أنا وأبي والمعنى
شعر: أديب كمال الدين
سقطَ الساحرُ من مائدةِ السحرِ على الأرض.
فتمزّق صوتُ الماءِ بكفّيه، بكى، واهتزّ كما يهتزّ الطائر
حين تمرر سكين الذبح على الرقبة.
الأرضُ تكرر لعبتها. ما كنتُ أكون. الغيمُ يجيء ويذهب
والفجرُ يطرّزُ حرفَ الدهرِ فلا معنى أبداً. أختبىء اليوم كطفلٍ،
أرنو للفجر، أقرر أن أبعث كلماتي حتى يعتدل العالم، يذهب
سيف الظالم في الظلماتِ. فما أحلى الكلمات! وما أسخفها!
سقط الساحرُ. كانت امرأة الساقين الفاتنتين تهدهد...
لا معنى لاعادةِ مشهدٍ حبٍّ مكرورٍ ملتهبٍ، لا معنى.
المرأةُ واقفةٌ خلف الشباك وخلف المكتب، خلف زجاج الباص
وما من شيء ينقذها. سقط الساحرُ من مائدةِ الفعلِ، فعضّ
يدي قال: سأقتصّ من الظالمِ. هددني بعيون الجمر، تقدّم
من دائرةِ السيفِ وأطلقَ جمعَ طيور
ملأتْ جوّ الغرفةِ بالهذيان.
اكتشفُ اللحظة أنّ الساحرَ مسحور، أنّ الساحر يبكي كالطفل.
نظر الساحرُ لي قال: بأنّي الطفل.
فتعجّبتُ من القول
ونظرتُ إلى لغةِ الفجرِ فكانت سوداء.
قام الساحرُ بالرقص، اختطَّ لنا أرضاً تكفي لكلينا قال:
هنا نرقص ـ واختطّ بجانبها أرضاً أصغرَ ـ وهنا سنموت.
علينا بالرقصِ لأنّ المرأة شيء باطل
والطفل كذلك، والسيف قويّ، والمعنى مكتنزٌ في الرقص
فارقصْ!
أخبرتُ الساحرَ: إني أعمى لا أعرف إلا خيطاً من ذاكرةِ
الفجرِ وأخفي في كفّي وشماً لامرأةٍ عاريةٍ ماتتْ منذ سنين.
غضبَ الساحرُ من كلماتي وافرنقع مني، قال بأنّي كذّاب
خَرِفٌ. أخذ الساحرُ بالرقصِ فهبّ إلى الساحةِ مدفوعاً بسهامٍ
ورموزٍ زرق وشموسٍ حمر. واهتزّت ذاكرةُ الغرفةِ حتى غضب
الغيمُ وأمطرت اللحظةُ ُوقتاً مدفوعاً باللاشيء. افرنقع غيمُ شتاءِ
الروح. اشتدَّ المطرُ البريّ. نظرتُ إلى ما حولي علّي أتلمّس
شيئاً: الغرفةُ فارغةٌ كالموتِ. الساحرُ مشغولٌ بالرقصِ. الطائرُ
في جوّ الأسطورةِ ينمو. هبّتْ ريحٌ طيبةٌ فتذكّرتُ المرأة تأتي،
تأخذني لفراشِ الحُبّ تؤدب أوجاعي، وتذكّرتُ الطفلَ يحلّق
في النهرِ، تذكّرتُ السيفَ رجالاً ما عرفوا إلا الكذب الأسود
وعوانس من سخفٍ وخيوطٍ من لحمٍ و دمٍ. فصرختُ: أبي..
هلَّ أبي كهلالِ العيدِ بطيرِ النورسِ مؤتلقاً. واشتدّ المطرُ البريُّ.
افرنقعت الغيمةُ واهتزّ جدارُ الغرفةِ ثوباً في الريح. الساحرُ
يلعبُ، لم يتعبْ من رقصته، وخيوطُ العرقِ المصبوب على
الجسد العاري هبطتْ. كنتُ أحسّ بأني أ ُقْتَلُ هذا اليوم وأنّي
سأغادر ساحةَ رقصِ الساحرِ متجهاً بهدوءٍ نحو القبر المرسوم
على الأرضِ. المطرُ قوياً يشتدُّ. الغيمةُ تعصفُ تعصفُ تعصفُ.
جاءَ أبي، هبطَ الساعة من سقفِ العالمِ. كان أبي يتألق شمساً للفجر.
صرخَ الساحرُ في وجهي: ارقصْ . قلتُ بأنّي أعمى.
ضحكَ الساحرُ، قهقه ثم ارتجفَ الساحرُ حين تألّق وجهُ أبي في
الغرفة. أمسكَ بالعين الجرداء فأحياها. أمسكَ بالأذنِ الجرداء
فأسمعها، أمسكَ بي. اشتدَّ المطرُ فخفتُ على ثوبِ أبي الأبيض
أن يتسخَ. وقالَ أبي: لا تحزنْ إنّكَ في عيني. فبكيتُ، نظرتُ،
رأيتُ الفجرَ لأول مرّةْ.
ووقعتُ على كفّ أبي لأقبّلها. والغيمةُ تعصفُ عصفاً.
وبدا أنّ الأرضَ ستغرقُ. قالَ أبي: لا تحزنْ هذا مطرُ الفقراء،
انظرْ. فنظرت ُالعشبَ بقامةِ طفل!