى في شعر كمال الدين، وهل وجد كمال الدين نفسه مجبرا على تغيير الأسبوع والموضوع طبقا لاختلاف الظروف، أم أن التماهي مع الزمان والمكان كان سهلا على مبدع مثلك؟

* لا لم يتغير عليّ الاسبوع والموضوع كما جاء في سؤالكما الجميل. ذلك لأنّ سؤالي الشعري هو سؤال جوّاني، داخلي، سؤال روحي أولاً وأخيراً. فأنا في شغل دائم مع أسئلة الروح عن سرّ الحياة والموت. وهي، كما تعرف، أسئلة لا تنتهي البتة بل على العكس هي أسئلة تتناسل، خاصة حين يتغير المحيط على الشاعر فينتقل من المحيط العراقي الضيق المحدود المكتَشف الى المحيط الأسترالي الواسع الكبير والذي يحتاج الى سنين لاكتشافه والتعرف إليه. ومع سؤال الوجود أحمل معي سؤال الجمال. فأنا أتأمل الجمال أبداً وهذه ليست مهنتي بل مهنة كلّ شاعر بالطبع. أتأمله في كلّ شيء يحيط بي: البحر والشاطئ والجسد والجبل والصحراء والغابة. فتراني أتأمل هذا الجمال العجيب بعين مَن يراه للمرّة الأولى أو للمرّة الأخيرة. وبين رؤية المرّة الأولى للجمال ورؤية المرّة الأخيرة يلعب القلب لعبته: لعبة الشعِر والحرف والمحنة والشوق والسؤال العظيم!

أما أثر الغربة أو المنفى عليّ فكبير: فكلّ ما أكتبه الآن هو شعر غربة ومنفى! لكنْ ليس المنفى الجغرافي الذي أعاني منه فقط بل المنفى الروحي والإنساني والثقافي والديني والصوفي والاختلافي. مثل هذه المنافي لم تظهر فجأةً في عمّان التي أنفقت فيها أكثر من سنتين أو في أستراليا التي أقيم فيها حالياً بل كانت لها جذورها الشديدة الوضوح وأنا في العراق، منذ أن ولِدتُ في بابل العراق!

هكذا فأنا أعاني من أنواع عديدة من الغربة، وليست الغربة المكانية بأولها على أية حال. وهكذا أيضاً وبسبب من تعقيد المسألة وتجذّرها في الأعماق، فإنني "وضعت" الغربة في "كيس" خاص في جسدي. هل سمعت بحالة يعاني فيها الإنسان من إصابته بإطلاقة نارية لتستقر الرصاصة في جسده، ولأسباب كثيرة، في مقدمتها رغبة الجسد في البقاء على قيد الحياة، فإنه يقوم ب"تكييس" أو "تلييف" الإطلاقة فيحدّ من خطرها المميت ويحدّ إلى حدّ ما من آلامها الوحشية؟ لقد استقرّت الغربة-الرصاصة في أعماقي داخل كيس خاص. ما اسم هذا الكيس الذي أحاط بالغربة- الرصاصة وروّضها إلى حدّ ما؟ أهو الشعر؟ أهو الحرف والنقطة؟ أهو الحرفنقطة؟ المهم أن الغربة بمخاطرها وآلامها تحت السيطرة حتى الآن، ولكن ليس لدرجة التصالح على الإطلاق!

- هل ثمة انجازات شعرية وأدبية قادمة؟

* نعم، صدرت أخيراً مجموعتي الجديدة (أقول الحرف وأعني قصائدي) عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت وهي تحتوي على أربعين قصيدة كتبتها في عامي 2009 و2010. وفيها سيجد القارئ- إضافة إلى القصائد التي تتحدث وتتحاور مع الحرف حول أسئلة الحياة الوجودية ولغزها الهائل- سيجد كذلك ما أسمّيه "قصائد الأشخاص". بعضهم، أي الأشخاص، كانوا من أقرب الأصدقاء لي كالشاعر رعد عبد القادر والفنان الإذاعي الكبير مهند الأنصاري والناقد الدكتور حسن ناظم (الأخير هو الوحيد الحي!) وبعضهم ممن تتلمذت على نتاجاتهم كالبياتي والبريكان. وبعضهم كان رمزاً ومعلماً كبيراً للإنسانية كالحسين والحلاج. وبعضهم كان فناناً خطيراً كشارلي شابلن وأم كلثوم أو شخصية فنية كبيرة كزوربا اليوناني. أنا سعيد أنني استطعتُ في هذه المجموعة أن أحاور هؤلاء جميعاً بأسلوبيتي الحروفية وأطلقُ في فضاءاتهم الكبيرة أسئلةَ الروح التي عمّق المنفى فيها الصراخَ المستترَ الهادئ والتأملَ العميقَ الموجع. وهكذا وجدتني أكتبُ عنهم ومعهم وإليهم لا أن أهديهم قصائد كنوع من التكريم أو التبجيل: قصائد ذات علاقة قد تكون واهية.

****************************************************************************

نُشر الحوار في مواقع بابنيوز ودروب وأدب فن والمثقف بتاريخ  5 - 2 - 2011 كما نُشر في صحيفة بغداد بتاريخ 9 شباط 2011

 

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home


 

40

 

بعد  أن

 

أغنية

 

فيدوح

 

 

 

 

 

 

 

 

Home